﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحشُرُهُم إِنَّه حَكِيمٌ عَلِيم (25) وَلَقَد خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ مِن صَلصَٰل مِّن حَمَإ مَّسنُون (26)﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)﴾
أَيْ: إِنَّ رَبَّكَ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى حَشْرِهِمْ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِهِمْ عِلْمًا وَحَصْرًا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ. ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: بَالِغُ الْحِكْمَةِ، وَاسِعُ الْعِلْمِ، يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، وَيُجْرِي أَحْكَامَهُ عَلَى عِلْمٍ تَامٍّ لَا يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ وَلَا خَلَلٌ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ نَشْأَتِنَا فِي بَدَايَةِ الْخَلْقِ، وَمَا مَرَّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَحْوَالٍ وَأَطْوَارٍ، إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ تَقَلُّبٍ وَتَغَيُّرٍ فِي الْأَحْوَالِ، ثُمَّ إِلَى الْمَوْتِ، فَإِلَى الْحَيَاةِ الْبَرْزَخِيَّةِ فِي الْقُبُورِ، ثُمَّ إِلَى الْبَعْثِ وَالْحَشْرِ. فَيُسَاقُ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ، وَيُجْمَعُونَ هُنَاكَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ مَلْسَاءَ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ». أَرْضٌ لَا جِبَالَ فِيهَا وَلَا أَوْدِيَةَ، وَلَا مَا يَسْتَظِلُّ بِهِ الْعِبَادُ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ.
وَذٰلِكَ مَوْقِفٌ عَظِيمٌ، يَكُونُ النَّاسُ فِيهِ عَلَى أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَيْسُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا فِي طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَصِنْفٌ يُحْشَرُونَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ عَلَى نُوقٍ رِحَالُهَا مِنَ الذَّهَبِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ. هَؤُلَاءِ فِي عِزٍّ وَأَمْنٍ، لَا نَصَبَ وَلَا ذُلَّ وَلَا خَوْفَ، فَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا وَذَهَبَ خَوْفُهَا وَكَدَرُهَا وَضِيقُهَا، وَصَارَ الْوَقْتُ وَقْتَ الْجَزَاءِ.
وَصِنْفٌ آخَرُ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً، وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْعُصَاةُ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. وَصِنْفٌ ثَالِثٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً يُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهُمْ الْكُفَّارُ، فَلَا يَغْتَرَّ أَحَدٌ بِمَا يَرَاهُ مِنْ جَاهٍ دُنْيَوِيٍّ لَهُمْ، فَإِنَّهُ مُلْكٌ زَائِلٌ، وَسُرْعَانَ مَا يَزُولُ، وَمَا أَوْحَشَ قُبُورَهُمْ وَمَا أَشَدَّ عَتْمَتَهَا، وَمَا أَعْظَمَ هَلَاكَهُمْ بَعْدَ سَعَةِ الدُّنْيَا.
فَإِنْ ضَاقَتْ عَلَيْكَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَحْزَنْ، فَإِنَّهُ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَأَمَّا أُولٰئِكَ فَفِي ذِلَّةٍ وَإِهَانَةٍ، وَذٰلِكَ كُلُّهُ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، فَهُوَ يُبْتَلِي الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ فِي الدُّنْيَا لِيَعْظُمَ أَجْرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلِذٰلِكَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ. فَلَا يُقَاسُ الْفَضْلُ بِالْمَالِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا يُعْطِيهَا اللَّهُ لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلٰكِنَّهُ لَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ.
وَنِعْمَةُ الْإِيمَانِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، نَشْتَاقُ بِهَا إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَإِلَى لِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ جَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الَّذِينَ وَسَطُوا فِي الْحَقِّ وَثَبَتُوا عَلَيْهِ، لَا يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ، وَلَا يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِهِ، بَلْ يُسَلِّمُونَ لَهُ وَيُثْبِتُونَ مَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكِيمٌ، جَعَلَ لِلْحَقِّ أَهْلًا، وَجَعَلَ لِأَهْلِ الْحَقِّ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا، فَهَلْ يَصْبِرُونَ عِنْدَ صَوْلَةِ الْأَعْدَاءِ وَتَحْرِيفِ الْمُبْطِلِينَ؟ نَعَمْ، يَصْبِرُونَ وَيَثْبُتُونَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَلْتَقَى يَوْمَ الْحَشْرِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾، وَيَوْمَ يُدْعَى كُلُّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ تَحْتَ لِوَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ».
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)﴾
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾
الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَبُو الْبَشَرِ، الَّذِي ابْتَدَأَ اللَّهُ بِخَلْقِهِ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ.
﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾
أَيْ مِنْ طِينٍ يَابِسٍ لَهُ صَلْصَلَةٌ، أَيْ صَوْتٌ، إِذَا قُرِعَ، وَلَيْسَ بِمَطْبُوخٍ كَالْفَخَّارِ.
﴿مِنْ حَمَإٍ﴾
هِيَ صِفَةٌ لِـ «صَلْصَالٍ»، أَيْ كَائِنٍ مِنْ حَمَإٍ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ الْمُتَغَيِّرُ الرَّائِحَةِ بَعْدَ أَنْ يَمْكُثَ زَمَنًا.
﴿مَسْنُونٍ﴾
أَيْ مُصَوَّرٍ مُهَيَّأٍ عَلَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَقِيلَ: مُسَوًّى، وَكُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التَّصْوِيرِ وَالتَّهْيِئَةِ.
كَانَ أَصْلُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُرَابًا، فَعُجِنَ بِالْمَاءِ فَصَارَ طِينًا، ثُمَّ مَكَثَ فَتَغَيَّرَ فَصَارَ حَمَأً، ثُمَّ خَلَصَ فَصَارَ سُلَالَةً، ثُمَّ صُوِّرَ وَتُرِكَ حَتَّى يَبِسَ فَصَارَ صَلْصَالًا، فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، بَلْ هِيَ مَرَاحِلُ خَلْقٍ مُتَعَاقِبَةٌ.
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ مِنْ طَيِّبِهَا وَرَدِيئِهَا، وَمِنْ سَهْلِهَا وَحَزْنِهَا، وَمِنْ أَسْوَدِهَا وَأَبْيَضِهَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَكَانَ اخْتِلَافُ طَبَائِعِ الْبَشَرِ وَأَحْوَالِهِمْ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ. ثُمَّ عُجِنَ هَذَا التُّرَابُ بِمَاءِ الْجَنَّةِ فَصَارَ طِينًا، ثُمَّ صُوِّرَ، ثُمَّ يَبِسَ فَصَارَ صَلْصَالًا، ثُمَّ جُعِلَ لَحْمًا وَعَظْمًا، ثُمَّ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ، فَكَانَ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
كَانَ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْهُ. خُلِقَتِ الْأَرْضُ فِي يَوْمَيِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيِ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَ يَوْمَا الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ لِلتَّهْيِئَةِ، وَكَانَ آدَمُ آخِرَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي ذَلِكَ.
الْمَلَائِكَةُ خُلِقُوا قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْجِنُّ خُلِقُوا قَبْلَهُ، وَإِبْلِيسُ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، وَالْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَالْإِنْسَانَ مِمَّا وُصِفَ. وَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ صُورَةَ آدَمَ كَانَ يَطُوفُ حَوْلَهُ وَيَقُولُ: لَقَدْ خُلِقْتَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَلَا يَصِحُّ مَا يُرْوَى مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ، فَهَذَا بَاطِلٌ.
عَاشَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْجَنَّةِ مُدَّةً، ثُمَّ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَتَابَ إِلَى اللَّهِ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وَقَدِ افْتُرِيَ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ افْتِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا دَعْوَى أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ وَرِثَتِ الْإِثْمَ، وَمِنْهَا مَا يُرْوَى مِنْ قِصَصٍ بَاطِلَةٍ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ.
خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ، كَمَا خُلِقَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَقَدِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ نَبِيًّا رَسُولًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وَالِاصْطِفَاءُ هُنَا اصْطِفَاءُ نُبُوَّةٍ وَرِسَالَةٍ.
وَخُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، لَمْ يَمُرَّ بِأَطْوَارِ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ، بَلْ خُلِقَ خَلْقًا تَامًّا، وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَكُونُ عَلَى صُورَةِ آدَمَ.
وَهَذَا كُلُّهُ يَرُدُّ دَعَاوَى الْمُلْحِدِينَ فِي أَصْلِ الْإِنْسَانِ، فَأَصْلُ الْإِنْسَانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسَ قِرْدًا، وَهَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.