{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (28١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ القَرضِ
وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ مُنقَسِمِينَ إِلَى مُوسِرٍ وَمُعسِرٍ -أَي غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ- وَكَانَ قَد بَيَّنَ حُكمَ المُوسِرِ فِي قَضَاءِ الدَّينِ رَجَعَ إِلَى بَيَانِ حُكمِ المُعسِرِ فَقَالَ:
{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}
أَي وَإِن وَقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمَائِكُم ذُو إِعسَارٍ.
{فَنَظِرَةٌ}
أَي لَهُ عَلَيكُم تَأخِيرُهُ.
{إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ}
أَي إِلَى وَقتِ يُسرٍ([1]).
{وَأَن تَصَدَّقُوا}
أَي تَتَصَدَّقُوا بِرُؤُوسِ أَموَالِكُم أَو بِبَعضِهَا عَلَى مَن أَعسَرَ مِن غُرَمَائِكُم، وَقِيلَ أُرِيدَ بِالتَّصَدُّقِ الإِنظَارُ لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَن أَنظَرَ مُعسِرًا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَومٍ صَدَقَةٌ، وَمَن أَنظَرَهُ بَعدَ حِلِّهِ كَانَ لَهُ مِثلُهُ فِي كُلِّ يَومٍ صَدَقَةٌ»([2]).
{خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ}
فِي القِيَامَةِ.
{إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
أَنَّهُ خَيرٌ لَكُم فَتَعمَلُوا بِهِ، جَعَلَ مَن لَا يَعمَلُ بِهِ وَإِن عَلِمَهُ كَأَنَّهُ لَا يَعلَمُهُ.
- آخِرُ آيَةٍ نَزَلَت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
وَلَمَّا كَانَ التَّقدِيرُ: فَامتَثِلُوا مَا أُمِرتُم بِهِ وَاجتَنِبُوا مَا نُهِيتُم عَنهُ، عَطَفَ عَلَيهِ تَخوِيفًا مِن يَومِ العَرضِ عَلَيهِ وَالمُجَازَاةِ بَينَ يَدَيهِ فَقَالَ:
{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}
{وَاتَّقُوا}
خَافُوا.
{يَوْمًا}
عَظِيمًا لَا يُوجَدُ فِيهِ رَئِيسٌ وَمَرؤُوسٌ عَلَى العَادَةِ الَّتِي عَرَفَهَا العِبَادُ فِي الدُّنيَا بَل.
{تُرْجَعُونَ}
تُرَدُّونَ.
{فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ}
فَهُوَ يُحَاسِبُ العِبَادَ وَيُكَلِّمُ هَذَا وَيُكَلِّمُ هَذَا بِلَا تَرجُمَانٍ([3]).
{فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ}
فِيهِ.
{كُلُّ نَفْسٍ}
جَزَاءَ.
{مَّا كَسَبَتْ}
أَي عَمِلَت مِن خَيرٍ وَشَرٍّ.
{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}
بِنُقصَانِ الحَسَنَاتِ وَزِيَادَةِ السَّيِّئَاتِ([4]).
- تَفسِيرُ آيَةِ الدَّينِ
وَلَمَّا نَهَى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَنِ الرِّبَا وَكَانَ أَحَدَ مُدَايَنَاتِهِم وَكَانَ غَيرُهُ مِنَ الدَّينِ مَأذُونًا عَقَّبَ ذَلِكَ بِآيَةِ الدَّينِ، فَأَرشَدَ إِلَى كَيفِيَّةِ التَّوَثُّقِ فَقَالَ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم}
أَي دَايَنَ بَعضُكُم بَعضًا.
{بِدَيْنٍ}
مُؤَجَّلٍ مُعطِينَ أَو آخِذِينَ، كَسَلَمٍ وَقَرضٍ.
{إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}
مُدَّةٍ مَعلُومَةٍ.
{فَاكْتُبُوهُ ۚ}
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِكِتَابَةِ الدَّينِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوثَقُ وَآمَنُ مِنَ النِّسيَانِ وَأَبعَدُ مِنَ الجُحُودِ وَأَدفَعُ لِلنِّزَاعِ، وَالأَمرُ لِلنَّدبِ.
{وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ}
بَينَ المُتَدَايِنَينِ.
{كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ}
أَي كَاتِبٌ مَأمُونٌ عَلَى مَا يَكتُبُ، يَكتُبُ بِالِاحتِيَاطِ لَا يَزِيدُ فِي المَالِ وَالأَجَلِ وَلَا يَنقُصُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَن يَكُونَ الكَاتِبُ فَقِيهًا عَالِمًا بِالشُّرُوطِ حَتَّى يَجِيءَ مَكتُوبُهُ مُعَدَّلًا بِالشَّرعِ، وَهُوَ أَمرٌ لِلمُتَدَايِنَينِ بِتَخيِيرِ الكَاتِبِ وَأَن لَا يَستَكتِبُوا إِلَّا فَقِيهًا دَيِّنًا حَتَّى يَكتُبَ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ}
وَلَا يَمتَنِع وَاحِدٌ مِنَ الكُتَّابِ مِن.
{أَن يَكْتُبَ كَمَا}
مِثلَ مَا.
{عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ}
كِتَابَةَ الوَثَائِقِ لَا يُبَدِّلُ وَلَا يُغَيِّرُ.
{فَلْيَكْتُبْ}
تِلكَ الكِتَابَةَ لَا يَعدِلُ عَنهَا.
{وَلْيُمْلِلِ}
الإِملَالُ هُوَ الإِملَاءُ، وَهُمَا لُغَتَانِ.
{الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ}
الدَّينُ، أَي وَلَا يَكُنِ المُملِي إِلَّا مَن وَجَبَ عَلَيهِ الحَقُّ، لِأَنَّهُ هُوَ المَشهُودُ عَلَى ثَبَاتِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَإِقرَارِهِ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِقرَارًا عَلَى نَفسِهِ بِلِسَانِهِ.
{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}
وَليَتَّقِ اللهَ الَّذِي عَلَيهِ الدَّينُ فَلَا يَمتَنِع عَنِ الإِملَاءِ فَيَكُونَ جُحُودًا لِكُلِّ حَقِّهِ.
{وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ}
وَلَا يَنقُص مِنَ الحَقِّ الَّذِي عَلَيهِ شَيئًا فِي الإِملَاءِ فَيَكُونَ جُحُودًا لِبَعضِ حَقِّهِ.
{فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا}
أَي مَجنُونًا لِأَنَّ السَّفَهَ خِفَّةٌ فِي العَقلِ، أَو مَحجُورًا عَلَيهِ لِتَبذِيرِهِ وَجَهلِهِ بِالتَّصَرُّفِ.
{أَوْ ضَعِيفًا}
صَبِيًّا.
{أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ}
لعِيٍّ بِهِ أَو خَرَسٍ أَو جَهلٍ بِاللُّغَةِ.
{فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ}
الَّذِي يَلِي أَمرَهُ وَيَقُومُ بِهِ مِن وَالِدٍ وَوَصِيٍّ وَقَيِّمٍ وَمُتَرجِمٍ.
{بِالْعَدْلِ ۚ}
بِالصِّدقِ وَالحَقِّ.
{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ}
وَاطلُبُوا أَن يَشهَدَ لَكُم شَهِيدَانِ عَلَى الدَّينِ.
{مِن رِّجَالِكُمْ ۖ}
المُؤمِنِينَ، وَالحُرِّيَّةُ وَالبُلُوغُ شَرطٌ مَعَ الإِسلَامِ، وَشَهَادَةُ الكُفَّارِ بَعضِهِم عَلَى بَعضٍ مَقبُولَةٌ عِندَ الحَنَفِيَّةِ.
{فَإِن لَّمْ يَكُونَا}
فَإِن لَم يَكُنِ الشَّاهِدَانِ.
{رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}
فَليَشهَد رَجُلٌ وَامرَأَتَانِ.
{مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}
مِمَّن تَعرِفُونَ عَدَالَتَهُم.
{أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ}
أَي حَتَّى إِذَا نَسِيَت إِحدَاهُمَا الشَّهَادَةَ ذَكَّرَتهَا الأُخرَى.
{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ}
لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَو لِلتَّحَمُّلِ لِئَلَّا تَهلِكَ أَموَالُهُم وَتَذهَبَ.
{وَلَا تَسْأَمُوا}
وَلَا تَمَلُّوا.
{أَن تَكْتُبُوهُ}
أَيِ الدَّينَ أَوِ الحَقَّ.
{صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا}
عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ الحَقُّ مِن صِغَرٍ أَو كِبَرٍ لِكَثرَتِهِ مَثَلًا.
{إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ}
إِلَى وَقتِهِ الَّذِي اتَّفَقَ الغَرِيمَانِ عَلَى تَسمِيَتِهِ.
{ذَٰلِكُمْ}
أَي ذَلِكَ الكَتبُ.
{أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ}
أَي أَعدَلُ.
{وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ}
وَأَعوَنُ عَلَى إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ.
{وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ}
وَأَقرَبُ مِنَ انتِفَاءِ الرِّيَبِ لِلشَّاهِدِ وَالحَاكِمِ وَصَاحِبِ الحَقِّ، فَإِنَّهُ قَد يَقَعُ الشَّكُّ فِي المِقدَارِ وَالصِّفَاتِ فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى المَكتُوبِ زَالَ ذَلِكَ.
{إِلَّا أَن تَكُونَ}
المُعَامَلَةُ.
{تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}
تَتَعَاطَونَهَا يَدًا بِيَدٍ.
{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ}
أَي إِلَّا أَن تَتَبَايَعُوا بَيعًا نَاجِزًا أَي حَاضِرًا يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأسَ أَلَّا تَكتُبُوهَا لِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مَا يُتَوَهَّمُ فِي التَّدَايُنِ.
{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ}
أَمَرَ بِالإِشهَادِ عَلَى التَّبَايُعِ مُطلَقًا نَاجِزًا أَو مُؤَجَّلًا لِأَنَّهُ أَحوَطُ وَأَبعَدُ مِن وُقُوعِ الِاختِلَافِ، وَالأَمرُ لِلنَّدبِ.
{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ}
نَهيٌ لِلكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ عَن تَركِ الإِجَابَةِ إِلَى مَا يُطلَبُ مِنهُمَا وَعَنِ التَّحرِيفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقصَانِ وَلَا يَضُرَّهُمَا صَاحِبُ الحَقِّ بِتَكلِيفِهِمَا مَا لَا يَلِيقُ فِي الكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ.
{وَإِن تَفْعَلُوا}
وَإِن تُضَارُّوا وَتَفعَلُوا مَا نُهِيتُم عَنهُ.
{فَإِنَّهُ}
فَإِنَّ الضِّرَارَ.
{فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ}
مَأثَمٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الطَّاعَةِ لَا حَقٌّ.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ}
فِي أَمرِهِ وَنَهيِهِ، وَالتَّقوَى هِيَ أَدَاءُ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابُ المُحَرَّمَاتِ([5]).
{وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ}
شَرَائِعَ دِينِهِ وَمَصَالِحَ أُمُورِكُم، أَو يُعطِيكُمُ العِلمَ اللَّدُنِّيَّ([6]).
{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
لَا يَلحَقُهُ سَهوٌ وَلَا قُصُورٌ وَلَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ([7]).
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الرَّهنِ
لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى النَّدبَ إِلَى الإِشهَادِ وَالكَتبِ لِمَصلَحَةِ حِفظِ الأَموَالِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكرِ حَالِ الأَعذَارِ المَانِعَةِ مِنَ الكَتبِ، وَجَعَلَ لَهَا الرَّهنَ، وَنَصَّ مِن أَحوَالِ العُذرِ عَلَى السَّفَرِ الَّذِي هُوَ الغَالِبُ مِنَ الأَعذَارِ لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الوَقتِ لِكَثرَةِ الغَزوِ، فَكَانَ التَّقدِيرُ: هَذَا إِذَا كُنتُم حُضُورًا يَسهُلُ عَلَيكُم إِحضَارُ الكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ، فَقَالَ:
{وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}
{وَإِن كُنتُمْ}
أَيُّهَا المُتَدَايِنُونَ.
{عَلَىٰ سَفَرٍ}
مُسَافِرِينَ وَتَدَايَنتُم.
{وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ}
أَي فَالَّذِي يَستَوثِقُ بِهِ رَهنٌ.
{مَّقْبُوضَةٌ ۖ}
ةتَستَوثِقُونَ بِهَا، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ جَوَازَ الرَّهنِ فِي الحَضَرِ وَوُجُودِ الكَاتِبِ، فَالتَّقَيُّدُ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ التَّوثِيقَ فِيهِ أَشَدُّ، وَأَفَادَ قَولُهُ: {مَّقْبُوضَةٌ ۖ} اشتِرَاطَ القَبضِ فِي الرَّهنِ وَالِاكتِفَاءَ بِهِ مِن المُرتَهِنِ وَوَكِيلِهِ.
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم}
بَعضُ الدَّائِنِينَ.
{بَعْضًا}
بَعضَ المَدِينِينَ عَلَى حَقِّهِ بِحُسنِ ظَنِّهِ بِهِ فَلَم يَتَوَثَّق بِالكِتَابَةِ وَالشُّهُودِ وَالرَّهنِ.
{فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ}
وَهُوَ المَدِينُ.
{أَمَانَتَهُ}
أَي دَينَهُ، وَهُوَ حَثٌّ لِلمَدِينِ عَلَى أَن يَكُونَ عِندَ ظَنِّ الدَّائِنِ وَأَمنِهِ مِنهُ وَائتِمَانِهِ لَهُ وَأَن يُؤَدِّيَ إِلَيهِ الحَقَّ الَّذِي ائتَمَنَهُ عَلَيهِ فَلَم يَرتَهِن مِنهُ.
{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ}
فِي إِنكَارِ حَقِّهِ.
{وَلَا تَكْتُمُوا}
أَيُّهَا الشُّهُودُ.
{الشَّهَادَةَ ۚ}
إِذَا دُعِيتُم لِإِقَامَتِهَا.
{وَمَن يَكْتُمْهَا}
بِالذِّكرِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّهَادَةِ.
{فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ}
لِأَنَّ كِتمَانَ الشَّهَادَةِ إِنَّمَا هُوَ عَقدُ النِّيَّةِ لِتَركِ أَدَائِهَا، وَلِأَنَّ المَآثِمَ تَتَعَلَّقُ بِعَقدِ القَلبِ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَثِمَ القَلبُ تَبِعَهُ غَيرُهُ مِنَ الجَوَارِحِ فَيُعَاقَبُ عَلَيهِ مُعَاقَبَةَ الآثِمِينَ، وَإِذَا جَعَلَ كِتمَانَ الشَّهَادَةِ مِن آثَامِ القُلُوبِ فَقَد شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ مِن مَعَاظِمِ الذُّنُوبِ.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ}
مِن كِتمَانِ الشَّهَادَةِ وَإِظهَارِهَا.
{عَلِيمٌ}
لَا يَخفَى عَلَيهِ شَىءٌ.
- فَضلُ خَوَاتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ
عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الآيَتَانِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَن قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيلَةٍ كَفَتَاهُ»([8]).
أَي كَفَتَاهُ لِلحِفظِ مِنَ الشَّيطَانِ، وَيَحتَمِلُ أَن تَكُونَ الكِفَايَةُ مِمَّا يَضُرُّ العَبدَ فِي جِسمِهِ، وَكَفَتَاهُ عَن قِيَامِ اللَّيلِ، مَعنَاهُ إِن قَرَأَ فِي النَّوَافِلِ يَكُونُ قَرَأَ مَا يَنَالُ بِهِ أَجرًا عَظِيمًا مِنَ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، مَعنَاهُ تَكُونُ قِرَاءَتُهُ كَافِيَةً مِن حَيثُ الأَجرُ وَمِن حَيثُ الوِقَايَةُ مِنَ الشَّرِّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: «قِيلَ كَفَتَاهُ مِن قِيَامِ تِلكَ اللَّيلَةِ، وَقِيلَ كَفَتَاهُ المَكرُوهَ فِيهَا، وَقِيلَ مِنَ الشَّيطَانِ، وَقِيلَ مِنَ الآفَاتِ، وَيَحتَمِلُ مِنَ الجَمِيعِ، وَاللَّهُ أَعلَمُ»([9]).اهـ
قَالَ ابنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: «كَفَتَاهُ أَي أَغنَتَاهُ عَن قِيَامِ اللَّيلِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُمَا أَقَلُّ مَا يُجزِئُ مِنَ القِرَاءَةِ فِي قِيَامِ اللَّيلِ. وَقِيلَ: تَكفِيَانِ الشَّرَّ وَتَقِيَانِ مِنَ المَكرُوهِ»([10]).
وَعَنِ المُغِيرَةِ بنِ سُبَيعٍ -وَكَانَ مِن أَصحَابِ عَبدِ اللَّهِ- قَالَ: «مَن قَرَأَ عَشرَ آيَاتٍ مِنَ البَقَرَةِ عِندَ مَنَامِهِ لَم يَنسَ القُرآنَ: أَربَعٌ مِن أَوَّلِهَا، وَآيَةُ الكُرسِيِّ، وَآيَتَانِ بَعدَهَا، وَثَلَاثٌ مِن آخِرِهَا»([11]).
وعن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أُعطِيتُ آيَاتٍ مِن بَيتِ كَنزٍ تَحتَ العَرشِ، لَم يُعطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبلِي وَلَا يُعطَاهَا أَحَدٌ بَعدِي، وَجُعِلَت لِي الأَرضُ مَسجِدًا وَطَهُورًا، وَجُعِلَت صُفُوفُنَا عَلَى مِثلِ صُفُوفِ المَلَائِكَةِ، وأُيِّدتُ بِالرُّعبِ مِن مَسِيرَةِ شَهرٍ»، ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ مِن آخِرِ البَقَرَةِ: {لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}([12]) حَتَّى خَتَمَ البَقَرَةَ([13]).اهـ
وَرُوِيَ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِأَلفَي عَامٍ فَأَنزَلَ فِيهِ آيَتَينِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَلَا تُقرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقرَبُهَا شَيطَانٌ»([14]).اهـ
وَرُوِيَ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اقرَءُوا هَاتَينِ الآيَتَينِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَإِنَّ رَبِّي أَعطَانِيهِمَا مِن تَحتِ العَرشِ»([15]).اهـ
وعَن جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَينِ أَعطَانِيهِمَا مِن كَنزِهِ الَّذِي تَحتَ العَرشِ، فَتَعَلَّمُوهُمَا وَعَلِّمُوهُمَا نِسَاءَكُم وَأَبنَاءَكُم، فَإِنَّهُمَا صَلَاةٌ وَقُرآنٌ وَدُعَاءٌ»([16]).اهـ
وَرَوَى مُسلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَينَمَا جِبرِيلُ قَاعِدٌ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَومَ، لَم يُفتَح قَطُّ إِلَّا اليَومَ. فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ. فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرضِ. لَم يَنزِل قَطُّ إِلَّا اليَومَ. فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبشِر بِنُورَينِ أُوتِيتَهُمَا لَم يُؤتَهُمَا نَبِيٌّ قَبلَكَ. فَاتِحَةُ الكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ. لَن تَقرَأَ بِحَرفٍ مِنهُمَا إِلَّا أُعطِيتَهُ»([17]).اهـ
وَعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ العَلَاءِ بنِ اللَّجلَاجِ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ، إِذَا وَضَعتَنِي فِي لَحدِي فَقُل: بِسمِ اللهِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ سُنَّ علَيَّ التُّرابَ سَنًّا([18]) ثُمَّ اقرَأ عِندَ رَأسِي بِفَاتِحَةِ البَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ([19]).اهـ
- تَفسِيرُ خَوَاتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ
لَمَّا أَخبَرَ عَن شُمُولِ عِلمِهِ وَعَظِيمِ مُلكِهِ وَقُدرَتِهِ، فَقَالَ وَاعِدًا لِلمُطِيعِ مُتَوَعِّدًا لِلعَاصِي مُصَرِّحًا بِأَنَّ أَفعَالَ العِبَادِ وَغَيرَهَا مَخلُوقَةٌ لَهُ:
{لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
{لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ}
خَلقًا وَمُلكًا.
{وَإِن تُبْدُوا}
تُظهِرُوا.
{مَا فِي أَنفُسِكُمْ}
مِنَ السُّوءِ وَالعَزمِ عَلَيهِ.
{أَوْ تُخْفُوهُ}
تُسِرُّوهُ.
{يُحَاسِبْكُم}
يُجَازِيكُم.
{بِهِ اللَّهُ ۖ}
يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَدخُلُ الخَاطِرُ وَحَدِيثُ النَّفسِ فِيمَا يُحَاسَبُ عَلَيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِي وُسعِهِ الخُلُوُّ مِنهُ، وَلَكِن يُحَاسَبُ عَلَى مَا اعتَقَدَهُ وَعَزَمَ عَلَيهِ، فَالعَزمُ عَلَى الكُفرِ كُفرٌ وَالعَزمُ عَلَى الذَّنبِ ذَنبٌ.
{فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ}
المَغفِرَةَ لَهُ.
{وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ}
تَعذِيبَهُ، أَي فَهُوَ يَغفِرُ وَيُعَذِّبُ.
{وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ}
مِنَ المَغفِرَةِ وَالتَّعذِيبِ وَغَيرِهَا.
{قَدِيرٌ}
قَادِرٌ، وَمِنهُ مُحَاسَبَتُكُم وَجَزَاؤُكُم.
ﱡ
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}
{آمَنَ}
صَدَّقَ.
{الرَّسُولُ}
مُحَمَّدٌ ﷺ.
{بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}
مِنَ القُرآنِ.
{وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ}
أَي كُلُّهُم.
{آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}
أَي بِكُلِّ وَاحِدٍ مِن رُسُلِهِ.
{لَا نُفَرِّقُ}
أَي يَقُولُونَ لَا نُفَرِّقُ.
{بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ }
أَي بِالإِيمَانِ بِهِم، بَل نُؤمِنُ بِالكُلِّ، مَعنَاهُ نُصَدِّقُهُم كُلَّهُم فِيمَا جَاءُوا بِهِ، أَي لَا نُصَدِّقُ بَعضًا وَنُكَذِّبُ بَعضًا بَل نُؤمِنُ بِالكُلِّ، أَمَّا مِن حَيثُ الفَضلُ فَبَعضُ الرُّسُلِ أَفضَلُ مِن بَعضٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَذَا كُلُّ الأَنبِيَاءِ مُؤمِنُونَ بِاللهِ تَعَالَى وَبِوَحدَانِيَّتِهِ حَتَّى قَبلَ أَن يَنزِلَ عَلَيهِمُ الوَحيُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَيسَ المَعنَى هُنَا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَم يَكُن مُؤمِنًا ثُمَّ آمَنَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، لَكِن أَرَادَ بِهِ الإِيمَانَ بِالقُرءَانِ، فَإِنَّهُ آمَنَ بِهِ عِندَمَا نَزَلَ عَلَيهِ، عَلَى مَعنَى أَنَّهُ عِندَمَا نَزَلَ عَلَيهِ القُرءَانُ صَدَّقَ بِهِ.
{وَقَالُوا سَمِعْنَا}
أَجَبنَا قَولَكَ وَسَمِعنَاهُ سَمَاعَ قَبُولٍ.
{وَأَطَعْنَا ۖ}
أَمرَكَ، نَسأَلُكَ.
{غُفْرَانَكَ}
أَيِ اغفِر لَنَا غُفرَانَكَ.
{رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}
أَيِ المَرجِعُ، وَفِيهِ إِقرَارٌ بِالبَعثِ وَالجَزَاءِ.
ثُمَّ بَيَّن أَنَّهُ أَثَابَهُم عَلَى إِيمَانِهِم رَفعَ الإِصرِ وَالمَشَقَّةِ وَالمُؤَاخَذَةِ بِالخَطَأِ وَالنِّسيَانِ فَقَالَ:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ}
إِلَّا مَا تَسَعُهُ طَاقَتُهَا وَقُدرَتُهَا([20]).
{لَهَا مَا كَسَبَتْ}
يَنفَعُهَا مَا كَسَبَت مِن خَيرٍ أَي ثَوَابُهُ.
{وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ}
وَيَضُرُّهَا مَا اكتَسَبَت مِن شَرٍّ أَي وِزرُهُ، المَعنَى أَنَّ العِبَادَ يُثَابُونَ عَلَى كَسبِهِم لِلحَسَنَاتِ وَيُعَاقَبُونَ عَلَى كَسبِهِم لِلسَّيِّئَاتِ([21]).
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا}
تَرَكنَا أَمرًا مِن أَوَامِرِكَ سَهوًا.
{أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ}
وَقَد رَفَعَ اللهُ ذَلِكَ عَن هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ فَسُؤَالُهُ اعتِرَافٌ بِنِعمَةِ اللهِ، وَقَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: هَذَا تَعلِيمٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِلخَلقِ أَن يَقُولُوا ذَلِكَ.
{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}
عِبئًا يَأصِرُ حَامِلَهُ أَي يَحبِسُهُ مَكَانَهُ لِثِقَلِهِ.
{كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ}
كَبَنِي إِسرَائِيلَ، مِن قَتلِ النَّفسِ فِي التَّوبَةِ، وَإِخرَاجِ رُبُعِ المَالِ فِي الزَّكَاةِ، وَقَطعِ مَوضِعِ النَّجَاسَةِ.
{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ}
قُوَّةَ.
{لَنَا بِهِ ۖ}
مِنَ التَّكَالِيفِ وَالبَلَاءِ وَالعُقُوبَاتِ النَّازِلَةِ بِمَن قَبلَنَا.
{وَاعْفُ عَنَّا}
امحُ سَيِّئَاتِنَا.
{وَاغْفِرْ لَنَا}
وَاستُر ذُنُوبَنَا، وَلَيسَ بِتَكرَارٍ فَالأَوَّلُ لِلكَبَائِرِ وَالثَّانِي لِلصَّغَائِرِ.
{وَارْحَمْنَا ۚ}
بِتَثقِيلِ مِيزَانِنَا مََعَ إِفلَاسِنَا.
{أَنتَ مَوْلَانَا}
سَيِّدُنَا وَنَحنُ عَبِيدُكَ، أَو نَاصِرُنَا، أَو مُتَوَلِّي أُمُورِنَا.
{فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
بِإِقَامَةِ الحُجَّةِ وَالغَلَبَةِ فِي قِتَالِهِم.
([1]) فَمِن مَعَاصِي البَدَنِ تَركُ الدَّائِنِ إِنظَارَ المُعسِرِ أَيِ العَاجِزِ عَن قَضَاءِ مَا عَلَيهِ مَعَ عِلمِهِ بِإِعسَارِهِ، فَيَحرُمُ عَلَيهِ مُلَازَمَتُهُ أَو حَبسُهُ، وَيَحرُمُ عَلَيهِ مُطَالَبَتُهُ مَعَ عِلمِهِ بِعَجزِهِ، كَأَن يَقُولَ لَهُ: الآنَ تُعطِينِي مَالِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن أَنظَرَ مُعسِرًا أَو وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج19 ص168). أَي فِي ظِلِّ العَرشِ، فَالَّذِي يَكتَسِبُ هَذِهِ المَثُوبَةَ فَهُوَ مِنَ الفَائِزِينَ.
([2]) سُنَنُ ابنِ مَاجَه، لِابنِ مَاجَه القَزوِينِيِّ (ج2 ص808).
([3]) أَي يُسمِعُهُم كَلَامَهُ الَّذِي لَا يُشبِهُ كَلَامَ العَالَمِينَ، مِنهُم مَن يُكَلِّمُهُمُ اللهُ تَعَالَى كَلَامَ مَن رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَي يُسمِعُهُم كَلَامَهُ الَّذِي لَا يُشبِهُ كَلَامَ الخَلقِ فَيَحصُلُ لَهُم سُرُورٌ وَرِضًا وَاطمِئنَانُ نَفسٍ، وَمِنهُم مَن يُكَلِّمُهُمُ اللهُ تَعَالَى لِيَعرِفُوا أَنَّهُم مُهَانُونَ عِندَ اللهِ لَيسَ لَهُم أَمَانٌ وَلَيسُوا مِن أَهلِ الدَّرَجَاتِ العُلَا، فَكَلَامُ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا لُغَةً وَلَيسَ مُبتَدَأً وَلَا مُختَتَمًا، كَلَامُهُ صِفَتُهُ فِي الأَزَلِ، اللهُ تَعَالَى فِي يَومِ القِيَامَةِ يُزِيلُ عَن أَسمَاعِ العِبَادِ الحِجَابَ المَعنَوِيَّ المَانِعَ مِن سَمَاعِ كَلَامِهِ تَعَالَى المَوجُودِ أَزَلًا وَأَبَدًا فَيَسمَعُونَ كَلَامَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَومَ القِيَامَةِ لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تَرجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحجُبُهُ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ التَّوحِيدِ – بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22)} ، رَقمُ الحَدِيثِ: (7443)
([4]) وَهِيَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِهَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ كَمَا نَقَلَهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ضَعهَا فِي رَأسِ المِائَتَينِ وَالثَّمَانِينَ مِنَ البَقَرَةِ، وَعَاشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعدَهَا إِحدَى وَعِشرِينَ يَومًا أَو إِحدَى وَثَمَانِينَ أَو سَبعَةَ أَيَّامٍ أَو ثَلَاثَ سَاعَاتٍ.
([5]) وَمِن جُملَةِ الوَاجِبَاتِ تَعَلُّمُ العِلمِ الشَّرعِيِّ، فَلا يَكُونُ العَبدُ مِنَ المُتَّقِينَ مَا لَم يَتَعَلَّم مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مَعرِفَتَهُ مِن عِلمِ دِينِهِ، فَلا يَكُونُ مِثلُ هَذَا مُتَّقِيًا مَهمَا أَتعَبَ نَفسَهُ فِي العِبَادَاتِ وَجَاهَدَ نَفسَهُ بِتَحَمُّلِ مَشَقَّاتِ العِبَادَةِ وَكَفِّهَا عَن هَوَاهَا. وَأَكثَرُ المُتَصَوِّفَةِ اليَومَ لا يَطلُبُونَ العِلمَ الشَّرعِيَّ إِلَى القَدرِ الكَافِي إِنَّمَا يَمِيلُونَ إِلَى الإِكثَارِ مِنَ الذِّكرِ فَهَؤُلاءِ لا يَصِيرُونَ مِن أَولِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مَهمَا تَعِبُوا وَمَهمَا صَحِبُوا أَولِيَاءَ اللَّهِ وَخَدَمُوهُم إِلَّا إِذَا أَتَتهُم نَفحَةٌ فَيَتَعَلَّمُونَ وَيَجِدُّونَ فِي العَمَلِ، فَهَؤُلاءِ مِن أَهلِ العِنَايَةِ، وَأَمَّا الَّذِينَ بَقُوا عَلَى مَا هُم عَلَيهِ مِنَ الجَهلِ وَظَنُّوا أَنَّهُم يَصِلُونَ إِلَى اللَّهِ بِالذِّكرِ وَمَحَبَّةِ الأَولِيَاءِ فَهَؤُلاءِ مَخدُوعُونَ.
([6]) العِلمُ اللَّدُنِّيُّ هُوَ عِلمٌ غَيرُ مُكتَسَبٍ يُفَاضُ عَلَى قَلبِ العَبدِ المُؤمِنِ التَّقِيِّ الصَّالِحِ، وَذَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلوَلِيِّ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالشَّرِيعَةِ عَلَى التَّمَامِ كَعِلمِ تَفسِيرِ المَنَامِ.
([7]) اللهُ مُتَّصِفٌ بِعِلمٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ قَائِمٍ بِذَاتِهِ لَا يَزدَادُ وَلَا يَنقُصُ، فَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَىءٍ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ.
([8]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ فَضَائِلِ القُرءَانِ – بَابٌ مَن لَم يَرَ بَأسًا أَن يَقُولَ سَورُةَ البَقَرَةِ وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا، رَقمُ الحَدِيثِ: (5040).
([9]) رِيَاضُ الصَّالِحِينَ، لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ (ص301).
([10]) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِعِزِّ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ (ج4 ص193).
([11]) المُسنَدُ، لِأَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيِّ (ج4 ص2131).
([12]) [سُورَةُ البَقَرَةِ:284].
([13]) المُعجَمُ الأَوسَطُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج7 ص278).
([14]) سُنَنُ النَّسَائِيِّ، لِأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ النَّسَائِيِّ (ج9 ص354).
([15]) المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج17 ص283).
([16]) المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج3 ص44).
([17]) صَحِيحِ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِينَ وَقَصرِهَا – بَابُ فَضلِ الفَاتِحَةِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
([18]) قَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ: سَنَّ عَلَيهِ المَاءَ: صَبَّهُ عَلَيهِ صَبًّا سَهلًا، تَاجُ العَرُوسِ، لِمُحَمَّد مُرتَضَى الزَّبِيدِيِّ (ج35 ص229).
([19]) المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج19 ص220).
([20]) قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي عَقِيدَتِهِ المَشهُورَةِ: «وَأَفعَالُ العِبَادِ خَلقُ اللهِ وَكَسبٌ مِنَ العِبَادِ»، أَي أَنَّ أَفعَالَ العِبَادِ كُلَّهَا مَخلُوقَةٌ للهِ، وَهِيَ بِالنِّسبَةِ لِلعِبَادِ كَسبٌ، فَيُعلَمُ مِمَّا ذُكِرَ إِبطَالُ قَولِ المُعتَزِلَةِ وَالجَبرِيَّةِ، فَأَمَّا المُعتَزِلَةُ فَقَالَت: هِيَ مَخلُوقَةٌ لِفَاعِلِهَا، وَمَنَعُوا قُدرَةَ اللهِ عَنهَا حَتَّى جَعَلُوا كُلَّ فَاعِلٍ مُختَارًا خَالِقًا لِأَفعَالِهِ، وَأَمَّا الجَبرِيَّةُ فَزَعَمُوا أَن لَا فِعلَ لِلعِبَادِ عَلَى الحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا يُضَافُ لَهُم مَجَازًا كَمَا يُقَالُ جَرَى المَاءُ وَاسوَدَّ الشَّعَرُ وَطَالَ الغُلَامُ، ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: «وَلَم يُكَلِّفهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يُطَيَّقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُم»، الجُملَةُ الأُولَى مَعنَاهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الجُملَةُ الثَّانِيَةُ فَمَعنَاهَا: لَا يُلزَمُونَ، أَي لَيسَ لِلعِبَادِ أَن يُلزِمُوهُم إِلَّا مَا كَلَّفَهُمُ اللهُ بِهِ، فَيُطِيقُونَ فِي الجُملَةِ الأُولَى بِضَمِّ اليَاءِ وَكَسرِ الطَّاءِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَيَتَعَيَّنُ قِرَاءَتُهَا بِضَمِّ اليَاءِ وَفَتحِ الطَّاءِ وَتَشدِيدِ اليَاءِ الَّتِي بَعدَهَا، وَلَا يَصِحُّ مَعنَى هَذِهِ الجُملَةِ الثَّانِيَةِ إِلَّا عَلَى هَذَا الوَجهِ لِظُهُورِ فَسَادِهِ، لِأَنَّ المَعنَى عَلَى ذَلِكَ يَنحَلُّ إِلَى أَنَّ العِبَادَ لَا يَستَطِيعُونَ أَن يَفعَلُوا سِوَى مَا كَلَّفَهُمُ اللهُ بِهِ، وَالوَاقِعُ أَنَّ العِبَادَ قَادِرُونَ عَلَى أَن يُخَالِفُوا مَا كَلَّفَهُمُ اللهُ بِهِ، وَذَلِكَ حَالُ أَكثَرِ البَشَرِ.
([21]) الكَسبُ أَمرٌ دُونَ الخَلقِ، وَهُوَ العَزمُ المُصَمَّمُ عَلَى فِعلِ الشَّىءِ، فَلَمَّا يُوَجِّهُ وَيُعَلِّقُ العَبدُ قَصدَهُ وَإِرَادَتَهُ بِشَىءٍ يَخلُقُ اللهُ ذَلِكَ الشَّىءَ، فَكُلُّ أَعمَالِ العَبدِ مَخلُوقَةٌ للهِ، أَي هُوَ يُوجِدُهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَلَا يُستَثنَى مِن ذَلِكَ شَىءٌ.