﴿وَٱلجَآنَّ خَلَقنَٰهُ مِن قَبلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ (27) وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُ بَشَرا مِّن صَلصَٰل مِّن حَمَإ مَّسنُون (28) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥسَٰجِدِينَ (29) فَسَجَدَ ٱلمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُم أَجمَعُونَ (30) إِلَّآ إِبلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ (31) قَالَ يَٰٓإِبلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ (32) قَالَ لَم أَكُن لِّأَسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَٰل مِّن حَمَإ مَّسنُون (33) قَالَ فاخرُج مِنهَا فَإِنَّكَ رَجِيم (34) وَإِنَّ عَلَيكَ ٱللَّعنَةَ إِلَىٰ يَومِ ٱلدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرنِيٓ إِلَىٰ يَومِ يُبعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ (37) إِلَىٰ يَومِ ٱلوَقتِ ٱلمَعلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغوَيتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُم فِي ٱلأَرضِ وَلَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنهُمُ ٱلمُخلَصِينَ (40) قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ(41)﴾.
﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)﴾
الْجَانُّ أَبُو الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ آدَمَ أَبُو الْبَشَرِ، وَقِيلَ هُوَ إِبْلِيسُ نَفْسُهُ، وَقَدْ خُلِقَ إِبْلِيسُ قَبْلَ آدَمَ، فَلَيْسَ السَّبْقُ فِي الْخَلْقِ مِيزَانًا لِلتَّفْضِيلِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مَعَهُمْ. وَنَارُ السَّمُومِ نَارٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ، نَافِذَةٌ فِي الْمَسَامِّ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَقَدْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَيُحْذَرُ مِمَّا وَرَدَ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِنْ عِبَارَاتٍ بَاطِلَةٍ كَقَوْلِهِمْ إِنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ الْمَلَائِكَةِ، فَذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)﴾
إِعْلَامٌ لِلْمَلَائِكَةِ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ طِينٍ يَابِسٍ لَهُ صَلْصَلَةٌ، كَائِنٍ مِنْ حَمَإٍ، أَيْ طِينٍ أَسْوَدَ مُتَغَيِّرٍ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)﴾
أَيْ إِذَا أَتْمَمْتُ خَلْقَهُ وَهَيَّأْتُ جَسَدَهُ لِقَبُولِ الْحَيَاةِ، وَجَعَلْتُ فِيهِ الرُّوحَ الَّتِي خَلَقْتُهَا، وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْ رُوحِي﴾ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ، لَا إِضَافَةُ جُزْءٍ وَلَا حُلُولٍ. وَالْمُرَادُ بِالنَّفْخِ لَيْسَ النَّفْخَ الْمَعْهُودَ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ، بَلْ هُوَ تَمْثِيلٌ لِلْإِيجَادِ وَالْإِحْيَاءِ. وَقَوْلُهُ ﴿فَقَعُوا﴾ أَيْ اسْقُطُوا سُجَّدًا.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)﴾
سَجَدَ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، وَقَدْ أُكِّدَ الْعُمُومُ بِقَوْلِهِ ﴿كُلُّهُمْ﴾ ثُمَّ زِيدَ فِي التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿أَجْمَعُونَ﴾، فَانْقَطَعَ كُلُّ احْتِمَالٍ لِلتَّخْصِيصِ.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)﴾
الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ اسْتِكْبَارًا وَعِنَادًا، فَكَانَ الْكِبْرُ سَبَبَ كُفْرِهِ.
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)﴾
اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيرٍ، أَيْ أَيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ مَعَ مَنْ سَجَدَ.
﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33)﴾
احْتَجَّ إِبْلِيسُ بِالْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، فَرَأَى نَفْسَهُ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَهُوَ قِيَاسٌ بَاطِلٌ قَادَهُ إِلَى الْكُفْرِ.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34)﴾
أَيْ مَطْرُودٌ مَلْعُونٌ مُبْعَدٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَهَذَا طَرْدٌ لَا إِهْبَاطَ، فَإِنَّ آدَمَ أُهْبِطَ ابْتِلَاءً، أَمَّا إِبْلِيسُ فَطُرِدَ عُقُوبَةً.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35)﴾
تَقْرِيرٌ لِدَوَامِ لَعْنَتِهِ وَذَمِّهِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى جَوَازِ لَعْنِ إِبْلِيسَ.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)﴾
طَلَبَ إِبْلِيسُ التَّأْخِيرَ وَالْإِمْهَالَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﴿رَبِّ﴾ إِيمَانٌ وَلَا تَوْحِيدٌ، فَقَدْ كَانَ كُفْرُهُ مُسْتَقِرًّا.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37)﴾
إِجَابَةٌ لِطَلَبِهِ فِي الْإِمْهَالِ.
قِيلَ: إِنَّمَا وَافَقَتْ إِجَابَةُ الْحَقِّ سُؤَالَهُ فِي أَصْلِ الْإِنْظَارِ، أَيْ فِي تَأْخِيرِهِ وَإِمْهَالِهِ، لَا عَلَى وَجْهِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرَهَا إِبْلِيسُ فِي طَلَبِهِ.
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)﴾
أَيْ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ نِهَايَةُ أَجَلِهِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ «يَوْمَ الدِّينِ»، وَ«يَوْمَ يُبْعَثُونَ»، وَ«يَوْمَ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» تَتَقَارَبُ مَعَانِيهَا، وَاخْتُلِفَتِ الْعِبَارَاتُ سُلُوكًا سَبِيلَ الْبَلَاغَةِ. وَقِيلَ: بَلْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى عَيْنِ مَا أَرَادَ، وَإِنَّمَا أُنْظِرَ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَبْلُغُ بِهِ غَايَةَ مَرَادِهِ.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)﴾
نَسَبَ إِبْلِيسُ غَيَّهُ إِلَى اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الْجُحُودِ وَالْعِنَادِ، وَتَوَعَّدَ بِتَزْيِينِ الْمَعَاصِي وَإِغْوَاءِ الْبَشَرِ.
الْبَاءُ لِلْقَسَمِ، وَ«مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾، أَيْ أُقْسِمُ بِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأُحَسِّنَنَّ لَهُمْ مَعَاصِيَكَ فِي الدُّنْيَا، وَلَأَصْرِفَنَّهُمْ عَنْ طَاعَتِكَ. وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، فَالْعَبْدُ لَا يَخْلُقُ فِعْلَهُ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ تَقْدِيرِ رَبِّهِ. وَقَوْلُهُ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ غُرُورٍ، يُزَخْرِفُ فِيهَا الشَّيْطَانُ الْبَاطِلَ، وَيُحَرِّكُ أَعْوَانَهُ لِإِشْعَالِ الْفِتَنِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَسَلَّطُ عَلَى الْعَبْدِ مَرَّةً بِالْوَسْوَسَةِ الْمُبَاشِرَةِ، وَمَرَّةً بِالسَّبَبِ وَالذَّرِيعَةِ، حَتَّى يَجُرَّهُ إِلَى الْخَطَإِ وَالْمَعْصِيَةِ.
﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
يَتَوَعَّدُ إِبْلِيسُ بِإِغْوَاءِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَفْتُرُ عَنْ كَيْدِهِ، بَلْ يُلَازِمُ ابْنَ آدَمَ، وَيُحَاوِلُ إِفْسَادَهُ حَتَّى عِنْدَ شِدَّةِ الْأَلَمِ وَضَعْفِ الْقُوَّةِ، لِيَصْرِفَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ يُوقِعَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ عَدَاوَتِهِ.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)﴾
اسْتِثْنَاءٌ لِمَنْ أَخْلَصَهُمُ اللَّهُ وَحَفِظَهُمْ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ.
اسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كَيْدَهُ لَا يَسْتَقِرُّ فِيهِمْ، وَلَا يَنْفُذُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ مَحْفُوظُونَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، مُعَانُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، لَا يَرْضَوْنَ بِزُخْرُفِهِ، وَلَا يَقْبَلُونَ تَزْيِينَهُ.
﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)﴾
أَيْ هَذَا طَرِيقٌ قَوِيمٌ مُسْتَقِيمٌ، مَنْ سَلَكَهُ نَجَا، وَمَنْ حَادَ عَنْهُ هَلَكَ، وَهُوَ وَعْدٌ بِحِفْظِ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ وَخِذْلَانِ أَهْلِ الْغَيِّ.
أَيْ هَذَا طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ سَبِيلًا لِحِفْظِ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ وَنَجَاتِهِمْ، فَلَا يَقْوَى عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، لَا عَلَى وَجْهِ وُجُوبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُفْهَمُ هُنَا: أَنَّ مَنْ كَانَ أَتْبَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَكْمَلَ مُوَافَقَةً لِهَدْيِهِ، كَانَ أَقْوَى عَلَى عَدُوِّهِ، وَأَبْعَدَ عَنْ تَأْثِيرِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَعْجَزُ مَا يَكُونُ عَمَّنْ امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالِاتِّبَاعِ، وَمَنْ زَادَ حُبُّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَصِدْقُ اقْتِدَائِهِ بِهِ زَادَتْ مَنَاعَتُهُ عَلَى الْوَسْوَسَةِ وَالتَّزْيِينِ.