﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚإِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖكُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖوَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚوَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) ۞وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖفَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖكُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖقَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚاهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗوَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖفَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖقَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖقَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖفَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚقَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚفَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖوَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚكَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)﴾
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾الَّذِينَ عَبَدُوا العِجلَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ﴾ إِلَهًا مَعبُودًا بِزَعمِكُم ﴿فَتُوبُوا﴾ مِن عِبَادَتِهِ ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ خَالِقِكُمُ الَّذِي خَلَقَ الخَلقَ، فَفِعلُكُم خَالٍ عَنِ الحِكمَةِ لِمَا كَانَ مِنكُم مِن تَركِ عِبَادَةِ العَالِمِ الحَكِيمِ الَّذِي خَلَقَكُم إِلَى عِبَادَةِ البَقَرِ الَّذِي هُوَ مَثَلٌ فِي الغَبَاوَةِ وَالبَلَادَةِ ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ كَانَت تَوبَةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجلَ بَعدَ أَن يَنطِقُوا بِالشَّهَادَتَينِ بِقَتلِ أَنفُسِهِم، وَقِيلَ أُمِرَ مَن لَم يَعبُدِ العِجلَ أَن يَقتُلَ الَّذِي عَبَدَهُ، فَقُتِلَ سَبعُونَ أَلفًا، هَكَذَا كَانَ فِي شَرعِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، أَمَّا فِي شَرعِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ المُسلِمُ إِذَا كَفَرَ ثُمَّ رَجَعَ عَن كُفرِهِ إِلَى الإِسلَامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ لَا يُقتَلُ ﴿ذَلِكُمْ﴾ التَّوبَةُ وَالقَتلُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ مِنَ الإِصرَارِ عَلَى المَعصِيَةِ، فَوَفَّقَكُم لِفِعلِ ذَلِكَ، وَأَرسَلَ عَلَيكُم سَحَابَةً سَودَاءَ لِئَلَّا يُبصِرَ بَعضُكُم بَعضًا فَيَرحَمَهُ ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قَبِلَ تَوبَتَكُم ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ المِفضَالُ بِقَبُولِ التَّوبَةِ وَإِن كَثُرَتِ الذُّنُوبُ ﴿الرَّحِيمُ (54)﴾ الَّذِي يَعفُو عَنِ المَعصِيَةِ وَإِن كَبُرَت.
- ذِكرُ كُفرِ بَنِي إِسرَائِيلَ وَاشتِرَاطِهِم رُؤيَةَ اللهِ جَهرَةً حَتَّى يُؤمِنُوا
لَمَّا استُتِيبُوا عَن عِبَادَةِ العِجلِ الَّذِي هُوَ مَثَلٌ فِي الغَبَاوَةِ طَلَبُوا رُؤيَةَ بَارِئِهِم بِالحِسِّ، نَاسِينَ لِجَمِيعِ النِّعَمِ وَالنِّقَمِ، مُسرِعِينَ فِي الكُفرِ، فَذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ مُخَفِّفًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ حِينَ خَرَجتُم مَعَ مُوسَى لِتَعتَذِرُوا إِلَى اللهِ مِن عِبَادَةِ العِجلِ ﴿يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أَي عِيَانًا ﴿فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ﴾ الصَّيحَةُ فَمُتُّم، وَقِيلَ هِيَ نَارٌ جَاءَت مِنَ السَّمَاءِ فَأَحرَقَتهُم، رُوِيَ أَنَّ السَّبعِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عِندَ الِانطِلَاقِ إِلَى الجَبَلِ بَعدَ أَن أَتَاهُم بِكِتَابِ اللهُ قَالُوا لَهُ: نَحنُ لَم نَعبُدِ العِجلَ كَمَا عَبَدَهُ هَؤُلَاءِ، فَأَرِنَا اللهَ جَهرَةً، فَقَالَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: سَأَلتُهُ ذَلِكَ فَأَبَاهُ عَلَيَّ، فَقَالُوا: إِنَّكَ رَأَيتَ اللهَ تَعَالَى، فَلَن نُؤمِنَ لَكَ وَلَا نَأخُذُ بِقَولِكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهرَةً فَيَقُولَ: هَذَا كِتَابِي، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيهِم صَاعِقَةً فَأَحرَقَتهُم([1]) ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55)﴾ يَنظُرُ بَعضُكُم إِلَى بَعضٍ كَيفَ يَقَعُ مَيتًا، أَو تَنظُرُونَ إِلَى العَذَابِ كَيفَ يَنزِلُ بِكُم.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ أَحيَينَاكُم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)﴾ نِعَمَة البَعثِ بَعدَ المَوتِ.
وَلَمَّا ذُكِرَتِ الصَّاعِقَةُ النَّاشِئَةُ غَالِبًا مِنَ الغَمَامِ كَانَ أَنسَبُ الأَشيَاءِ إِتبَاعَهَا بِذِكرِ تَظلِيلِ الغَمَامِ، وَنَاسَبَ التَّحذِيرَ مِن نِقمَةِ الإِحرَاقِ بِالصَّاعِقَةِ وَالتَّذكِيرَ بِنِعمَةِ الإِيجَادِ مِنَ المَوتِ الإِتبَاعُ بِذِكرِ نِعمَةِ الإِبقَاءِ بِالصِّيَانَةِ عَن حَرِّ الظَّاهِرِ بِالشَّمسِ وَالبَاطِنِ بِالجُوعِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ﴾ سَتَرنَاكُم بِالسَّحَابِ الرَّقِيقِ مِن حَرِّ الشَّمسِ فِي التِّيهِ، سَخَّرَ اللهُ لَهُمُ السَّحَابَ يَسِيرُ بِسَيرِهِم يُظِلُّهُم مِنَ الشَّمسِ، وَيَنزِلُ فِي اللَّيلِ عَمُودٌ مِن نَارٍ يَسِيرُونَ فِي ضَوئِهِ، وَثِيَابُهُم لَا تَتَّسِخُ وَلَا تَبلَى ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ فِيهِ ﴿الْمَنَّ﴾ ﱠ هُوَ التَّرَنجَبِينُ([2])، وَكَانَ يَنزِلُ عَلَيهِم مِثلَ الثَّلجِ مِن طُلُوعِ الفَجرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمسِ، لكُلِّ إِنسَانٍ صَاعٌ، وَقِيلَ هُوَ العَسَلُ، وَقِيلَ الزَّنجَبِيلُ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ ﴿وَالسَّلْوَى﴾ كَانَ يَبعَثُ اللهُ عَلَيهِم رِيحَ الجَنُوبِ فَتَحشُرُ عَلَيهِمُ السَّلوَى، وَهُوَ طَيرُ السُّمَانَى أَيِ الفِرِّيِّ، فَيَذبَحُ الرَّجُلُ مِنهَا مَا يَكفِيهِ ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ لَذِيذَاتِ أَو حَلَالَاتِ ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَلَا تَدَّخِرُوا فَيُقطَعَ عَنكُم ذَلِكَ، فَكَفَرُوا النِّعمَةَ وَادَّخَرُوا ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بِكُفرِهِمُ النِّعمَةَ وَادِّخَارِهِم، أَي مَا نَقَصُونَا وَمَا ضَرُّونَا ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)﴾ أَي بَل ضَرُّوا أَنفُسَهُم لِأَنَّ وَبَالَهُ عَلَيهِم.
- ذِكرُ أَمرِ اللهِ لِبَعضِ بَنِي إِسرَائِيلَ بِدُخُولِ بَيتِ المَقدِسِ أَو أَرِيحَاءَ
لَمَّا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِمَا أَنعَمَ بِهِ عَلَيهِم فِي التِّيهِ ذَكَّرَهُم بِنِعمَةِ الِاستِظلَالِ بِالأَبنِيَةِ بَعدَ التِّيهِ وَالأَكلِ مِمَّا يُشتَهَى، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ لَهُم بَعدَ أَن خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ أَي بَيتَ المَقدِسِ أَو أَرِيحَاءَ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ مِن طَعَامِهَا وَثِمَارِهَا ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أَكلًا ﴿رَغَداً﴾ وَاسِعًا لَا حَجرَ فِيهِ ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ بَابَ القَريَةِ، أَو بَابَ القُبَّةِ الَّتِي كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَيهَا، وَلَم يَدخُلُوا بَيتَ المَقدِسِ فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا البَابَ فِي حَيَاتِهِ وَدَخَلُوا بَيتَ المَقدِسِ بَعدَهُ ﴿سُجَّداً﴾ مُنحَنِينَ عَلَى هَيأَةِ الرُّكُوعِ، أَو أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِندَ الِانتِهَاءِ إِلَى البَابِ شُكرًا للهِ تَعَالَى وَتَوَاضُعًا لَهُ ﴿وَقُولُوا﴾ مَسأَلَتُنَا ﴿حِطَّةٌ﴾ أَي أَن تَحُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، قَالَ عِكرِمَةُ وَغَيرُهُ: أُمِرُوا أَن يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لِتُحَطَّ بِهَا ذُنُوبُهم كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ ابنُ عَطِيَّةَ، وَقِيلَ: أَمرُنَا حِطَّةٌ أَي أَن نَحُطَّ فِي هَذِهِ القَريَةِ وَنَستَقِرَّ فِيهَا، وَعَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: هُوَ بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، وَقِيلَ مَعنَاهُ: استَغفِرُوا اللهَ لِتُحَطَّ عَنكُم ذُنُوبُكُم ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ جَمعُ خَطِيئَةٍ وَهِيَ الذَّنبُ ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)﴾ بِالطَّاعَةِ ثَوَابًا، أَو مَن كَانَ مُحسِنًا مِنكُم كَانَت تِلكَ الكَلِمَةُ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ ثَوَابِهِ وَمَن كَانَ مُسِيئًا كَانَت لَهُ تَوبَةً وَمَغفِرَةً، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِدُخُولِ القَريَةِ لِذُنُوبٍ رَكِبُوهَا، فَقِيلَ: ادخُلُوا القَريَةَ وَادخُلُوا البَابَ سُجَّدًا نَغفِر لَكُم خَطَايَاكُم، أَو لِأَنَّهُم مَلُّوا المَنَّ وَالسَّلوَى فَقِيلَ: اهبِطُوا مِصرًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَا لَقِيَهُم أَرِيحَاءُ فَأُمِرُوا بِدُخُولِهَا.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنهُم ﴿قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أَي أُمِرُوا بِقَولٍ مَعنَاهُ التَّوبَةُ وَالِاستِغفَارُ فَخَالَفُوهُ إِلَى قَولٍ لَيسَ مَعنَاهُ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَلَم يَمتَثِلُوا أَمرَ اللهِ، فَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعرَةٍ، أَو حِنطَةٌ، أَو حِنطَةٌ حَمرَاءُ، أَو حِنطَةٌ حَمرَاءُ فِيهَا شَعرَةٌ، أَو حَبَّةُ حِنطَةٍ مَثقُوبَةٌ فِيهَا شَعِيرَةٌ سَودَاءُ، قَالُوا ذَلِكَ استِهزَاءً مِنهُم بِمَا قِيلَ لَهُم، وَعُدُولًا عَن طَلَبِ مَا عِندَ اللهِ إِلَى طَلَبِ مَا يَشتَهُونَ مِن أَعرَاضِ الدُّنيَا، وَأُمِرُوا بِفِعلٍ فَغَيَّرُوهُ إِلَى فِعلٍ آخَرَ، فَدَخَلُوا يَزحَفُونَ عَلَى أَدبَارِهِم، أَو دَخَلُوا مِن قِبَلِ أَدبَارِهِم، أَو دَخَلُوا مُستَلقِينَ ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وَفِي تَكرِيرِ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ زِيَادَةٌ فِي تَقبِيحِ أَمرِهِم وَإِيذَانٌ بِإِنزَالِ الرِّجزِ عَلَيهِم لِظُلمِهِم ﴿رِجْزاً﴾ عَذَابًا ﴿مِنْ السَّمَاءِ﴾ قِيلَ هُوَ ظُلمَةٌ وَمَوتٌ، فَمَاتَ مِنهُم فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَربَعَةٌ وَعِشرُونَ أَلفًا، وَهَلَكَ سَبعُونَ أَلفًا عُقُوبَةً، أَوِ هُوَ الطَّاعُونُ، عُذِّبُوا بِهِ أَربَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ مَاتُوا، أَوِ هُوَ الثَّلجُ، هَلَكَ بِهِ مِنهُم سَبعُونَ أَلفًا ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)﴾ بِسَبَبِ فِسقِهِم أَي خُرُوجِهِم عَنِ الطَّاعَةِ.
- ذِكرُ قِصَّةِ سَقيِ مُوسَى الأَسبَاطَ مِنَ الحَجَرِ
لَمَّا جَاءَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِن أَرضِ مِصرَ مَعَ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ قَاصِدًا القُدسَ بَقِيَ زَمَانًا فِي أَرضٍ قَبلَ القُدسِ بِمَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ، وَهُنَاكَ احتَاجُوا إِلَى المَاءِ، فَذَكَرَ انفِجَارَ المَاءِ مِنَ الحَجَرِ الَّذِي عَمَّهُم نَفعُهُ وَأَنقَذَهُم مِنَ المَوتِ، وَدَلَّهُم عَلَى التَّوحِيدِ جَمعًا لَهُم بَينَ نِعمَتَيِ الدِّينِ وَالدُّنيَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿([3])وَإِذْ﴾ وَاذكُرُوا إِذ ﴿اسْتَسْقَى﴾ أَي طَلَبَ وَدَعَا ﴿مُوسَى﴾ عَلَيهِ السَّلَامُ ﴿لِقَوْمِهِ﴾ أَن يُسقَوا ﴿فَقُلْنَا﴾ مِن طَرِيقِ الوَحيِ ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ رُوِيَ أَنَّهُ حَجَرٌ طُورِيٌّ حَمَلَهُ مَعَهُ، وَكَانَ مُرَبَّعًا لَهُ أَربَعَةُ أَوجُهٍ، كَانَت تَنبُعُ مِن كُلِّ وَجهٍ ثَلَاثُ أَعيُنٍ، لِكُلِّ سِبطٍ عَينٌ، وَكَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلفٍ، فَضَرَبَ الحَجَرَ ﴿فَانفَجَرَتْ﴾ أَيِ انشَقَّت وَسَالَت بِكَثرَةٍ ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ عَلَى عَدَدِ الأَسبَاطِ، فَوَزَّعَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ هَذِهِ العُيُونَ عَلَى الأَسبَاطِ أَي عَلَى القَبَائِلِ الَّتِي كَانَت مَعَهُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ المُسلِمِينَ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كُلُّ سِبطٍ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ عَينَهُمُ الَّتِي يَشرَبُونَ مِنهَا فَلَا يَشرَكُهُم فِيهِ غَيرُهُم، وَصَارُوا يَأخُذُونَ مِن هَذَا الحَجَرِ مَا يَحتَاجُونَ إِلَيهِ مِنَ المَاءِ ثُمَّ يُمسِكُ هَذَا الحَجَرُ ثُمَّ يَنفَجِرُ مَاءً بَعدَ ذَلِكَ أَيضًا ثُمَّ يُمسِكُ وَهَكَذَا، ظَلُّوا زَمَانًا عَلَى هَذِهِ الحَالِ، وَقُلنَا لَهُم ﴿كُلُوا﴾ مِنَ المَنِّ وَالسَّلوَى ﴿وَاشْرَبُوا﴾ مِن مَاءِ العُيُونِ ﴿مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أَيِ الكُلُّ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)﴾ العَيثُ أَشَدُّ الفَسَادِ، أَي لَا تَتَمَادَوا فِي فَسَادِكُم، وَقَد كَانُوا مُتَمَادِينَ فِيهِ.
- ذِكرُ استِبدَالِ بَعضِ بَنِي إِسرَائِيلَ نِعمَةَ اللهِ بِمَا هُوَ أَدنَى مِنهَا
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى تَضَجُّرَهُم مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ العُلُوِّ وَكَانَ مَطلُوبُهُم فِي غَايَةِ الدَّنَاءَةِ وَالسُّفُولِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ بَعدَ هَذِهِ النِّعَمِ كُلِّهَا ﴿يَا مُوسَى﴾ مُنَادِينَ بِاسمِهِ مِن غَيرِ تَعظِيمٍ ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ﴾ أَي نَوعٍ ﴿وَاحِدٍ﴾ وَهُوَ مَا رُزِقُوا فِي التِّيهِ مِنَ المَنِّ وَالسَّلوَى، وَإِنَّمَا قَالُوا: عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، وَهُمَا طَعَامَانِ لِأَنَّهُم أَرَادُوا بِالوَاحِدِ مَا لَا يَتَبَدَّلُ، وَلَو كَانَ عَلَى مَائِدَةِ الرَّجُلُ أَلوَانٌ عِدَّةٌ يُدَاوِمُ عَلَيهَا كُلَّ يَومٍ لَا يُبَدِّلُهَا يُقَالُ: لَا يَأكُلُ فُلَانٌ إِلَّا طَعَامًا، وَيُرَادُ بِالوَحدَةِ نَفيُ التَّبَدُّلِ وَالِاختِلَافِ ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ سَلهُ وَقُل لَهُ ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ أَي أَن يُظهِرَ وَيُوجِدَ لَنَا شَيئًا ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ هُوَ مَا أَنبَتَتهُ الأَرضُ مِنَ الخُضَرِ، وَالمُرَادُ بِهِ أَطَايِبُ البُقُولِ كَالنَّعنَاعِ وَالكُرفُسِ وَالكُرَّاثِ وَنَحوِهَا مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ يَعنِي الخِيَارَ ﴿وَفُومِهَا﴾ هُوَ الحِنطَةُ أَوِ الثُّومُ ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ﴾ لَهُم مُوسَى ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أَخَسُّ وَأَقَلُّ مَنزِلَةً وَأَدوَنُ مِقدَارًا ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أَرفَعُ وَأَجَلُّ وَأَشرَفُ، أَي أَتَأخُذُونَهُ بَدَلَهُ؟ وَالِاستِفهَامُ لِلإِنكَارِ، فَأَبَوا أَن يَرجِعُوا فَدَعَا اللهَ تَعَالَى، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا﴾ انزِلُوا ﴿مِصْراً﴾ مِنَ الأَمصَارِ، أَوِ المُرَادُ اهبِطُوا إِلَى مِصرِ فِرعَونَ، أَيِ انحَدِرُوا إِلَيهِ مِنَ التِّيهِ، وَبِلَادُ التِّيهِ مَا بَينَ بَيتِ المَقدِسِ إِلَى قِنَّسرِينَ، وَهِيَ مِن أَرَاضِي سُورِيَّا اليَومَ، وَهِيَ اثنَا عَشَرَ فَرسَخًا فِي ثَمَانِيَةِ فَرَاسِخَ ﴿فَإِنَّ لَكُمْ﴾ فِيهَا ﴿مَا سَأَلْتُمْ﴾ مِنَ النَّبَاتِ، أَي فَإِنَّ الَّذِي سَأَلتُم يَكُونُ فِي الأَمصَارِ لَا فِي التِّيهِ، فَفَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَكَانَ مَا وُعِدُوا بِهِ ﴿وَضُرِبَتْ﴾ جُعِلَت ﴿عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ﴾ الذُّلُّ وَالهَوَانُ، أَي أُلزِمُوهَا ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أَي أَثَرُ الفَقرِ وَالخِزيُ، فَهِيَ لَازِمَةٌ لَهُم وَإِن كَانُوا أَغنِيَاءَ، أَو فَقرُ النَّفسِ، أَوِ الخُضُوعُ، أَي جُعِلَتِ الذِّلَّةُ مُحِيطَةً بِهِم مُشتَمِلَةً عَلَيهِم، فَهِيَ مُحِيطَةٌ بِهِم كَمَا تُحِيطُ القُبَّةُ بِمَا فِي دَاخِلِهَا، أَو أُلصِقَت بِهِم حَتَّى لَزِمَتهُم، فَاليَهُودُ صَاغِرُونَ أَذِلَّاءُ أَهلُ مَسكَنَةٍ وَفَقرٍ، إِمَّا عَلَى الحَقِيقَةِ وَإِمَّا لِتَصَاغُرِهِم وَتَفَاقُرِهِم خِيفَةَ أَن تُضَاعَفَ عَلَيهِمُ الجِزيَةُ ﱡ﴿وَبَاءُوا﴾ﱠ رَجَعُوا ﴿بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ﴾([4]) أَي صَارُوا أَحِقَّاء بِغَضَبِهِ ﴿ذَلِكَ﴾أَي ضَربُ الذِّلَّةِ وَالمَسكَنَةِ وَغَضَبُ اللهِ عَلَيهِم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أَي بِسَبَبِ أَنَّهُم ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ وَقَد قَتَلَتِ اليَهُودُ شَعيَاءَ وَزَكَرِيَّا وَيَحيَى صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِم وَسَلَامُهُ ﱡ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ظُلمًا، وَإِنَّهُم لَو أَنصَفُوا لَم يَذكُرُوا شَيئًا يَستَحِقُّ هَؤُلَاءِ الأَنبِيَاءُ بِهِ القَتلَ عِندَهُم فِي التَّورَاةِ ﴿ذَلِكَ﴾ تَكرَارٌ لِلإِشَارَةِ ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ﱠ بِسَبَبِ ارتِكَابِهِم أَنوَاعَ المَعَاصِي وَتَجَاوُزِهِمُ الحَدَّ فِيهَا ﱡ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)﴾ﱠ العُدوَانُ أَشَدُّ الظُّلمِ، أَي وَبِسَبَبِ اعتِدَائِهِم حُدُودَ اللهِ فِي كُلِّ شَىءٍ، هَذَا مَعَ كُفرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتلِهِمُ الأَنبِيَاءَ، وَقِيلَ هُوَ اعتِدَاؤُهُم فِي السَّبتِ، وَيَجُوزُ أَن يُشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الكُفرِ وَقَتلِ الأَنبِيَاءِ عَلَى مَعنَى أَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِسَبَبِ عِصيَانِهِم وَاعتِدَائِهِم، لِأَنَّهُمُ انهَمَكُوا فِيهِمَا وَغَلَوا حَتَّى قَسَت قُلُوبُهُم فَتَجَرَّؤُوا عَلَى الكُفرِ وَجُحُودِ الآيَاتِ وَقَتلِهِمُ الأَنبِيَاءَ.
- ذِكرُ انقِسَامِ بَعضِ الأُمَمِ لِمُؤمِنِينَ وَكَافِرِينَ
نَبَّهَ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَن عَمِلَ ضِدَّ عَمَلِ اليَهُودِ فَآمَنَ -مِنهُم أَو مِن غَيرِهِم مِن جَمِيعِ المِلَلِ- كَانَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِم عِندَ رَبِّهِم، فَلَا يَغضَبُ عَلَيهِم بَل يُوفِيهِم أُجُورَهُم وَيُورِثُهُمُ الأَمنَ وَالسُّرُورَ المُتَضَمِّنَينِ لِضِدِّ الذِّلَّةِ وَالمَسكَنَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالأَنبِيَاءِ مِن قَبلُ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ ﴿وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ هُم قَومٌ أَقدَمُ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى كَانُوا يَعبُدُونَ الكَوَاكِبَ، قَبلَ ذَلِكَ كَانُوا مُسلِمِينَ ثُمَّ انحَرَفُوا، صَارُوا كَافِرِينَ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ مِنهُم ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ بِشَرِيعَتِهِ ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أَي ثَوَابُ أَعمَالِهِم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فِي الآخِرَة ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن أَن يَنَالَهُم شَىءٌ مِن مَكَارِهِهَا أَو أَن يُصِيبَهُم فِيهَا مِن عِقَابِ اللهِ ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُم فِي الدُّنيَا، وَهَذَا لَيسَ مَدحًا لِهَؤُلَاءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَا لِلنَّصَارَى الَّذِينَ يَعبُدُونَ عِيسَى، وَلَا لِلصَّابِئِينَ بَعدَ أَن عَبَدُوا الكَوَاكِبَ، هَؤُلَاءِ لَا يَستَحِقُّونَ المَدحَ، إِنَّمَا مَن كَانَ مِن هَؤُلَاءِ عَلَى الإِسلَامِ وَاتَّقَى اللهَ تَعَالَى فَهُم كَمَن كَانَ تَقِيًّا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحزَنُونَ فِي الآخِرَةِ، فَالأَولِيَاءُ مِن أَتبَاعِ مُوسَى وَمِن أَتبَاعِ عِيسَى وَمِمَّن كَانَ قَبلَ ذَلِكَ لَا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحزَنُونَ.
- ذِكرُ قِصَّةِ رَفعِ الطُّورِ فَوقَ بَعضِ بَنِي إِسرَائِيلَ
﴿وَإِذْ﴾ وَاذكُرُوا إِذ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أَي عَهدَكُم بِقَبُولِ مَا فِي التَّورَاةِ وَالعَمَلِ بِهَا ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ﴾ أَيِ الجَبَلَ حَتَّى قَبِلتُم وَأَعطَيتُمُ المِيثَاقَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ جَاءَهُم بِالأَلوَاحِ فَرَأَوا مَا فِيهَا مِنَ التَّكَالِيفِ الَّتِي رَأَوهَا شَاقَّةً فَكَبِرَت عَلَيهِم وَأَبَوا قَبُولَهَا، فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَلَعَ جَبَلَ الطُّورِ مِن أَصلِهِ وَرَفَعَهُ فَظَلَّلَهُ فَوقَهُم، وَقَالَ لَهُم مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: إِن قَبِلتُم وَإِلَّا أُلقِيَ عَلَيكُم، فَقَبِلُوا، أَو لِأَنَّهُم أَبَوا دُخُولَ الأَرضِ المُقَدَّسَةِ، وَقُلنَا لَهُم: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ مِنَ الكِتَابِ أَيِ التَّورَاةِ ﱡﱣﱠ بِجِدٍّ وَعَزِيمَةٍ وَاجتِهَادٍ ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ وَاحفَظُوا مَا فِي الكِتَابِ وَادرُسُوهُ وَلَا تَنسَوهُ وَلَا تَغفُلُوا عَنهُ وَاعمَلُوا بِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)﴾ أَي لِأَجلِ أَن تَتَّقُوا النَّارَ أَوِ المَعَاصِيَ.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أَعرَضتُم عَنِ المِيثَاقِ وَالوَفَاءِ بِهِ، أَو عَنِ الطَّاعَةِ، أَو عَنِ العَمَلِ بِهِ ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعدِ القَبُولِ وَإِعطَاءِ المَوَاثِيقِ لَتَأخُذُنَّهُ بِجِدٍّ ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بِتَأخِيرِ العَذَابِ عَنكُم، أَو بِتَوفِيقِكُم لِلتَّوبَةِ ﴿لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (64)﴾ أَيِ الهَالِكِينَ فِي العَذَابِ وَالعُقُوبَةِ.
- ذِكرُ قِصَّةِ المُعتَدِينَ فِي السَّبتِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ
لَمَّا ذَكَّرَهُم اللهُ سُبحَانَهُ بِنِعمَةِ العَفوِ الحَافِظِ لَهُم مِنَ الخُسرَانِ جَاءَت قِصَّةُ المُعتَدِينَ فِي السَّبتِ مُؤَكِّدَةً لِذَلِكَ، إِذ كَانَ حَاصِلُهَا أَنَّهُم لَمَّا ضَيَّعُوا أَمرًا وَاحِدًا مِن أَوَامِرِهِ وَاستَخَفُّوا بِهِ، وَهُوَ تَحرِيمُ السَّبتِ، عَذَّبَهُم بِعَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَرَعَهُم بِقِصَّةٍ أُخرَى لَهُم خَذَلَ بِهَا فَرِيقًا مِنهُم حَتَّى غَلَبَهُمُ الخُسرَانُ، فَمَا ضَرُّوا إِلَّا أَنفُسَهُم، مُقسِمًا عَلَى أَنَّهُم بِهَا عَالِمُونَ وَلَهَا مُستَحضِرُونَ، فَقَالَ تَعَالَى: لَقَد عَلِمتُم جَمِيعَ ذَلِكَ مِن عُهُودِنَا، وَمَا ذَكَرنَا مِنَ الإِيقَاعِ بِمَن نَقَضَ مِن شَدِيدِ وَعِيدِنَا، وَمِنَ التَّهدِيدِ عَلَى ذَلِكَ بِضَربِ الذِّلَّةِ وَمَا تَبِعَهَا مِن أَنوَاعِ النَّكَالِ ﴿وَلَقَدْ﴾ أَي أُقسِمُ لَقَد ﴿عَلِمْتُمْ﴾ عَرَفتُمُ ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ جَاوَزُوا الحَدَّ ﴿مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ﱠ أَي جَاوَزُوا مَا حُدَّ لَهُم فِيهِ مِنَ التَّجَرُّدِ لِلعِبَادَةِ وَتَعظِيمِهِ، وَاشتَغَلُوا بِصَيدِ السَّمَكِ وَقَد نَهَينَاهُم عَنهُ، وَهُم أَهلُ أَيلَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ ابتَلَاهم بِأَن حَرَّمَ عَلَيهِمُ الِاصطِيَادَ فِي يَومِ السَّبتِ، ثُمَّ ابتَلَاهُم فَمَا كَانَ يَبقَى سَمَكَةٌ فِي البَحرِ إِلَّا اقتَرَبَت مِنَ الشَّاطِئِ يَومَ السَّبتِ، فَإِذَا مَضَى يَومُ السَّبتِ تَفَرَّقَتِ الأَسمَاكُ، فَخَالَفُوا فَصَارُوا يَضَعُونَ الشِّبَاكَ قَبلَ يَومِ السَّبتِ وَيَترُكُونَهَا إِلَى الأَحَدِ، أَو يَحفِرُونَ حُفَرًا عِندَ البَحرِ وَيَجعَلُونَ لَهَا أَنهَارًا إِلَى البَحرِ، فَكَانَ المَوجُ يُلقِيهَا فِي الحِيَاضِ فَلَا تَستَطِيعُ الخُرُوجَ، فَيُغلِقُونَ عَلَيهَا الحُفَرَ وَيَأخُذُونَهَا يَومَ الأَحَدِ، فَذَلِكَ هُوَ اعتِدَاؤُهُم ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا﴾ بِتَكوِينِنَا إِيَّاكُم ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)﴾ مُبعَدِينَ، أَي جَامِعِينَ بَينَ كَونِكُم قِرَدَةً وَبَينَ الخُسُوءِ وَهُوَ الصَّغَارُ وَالطَّردُ، فَكَانُوا كَذَلِكَ وَهَلَكُوا بَعدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أَي جَعَلنَا تِلكَ العُقُوبَةَ وَهِيَ المَسخَةُ، أَو جَعَلنَا القَريَةَ الَّتِي مُسِخَت ﴿نَكَالاً﴾ عِبرَةً تَنكُلُ مَنِ اعتَبَرَ بِهَا أَي تَمنَعُهُ مِنَ ارتِكَابِ مِثلِ مَا عَمِلُوا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أَي لِلأُمَمِ الَّتِي فِي زَمَانهَا، أَو لِمَا قَبلَهَا لِأَنَّ مَسخَتَهُم ذُكِرَت فِي كُتُبِ الأَوَّلِينَ فَاعتَبَرُوا بِهَا ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ وَمَا بَعدَهَا مِنَ الأُمَمِ وَالقُرُونِ، فَاعتَبَرَ بِهَا مَن بَلَغَتهُم مِنَ الآخِرِينَ، لَكِن مَن كَتَبَ اللهُ عَلَيهِ الشَّقَاوَةَ لَا يَعتَبِرُ مَهمَا قَرَأَ فِي التَّوَارِيخِ مَا حَصَلَ لِلأُمَمِ المَاضِيَةِ، إِنَّمَا يَنظُرُ إِلَى حَالَتِهِ الرَّاهِنَةِ فَيَفعَلُ مَا تَشتَهِيهِ نَفسُهُ ﱡ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)﴾ لِكُلِّ مُتَّقٍ للهِ سَمِعَهَا، وَخُصُّوا بِالذِّكرِ لِأَنَّهُمُ المُنتَفِعُونَ، بِخِلَافِ غَيرِهِم، أَوِ الَّذِينَ نَهَوهُم عَنِ الِاعتِدَاءِ مِن صَالِحِي قَومِهِم([5]).
- ذِكرُ قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسرَائِيلَ
لَمَّا كَانَ السَّبتُ وَجَبَ عَلَيهِم بِاقتِرَاحِهِم لَهُ وَسُؤَالِهِم إِيَّاهُ بَعدَ إِبَائِهِم لِلجُمُعَةِ وَابتُلُوا بِالتَّشدِيدِ فِيهِ كَانَ أَنسَبُ الأَشيَاءِ أَن يُعقِبَهُ بِذِكرِ قِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي مَا شُدِّدَ عَلَيهِم فِي أَمرِهَا إِلَّا لِتَعَنُّتِهِم فِيهِ وَإِبَائِهِم لِذَبحِ أَيِّ بَقَرَةٍ تَيَسَّرَت، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ﴾ أَي وَاذكُر حِينَ قُتِلَ لِبَنِي إِسرَائِيلَ قَتِيلٌ لَا يُدرَى قَاتِلُهُ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَن يَدعُوَ اللهَ لِيُبَيِّنَهُ لَهُم، فَدَعَاهُ فَـ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ﴾ بِأَن ﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وَقَد قَالَ المُفَسِّرُونَ: أَوَّلُ القِصَّةِ مُؤَخَّرٌ فِي التِّلَاوَةِ، وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا غَنِيًّا فِي بَنِي إِسرَائِيلَ عَقِيمًا لَا يُولَدُ لَهُ اسمُهُ عَامِيلُ كَانَ لَهُ ابنُ أَخٍ قَلبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَالِ وَهُوَ وَارِثُهُ، فَأَرَادَ أَن يَصِلَ إِلَى مَالِ عَمِّهِ لِيَتَنَعَّمَ بِهِ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى بَابِ أُنَاسٍ لَيسَ لَهُم عَلَاقَةٌ بِهَذِهِ الجَرِيمَةِ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ قَتَلُوا عَمِّي، فَثَارَ العَشِيرَتَانِ وَحَصَلَ القِتَالُ بَينَهُم، ثُمَّ قَالَ بَعضُهُم: فِينَا نَبِيُّ اللهِ مُوسَى، نَرجِعُ إِلَيهِ وَلَا نَتَقَاتَلُ، فَأَخبَرُوا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِالقِصَّةِ، فَأَوحَى اللهُ إِلَيهِ أَن يَأمَرُهَم بِذَبحِ بَقَرَةٍ، قَالَ لَهُم: تَذبَحُونَ هَذِهِ البَقَرَةَ وَتَضرِبُونَ هَذَا القَتِيلَ بِجُزءٍ مِنهَا، فَفَعَلُوا فَأَحيَا اللهُ تَعَالَى هَذَا القَتِيلَ المَيِّتَ فَنَطَقَ بِإِذنِ اللهِ وَقَالَ: قَتَلَنِي ابنُ أَخِي، وَرُوِيَ بِوَجهٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ كَانَت لَهُ بِنتٌ وَابنُ أَخٍ فَقِيرٌ، فَأَرَادَ ابنُ أَخِيهِ أَن يَتَزَوَّجَ ابنَتَهُ، فَأَبَى، فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللهِ لَأَقتُلَنَّ عَمِّي، وَلَآخُذَنَّ مَالَهُ، وَلَأَنكِحَنَّ ابنَتَهُ، وَلَآكُلَنَّ دِيَتَهُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَد قَدِمَ تُجَّارٌ فِي بَعضِ قَبَائِلِ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَانطَلِق مَعِي فَخُذ لِي مِن تِجَارَتِهِم لَعَلِّي أُصِيبُ فِيهَا رِبحًا، فَخَرَجَ مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَا مَكَانَ تِلكَ القَبِيلَةِ قَتَلَهُ الفَتَى وَوَضَعَهُ عَلَى بَابِهِم، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا أَصبَحَ جَاءَ كَأَنَّهُ يَطلُبُ عَمَّهُ لَا يَدرِي أَينَ هُوَ، فَإِذَا هُوَ بِتِلكَ القَبِيلَةِ قَدِ اجتَمَعُوا عَلَى عَمِّهِ المَقتُولِ، فَأَمسَكَهُم وَقَالَ: قَتَلتُم عَمِّي، وَجَعَلَ يَبكِي وَيُنَادِي: وَاعَمَّاهُ، فَلَمَّا قَالَ لَهُم مُوسَى مَا أَجَابَهُ اللهُ بِهِ ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ أَي أَتَجعَلُنَا مَكَانَ هُزءٍ أَو أَهلَ هُزءٍ أَوِ الهُزءَ نَفسَهُ لِفَرطِ الِاستِهزَاءِ بحَيثُ تُجِيبُنَا بِمِثلِ ذَلِكَ([6]) ﴿قَالَ أَعُوذُ﴾ أَمتَنِعُ ﴿بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (67)﴾ المُستَهزِئِينَ، لِأَنَّ الهُزءَ فِي مِثلِ هَذَا مِن بَابِ الجَهلِ وَالسَّفَهِ، وَفِيهِ تَعرِيضٌ بِهِم، أَي أَنتُم جَاهِلُونَ حَيثُ نَسَبتُمُونِي إِلَى الِاستِهزَاءِ.
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّ هَذَا أَمرٌ مِن عِندِ اللهِ سَأَلُوا عَن حَالِهَا وَصِفَتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُم تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضرَبُ بِبَعضِهَا مَيِّتٌ فَيَحيَا، فَسَأَلُوا عَن صِفَةِ تِلكَ البَقَرَةِ العَجِيبَةِ الشَّأنِ فَـ﴿قَالُوا﴾ تَمَادِيًا فِي الغِلظَةِ ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أَي مَا سِنُّهَا ﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿إِنَّهُ﴾ أَيِ اللهُ ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ﴾ لَيسَت مُسِنَّةً ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ لَيسَت فَتِيَّةً صَغِيرَةً ﴿عَوَانٌ﴾ نَصَفٌ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بَينَ الفَارِضِ وَالبِكرِ ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)﴾ أَي فَافعَلُوا مَا تُؤمَرُونَ بِهِ مِن ذَبحِهَا.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا﴾ أَيَّ شَىءٍ ﴿لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفُقُوعُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الصُّفرَةِ وَأَنصَعُهُ، يُقَالُ فِي التَّوكِيدِ أَصفَرُ فَاقِعٌ ﴿تَسُرُّ﴾وَالسُّرُورُ لَذَّةٌ فِي القَلبِ عِندَ حُصُولِ نَفعٍ أَو تَوَقُّعِهِ([7]) ﴿النَّاظِرِينَ (69)﴾ إِلَيهَا لِحُسنِهَا، أَي تُعجِبُهُم.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أَهِيَ سَائِمَةٌ([8]) أَم عَامِلَةٌ([9])، وَهَذَا تَكرِيرٌ مِنهُم لِلسُّؤَالِ عَن حَالِهَا وَصِفَتِهَا وَاستِكشَافٌ زَائِدٌ([10]) ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ أَي جِنسَهُ المَوصُوفَ بِالتَّعوِينِ وَالصُّفرَةِ ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ لِكَثرَتِهِ فَلَم نَهتَدِ إِلَى المَقصُودِ ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)﴾ إِلَى البَقَرَةِ المُرَادِ ذَبحُهَا، أَو إِلَى مَا خَفِيَ عَلَينَا مِن أَمرِ القَاتِلِ([11]).
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ غَيرُ مُذَلَّلَةٍ بِالعَمَلِ ﱡ ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ أَي لَم تُذَلَّل لِإِثَارَةِ الأَرضِ وَحَرثِهَا وَتَقلِيبِهَا لِلزِّرَاعَةِ ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ الحَرثُ الأَرضُ المُهَيَّأَةُ لِلزِّرَاعَةِ، أَي وَلَا هِيَ مِنَ النَّوَاضِحِ الَّتِي يُنقَلُ عَلَيهَا المَاءُ لِسَقيِ الحَرثِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ عَنِ العُيُوبِ وَآثَارِ العَمَلِ ﴿لا شِيَةَ﴾ لَونَ ﴿فِيهَا﴾ غَيرَ لَونِهَا، فَهِيَ صَفرَاءُ كُلُّهَا حَتَّى قَرنُهَا وَظِلفُهَا([12]) ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ نَطَقتَ بِالبَيَانِ التَّامِّ وَحَقِيقَةِ وَصفِ البَقَرَةِ وَمَا بَقِيَ إِشكَالٌ فِي أَمرِهَا([13])، فَطَلَبُوهَا فَوَجَدُوهَا عِندَ الفَتَى البَارِّ بِأُمِّهِ فَاشتَرَوهَا بِمِلءِ مَسكِهَا([14]) ذَهَبًا ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)﴾ وَذَلِكَ لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا، أَو لِخَوفِ الفَضِيحَةِ فِي ظُهُورِ القَاتِلِ.
﴿وَإِذْ﴾ وَاذكُرُوا إِذ ﴿قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ وَخُوطِبَتِ الجَمَاعَةُ لِوُجُودِ القَتلِ فِيهِم ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ فَاختَلَفتُم وَاختَصَمتُم، أَو تَدَافَعتُم بِمَعنَى دَفَعَ بَعضُكُم قَتلَهَا عَلَى بَعضٍ ﴿فِيهَا﴾ فِي شَأنِهَا ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مُظهِرٌ لَا مَحَالَةَ ﴿مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72)﴾ مَا كَتَمتُم مِن أَمرِ القَتلِ وَلَا يَترُكُهُ مَكتُومًا، وَهَذِهِ الآيَةُ فِي أَوَّلِ القِصَّةِ مِن حَيثُ المَعنَى لَكِنَّهَا مُؤَخَّرَةٌ فِي التِّلَاوَةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الأَمرِ بِذَبحِ البَقَرَةِ قَتلُ النَّفسِ، لَكِن أُخِرَّت هَذِهِ الآيَةُ لِتَنقَسِمَ القِصَّةُ إِلَى قِسمَينِ تَنبِيهًا عَلَى النِّعمَتَينِ، نِعمَةِ العَفوِ عَنِ التَّوَقُّفِ عَنِ الأَمرِ وَنِعمَةِ البَيَانِ لِلقَاتِلِ بِالأَمرِ الخَارِقِ، وَتَنبِيهًا عَلَى أَنَّ لَهُم بِذَلِكَ تَقرِيعَينِ، أَحَدُهُمَا بِإِسَاءَةِ الأَدَبِ فِي الرَّميِ بِالِاستِهزَاءِ وَالتَّوَقُّفِ عَنِ الِامتِثَالِ وَالثَّانِي عَلَى قَتلِ النَّفسِ وَمَا تَبِعَهُ، وَلَو رُتِّبَت تَرتِيبَهَا الأَصلِيَّ لَم يَحصُل ذَلِكَ، وَقَدَّمَ الشَّطرَ الثَّانِيَ لِمُنَاسَبَتِهِ قِصَّةَ السَّبتِ، ثُمَّ أَتبَعَهُ بِالأَوَّلِ.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ أَيِ اضرِبُوا جِسمَ القَتِيلِ أَو قَبرَهُ ﴿بِبَعْضِهَا﴾ بِبَعضِ البَقَرَةِ وَهُوَ لِسَانُهَا، أَو فَخِذُهَا اليُمنَى، أَو عَجبُ ذَنَبِهَا، فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى وَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا([15])، فَأُخِذَ وَقُتِلَ، وَلَم يُوَرَّث قَاتِلٌ بَعدَ ذَلِكَ ﱡ ﴿كَذَلِكَ﴾ الإِحيَاءُ ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ يَومَ القِيَامَةِ، إِمَّا أَن يَكُونَ خِطَابًا لِلمُنكِرِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ خِطَابًا لِلَّذِينَ حَضَرُوا حَيَاةَ القَتِيلِ مِن قَومِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دَلَائِلَ قُدرَتِهِ، أَي كَذَلِكَ يُرِيكُمُ اللهُ دَلَائِلَهُ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىءٍ ﴿تَعْقِلُونَ (73)﴾ تَتَدَبَّرُونَ فَتَعلَمُونَ بِعُقُولِكُم أَنَّ القَادِرَ عَلَى إِحيَاءِ نَفسٍ وَاحِدَةٍ قَادِرٌ عَلَى إِحيَاءِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ([16]) فَتُؤمِنُونَ([17]).
([1]) وَتَعَلَّقَتِ المُعتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي نَفيِ الرُّؤيَةِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَو كَانَتِ الرُّؤيَةُ جَائِزَةً لَمَا عُذِّبُوا بِسُؤَالِ مَا هُوَ جَائِزُ الثُّبُوتِ، قُلنَا: إِنَّمَا عُوقِبُوا بِكُفرِهِم، لِأَنَّ قَولَهُم: إِنَّكَ رَأَيتَ اللهَ فَلَن نُؤمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهرَةً، كُفرٌ مِنهُم، وَلِأَنَّهُمُ امتَنَعُوا عَنِ الإِيمَانِ بِمُوسَى بَعدَ ظُهُورِ مُعجِزَتِهِ حَتَّى يَرَوا رَبَّهُم جَهرَةً، وَالإِيمَانُ بِالأَنبِيَاءِ وَاجِبٌ بَعدَ ظُهُورِ مُعجِزَاتِهِم، وَلِأَنَّهُم لَم يَسأَلُوا سُؤَالَ استِرشَادٍ بَل سُؤَالَ تَعَنُّتٍ وَعِنَادٍ. وَقَد ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الإِيمَانُ بَالرُّؤيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالعَينِ فِى الآخِرَةِ -أَى بِأَنَّهَا حَقٌّ- وَهَذَا خَاصٌّ بالمُؤمِنِينَ يَرَونَهُ وَهُم فِى الجَنَّةِ بِلا كَيفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَلا تَشبِيهٍ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ، قَالَ فِى الفِقهِ الأَكبَرِ: «وَاللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِى الآخِرَةِ وَيَرَاهُ المُؤمِنُونَ وَهُم فِى الجَنَّةِ بِأَعيُنِ رُؤُوسِهِم بِلا تَشبِيهٍ وَلا كَيفِيَّةٍ وَلا كَمِيَّةٍ وَلا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ مَسَافَةٌ».اهـ أَى لا كَمَا يُرَى المَخلُوقُ مِن قِبَلِ المَخلُوقِ لِأَنَّ المَرئِىَّ عِندَئِذٍ يَكُونُ فِى جِهَةٍ مِنَ الرَّائِى، وَإِنَّمَا يَكُونُ المُؤمِنُونَ فِى مَكَانِهِم فِى الجَنَّةِ فَيَرَونَ اللَّهَ وَاللَّهُ بِلا مَكَانٍ.
([2]) قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: قَالَ ابنُ سِيدَه: المَنُّ طَلٌّ يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ شِبهُ العَسَلِ كَانَ يَنزِلُ عَلَى بَنِي إِسرائيل. وَفِي التَّنزِيلِ العَزِيزِ: ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ؛ قَالَ اللَّيثُ: المَنُّ كَانَ يَسقُطُ عَلَى بَنِي إِسرائيل مِنَ السَّمَاءِ إِذ هُم فِي التِّيه، وَكَانَ كَالعَسَلِ الحامِسِ حَلَاوَةً. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: جُملَةُ المَنِّ فِي اللُّغَةِ مَا يَمُنُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِمَّا لَا تَعَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ، قَالَ: وَأَهلُ التَّفسِيرِ يَقُولُونَ: إِن المَنَّ شَىءٌ كَانَ يَسقُطُ عَلَى الشَّجَرِ حُلوٌ يُشرب، وَيُقَالُ: إِنَّهُ التَّرَنجَبينُ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج13 ص418).
([3]) ثَلَاثَةُ أَربَاعِ الحِزبِ (1).
([4]) قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: «وَاللهُ يَغضَبُ وَيَرضَى لا كَأَحَدٍ مِنَ الوَرَى»: يَعنِى أَنَّهُ يَجِبُ إِثبَاتُ صِفَةِ الغَضَبِ وَصِفَةِ الرِّضَا لِلَّهِ مَعَ تَنزِيهِهِ تَعَالَى مِن أَن يَكُونَ غَضَبُهُ وَرِضَاهُ تَأَثُّرًا بَل هُمَا صِفَتَانِ أَزَلِيَّتَانِ قَدِيمَتَانِ أَبَدِيَّتَانِ. أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِن أَنَّ ءَادَمَ وَغَيرَهُ مِنَ الأَنبِيَاءِ يَقُولُونَ: «إِنَّ اللَّهَ غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ وَلا يَغضَبُ بَعدَهُ مِثلَهُ»، فَالمُرَادُ بِذَلِكَ ءَاثَارُ الغَضَبِ وَلَيسَ المُرَادُ الصِّفَةَ لِأَنَّ الصِّفَةَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيسَت طَارِئَةً فِى ذَاتِ اللَّهِ مَعنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَدَّ فِى ذَلِكَ اليَومِ مِن ءَاثَارِ الغَضَبِ مَا لَم يَسبِق قَبلَ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ بَعدَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنهُ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى شَاءَ أَن يَحصُلَ ذَلِكَ اليَومَ مِن ءَاثَارِ الغَضَبِ مُنتَهَى الآثَارِ، هَذَا مَعنَى مَا وَرَدَ فِى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ تَأَثَّرَ ذَلِكَ الوَقتَ، لِأَنَّ التَّأَثُّرَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ الَّذِى يَتَأَثَّرُ لا بُدَّ أَن يَكُونَ حَادِثًا. فَإِذًا رِضَا اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَعنَى أَنَّهُ يُنعِمُ عَلَى مَن كَانَ هَذَا حَالَهُ، وَلَيسَ أَنَّهُ تَطرَأُ لَهُ انفِعَالَاتٌ وَآثَارٌ نَفسِيَّةٌ كَرِضَانَا نَحنُ عَن شَىءٍ أَو غَضَبِنَا مِن شَىءٍ.
([5]) قِصَّةُ أَصحَابِ السَّبتِ: عَلَى شَاطِئِ البَحرِ الأَحمَرِ كَانَت قَريَةُ “أَيلَةَ” الَّتِي ذُكِرَت قِصَّتُهَا فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ حَيثُ كَانَ أَصحَابُ السَّبتِ الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. كَانَ اليَهُودُ، قَبلَ بِعثَةِ النَّبِيِّ، يَكتُمُونَ هَذِهِ القِصَّةَ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّوبِيخِ وَالذُّلِّ لَهُم عَلَى مَا جَرَى مَعَ بَعضِ أَسلافِهِم مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ الإِهلاكِ وَالمَسخِ، لَكِنَّ اللَّهَ فَضَحَهُم فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ عِندَمَا أَوحَى إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ تِلكَ القِصَّةَ لِيُحَذِّرَ اليَهُودَ مِن تَعَنُّتِهِم وَتَكَبُّرِهِم وَرَفضِهِمُ الإِيمَانَ بِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مُذَكِّرًا إِيَّاهُم مَا حَلَّ بِقَريَةِ “أَيلَةَ”، فَمَا هِيَ تِلكَ القِصَّةُ؟ كَانَ المُسلِمُونَ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ أَيَّامَ نَبِيِّهِم دَاوُدَ وَقَبلَهَا يَمتَنِعُونَ عَنِ العَمَلِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالصَّيدِ يَومَ السَّبتِ، إِذ كَانَ هَذَا الأَمرُ حَرَامًا فِي شَرِيعَتِهِم ابتِلاءً لَهُم مِنَ اللَّهِ، وَلِيُظهِرَ لِلنَّاسِ مَن يَلتَزِمُ بِأَوَامِرِهِ وَمَن يَعصِيهِ. وَكَانَتِ الحِيتَانُ وَالأَسمَاكُ تَأتِي يَومَ السَّبتِ حَتَّى إِنَّهَا تَكَادُ أَن تُصَادَ بِاليَدِ مِن قُربِهَا لأِنَّهَا أُلهِمَت أَنَّهَا لا تُصَادُ فِي هَذَا اليَومِ لِنَهيِهِ تَعَالَى بَنِي إِسرَائِيلَ عَن صَيدِهَا، فَكَانَت تَأتِي بِكَمِيَّاتٍ كَبِيرَةٍ إِلَى شَاطِئِ قَريَةِ “أَيلَةَ” وَتَتَزَاحَمُ هُنَاكَ، فَلا يُخَوِّفُونَهَا وَلا يُفزِعُونَهَا، وَإِذَا كَانَ غَيرُ يَومِ السَّبتِ لَزِمَتِ الحِيتَانُ وَالأَسمَاكُ قَاعَ البَحرِ فَلَم يُرَ مِنهُنَّ شَىءٌ حَتَّى يَأتِيَ السَّبتُ التَّالِي. وَلَكِنَّ النَّفسَ الخَبِيثَةَ سُرعَانَ مَا يَقُودُهَا الشَّيطَانُ إِلَى العِصيَانِ وَالفَسَادِ، فَإِنَّ أَحَدَ أَهلِ القَريَةِ اشتَهَى أَكلَ السَّمَكِ فَأَغوَاهُ الشَّيطَانُ وَزَيَّنَ لَهُ القِيَامَ بِحِيلَةٍ لاِصطِيَادِ مَا يَشتَهِي مِنهَا، فَأَتَى إِلَى شَاطِئِ البَحرِ يَومَ السَّبتِ وَرَأَى سَمَكَةً كَبِيرَةً تَسبَحُ قَرِيبَةً مِنهُ فَرَبَطَ ذَيلَهَا بِحَبلٍ وَوَضَعَ الطَّرَفَ الآخَرَ فِي وَتِدٍ عَلَى الشَّاطِئِ وَذَهبَ، فَلَمَّا انقَضَى النَّهَارُ عَادَ هَذَا الرَّجَلُ وَأَخَذَ السَّمَكَةَ إِلَى مَنزِلِهِ وَنَظَّفَهَا وَشَوَاهَا، فَانبَعَثَت رَائِحَتُهَا حَولَ دَارِهِ، فَأَتَاهُ جِيرَانُهُ يَسأَلُونَهُ عَن ذَلِكَ، فَأَنكَرَ مَا فَعَلَ، وَلَمَّا أَصَرُّوا عَلَيهِ قَالَ لَهُم: “إِنَّهُ جِلدُ سَمَكَةٍ وَجَدتُهُ وَشَوَيتُهُ”، فَلَمَّا كَانَ السَّبتُ الآخَرُ فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ فَلَمَّا شَمَّ النَّاسُ رَائِحَةَ الشِّوَاءِ سَأَلُوهُ، فَقَالَ لَهُم: “إِن شِئتُم صَنَعتُم كَمَا أَصنَعُ”، فَقَالُوا لَهُ: “وَمَا صَنَعتَ؟” فَأَخبَرَهُم فَفَعَلُوا مِثلَ مَا فَعَلَ. وَنَوَّعُوا فِي استِعمَالِ الحِيلَةِ فَقَامَ بَعضُهُم يَومَ الجُمُعَةِ بِحَفرِ حُفَرٍ مُتَّصِلَةٍ بِالبَحرِ بِوَاسِطَةِ مَمَرَّاتٍ يَسهُلُ سَدُّهَا، فَإِذَا كَانَ يَومُ السَّبتِ وَكَثُرَ هَذَا الأَمرُ حَتَّى فَعَلَهُ الكَثِيرُونَ، وَوَصَلَ بِهِمُ الأَمرُ أَنِ اصطَادُوهَا يَومَ السَّبتِ عَلانِيَةً وَبَاعُوهَا فِي الأَسوَاقِ، فَكَانَ هَذَا مِن أَعظَمِ الاِعتِدَاءِ. وَلَمَّا جَاهَرَ الفُسَّاقُ بِطَرِيقَتِهِم قَامَ عُلَمَاءُ بَنِي إِسرَائِيلَ المُسلِمُونَ وَنَهَوهُم عَن هَذَا، وَخَوَّفُوهُم فَلَم يَقبَلُوا، فَجَعَلُوا بَينَهُم وَبَينَ الفُسَّاقِ جِدَارًا فِي القَريَةِ وَلَم يَعُودُوا يُسَاكِنُوهُم. وَفِي اللَّيلِ جَاءَ أَمرُ اللَّهِ تَعَالَى فَانتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ فَسَقُوا وَمَسَخَ شُبَّانَهُم قِرَدَةً وَعَجَائِزَهُم خَنَازِيرَ كَمَا قِيلَ، فَقَامَ الَّذِينَ أَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ صَبَاحًا وَذَهَبُوا إِلَى أَعمَالِهِم وَمَسَاجِدِهِم وَمُجتَمَعَاتِهِم فَلَم يَرَوا أَحَدًا مِنَ الفَاسِقِينَ، فَاستَغرَبُوا وَتَسَاءَلُوا فِيمَا بَينَهُم وَقَامَ أَحَدُهُم وَوَضَعَ سُلَّمًا عَلَى الجِدَارِ وَصَعِدَ عَلَيهِ فَلَمَّا أَشرَفَ عَلَى القَومِ رَأَى عَجَبًا، إِذ أَصبَحَ الفُسَّاقُ قِرَدَةً لَهَا أَذنَابٌ يَتَعَاوَونَ وَيَقفِزُونَ عَلَى بَعضِهِم، وَخَنَازِيرَ تُصدِرُ أَصوَاتًا قَبِيحَةً، فَفَتَحُوا عَلَيهِمُ الأَبوَابَ وَدَخَلُوا، وَصَارَ كُلُّ قِردٍ يَأتِي قَرِيبَهُ مِنَ الإِنسِ فَيَشُمُّ ثِيَابَهُ وَيَبكِي، فَيَقُولُ الإِنسِيُّ: “أَلَم نَنهَكُم؟” فَيُشِيرُ القِردُ بِرَأسِهِ “نَعَم”. وَكَانُوا قَبلَ المَسخِ قَدِ افتَرَقُوا كَمَا قِيلَ إِلَى ثَلاثِ فِرَقٍ: فِرقَةٌ عَصَت وَصَادَت وَكَانُوا نَحوًا مِن سَبعِينَ أَلفًا وَهُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا، وَفِرقَةٌ نَهَت وَتَنَحَّت وَكَانُوا اثنَي عَشَرَ أَلفًا، وَفِرقَةٌ تَنَحَّت وَلَم تَنهَ وَلَم تَعصِ، وَهَذِهِ الفِرقَةُ الأَخِيرَةُ قَالَت لِلفِرقَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي نَهَت عَنِ الحَرَامِ: “لِمَ تَعِظُونَ قَومًا عُصَاةً سَيُهلِكُهُمُ اللَّهُ وَسَيُعَذِّبُهُم؟”، قَالُوا هَذَا عَلَى مَا كَانُوا يَتَوَقَّعُونَهُ بَعدَ مُخَالَفَةِ أَمرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا عُرِفَ مِن فِعلِ اللَّهِ بِالأُمَمِ العَاصِيَةِ السَّابِقَةِ، فَقَالَ النَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ: “مَوعِظَتُنَا مِن بَابِ التَّذكِيرِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ وَيَتَرَاجَعُونَ”. وَلَم تَهلِك إِلاَّ الفِرقَةُ الأُولَى العَاصِيَةُ وَأَنجَى اللَّهُ الَّذِينَ نَهَوا وَالَّذِينَ لَم يَعصُوا. وَلَم يَبقَ الَّذِينَ مُسِخُوا أَحيَاءً أَكثَرَ مِن ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَم يَأكُلُوا خِلالَهَا وَلَم يَشرَبُوا وَلَم يَخرُج مِنهُم نَسلٌ. وَكَانُوا عِبرَةً بَالِغَةً لِمَن أَتَى بَعدَهُم مِنَ الأُمَمِ وَلِمَن رَءَاهُم وَعَرَفَ قِصَّتَهُم.
([6]) تَنبِيهٌ: الِنَبِيُّ إذا ظَهَرَت مُعجِزَتُهُ وَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِكَذَا، فَقَالَ لَهُ شَخصٌ: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا؟ لَا يَكُونُ مُؤمِنًا، قَالَ القُرطُبِيُّ: فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَنعِ الِاستِهزَاءِ بِدِينِ اللهِ وَدِينِ المُسلِمِينَ وَمَن يَجِبُ تَعظِيمُهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَهلٌ، وَصَاحِبُهُ مُستَحِقٌّ لِلوَعِيدِ.اهـ الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرءَانِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج1 ص447)، فَالِاستِهزَاءُ بِاللهِ أَو بِنَبِيِّهِ أَو بِشَرِيعَتِهِ كُفرٌ مُخرِجٌ مِنَ الإِسلَامِ، وَإِن كَانَ عَلَى وَجهِ الهَزلِ، قَالَ القُرطُبِيُّ فِي شَرحِ الآيَةِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)﴾، [سُورَةُ التَّوبَةِ:65]: قَالَ القَاضِي أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ: لَا يَخلُو أَن يَكُونَ مَا قَالُوهُ مِن ذَلِكَ جِدًّا أَو هَزلًا، وَهُوَ كَيفَمَا كَانَ كُفرٌ، فَإِنَّ الهَزلَ بِالكُفرِ كُفرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَينَ الأُمَّةِ، فَإِنَّ التَّحقِيقَ أَخُو العِلمِ وَالحَقِّ، وَالهَزلُ أَخُو البَاطِلِ وَالجَهلِ.اهـ الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرءَانِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج8 ص197).
([7]) عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَن لَبِسَ نَعلًا صَفرَاءَ قَلَّ هَمُّهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)﴾»، المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج10 ص263).
([8]) الَّتِي تَرعَى مِنَ المَوَاشِي وَلَا تَعمَلُ فِي الحَرثِ أَو نَقلِ المَاءِ أَو نَحوِ ذَلِكَ، المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص297).
([9]) الَّتِي تَعمَلُ فِي الحَرثِ أَو سَقيِ المَاءِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعمَالِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الدَّوَابُّ.
([10]) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوِ اعتَرَضُوا أَدنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَكَفَتهُم، وَلَكِن شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيهِم»، السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج6 ص368).
([11]) رَوَى أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَولَا أَنَّ بَنِي إِسرَائِيلَ استَثنَوا» أَي لَولَا أَنَّهُم قَالُوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)﴾ «لَم يُعطُوا الَّذِي أُعطُوا»، مُسنَدُ الفِردَوسِ، لِأَبِي شُجَاعٍ الدَّيلَمِيِّ (ج3 ص355)، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَو لَم يَستَثنُوا» أَي لَو لَم يَقُولُوا: إِن شَاءَ اللهُ «لَمَا بُيِّنَت لَهُم آخِرَ الأَبَدِ».اهـ جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج2 ص99-100).
([12]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: «الظِّلفُ مِنَ الشَّاءِ وَالبَقَرِ وَنَحوِهِ كَالظُّفرِ مِنَ الإِنسَانِ، وَالجَمعُ أَظلَافٌ».اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص385).
([13]) رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسرَائِيلَ شَيخٌ صَالِحٌ لَهُ عِجلَةٌ، فَأَتَى بِهَا الغَيضَةَ وَقَالَ: اللهم إِنِّي استَودَعتُكَهَا لِابنِي حَتَّى يَكبُرَ، وَكَانَ بَرًّا بِوَالِدَيهِ، فَشَبَّتِ البَقَرَةُ وَكَانَت مِن أَحسَنِ البَقَرِ وَأَسمَنِهِ، فَسَاوَمُوهَا اليَتِيمَ وَأُمَّهُ حَتَّى اشتَرَوهَا بِمِلءِ مَسكِهَا ذَهَبًا، وَكَانَتِ البَقَرَةُ فِي ذَاكَ الوَقتِ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وَكَانُوا طَلَبُوا البَقَرَةَ المَوصُوفَةَ أَربَعِينَ سَنَةً، مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص99).
([14]) أَي جِلدِهَا، المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص573).
([15]) وَالحِكمَةُ فِي ذَبحِ البَقَرَةِ وَضَربِهِ بِبَعضِهَا -وَإِن قَدَرَ عَلَى إِحيَائِهِ بِلَا وَاسِطَةِ التَّقَرُّبِ بِهِ- الإِشعَارُ بِحُسنِ تَقدِيمِ القُربَةِ عَلَى الطَّلَبِ، وَالتَّعلِيمُ لِعِبَادِهِ تَركَ التَّشدِيدِ فِي الأُمُورِ وَالمُسَارَعَةَ إِلَى امتِثَالِ أَوَامِرِ اللهِ مِن غَيرِ تَفتِيشٍ وَتَكثِيرِ سُؤَالٍ، وَغَيرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ إِنَّمَا أُمِرُوا بِذَبحِ البَقَرَةِ دُونَ غَيرِهَا مِنَ البَهَائِمِ لِأَنَّهَا أَفضَلُ قَرَابِينِهِم، وَلِعِبَادَتِهِمُ العِجلَ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَن يُهَوِّنَ مَعبُودَهُم عِندَهُم، مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص101).
([16]) اللهُ تَعَالَى قَادِرٌ لَا يَعتَرِيهِ عَجزٌ وَلَا فُتُورٌ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ وَلَا يُعجِزُهُ شَىءٌ، قُدرَتُهُ سُبحَانَهُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِ اللهِ تَعَالَى يَتَأَتَّى بِهَا الإِيجَادُ وَالإِعدَامُ، أَي يُوجِدُ بِهَا المَعدُومَ مِنَ العَدَمِ وَيُعدِمُ بِهَا المَوجُودَ، يُؤَثِّرُ اللهُ بِهَا فِي المُمكِنَاتِ أَيِ المَخلُوقَاتِ، وَالبُرهَانُ العَقلِيُّ عَلَى وُجُوبِهَا للهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّهُ لَو لَم يَكُن قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا، وَلَو كَانَ عَاجِزًا لَم يُوجَد شَىءٌ مِنَ المَخلُوقَاتِ، وَالمَخلُوقَاتُ مَوجُودَةٌ بِالمُشَاهَدَةِ، ثُمَّ العَجزُ نَقصٌ وَالنَّقصُ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ، لِأَنَّ مِن شَرطِ الإِلَهِ الكَمَالَ، وَالقُدرَةُ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ إِنكَارُهَا وَلَا الشَّكُّ فِيهَا، بَل إِنَّ مَن نَفَى قُدرَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَىءٍ أَو شَكَّ فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنَ المُسلِمِينَ.
([17]) قِصَّةُ بَقَرَةِ بَنِي إِسرَائِيلَ: إِنَّ قِصَّةَ بَقَرَةِ بَنِي إِسرَائِيلَ تَتَلَخَّصُ فِي أَنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إِسرَائِيلَ كَانَ كَثِيرَ المَالِ، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا وَلَهُ بَنُو أَخٍ يَتَمَنَّونَ مَوتَهُ لِيَرِثُوهُ، فَعَمَدَ أَحَدُهُم فَقَتَلَهُ فِي اللَّيلِ وَطَرَحَهُ فِي مَجمَعِ الطُّرُقِ، وَقِيلَ: عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنهُم. فَلَمَّا أَصبَحَ النَّاسُ اختَصَمُوا فِيهِ، وَجَاءَ ابنُ أَخِيهِ فَجَعَلَ يَصرُخُ وَيَتَظَلَّمُ، فَقَالُوا: مَا لَكُم تَختَصِمُونَ وَلَا تَأتُونَ نَبِيَّ اللهِ؟ فَجَاءَ ابنُ أَخِيهِ هَذَا وَشَكَا أَمرَ عَمِّهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، فَقَالَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ الخَبَرَ: أُنشِدُ اللهَ رَجُلًا عِندَهُ عِلمٌ مِن أَمرِ هَذَا القَتِيلِ إِلَّا أَعلَمَنَا بِهِ، فَلَم يَكُن عِندَ أَحَدٍ مِنهُم عِلمٌ مِنهُ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ أَن يَسأَلَ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَأَلَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَن يَأمُرَهُم بِذَبحِ بَقَرَةٍ، فَقَالَ لَهُم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾، [سُورَةُ البَقَرَةِ:67]، فَقَالُوا لَهُ: نَحنُ نَسأَلُكَ عَن أَمرِ هَذَا القَتِيلِ وَأَنتَ تَقُولُ لَنَا هَذَا؟ ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾، [سُورَةُ البَقَرَةِ:67]، أَي أَعُوذُ بِاللهِ أَن أَقُولَ غَيرَ مَا أُوحِيَ إِلَيَّ. وَلَو أَنَّهُم عَمَدُوا إِلَى أَيِّ بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَحَصَلَ المَقصُودُ مِنهَا، وَلَكِنَّهُم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيهِم، فَقَد سَأَلُوا عَن صِفَتِهَا، ثُمَّ عَن لَونِهَا، ثُمَّ عَن سِنِّهَا، فَأُجِيبُوا بِمَا عَزَّ وُجُودُهُ فِيهِم. وَالمَقصُودُ أَنَّهُم أُمِرُوا بِذَبحِ بَقَرَةٍ عَوَانٍ وَهِيَ الوَسَطُ النِّصفُ بَينَ الفَارِضِ -وَهِيَ الكَبِيرَةُ- وَالبِكرِ -وَهِيَ الصَّغِيرَةُ-. ثُمَّ شَدَّدُوا وَضَيَّقُوا عَلَى أَنفُسِهِم فَسَأَلُوا عَن لَونِهَا، فَأُمِرُوا بِصَفرَاءَ فَاقِعٌ لَونُهَا أَي مُشرَبٌ بِحُمرَةٍ تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَهَذَا اللَّونُ عَزِيزٌ يَصعُبُ وُجُودُهُ. ثُمَّ شَدَّدُوا عَلَى أَنفُسِهِم أَيضًا، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)﴾ ، [سُورَةُ البَقَرَةِ:70]، فَأَجَابَهُم مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِمَا أَخبَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)﴾»، [سُورَةُ البَقَرَةِ:71]. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ أَضيَقُ مِمَّا تَقَدَّمَ، حَيثُ أُمِرُوا بِذَبحِ بَقَرَةٍ لَيسَت بِالذَّلُولِ، وَهِيَ المُذَلَّلَةُ بِالحِرَاثَةِ وَسَقيِ الأَرضِ بِالسَّاقِيَةِ، مُسَلَّمَةٍ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا عَيبَ فِيهَا، وَقِيلَ: مَعنَى ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾: أَي لَيسَ فِيهَا لَونٌ يُخَالِفُ لَونَهَا، بَل هِيَ مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ وَمِن مُخَالَطَةِ سَائِرِ الأَلوَانِ غَيرِ لَونِهَا. فَلَمَّا حَدَّدَهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، وَيُقَالُ: إِنَّهُم لَم يَجِدُوا هَذِهِ البَقَرَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا عِندَ رَجُلٍ مِنهُم كَانَ بَارًّا بِأُمِّهِ، فَطَلَبُوهَا مِنهُ فَأَبَى عَلَيهِم، فَأَرغَبُوهُ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى أَعطَوهُ بِوَزنِهَا ذَهَبًا، فَأَتَوا بِهَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَأَمَرَهُم بِذَبحِهَا، ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)﴾، أَي وَهُم يَتَرَدَّدُونَ فِي أَمرِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُم مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَضرِبُوا ذَلِكَ القَتِيلَ بِبَعضِ هَذِهِ البَقَرَةِ الَّتِي ذَبَحُوهَا، قِيلَ: بِلَحمِ فَخِذِهَا، وَقِيلَ: بِالعَظمِ الَّذِي يَلِي الغُضرُوفَ، وَقِيلَ بِغَيرِ ذَلِكَ. فَلَمَّا ضَرَبُوا القَتِيلَ بِبَعضِ هَذِهِ البَقَرَةِ كَمَا أَمَرَهُم نَبِيُّهُم عَلَيهِ السَّلَامُ أَحيَاهُ اللهُ تَعَالَى، فَسَأَلَهُ نَبِيُّ اللهِ مُوسَى: مَن قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي ابنُ أَخِي، وَعَرَّفَهُ، ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا كَمَا كَانَ.