{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270) إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)}
- ذِكرُ قِصَّةِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ النُّمرُودِ
لَمَّا ذَكَرَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَا لَهُ مِنَ الإِحَاطَةِ وَالعَظَمَةِ أَخَذَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِقِصَّةِ المُحَاجِّ لِلخَلِيلِ فِي سِيَاقِ التَّعجِيبِ مِن تِلكَ الجُرأَةِ، فَعَجَّبَ نَبِيَّهُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَسَلَّاهُ -أَي خَفَّفَ عَنهُ- بِمُجَادَلَةِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ نُمرُودَ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ بِقَولِهِ:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
{أَلَمْ تَرَ}
هَل رَأَيتَ أَو هَل عَلِمتَ.
{إِلَى الَّذِي حَاجَّ}
عَارَضَ وَجَادَلَ.
{إِبْرَاهِيمَ فِي}
رُبُوبِيَّةِ.
{رَبِّهِ}
أَي رَبِّ إِبرَاهِيمَ.
{أَنْ}
لِأَنَّهُ.
{آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}
أَي لِأَنَّ إِيتَاءَ المُلكِ أَبطَرَهُ وَأَورَثَهُ الكِبرَ فَحَاجَّ لِذَلِكَ([1]).
{إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ}
لَمَّا قَالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدعُونَا إِلَيهِ؟:
{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}
يَخلُقُ المَوتَ وَالحَيَاةَ فِي الأَجسَادِ.
فَـ{قَالَ}
نُمرُودُ:
{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}
يُرِيدُ أَعفُو عَنِ القَتلِ وَأَقتُلُ، وَدَعَا بِرَجُلَينِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَتَرَكَ الآخَرَ، فَأَرَادَ التَّلبِيسَ فِي حُجَّةِ إِبَرَاهِيمَ عَلَى الضَّعَفَةِ فَانقَطَعَ اللَّعِينُ بِهَذَا عِندَ المُخَاصَمَةِ، فَلَمَّا رَآهُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ غَبِيًّا زَادَ مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّلبِيسُ عَلَى الضَّعَفَةِ.
فَـ {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا}
أَنتَ.
{مِنَ الْمَغْرِبِ}([2])
وَهَذَا لَيسَ بِانتِقَالٍ مِن حُجَّةٍ إِلَى حُجَّةٍ كَمَا زَعَمَ البَعضُ، لِأَنَّ الحُجَّةَ الأُولَى كَانَت لَازِمَةً، وَلَكِن لَمَّا عَانَدَ اللَّعِينُ حُجَّةَ الإِحيَاءِ بِتَخلِيَةِ وَاحِدٍ وَقَتلِ آخَرَ كَلَّمَهُ مِن وَجهٍ لَا يُعَانَدُ، قِيلَ: إِنَّهُ لَم يَدَّعِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأتِي بِهَا مِنَ المَشرِقِ لِظُهُورِ كَذِبِهِ لِأَهلِ مَملَكَتِهِ، وَكَانُوا أَهلَ تَنجِيمٍ، وَحَرَكَةُ الكَوَاكِبِ مِنَ المَغرِبِ إِلَى المَشرِقِ مَعلُومَةٌ لَهُم، وَكَانُوا يَعلَمُونَ أَنَّهُ مُحدَثٌ وَأَنَّ الشَّمسَ كَانَت تَطلُعُ مِنَ المَشرِقِ قَبلَ حُدُوثِهِ أَي قَبلَ النُّمرُودِ، وَلَم يَقُل أَنَا آتِي بِهَا مِنَ المَغرِبِ لِعِلمِهِ بِعَجزِهِ.
{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ}
تَحَيَّرَ وَدَهِشَ.
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
الكَافِرِينَ، أَي لَا يُوَفِّقُهُم ([3]).
- ذِكرُ قِصَّةِ عُزَيرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ
كَانَ التَّقدِيرُ كَأَنَّهُ قِيلَ: هَل رَأَيتَ الَّذِي حَاجَّ إِبرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ؟
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
{أَوْ}
هَل رَأَيتَ.
{كَالَّذِي}
مَثَلَ الَّذِي.
{مَرَّ}
وَالأَكثَرُ أَنَّهُ عُزَيرٌ، أَرَادَ أَن يُعَايِنَ إِحيَاءَ المَوتَى لِيَزدَادَ بَصِيرَةً كَمَا طَلَبَهُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ.
{عَلَىٰ قَرْيَةٍ}
هِيَ بَيتُ المَقدِسِ حِينَ خَرَّبَهُ بُختَنَصَّرُ.
{وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا}
سَاقِطَةٌ مَعَ سُقُوفِهَا، سَقَطَتِ السُّقُوفُ ثُمَّ سَقَطَت عَلَيهَا الحِيطَانُ، وَكُلُّ مُرتَفِعٍ عَرشٌ، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَسَاتِينِ هَذِهِ المَدِينَةِ رَآهَا عَامِرَةً بِالفَاكِهَةِ النَّضِرَةِ الطَّرِيَّةِ، فَزَادَت دَهشَتُهُ، إِذِ الأَشجَارُ مُثمِرَةٌ وَالنَّاسُ مَيِّتُونَ، فَقَالَ وَقَد أَثَّرَت فِيهِ العِبرَةُ: سُبحَانَ اللهِ القَادِرِ عَلَى إِحيَاءِ هَذِهِ المَدِينَةِ وَأَهلِهَا بَعدَمَا أَصبَحُوا عَلَى هَذِهِ الحَالِ، ثُمَّ تَنَاوَلَ مِن تِلكَ الأَشجَارِ عِنَبًا وَتِينًا وَمَلَأَ مِنهُمَا سَلَّةً لَهُ، ثُمَّ عَصَرَ عِنَبًا فِي وِعَاءٍ وَشَرِبَ مِنهُ قَلِيلًا.
{قَالَ أَنَّىٰ}
كَيفَ.
{يُحْيِي}
أَهلَ.
{هَٰذِهِ}
القَريَةِ.
{اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ}
اعتِرَافٌ بِالعَجزِ عَن مَعرِفَةِ طَرِيقَةِ الإِحيَاءِ وَاستِعظَامٌ لِقُدرَةِ المُحيِي.
{فَأَمَاتَهُ اللَّهُ}
بَينَمَا هُوَ قَاعِدٌ يَستَرِيحُ تَحتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى أَمَاتَهُ اللهُ.
{مِائَةَ عَامٍ}
وَحَجَبَهُ عَن عُيُونِ النَّاسِ وَالسِّبَاعِ وَالطُّيُورِ.
{ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ}
أَحيَاهُ.
{قَالَ}
أَي قَالَ لَهُ المَلَكُ.
{كَمْ لَبِثْتَ ۖ}
رُوِيَ أَنَّهُ مَاتَ ضُحًى وَبُعِثَ بَعدَ مِائَةِ سَنَةٍ قَبلَ غَيبُوبَةِ الشَّمسِ.
فَـ{قَالَ}
قَبلَ النَّظَرِ إِلَى الشَّمسِ.
{لَبِثْتُ يَوْمًا}
ثُمَّ التَفَتَ فَرَأَى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمسِ فَقَالَ:
{أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ}
بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ.
{قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ}
وَكَانَ تِينًا وَعِنَبًا.
{وَشَرَابِكَ}
كَانَ عَصِيرًا وَلَبَنًا، فَوَجَدَ التِّينَ وَالعِنَبَ كَمَا جُنِيَ وَالشَّرَابَ عَلَى حَالِهِ. {لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ}
لَم يَتَغَيَّر، لَم تُغَيِّرهُ السِّنُونَ.
{وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ}
كَيفَ تَفَرَّقَت عِظَامُهُ وَنَخِرَت، وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ قَد رَبَطَهُ فَمَاتَ وَتَفَتَّتَت عِظَامُهُ، أَوِ انظُر إِلَيهِ سَالِمًا فِي مَكَانِهِ كَمَا رَبَطتَهُ، وَذَلِكَ مِن أَعظَمِ الآيَاتِ أَن يَعِيشَ مِائَةَ عَامٍ مِن غَيرِ عَلَفٍ وَلَا مَاءٍ كَمَا حُفِظَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ مِنَ التَّغَيُّرِ.
{وَلِنَجْعَلَكَ}
أَي فَعَلنَا ذَلِكَ لِنَجعَلَكَ.
{آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ}
يُرِيدُ إِحيَاءَهُ بَعدَ المَوتِ وَحِفظَ مَا مَعَهُ، قِيلَ: أَتَى قَومَهُ رَاكِبًا حِمَارًا وَقَالَ: أَنَا عُزَيرٌ، فَكَذَّبُوهُ، فَقَالَ: هَاتُوا التَّورَاةَ، فَأَخَذَ يَقرَؤُهَا عَن ظَهرِ قَلبٍ، وَلَم يَقرَأ التَّورَاةَ ظَاهِرًا أَحَدٌ قَبلَ عُزَيرٍ، فَذَلِكَ كَونُهُ آيَةً، وَقِيلَ: رَجَعَ إِلَى مَنزِلِهِ فَرَأَى أَولَادَهُ شُيُوخًا وَهُوَ شَابٌّ.
{وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ}
أَي عِظَامِ الحِمَارِ.
{كَيْفَ نُنشِزُهَا}
نُحَرِّكُهَا وَنَرفَعُ بَعضَهَا إِلَى بَعضٍ لِلتَّركِيبِ.
{ثُمَّ نَكْسُوهَا}
أَيِ العِظَامِ.
{لَحْمًا}
جَعَلَ اللَّحمَ كَاللِّبَاسِ مَجَازًا، وَعِندَمَا نَظَرَ عُزَيرٌ إِلَى حِمَارِهِ حَيثُ رَبَطَهُ بِالشَّجَرَةِ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَعِظَامُهُ قَد أَصبَحَت بَيضَاءَ نَخِرَةً وَقَد تَفَرَّقَت أَطرَافُهُ وَبَلِيَت، وَسَمِعَ صَوتَ مَلَكٍ مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: أَيَّتُهَا العِظَامُ البَالِيَةُ تَجَمَّعِي بِإِذنِ اللهِ، فَانضَمَّت أَجزَاءُ العِظَامِ إِلَى بَعضِهَا، ثُمَّ التَصَقَ كُلُّ عُضوٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، الضِّلَعُ إِلَى الضِّلَعِ، وَالذِّرَاعُ إِلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ جَاءَ الرَّأسُ إِلَى مَوضِعِهِ، وَرُكِّبَتِ الأَعصَابُ وَالعُرُوقُ، ثُمَّ أَنبَتَ اللهُ اللَّحمَ الطَّرِيَّ عَلَى الهَيكَلِ العَظمِيِّ وَكَسَاهُ بِالجِلدِ الَّذِي انبَسَطَ عَلَى اللَّحمِ، ثُمَّ خَرَجَ الشَّعَرُ مِنَ الجِلدِ، وَعِندَهَا جَاءَ مَلَكٌ فَنَفَخَ الرُّوحَ بِإِذنِ اللهِ فِي مِنخَرَيِ الحِمَارِ فَقَامَ يَنهَقُ، فَهَبَطَ عُزَيرٌ إِلَى الأَرضِ سَاجِدًا للهِ بَعدَ أَن شَاهَدَ آيَةً مِن آيَاتِ اللهِ تَعَالَى العَجِيبَةِ البَاهِرَةِ وَهِيَ إِحيَاءُ المَوتَى.
{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ}
أَي فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ إِحيَاءُ المَوتَى عِيَانًا، مَعنَاهُ التَّبَيُّنُ بِطَرِيقِ الحِسِّ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ مَا كَانَ مُوقِنًا بِقُدرَةِ اللهِ عَلَى كُلِّ شَىءٍ.
{قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
أَي مِن إِحيَاءِ المَوتَى وَغَيرِهِ([4]).
- ذِكرُ قِصَّةِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ إِحيَاءِ المَوتَى
لَمَّا قَرَّرَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَمرَ البَعثِ وَأَنَّ الإِيمَانَ بِهِ مِنَ المَقَاصِدِ العُظمَى ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُم بَعدَ ذَلِكَ قِصَّةَ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ آبَائِهِمُ المُقَلِّدِينَ لَهُم بِزَعمِهِمُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى حَقِّيَّةِ البَعثِ وَقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
{وَإِذْ}
وَاذكُر إِذ.
{قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي}
أَي بَصِّرنِي.
{كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ}
قَالَ ابنُ جُزَيٍّ: لَم يَشُكَّ إِبرَاهِيمُ فِي إِحيَاءِ المَوتَى، الشَّكُّ فِي مِثلَ هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى الأَنبِيَاءِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ المُعَايَنَةَ لِأَنَّهُ رَأَى دَابَّةً قَد أَكَلَتهَا السِّبَاعُ وَالحَيَّاتُ فَسَأَلَ ذَلِكَ السُّؤَالَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ: ﱡﱆﱠ فَإِنَّهَا سُؤَالٌ عَن حَالِ الإِحيَاءِ وَصُورَتِهِ لَا عَن وُقُوعِهِ.
{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ}
وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: أَوَلَم تُؤمِن؟ وَقَد عَلِمَ أَنَّهُ أَثبَتُ النَّاسِ إِيمَانًا، لِيُجِيبَ بِمَا أَجَابَ بِهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الفَائِدَةِ الجَلِيلَةِ لِلسَّامِعِينَ.
{قَالَ بَلَىٰ}
آمَنتُ.
{وَلَٰكِن}
سَأَلتُكَ.
{لِّيَطْمَئِنَّ}
يَسكُنَ.
{قَلْبِي ۖ}
بِالمُشَاهَدَةِ وَالمُعَايَنَةِ المَضمُومَةِ إِلَى الِاستِدلَالِ، وَكَانَ قَلبُهُ مُطمَئِنًّا مِن حَيثُ الِاعتِقَادُ، لَكِن أَرَادَ المُشَاهَدَةَ، وَيَجُوزُ أَن نَقُولَ: لِيَزدَادَ قَلبُهُ سُكُونًا وَطُمَأنِينَةً، هُوَ كَانَ مُؤمِنًا غَيرَ شَاكٍّ وَلَا مُرتَابٍ وَلَكِن تَاقَت نَفسُهُ أَن يَرَى ذَلِكَ بِعَينِهِ([5]).
{قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ}
طَاوُوسًا وَدِيكًا وَغُرَابًا وَحَمَامَةً.
{فَصُرْهُنَّ}
أَمِلهُنَّ وَاضمُمهُنَّ.
{إِلَيْكَ}
ثُمَّ جَزِّئهُنَّ.
{ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا}
وَفَرِّق أَجزَاءَهُنَّ عَلَى الجِبَالِ الَّتِي بِحَضرَتِكَ وَفِي أَرضِكَ، وَكَانَت أَربَعَةَ أَجبُلٍ أَو سَبعَةً.
{ثُمَّ ادْعُهُنَّ}
قُل لَهُنَّ: تَعَالَين بِإِذنِ اللهِ.
{يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ}
أَي سَاعِيَاتٍ مُسرِعَاتٍ فِي طَيَرَانِهِنَّ أَو فِي مَشيِهِنَّ عَلَى أَرجُلِهِنَّ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِضَمِّهَا إِلَى نَفسِهِ بَعدَ أَخذِهَا لِيَتَأَمَّلَهَا وَيَعرِفَ أَشكَالَهَا وَهَيئَاتِهَا وَحِلَاهَا، لِئَلَّا تَلتَبِسَ عَلَيهِ بَعدَ الإِحيَاءِ وَلَا يَتَوَهَّمَ أَنَّهَا غَيرُ تِلكَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ أُمِرَ بِأَن يَذبَحَهَا وَيَنتِفَ رِيشَهَا وَيُقَطِّعَهَا وَيُفَرِّقَ أَجزَاءَهَا وَيَخلِطَ رِيشَهَا وَدِمَاءَهَا وَلُحُومَهَا وَأَن يُمسِكَ رُؤُوسَهَا، ثُمَّ أُمِرَ أَن يَجعَلَ أَجزَاءَهَا عَلَى الجِبَالِ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ رُبُعًا مِن كُلِّ طَائِرٍ، ثُمَّ يَصِيحَ بِهَا: تَعَالَينَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، فَجَعَلَ كُلُّ جُزءٍ يَطِيرُ إِلَى الآخَرِ حَتَّى صَارَت جُثَثًا، ثُمَّ أَقبَلنَ فَانضَمَمنَ إِلَى رُؤُوسِهِنَّ، كُلُّ جُثَّةٍ إِلَى رَأسِهَا.
{وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ}
لَا يَمتَنِعُ عَلَيهِ مَا يُرِيدُ وَلَا يُعجِزُهُ شَىءٌ.
{حَكِيمٌ}
فِيمَا يُدَبِّرُ وَيَصنَعُ، لَا يَفعَلُ إِلَّا مَا فِيهِ الحِكمَةُ([6]).
- الحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى بِغَيرِ مَنٍّ وَلَا أَذًى وَلَا رِيَاءٍ
لَمَّا بَرهَنَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى قُدرَتِهِ عَلَى الإِحيَاءِ حَثَّ عَلَى الإِنفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَعلَمَ أَنَّ مَن أَنفَقَ فِي سَبِيلِهِ فَلَهُ فِي نَفَقَتِهِ أَجرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيهِ، فَقَالَ:
{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
{مَّثَلُ}
صِفَةُ.
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ}
أَو صِفَةُ نَفَقَتِهِم.
{فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
أَي طَاعَتِهِ، أَوِ الجِهَادِ.
{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ}
فَكَذَلِكَ نَفَقَاتُهُم تُضَاعَفُ لِسَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، وَالمُنبِتُ هُوَ اللهُ، وَلَكِنَّ الحَبَّةَ لَمَّا كَانَت سَبَبًا أَسنَدَ إِلَيهَا الإِنبَاتَ كَمَا يُسنَدُ إِلَى الأَرضِ وَإِلَى المَاءِ، وَمَعنَى إِنبَاتِهَا سَبعَ سَنَابِلَ أَن تُخرِجَ سَاقًا يَتَشَعَّبُ مِنهُ سَبعُ شُعَبٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ سُنبُلَةٌ، وَهَذَا التَّمثِيلُ تَصوِيرٌ لِلأَضعَافِ كَأَنَّهَا مَاثِلَةٌ بَينَ عَينَيِ النَّاظِرِ.
{وَاللَّهُ يُضَاعِفُ}
تِلكَ المُضَاعَفَةَ، أَو أَكثَرَ مِن ذَلِكَ.
{لِمَن يَشَاءُ ۗ}
لَا لِكُلِّ مُنفِقٍ لِتَفَاوُتِ أَحوَالِ المُنفِقِينَ، أَو يَزِيدُ عَلَى سَبعِمِائَةٍ لِمَن يَشَاءُ.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ}
أَي وَاسِعُ الفَضلِ وَالجُودِ.
{عَلِيمٌ}
بِنِيَّاتِ المُنفِقِينَ وَبِمَن يَستَحِقُّ المُضَاعَفَةَ.
ثُمَّ بَيَّن أَنَّهُ حَتَّى يَنَالَ الإِنسَانُ ثَمَرَةَ مَا زَرَعَ مِنَ الأَعمَالِ لَا بُدَّ مِن شَرطٍ لِذَلِكَ، فَبَيَّنَ هَذَا الشَّرطَ وَبَيَّنَ مَا يُبطِلُ الثَّوَابَ وَيُذهِبُهُ فَقَالَ:
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا}
عَلَى المُنفَقِ عَلَيهِ بِقَولِهِم مَثَلًا: قَد أَحسَنتُ إِلَيهِ وَجَبَرتُ حَالَهُ، فَالمَنُّ بِالصَّدَقَةِ هُوَ أَن يُعَدِّدَ نِعمَتَهُ عَلَى ءَاخِذِهَا، كَأَن يَقُولَ لَهُ: أَلَم أَفعَل لَكَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَكسِرَ قَلبَهُ، أَو يَذكُرَهَا لِمَن لا يُحِبُّ الآخِذُ اطِّلاعَهُ عَلَيهِ، وَهُوَ يُحبِطُ الثَّوَابَ وَيُبطِلُهُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا صَنَعتُم صَنِيعَةً فَانسَوهَا.
{وَلَا أَذًى}
لَهُ بِذِكرِ ذَلِكَ إِلَى مَن لَا يُحِبُّ وُقُوفَهُ عَلَيهِ وَنَحوِهِ، كَأَن يَتَطَاوَلَ عَلَيهِ بِسَبَبِ مَا أَعطَاهُ، فَالإِنفَاقُ إِن كَانَ يَتبَعُهُ مَنٌّ أَو أَذًى كَأَنَّهُ لَم يَحصُل وَلَا يَنفَعُ صَاحِبَهُ، أَمَّا الإِنفَاقُ النَّافِعُ فَهُوَ مَا يَكُونُ مَعَ تَركِ المَنِّ وَالأَذَى.
{لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ}
أَي ثَوَابُ إِنفَاقِهِم.
{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}
فِي الآخِرَةِ مِن بَخسِ الأَجرِ أَوِ العَذَابِ.
{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
بِفَوتِ الثَّوَابِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ تَشَوَّقَتِ النَّفسُ إِلَى الوُقُوفِ عَلَى الحَقِيقَةِ مِن أَمرِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي قَولِهِ:
{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}
{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ}
أَي كَلَامٌ حَسَنٌ وَرَدٌّ جَمِيلٌ لِلفَقِيرِ السَّائِلِ، مِثلُ أَن يَقُولَ لَهُ: اللهُ يُوَسِّعُ عَلَيكَ.
{وَمَغْفِرَةٌ}
أَي نَيلُ مَغفِرَةٍ مِنَ اللهِ بِسَبَبِ القَولِ وَالرَّدِّ الجَمِيلِ، أَو عَفوٌ عَنِ السَّائِلِ إِذَا وُجِدَ مِنهُ مَا يُثقِلُ عَلَى المَسؤُولِ مِن إِلحَاحٍ وَغَيرِهِ.
{خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ}
وَهُوَ مُوَاجَهَةُ الفَقِيرِ بِمَا يُؤذِيهِ، مِثلُ أَن يَقُولَ لَهُ: أَنتَ أَبَدًا فَقِيرٌ وَقَد بُلِيتُ بِكَ، وَأَرَاحَنِي اللهُ مِنكَ، أَو أَن يُخبِرَ بِإِحسَانِهِ إِلَى الفَقِيرِ مَن يَكرَهُ الفَقِيرُ اطِّلَاعَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكِلَا القَولَينِ يُؤذِي الفَقِيرَ وَلَيسَ مِن صِفَةِ المُخلِصِينَ فِي الصَّدَقَةِ، وَعَن حَسَّانِ بنِ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ كَانَ يَشتَرِي أَهلَ بَيتِ الرَّجُلِ وَعَيَالَهُ أَيِ الَّذِينَ هُم مِلكُ يَمِينٍ ثُمَّ يُعتِقُهُم جَمِيعًا وَلَا يَتَعَرَّفُ إِلَيهِم وَلَا يُخبِرُهُم مَن هُوَ.
{وَاللَّهُ غَنِيٌّ}
عَن صَدَقَةِ العِبَادِ لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى مُنفِقٍ يَمُنُّ وَيُؤذِي.
{حَلِيمٌ}
عَن مُعَاجَلَتِهِ بِالعُقُوبَةِ، وَهَذَا وَعِيدٌ لَهُ.
ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ وَبَالَغَ فِي الزَّجرِ عَنهُ بِقَولِهِ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا}
ثَوَابَ.
{صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي}
إِبطَالًا كَإِبطَالِ المُنَافِقِ الَّذِي.
{يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ}
مُرَائِيًا لَهُم وَلَا يُرِيدُ بِإِنفَاقِهِ رِضَى اللهِ وَلَا ثَوَابَ الآخِرَةِ([7]).
{وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ}
فَشَبَّهَ اللهُ تَعَالَى المَنَّ بِالرِّيَاءِ لِأَنَّ كِلَيهِمَا يُحبِطَانِ الثَّوَابَ.
{فَمَثَلُهُ}
وَمَثَلُ نَفَقَتِهِ الَّتِي لَا يُنتَفَعُ بِهَا أَلبَتَّةَ.
{كَمَثَلِ صَفْوَانٍ}
حَجَرٍ أَملَسَ.
{عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ}
مَطَرٌ شَدِيدٌ عَظِيمُ القَطرِ.
{فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ}
أَجرَدَ نَقِيًّا مِنَ التُّرَابِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ.
{لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ}
عَمِلُوا، أَي لَا يَجِدُونَ ثَوَابَ شَىءٍ مِمَّا أَنفَقُوا فِي الآخِرَةِ كَمَا لَا يُوجَدُ عَلَى الصَّفوَانِ شَىءٌ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ لِإِذهَابِ المَطَرِ لَهُ.
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الهِدَايَةَ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَا يَهتَدِي إِلَّا مَن هَدَاهُ اللهُ، مَن أَرَادَ اللهُ لَهُ الهِدَايَةَ اهتَدَى، وَمَن أَرَادَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَن لَا يَهتَدِيَ فَإِنَّهُ لَن يَهتَدِيَ.
وَلَمَّا انتَهَى مَثَلُ العَارِي عَنِ الشَّرطِ ضُرِبَ لِلمُقتَرِنِ بِالشَّرطِ مِنَ الإِنفَاقِ مَثَلٌ، تَنبِيهًا عَلَى أَنَّ غَيرَهُ لَيسَ مُبتَغًى بِهِ وَجهَ اللهِ، فَقَالَ:
{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
{وَمَثَلُ}
نَفَقَاتِ.
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ}
طَلَبَ.
{مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ}
أَي: وَتَصدِيقًا لِلإِسلَامِ وَتَحقِيقًا لِلجَزَاءِ مِن أَصلِ أَنفُسِهِم، لِأَنَّهُ إِذَا أَنفَقَ المُسلِمُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ عُلِمَ أَنَّ تَصدِيقَهُ وَإِيمَانَهُ بِالثَّوَابِ مِن أَصلِ نَفسِهِ وَمِن إِخلَاصِ قَلبِهِ، بِخِلَافِ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يَرجُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَصدِيقِهِم، وَالمَعنَى: وَمَثَلُ نَفَقَةِ هَؤُلَاءِ فِي زَكَاتِهَا عِندَ اللهِ.
{كَمَثَلِ جَنَّةٍ}
أَي بُستَانٍ.
{بِرَبْوَةٍ}
مَكَانٍ مُرتَفِعٍ مُستَوٍ، وَخَصَّهَا لِأَنَّ الشَّجَرَ فِيهَا أَزكَى وَأَحسَنُ ثَمَرًا.
{أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ}
أَعطَت.
{أُكُلَهَا}
ثَمَرَتَهَا.
{ضِعْفَيْنِ}
مِثلَي مَا كَانَت تُثمِرُ قَبلُ بِسَبَبِ الوَابِلِ.
{فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ}
فَمَطَرٌ صَغِيرُ القَطرِ يَكفِيهَا لِكَرَمِ مَنبِتِهَا، أَو مَثَّلَ حَالَهُم عِندَ اللهِ بِالجَنَّةِ عَلَى الرَّبوَةِ، وَنَفَقَتَهُمُ الكَثِيرَةَ وَالقَلِيلَةَ بِالوَابِلِ وَالطَّلِّ، وَكَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ المَطَرَينِ يُضَعِّفُ أُكُلَ الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهُم كَثِيرَةً كَانَت أَو قَلِيلَةً بَعدَ أَن يُطلَبَ بِهَا رِضَا اللهِ تَعَالَى زَاكِيَةٌ عِندَ اللهِ زَائِدَةٌ فِي زُلفَاهُم وَحُسنِ حَالِهِم عِندَهُ، وَالزُّلفَى: القُربُ.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
يَرَى أَعمَالَكُم عَلَى إِكثَارٍ وَإِقلَالٍ، وَيَعلَمُ نِيَّاتِكُم فِيهِمَا مِن رِيَاءٍ وَإِخلَاصٍ، وَيُجَازِيكُم عَلَى ذَلِكَ.
وَبَعدَ بَيَانِ الأَمثِلَةِ عَلَى الحَالَينِ فِي الإِنفَاقِ رَجَعَ إِلَى الَّذِي يُبطِلُ نَفَقَاتِهِ وَيُذهِبُ ثَوَابَهَا بِالرِّيَاءِ وَالمَنِّ وَالأَذَى مُنكِرًا عَلَيهِ مُنَفِّرًا مِن فِعلِهِ فَقَالَ:
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}
{أَيَوَدُّ}
أَيُحِبُّ.
{أَحَدُكُمْ}
سُؤَالٌ لِلإِنكَارِ.
{أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ}
بُستَانٌ.
{مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا}
لِصَاحِبِ البُستَانِ فِي الجَنَّةِ.
{مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ}
أَيِ المَنَافِعِ الَّتِي تَحصُلُ لَهُ فِيهَا.
{وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ}
مَعنَاهُ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ وَقَد أَصَابَهُ الكِبَرُ فَضَعُفَ بِسَبَبِ الكِبَرِ عَنِ الكَسبِ.
{وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ}
أَي أَولَادٌ.
{ضُعَفَاءُ}
صِغَارٌ لَا يَقدِرُونَ عَلَى الكَسبِ.
{فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ}
رِيحٌ تَستَدِيرُ فِي الأَرضِ ثُمَّ تَرتَفِعُ نَحوَ السَّمَاءِ كَالعَمُودِ.
{فِيهِ}
فِي الإِعصَارِ.
{نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ}
الجَنَّةُ، قَالَ ابنُ جُزَيٍّ: هَذَا مَثَلٌ لِمَن يَعمَلُ الأَعمَالَ الحَسَنَةَ رِيَاءً، أَو مَثَلٌ لِذِي المَنِّ وَالأَذَى المُتَقَدِّمِ ذِكرُهُ آنِفًا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم يَظُنُّ أَنَّهُ يَنتَفِعُ بِعَمَلِهِ، فَإِذَا كَانَ وَقتُ الحَاجَةِ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ لَم يَجِد شَيئًا وَوَجَدَهَا مُحبَطَةً، فَيَتَحَسَّرُ عِندَ ذَلِكَ مِثلَ حَسرَةِ مَن كَانَت لَهُ جَنَّةٌ جَامِعَةٌ لِلثِّمَارِ فَبَلَغَ الكِبَرَ وَلَهُ أَولَادٌ ضِعَافٌ وَالجَنَّةُ مَعَاشُهُم، ثُمَّ أَصَابَتهَا الجَائِحَةُ المُهلِكَةُ فَهَلَكَت بِالصَّاعِقَةِ وَهُوَ أَحوَجُ مَا كَانَ إِلَيهَا لِشَيخُوخَتِهِ وَضَعفِ ذُرِّيَّتِهِ.
{كَذَٰلِكَ}
كَهَذَا البَيَانِ الَّذِي بَيَّنَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ}
فِي التَّوحِيدِ وَالدِّينِ.
{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}
فَتَنتَبِهُوا وَتَعتَبِرُوا.
وَلَمَّا رَغَّبَ فِي الفِعلِ وَتَخلِيصِهِ عَنِ الشَّوَائِبِ مِن رِيَاءٍ وَمَنٍّ وَأَذًى أَتبَعَهُ بِصِفَةِ المَالِ المُنفَقِ مِنهُ فَأَمَرَ بِطَيِّبِهِ، وَكَانَ الأَنصَارُ إِذَا جَذُّوا النَّخلَ جَاءَ كُلُّ رَجُلٍ بِشَىءٍ مِن ذَلِكَ فَعَلَّقَهُ فِي المَسجِدِ فَيَأكُلُ مِنهُ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، وَكَانَ أُنَاسٌ مِمَّن لَا يَرغَبُ فِي الخَيرِ يَجِيءُ أَحَدُهُم بِالقِنوِ فِيهِ الحَشَفُ وَالشِّيصُ([8]) فَيُعَلِّقُهُ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِزَكَاةِ الفِطرِ فَجَاءَ رَجُلٌ بِتَمرٍ رَدِيءٍ، فَنَزَلَ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}
الخِطَابُ لِجَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
{أَنفِقُوا}
الزَّكَاةَ المَفرُوضَةَ أَوِ التَّطَوُّعَ.
{مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}
أَي مِنَ الجَيِّدِ مِن أَموَالِكُم.
{وَمِمَّا}
أَي وَمِن طَيِّبَاتِ مَا.
{أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ}
مِنَ الحَبِّ وَالثَّمَرِ وَالمَعَادِنِ وَغَيرِهَا.
{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ}
وَلَا تَقصِدُوا المَالَ الرَّدِيءَ.
{مِنْهُ}
مِنَ المَالِ.
{تُنفِقُونَ}
تَخُصُّونَهُ بِالإِنفَاقِ، أَي وَلَا تَقصِدُوا الخَبِيثَ لِلنَّفَقَةِ مِنهُ.
{وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ}
وَحَالُكُم أَنَّكُم لَا تَأخُذُونَ الخَبِيثَ لَو أُعطِيتُمُوهُ فِي حُقُوقِكُم، أَي إِن كَانَ لَكُم حَقٌّ عَلَى أَحَدٍ فِي جِنسِهِ لَا تَأخُذُونَهُ بِمَا لَكُم عَلَيهِ.
{إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ}
إِلَّا بِأَن تَتَسَامَحُوا فِي أَخذِهِ وَتَتَرَخَّصُوا فِيهِ بِالتَّسَاهُلِ وَغَضِّ البَصَرِ، فَكَيفَ تُؤَدُّونَ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ؟ وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَّمرِ وَشِرَارِهِ فَنُهُوا عَنهُ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ}
عَن صَدَقَاتِكُم وَنَفَقَاتِكُم.
{حَمِيدٌ}
مُستَحِقٌّ لِلحَمدِ مَحمُودٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَلَمَّا رَغَّبَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الإِنفَاقِ، وَخَتَمَ آيَاتِهِ بِمَا يَقتَضِي الوَعدَ مِن أَصدَقِ القَائِلِينَ بِالغِنَى وَالإِثَابَةِ فِي الدَّارَينِ، أَتبَعَهُ بِمَا لِلعَدُوِّ الكَاذِبِ مِن ضِدِّ ذَلِكَ، فَقَالَ مُحَذِّرًا مِنَ البُخلِ:
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ}
فِي الإِنفَاقِ.
{الْفَقْرَ}
يُخَوِّفُكُم بِهِ إِن تَصَدَّقتُم فَتُمسِكُوا، وَيَقُولُ لَكُم: إِنَّ عَاقِبَةَ إِنفَاقِكُم أَن تَفتَقِرُوا، وَالوَعدُ يُستَعمَلُ فِي الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَمَعنَى الكَلَامِ: يَحمِلُكُم عَلَى أَن تُؤَدُّوا مِنَ الرَّدِيءِ وَيُخَوِّفُكُمُ الفَقرَ بِإِعطَاءِ الجَيِّدِ.
{وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ}
وَيُغرِيكُم عَلَى البُخلِ وَمَنعِ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ.
{وَاللَّهُ يَعِدُكُم}
فِي الإِنفَاقِ.
{مَّغْفِرَةً مِّنْهُ}
لِذُنُوبِكُم وَكَفَّارَةً لَهَا.
{وَفَضْلًا ۗ}
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ}
فَضلُهُ، يُوَسِّعُ عَلَى مَن يَشَاءُ.
{عَلِيمٌ}
بِأَفعَالِكُم وَنِيَّاتِكُم وَنَفَقَاتِكُم.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى تَرجِيحِ العَمَلِ بِأَمرِ الرَّحمَنِ وَقَبُولِ وَعدِهِ بِأَنَّهُ عَلَى مُقتَضَى العَقلِ وَالحِكمَةِ، وَأَنَّ أَمرَ الشَّيطَانِ وَوَعدَهُ عَلَى وَفقِ الهَوَى وَالشَّهوَةِ:
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ}
عِلمَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، أَوِ النُّبُوَّةَ، أَوِ العِلمَ النَّافِعَ المُوصِلَ إِلَى رِضَا اللهِ وَالعَمَلَ بِهِ، وَالحَكِيمُ عِندَ اللهِ هُوَ العَالِمُ العَامِلُ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ.
{مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ}
أَي وَمَن يُؤتِهِ اللهُ الحِكمَةَ.
{فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ}
تَكثِيرُ تَعظِيمٍ، أَي أُوتِيَ خَيرًا عَظِيمًا كَثِيرًا لِمَصِيرِهِ إِلَى السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ.
{وَمَا يَذَّكَّرُ}
وَمَا يَتَّعِظُ بِمَوَاعِظِ اللهِ.
{إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}
إِلَّا أَصحَابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، أَوِ العُلَمَاءُ العُمَّالُ، وَالمُرَادُ بِهِ الحَثُّ عَلَى العَمَلِ بِمَا تَضَمَّنَتِ الآيَاتُ فِي مَعنَى الإِنفَاقِ.
ثُمَّ قَالَ حَثًّا عَلَى الإِسرَارِ بِالنَّفَقَةِ فِي الخَيرِ، وَالوَفَاءِ بِالنَّذرِ، وَتَحذِيرًا مِنَ الإِنفَاقِ فِي المَعصِيَةِ وَلَو عَلَى أَدَقِّ الوُجُوهِ بِأَنَّهُ يَعلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُجَازِي عَلَيهِ:
{وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}
{وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ}
فِي سَبِيلِ اللهِ أَو فِي سَبِيلِ الشَّيطَانِ.
{أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ}
فِي طَاعَةِ اللهِ أَو فِي مَعصِيَتِهِ([9]).
{فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ}
لَا يَخفَى عَلَيهِ، وَهُوَ مُجَازِيكُم عَلَيهِ.
{وَمَا لِلظَّالِمِينَ}
الَّذِينَ يَمنَعُونَ الصَّدَقَاتِ، أَو يُنفِقُونَ أَموَالَهُم فِي المَعَاصِي، أَو يَنذُرُونَ فِي المَعَاصِي، أَو لَا يَفُونَ بِالنُّذُورِ.
{مِنْ أَنصَارٍ}
مَن يَنصُرُهُم مِنَ اللهِ أَو يَمنَعُهُم مِن عِقَابِهِ.
وَلَمَّا كَانَ حَالُ الإِنفَاقِ المَحثُوثِ عَلَيهِ يَختَلِفُ بِالسِّرِّ وَالجَهرِ وَكَانَ مِمَّا يُسأَلُ عَنهُ قَالَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَاثًّا عَلَى الصَّدَقَةِ فِي كِلتَا الحَالَتَينِ مَعَ تَرجِيحِ الإِسرَارِ لِمَا فِيهِ مِنَ البُعدِ عَنِ الرِّيَاءِ:
{إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
{إِن تُبْدُوا}
تُظهِرُوا.
{الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ}
أَي نِعمَ شَيئًا إِبدَاؤُهَا، هَذَا ثَنَاءٌ عَلَى إِبدَاءِ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ حَكَمَ أَنَّ الإِخفَاءَ خَيرٌ مِن ذَلِكَ الإِبدَاءِ.
{وَإِن تُخْفُوهَا}
تُسِرُّوهَا.
{وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ}
وَتُصِيبُوا بِهَا مَصَارِفَهَا مَعَ الإِخفَاءِ.
{فَهُوَ}
فَالإِخفَاءُ.
{خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ}
وَالمُرَادُ صَدَقَاتُ التَّطَوُّعِ، وَالجَهرُ فِي الفَرَائِضِ مَعَ أَمنِ الرِّيَاءِ أَفضَلُ لِنَفيِ التُّهَمَةِ، وَإِذَا كَانَ المُزَكِّي مِمَّن لَا يُعرَفُ بِاليَسَارِ كَانَ إِخفَاؤُهُ أَفضَلَ، وَالمُتَطَوِّعُ إِن أَرَادَ أَن يُقتَدَىَ بِهِ كَانَ إِظهَارُهُ أَفضَلَ([10]).
{وَيُكَفِّرُ}
أَي وَيُكَفِّرُ اللهُ.
{عَنكُم مِّن}
بَعضَ.
{سَيِّئَاتِكُمْ ۗ}
المَعنَى يُكَفِّرُ اللهُ تَعَالَى عَنكُم.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ}
مِنَ الإِبدَاءِ وَالإِخفَاءِ.
{خَبِيرٌ}
عَالِمٌ بِبَاطِنِهِ كَظَاهِرِهِ لَا يَخفَى عَلَيهِ شَىءٌ مِنهُ.
- بَيَانُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الِاهتِدَاءِ فِي قُلُوبِ العِبَادِ
لَمَّا حَثَّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى وُجُوهِ الخَيرِ وَرَغَّبَ فِي لُزُومِ الهُدَى، وَكَانَ أَكثَرُهُم مُعرِضِينَ لِأَنَّ مَا دَعَا إِلَيهِ هَادِمٌ لِمَا جُبِلُوا عَلَيهِ مِنَ الحُبِّ لِتَوفِيرِ المَالِ وَالحَفِيظَةِ عَلَى النَّفسِ، وَكَانَ ﷺ شَدِيدَ الأَسَفِ عَلَيهِم دَائِمَ القَلَقِ مِن أَجلِهِم، لِعَظِيمِ رَحمَتِهِ لَهُم وَشَفَقَتِهِ عَلَيهِم، فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيهِ تَقَاعُدُهُم عَمَّا يَدعُوهُم إِلَيهِ مِن هَذِهِ الحَالَةِ العَلِيَّةِ الَّتِي هِيَ حِكمَةُ اللهِ الَّتِي رَأسُهَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَاشتِرَاءُ الآخِرَةِ بِكُلِّيَّةِ الدُّنيَا، فَخَفَّفَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيهِ الأَمرَ فَقَالَ:
{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}
{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}
يَا مُحَمَّدُ.
{هُدَاهُمْ}
مَعنَاهُ أَنتَ لَا تَستَطِيعُ أَن تَخلُقَ الهُدَى وَتَقلِبَ قُلُوبَ الكُفَّارِ إِلَى الهُدَى لِأَنَّ هَذَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَمَا عَلَيكَ إِلَّا أَن تُبَلِّغَهُمُ النَّوَاهِيَ فَحَسبُ، وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الهِدَايَةِ وَالضَّلَالِ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِنَ الأَعيَانِ وَالأَعمَالِ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى العَرشِ، وَمِن كُلِّ حَرَكَةٍ لِلعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالنَّوَايَا وَالخَوَاطِرِ فَهُوَ بِخَلقِ اللَّهِ لَم يَخلُقهُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ، وَلَيسَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّ الكُفَّارَ لَهُمُ الحَقُّ فِي أَن يَكفُرُوا بِاللهِ تَعَالَى، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَرضَى لَهُم بِذَلِكَ، إِنَّمَا الرَّسُولُ ﷺ يُبَلِّغُهُم أَمَّا خَلقُ الِاهتِدَاءِ فَهُوَ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
{وَلَٰكِنَّ اللَّهَ}
هُوَ الَّذِي.
{يَهْدِي}
قُلُوبَ.
{مَن يَشَاءُ ۗ}
هِدَايَتَهُ فَيَجعَلُهَا مُؤمِنَةً.
{وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ}
مِن مَالٍ.
{فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ}
فَهُوَ لِأَنفُسِكُم لَا يَنتَفِعُ بِهِ غَيرُكُم لِأَنَّ ثَوَابَهُ لَكُم، فَلَا تَمُنُّوا بِهِ عَلَى النَّاسِ وَلَا تُؤذُوهُم بِالتَّطَاوُلِ عَلَيهِم.
{وَمَا تُنفِقُونَ}
وَلَيسَت نَفَقَتُكُم.
{إِلَّا ابْتِغَاءَ}
طَلَبَ.
{وَجْهِ اللَّهِ ۚ}
أَي رِضَى اللهِ وَمَا عِندَهُ، فَمَا بَالُكُم تَمُنُّونَ بِهَا وَتُنفِقُونَ الخَبِيثَ الَّذِي لَا يُوَجَّهُ مِثلُهُ إِلَى اللهِ.
{وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}
ثَوَابُهُ أَضعَافًا مُضَاعَفَةً.
{وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}
لَا تُنقَصُونَ مِنهُ شَيئًا، فَلَا عُذرَ لَكُم فِي أَن تَرغَبُوا عَن إِنفَاقِهِ وَأَن يَكُونَ عَلَى أَحسَنِ الوُجُوهِ وَأَجمَلِهَا.
- بَيَانُ الأَولَى فِي الإِنفَاقِ عَلَيهِ مِنَ النَّاسِ
بَيَّنَ اللهُ سُبحَانَهُ أَنَّ مَحَطَّ القَصدِ فِي الحَثِّ عَلَى النَّفَقَاتِ المُؤمِنُ فَقَالَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى:
{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
{لِلْفُقَرَاءِ}
أَيِ اعمِدُوا لِلفُقَرَاءِ.
{الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
أَحصَرَهُمُ الجِهَادُ وَحَبَسُوا أَنفُسَهُم عَلَيهِ فَمَنَعَهُم مِنَ التَّصَرُّفِ.
{لَا يَسْتَطِيعُونَ}
لِاشتِغَالِهِم بِهِ.
{ضَرْبًا}
سَفَرًا.
{فِي الْأَرْضِ}
لِلكَسبِ وَالتِّجَارَةِ وَالمَعَاشِ لِشُغلِهِم عَنهُ بِالجِهَادِ، وَقِيلَ هُم أَصحَابُ الصُّفَّةِ وَهُم نَحوٌ مِن أَربَعِمِائَةِ رَجُلٍ مِن مُهَاجِرِي قُرَيشٍ، لَم تَكُن لَهُم مَسَاكِنُ فِي المَدِينَةِ وَلَا عَشَائِرُ، فَكَانُوا فِي صُفَّةِ المَسجِدِ وَهُوَ سَقِيفَتُهُ يَتَعَلَّمُونَ القُرآنَ بِاللَّيلِ وَيُكسِّرُونَ النَّوَى بِالنَّهَارِ وَيَأخُذُونَ أُجرَةً عَلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا يَخرُجُونَ فِي كُلِّ سَرِيَّةٍ بَعَثَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَن كَانَ عِندَهُ فَضلٌ أَتَاهُم بِهِ إِذَا أَمسَى.
{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ}
بِحَالِهِم.
{أَغْنِيَاءَ}
مُستَغنِينَ.
{مِنَ التَّعَفُّفِ}
مِن أَجلِ تَعَفُّفِهِم عَنِ المَسأَلَةِ وَتَركِهَا.
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}
مِن صُفرَةِ الوُجُوهِ وَرَثَاثَةِ الحَالِ وَالجَهدِ وَالتَّوَاضُعِ.
{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ}
شَيئًا فَيُلحِفُونَ.
{إِلْحَافًا ۗ}
إِلحَاحًا، أَي لَا سُؤَالَ لَهُم أَصلًا فَلَا يَقَعُ مِنهُم إِلحَافٌ وَهُوَ الإِلحَاحُ، وَالإِلحَاحُ هُوَ اللُّزُومُ وَأَن لَا يُفَارِقَ إِلَّا بِشَىءٍ يُعطَاهُ، وَقِيلَ: مَعنَاهُ أَنَّهُم إِن سَأَلُوا سَأَلُوا بِتَلَطُّفٍ وَلَم يُلِحُّوا، وَالمُتَعَفِّفُ الفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسأَلُ.
{وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
لَا يَضِيعُ عِندَ اللهِ فَيُجَازِيكُم عَلَيهِ.
- بَيَانُ فَضلِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَنّهَا حَسَنَةٌ فِي كُلِّ وَقتٍ وَحَالٍ
لَمَّا حَثَّ سُبحَانَهُ عَلَى النَّفَقَةِ فَأَكثَرَ وَضَرَبَ فِيهَا الأَمثَالَ وَلَم يُعَيِّن لَهَا وَقتًا كَانَ كَأَنَّ سَائِلًا قَالَ: فِي أَيِّ وَقتٍ تُفعَلُ؟ فَبَيَّنَ فِي آيَةٍ جَامِعَةٍ لِأَصنَافِ الأَموَالِ وَالأَزمَانِ وَالأَحوَالِ أَنَّهَا حَسَنَةٌ فِي كُلِّ وَقتٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَنَزَلَ فِي أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِأَربَعِينَ أَلفَ دِينَارٍ عَشَرَةٍ بِاللَّيلِ وَعَشَرَةٍ بِالنَّهَارِ وَعَشَرَةٍ فِي السِّرِّ وَعَشَرَةٍ فِي العَلَانِيَةِ، أَو فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَم يَملِك إِلَّا أَربَعَةَ دَرَاهِمَ تَصَدَّقَ بِدِرهَمٍ لَيلًا وَبِدِرهَمٍ نَهَارًا وَبِدِرهَمٍ سِرًّا وَبِدِرهَمٍ عَلَانِيَةً قَولُهُ تَعَالَى:
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً}
أَي مُسِرِّينَ وَمُعلِنِينَ، يَعنِي يَعُمُّونَ الأَوقَاتَ وَالأَحوَالَ بِالصَّدَقَةِ لِحِرصِهِم عَلَى الخَيرِ، فَكُلَّمَا نَزَلَت بِهِم حَاجَةُ مُحتَاجٍ عَجَّلُوا قَضَاءَهَا وَلَم يُؤَخِّرُوهُ وَلَم يَتَعَلَّلُوا بِوَقتٍ وَلَا حَالٍ.
{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الرِّبَا
لَمَّا كَانَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قَد ذَكَرَ النَّفَقَةَ مِمَّا أَفَاضَ عَلَيهِم مِنَ الرِّزقِ مِن أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا فِي أَكثَرَ مِن آيَةٍ، وَرَغَّبَ فِيهَا بِأَنوَاعٍ مِنَ التَّرغِيبِ فِي فُنُونٍ مِنَ الأَسَالِيبِ، وَكَانَ الرِّزقُ يَشمَلُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ مِمَّا يَستَرزِقُونَ بِهِ قَبلَ الإِسلَامِ الرِّبَا، نَهَاهُم عَن تَعَاطِيهِ وَنَفَّرَهُم مِنهُ، وَبَيَّنَ لَهُم حُكمَهُ وَأَنَّهُ خَبِيثٌ لَا يَصلُحُ لِأَكلٍ وَلَا صَدَقَةٍ، فَقَالَ تَعَالَى:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا}
وَهُوَ كُلُّ قَرضٍ جَرَّ مَنفَعَةً لِلمُقرِضِ أَو لَهُ وَلِلمُقتَرِضِ، كَأَن يُقرِضَ آخَرَ مَالًا لِيَرُدَّهُ لَهُ مَعَ الزِّيَادَةِ بَعدَ شَهرٍ مَثَلًا، وَمِثلُهُ مَن يَبِيعُ آخَرَ بِضَاعَةً بِالتَّقسِيطِ فَإِن تَأَخَّرَ بِدَفعِ قِسطٍ مِنَ الأَقسَاطِ فِي وَقتِهِ يَزِيدُ عَلَيهِ فِي الثَّمَنِ.
{لَا يَقُومُونَ}
إِذَا بُعِثُوا مِن قُبُورِهِم.
{إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ}
يَصرَعُهُ.
{الشَّيْطَانُ}
لِأَنَّهُ تَخَبُّطٌ فِي المُعَامَلَةِ فَجُوزِيَ عَلَى المُقَابَلَةِ.
{مِنَ الْمَسِّ ۚ}
مِنَ الجُنُونِ، وَالمَعنَى أَنَّهُم يَقُومُونَ يَومَ القِيَامَةِ مُخَبَّلِينَ كَالمَصرُوعِينَ، تِلكَ سِيمَاهُم يُعرَفُونَ بِهَا عِندَ أَهلِ المَوقِفِ.
{ذَٰلِكَ}
العِقَابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِم.
{بِأَنَّهُمْ}
بِسَبَبِ أَنَّهُم.
{قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ}
أَي أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ اعتِقَادِهِم فِي حِلِّ الرِّبَا أَنَّهُم جَعَلُوهُ أَصلًا وَقَانُونًا فِي الحِلِّ حَتَّى شَبَّهُوا بِهِ البَيعَ.
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ}
إِنكَارٌ لِتَسوِيَتِهِم بَينَهُمَا، إِذِ الِحلُّ مَعَ الحُرمَةِ ضِدَّانِ فَأَنَّى يَتَمَاثَلَانِ([11]).
{فَمَن جَاءَهُ}
بَلَغَهُ.
{مَوْعِظَةٌ}
وَعظٌ وَزَجرٌ بِالنَّهيِ عَنِ الرِّبَا.
{مِّن رَّبِّهِ}
مِنَ اللهِ.
{فَانتَهَىٰ}
فَتَبِعَ النَّهيَ وَامتَنَعَ عَن أَكلِهِ.
{فَلَهُ مَا سَلَفَ}
فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَا مَضَى وَلَا يُستَرَدُّ مِنهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ قَبلَ نُزُولِ التَّحرِيمِ.
{وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}
يَحكُمُ فِي شَأنِهِ يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ مِن أَمرِهِ إِلَيكُم شَىءٌ فَلَا تُطَالِبُوهُ بِهِ.
{وَمَنْ عَادَ}
إِلَى استِحلَالِ الرِّبَا أَو إِلَى فِعلِ الرِّبَا مُستَحِلًّا.
{فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
لِأَنَّهُم بِالِاستِحلَالِ صَارُوا كَافِرِينَ، لِأَنَّ مَن أَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ كَافِرٌ، فَلِذَا استَحَقَّ الخُلُودَ فِي النَّارِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلمُعتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي تَخلِيدِ الفُسَّاقِ([12]).
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الرِّبَا وَإِن كَانَ بِصُورَةِ الزِّيَادَةِ فَهُوَ نَقصٌ وَأَنَّ الصَّدَقَةَ وَإِن كَانَت بِصُورَةِ النَّقصِ فَهِيَ زِيَادَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِيَدِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَمَا شَاءَ مَحَقَهُ وَإِن كَانَ كَثِيرًا، وَمَا أَرَادَ نَمَّاهُ وَإِن كَانَ يَسِيرًا، فَقَالَ كَالتَّعلِيلِ لِلأَمرِ بِالصَّدَقَةِ وَالنَّهيِ عَنِ الرِّبَا:
{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}
{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}
يَذهَبُ بِبَرَكَتِهِ وَيُهلِكُ المَالَ الَّذِي يَدخُلُ فِيهِ وَيَنقُصُهُ.
{وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ}
يُنَمِّيهَا وَيَزِيدُهَا، أَي يَزِيدُ المَالَ الَّذِي أُخرِجَت مِنهُ الصَّدَقَةُ وَيُبَارِكُ فِيهِ([13]) وَيَزِيدُ ثَوَابَهَا.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ}
أَي يُعَاقِبُ.
{كُلَّ كَفَّارٍ}
عَظِيمِ الكُفرِ بِاستِحلَالِ الرِّبَا.
{أَثِيمٍ}
مُتَمَادٍ فِي الإِثمِ بِأَكلِهِ مُصِرٍّ عَلَيهِ.
- بَيَانُ شَىءٍ مِن عَظِيمِ أَجرِ المُؤمِنِينَ الكَامِلِينَ
لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى مَا سَلَبَهُ عَنِ الكَافِرِينَ مِن مَحَبَّتِهِ أَتبَعَهُ مَا أَثبَتَهُ لِلمُؤمِنِينَ المُصَدِّقِينَ مِن رَحمَةٍ عَلَى وَجهٍ لَم يُخلِهِ مِن ذِكرِ النَّفَقَةِ، فَقَالَ تَعَالَى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}
بِاللهِ، أَو بِتَحرِيمِ الرِّبَا.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
- عَودَةٌ إِلَى تَحرِيمِ الرِّبَا وَبَيَانُ عِقَابِ المُرَابِي
لَمَّا كَانَ قَولُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي سَبَقَ: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} قَد يَتَوَهَّمُ البَعضُ مِنهُ تَحلِيلُ بَقَايَا الرِّبَا وَأَنَّ النَّهيَ خَاصٌّ بِمَا تَجَدَّدَ مِنهُ، وَكَانَت نَتِيجَةُ الآيَةِ المَاضِيَةِ -فِي الِاعتِمَادِ عَلَى مَا عِندَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الأَجرِ وَعَدَمِ الحُزنِ عَلَى مَا فَاتَ مِن رِبًا وَغَيرِهِ وَالخَوفِ مِن شَىءٍ آتٍ مِن فَقرٍ أَو غَيرِهِ- تَركَ كُلِّ شَىءٍ يُنسَبُ إِلَى الرِّبَا، وَكَانَ بَعضُ مَن أَسلَمَ لَهُ بَقَايَا أَموَالٍ مِن مُعَامَلَاتِ الرِّبَا عَلَى بَعضِ النَّاسِ قَبلَ نُزُولِ التَّحرِيمِ، أُمِرُوا بَعدَ نُزُولِ التَّحرِيمِ أَن يَترُكُوا الزِّيَادَةَ المُتَحَصِّلَةَ مِنَ الرِّبَا وَلَا يُطَالِبُوا بِهَا، وَقَد رُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِن ثَقِيفٍ كَانَ لَهُم عَلَى قَومٍ مِن قُرَيشٍ مَالٌ فَطَالَبُوهُم عِندَ حُلُولِ الأَجَلِ بِالمَالِ وَالرِّبَا، فَنَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا}
اترُكُوا.
{مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
أَي كَامِلِي الإِيمَانِ صَادِقِينَ فِيهِ، فَإِنَّ دَلِيلَ كَمَالِهِ امتِثَالُ المَأمُورِ بِهِ.
وَلَمَّا كَانَ مِن جَزَاءِ مَن عَانَدَ سَيِّدَهُ أَن يُعَاقَبَ قَالَ:
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا}
مَا أُمِرتُم بِهِ.
{فَأْذَنُوا}
فَاعلَمُوا وَأَيقِنُوا
{بِحَرْبٍ}
بِنَوعٍ مِنَ الحَربِ عَظِيمٍ.
{مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ}
مِن عِندِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كَانَ يُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَا فَلَاحَ لَهُ، بَل هُوَ مِنَ الهَالِكِينَ، وَرُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَت قَالَت ثَقِيفٌ لَا طَاقَةَ لَنَا بِحَربِ اللهِ وَرَسُولِهِ، أَي أَنَّ آكِلَ الرِّبَا كَأَنَّهُ يُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ.
{وَإِن تُبْتُمْ}
مِنَ الرِّبَا.
{فَلَكُمْ رُءُوسُ}
أُصُولُ.
أَمْوَالِكُمْ}
أَصلُ مَا أَقرَضتُم مِنَ المَالِ دُونَ الزِّيَادَةِ الرِّبَوِيَّةِ.
{لَا تَظْلِمُونَ}
المَدِينِينَ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَيهَا.
{وَلَا تُظْلَمُونَ}
بِالنُّقصَانِ مِن رُؤُوسِ الأَموَالِ، أَي إِن أَرَدتُمُ التَّوبَةَ مِن مَعصِيَةِ الرِّبَا فَاقتَصَرُوا عَلَى رَأسِ المَالِ لَا تَطلُبُوا شَيئًا سِوَى رَأسِ المَالِ([14]).
([1]) تَنبِيهٌ: هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى المُعتَزِلَةِ فِي قَولِهِم: إِنَّ اللهَ يَجِبُ عَلَيهِ فِعلُ الأَصلَحِ لِلعَبدِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَىءٌ، يَفعَلُ فِي مُلكِهِ مَا يُرِيدُ وَمَا يَشَاءُ، قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ: لَو كَانَ الأَمرُ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ الرَّبُّ قَادِرًا عَلَى أَن يَخلُقَ غَيرَ مَا خَلَقَ، وَأَيضًا لَخَلَقَ العِبَادَ كُلَّهُم فِى الجَنَّةِ إِذ هُوَ الأَصلَحُ لَهُم.اهـ لَو كَانَ يَجِبُ عَلَى اللهِ أَن يَفعَلَ مَا هُوَ الأَصلَحُ لِلعَبدِ لَمَّا كَلَّفَ مَن عَلِمَ مَوتَهُ كَافِرًا، وَلَمَا خَلَقَ الفَقِيرَ الكَافِرَ، لَا فِي الدُّنيَا مُنَعَّمٌ وَلَا فِي الآخِرَةِ مُنَعَّمٌ، أَينَ الصَّلَاحُ لَهُ.
([2]) وَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ التَّكَلُّمِ فِي عِلمِ الكَلَامِ وَالمُنَاظَرَةِ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:258]، وَالمُحَاجَّةُ تَكُونُ بَينَ اثنَينِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِبرَاهِيمَ حَاجَّهُ أَيضًا، وَلَو لَم يَكُن مُبَاحًا لَمَا بَاشَرَهَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، لِكَونِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ مَعصُومِينَ عَنِ ارتِكَابِ الحَرَامِ مِنَ الكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ، وَلِأَنَّا أُمِرنَا بِدُعَاءِ الكَفَرَةِ إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَتَوحِيدِهِ، وَإِذَا دَعَونَاهُم إِلَى ذَلِكَ لَا بُدَّ أَن يَطلُبُوا مِنَّا الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَد أَحسَنَ فِي ذَلِكَ مَن قَالَ: [البسيط]
عَابَ الكَلَامَ أُنَاسٌ لَا عُقُولَ لَهُم *** وَمَا عَلَيهِ إِذَا عَابُوهُ مِن ضَرَرِ
مَا ضَرَّ شَمسَ الضُّحَى فِي الأُفقِ طَالِعَةً *** أَن لَا يَرَى ضَوءَهَا مَن لَيسَ ذَا بَصَرِ
وَالآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّمسَ تَجرِي، لِأَنَّ النَّصَّ فِي ذَلِكَ صَرِيحٌ: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا}، [سُورَةُ يَس:38]، كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخرَى، وَفِي هَذَا النَّصِّ أَيضًا: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:258].
([3]) ذِكرُ مُنَاظَرَةِ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ المَلِكِ الجَبَّارِ نُمرُودَ الَّذِي ادَّعَى الأُلُوهِيَّةَ: أَقَامَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الحُجَّةَ عَلَى قَومِهِ بَعدَ أَن حَطَّمَ أَصنَامَهُم، فَاغتَاظُوا مِنهُ وَأَحضَرُوهُ أَمَامَ مَلِكِهِمُ النُّمرُودِ وَأَشرَافِ قَومِهِ، فَأَخَذَ النُّمرُودُ يُنكِرُ عَلَى إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ دَعوَتَهُ إِلَى دِينِ الإِسلَامِ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ لَا رَبَّ سِوَاهُ، وَأَخَذَ يَدَّعِي عِنَادًا وَتَكَبُّرًا أَنَّهُ هُوَ الإِلَهُ. وَقَالَ لِإِبرَاهِيمَ: أَخبِرنِي، الَّذِي تَعبُدُهُ وَتَدعُو إِلَى عِبَادَتِهِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:258]، وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ، وَاستَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ بِحُدُوثِ هَذِهِ المُشَاهَدَاتِ مِن إِحيَاءِ الحَيَوَانَاتِ وَإِمَاتَتِهَا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِهَذِهِ الكَوَاكِبِ وَالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ وَالمَطَرِ مِن خَالِقٍ مُسَخِّرٍ لَهَا وَمُدَبِّرٍ، فَقَالَ النُّمرُودُ الجَبَّارُ المُستَكبِرُ: أَنَا أُحيِي وَأُمِيتُ، أَي أَنَا أُحيِي مَن أَشَاءُ بِالعَفوِ عَنهُ بَعدَ أَن يَكُونَ صَدَرَ الحُكمُ عَلَيهِ بِالقَتلِ، فَيَنعَمُ بِالحَيَاةِ، وَأَنَا أُمِيتُ مَن أَشَاءُ بِأَمرِي وَأَقضِي عَلَيهِ بِحُكمِي، وَقَالَ: ءَاخُذُ رَجُلَينِ قَدِ استَوجَبَا القَتلَ، فَأَقتُلُ أَحَدَهُمَا فَأَكُونُ قَد أَمَتُّهُ، وَأَعفُو عَنِ الآخَرِ فَأَكُونُ قَد أَحيَيتُهُ. ظَنَّ نُمرُودُ بِمَقَالَتِهِ هَذِهِ البَعِيدَةِ عَنِ الحَقِيقَةِ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ، وَأَرَادَ المُرَاوَغَةَ وَالِاستِكبَارَ وَالعِنَادَ، فَأَرَادَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يُفحِمَهُ بِالحُجَّةِ القَوِيَّةِ وَيُضَيِّقَ عَلَيهِ الخِنَاقَ وَيُظهِرَ لَهُ جَهلَهُ وَسَخَافَةَ عَقلِهِ أَمَامَ قَومِهِ، فَأَعطَاهُ دَلِيلًا قَوِيًّا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الخَالِقُ المُدَبِّرُ لِهَذَا العَالَمِ، وَأَنَّ مَا ادَّعَاهُ عِنَادًا وَاستِكبَارًا بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:258]، أَي أَنَّ هَذِهِ الشَّمسَ مُسَخَّرَةٌ كُلَّ يَومٍ تَطلُعُ مِنَ المَشرِقِ كَمَا سَخَّرَهَا اللهُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهَا وَخَالِقُ كُلِّ شَىءٍ، فَإِن كُنتَ كَمَا زَعَمتَ بَاطِلًا أَنَّكَ تُحيِي وَتُمِيتُ فَأتِ بِهَذِهِ الشَّمسِ مِنَ المَغرِبِ، فَإِنَّ الَّذِي يُحيِي وَيُمِيتُ هُوَ الَّذِي يَفعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ. وَأَمَامَ هَذِهِ الحُجَّةِ السَّاطِعَةِ وَقَفَ النُّمرُودُ مَبهُوتًا مَبغُوتًا أَمَامَ قَومِهِ، قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:258]. وَأَمَامَ عِنَادِ وَاستِكبَارِ هَذَا المَلِكِ الطَّاغِيَةِ وَاستِمرَارِهِ عَلَى غَيِّهِ وَضَلَالِهِ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ إِلَى ذَلِكَ المَلِكِ الجَبَّارِ العَنِيدِ مَلِكًا يَأمُرُهُ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَالدُّخُولِ فِي دِينِ الإِسلَامِ، فَأَبَى عَلَيهِ، ثُمَّ دَعَاهُ ثَانِيَةً فَأَبَى عَلَيهِ، ثُمَّ دَعَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَبَى عَلَيهِ، وَقَالَ لَهُ: اجمَع جُمُوعَكَ وَأَجمَعُ جُمُوعِي، فَجَمَعَ النُّمرُودُ جَيشَهُ وَجُنُودَهُ وَقتَ طُلُوعِ الشَّمسِ، وَأَرسَلَ اللهُ عَلَيهِ ذُبَابًا مِنَ البَعُوضِ بِحَيثُ لَم يَرَوا عَينَ الشَّمسِ، وَسَلَّطَ اللهُ هَذِهِ الحَشَرَاتِ عَلَيهِم فَأَكَلَت لُحُومَهُم وَدِمَاءَهُم وَتَرَكَتهُم عِظَامًا، وَدَخَلَت ذُبَابَةٌ فِي مِنخَرِ النُّمرُودِ فَمَكَثَت فِيهِ أَربَعَمِائَةِ سَنَةٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِهَا، فَكَانَ يُضرَبُ رَأسُهُ بِالمَرَازِبِ فِي هَذِهِ المُدَّةِ كُلِّهَا حَتَّى أَهلَكَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا.
([4]) قِصَّةُ عُزَيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: وَرَدَت قِصَّةُ «عُزَيرٍ» وَهُوَ رَجُلٌ مُسلِمٌ صَالِحٌ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مُوجَزَةً فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَهَا نَحنُ نُورِدُهَا مُفَصَّلَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَتَوفِيقِهِ لِمَا فِيهَا مِن إِظهَارٍ لِعَظِيمِ قُدرَةِ اللَّهِ تَعَالَى: انقَسَمَ بَنُو إِسرَائِيلَ إِلَى عِدَّةِ أَقسَامٍ، فَمِنهُم مَن كَانَ مُؤمِنًا مُسلِمًا مُتَّبِعًا لِلإِسلامِ حَقَّ الِاتِّبَاعِ، وَمِنهُم مَن كَفَرُوا وَأَدخَلُوا التَّحرِيفَ عَلَى الدِّينِ زَاعِمِينَ أَنَّ هَذَا هُوَ الحَقُّ، مِمَّا أَدَّى إِلَى حُدُوثِ فِتَنٍ عَظِيمَةٍ كَانَت تُؤَدِّي أَحيَانًا بِحَيَاةِ بَعضِ الأَنبِيَاءِ الكِرَامِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الَّذِينَ قُتِلُوا عَلَى أَيدِي هَؤُلاءِ اليَهُودِ المَلاعِين. وَلَمَّا تَكَاثَرَ فَسَادُهُم وَطَغَوا وَبَغَوا وَكَانُوا قَد قَتَلُوا نَبِيَينِ كَريِمَينِ عَلَى اللَّهِ هُمَا سَيِّدُنَا زَكَرِيَّا وَوَلَدُهُ سَيِّدُنَا يَحيَى عَلَيهِمَا السَّلامُ، سَلَّطَ اللَّهُ المُنتَقِمُ عَلَيهِم حَاكِمًا كَافِرًا هُوَ بُختَنَصَّر، أَتَى مِن نَاحِيَةِ العِرَاقِ بِجَيشٍ جَرَّارٍ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ فِي فِلَسطِينَ فَغَزَا بَنِي إِسرَائِيلَ فِي عُقرِ دَارِهِم وَقَتَلَ مِنهُمُ الكَثِيرَ وَأَسَرَ البَاقِينَ وَهَرَبَ القَلِيلُونَ، ثُمَّ أَمَرَ جُندَهُ بِجَلبِ كَمِيَّاتٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الأَترِبَةِ وَوَضعِهَا عَلَى المَدِينَةِ حَتَّى صَارَت كَالجَبَلِ العَظِيمِ إِمعَانًا فِي إِذَاقَتِهِمُ الذُّلَّ وَالهَوَانَ. وَأَخَذَ بُختَنَصَّر الأَسرَى مَعَهُ إِلَى بَابِلَ، وَكَانَ بَينَهُم بَعضُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الإِسلامِ وَقَد دَفَنُوا التَّورَاةَ الأَصلِيَّةَ قَبلَ خُرُوجِهِم مِن بَيتِ المَقدِسِ فِي مَكَانٍ عَرَفُوا مَوضِعَهُ وَحدَهُم، وَكَانَ مِنهُم «عُزَيرُ بنُ شَرخِيَا» الَّذِي استَطَاعَ العَودَةَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ بَعدَ فَترَةٍ، لَكِنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى حَالَتِهِ البَالِيَةِ، وَقَد دُمِّرَ مَا تَبَقَّى مِن بُيُوتٍ وَدُورٍ وَحَولَهَا الجُثَثُ المُمَزَّقَةُ وَالأَطرَافُ المُتَفَرِّقَةُ وَالعِظَامُ المُقَطَّعَةُ، فَمَرَّ بَينَهُم مُتَعَجِّبًا مِن حَالِهِم، وَكَانَ يَجُرُّ وَرَاءَهُ حِمَارَهُ. وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَسَاتِينِ هَذِهِ المَدِينَةِ رَءَاهَا عَامِرَةً بِالفَاكِهَةِ النَّضِرَةِ الطَّرِيَّةِ، فَزَادَت دَهشَتُهُ، إِذِ الأَشجَارُ مُثمِرَةٌ وَالنَّاسُ مَيِّتُونَ، فَقَالَ وَقَد أَثَّرَت فِيهِ العِبرَةُ: «سُبحَانَ اللَّهِ القَادِرِ عَلَى إِحيَاءِ هَذِهِ المَدِينَةِ وَأَهلِهَا بَعدَمَا أَصبَحُوا عَلَى هَذِهِ الحَالِ». ثُمَّ تَنَاوَلَ مِن تِلكَ الأَشجَارِ عِنَبًا وَتِينًا وَمَلأَ مِنهُمَا سَلَّةً لَهُ، ثُمَّ عَصَرَ عِنَبًا فِي وِعَاءٍ وَشَرِبَ مِنهُ قَلِيلًا وَقَعَدَ يَستَرِيحُ تَحتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى أَمَاتَهُ اللَّهُ وَحَجَبَهُ عَن عُيُونِ النَّاسِ وَالسِّبَاعِ وَالطُّيُورِ. وَبَعدَ سَبعِينَ سَنَةً مِن مَوتِ عُزَيرٍ أَرسَلَ اللَّهُ مَلَكًا إِلَى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ: «لُوسِك»، فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكَ أَن تَنهَضَ بِقَومِكَ فَتَقصِدَ بَيتَ المَقدِسِ لِتُعَمِّرَهُ وَمَا حَولَهُ مِنَ الأَرَاضِي حَتَّى يَعُودَ أَحسَنَ مِمَّا كَانَ»، فَأَمَرَ المَلِكُ لُوسِك عَشَرَاتِ الأُلُوفِ مِن مَملَكَتِهِ بِالخُرُوجِ لِتَعمِيرِ المَدِينَةِ، وَعَادَ مَن بَقِيَ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ إِلَيهَا، فَعَمَرُوهَا فِي ثَلاثِينَ سَنَةً، وَكَثُرُوا حَتَّى كَانُوا كَأَحسَنِ حَالٍ مِن رَخَاءِ عَيشٍ. وَبَعدَ اكتِمَالِ مِائَةِ عَامٍ عَلَى مَوتِ عُزَيرٍ أَحيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدرَتِهِ العَظِيمَةِ، وَكَانَ قَد أَمَاتَهُ صَبَاحًا ثُمَّ بَعَثَهُ قَبلَ الغُرُوبِ بَعدَ مُرُورِ هَذِهِ الفَترَةِ الطَّوِيلَةِ، فَأَحيَا مِنهُ أَوَّلَ مَا أَحيَا قَلبَهُ لِيُدرِكَ بِهِ وَعَينَيهِ لِيَرَى بِهِمَا كَيفِيَّةَ بَعثِ الأَجسَادِ فَيَقوَى يَقِينُهُ، ثُمَّ رَأَى عُزَيرٌ سَائِرَ جَسَدِهِ كَيفَ يُرَكَّبُ مِن جَدِيدٍ، ثُمَّ أَتَاهُ مَلَكٌ كَرِيمٌ مِنَ المَلائِكَةِ فَقَالَ لَهُ: «كَم لَبِثتَ؟»، فَأَجَابَهُ «عُزَيرٌ» عَلَى حَسَبِ مَا تَوَقَّعَهُ: «لَبِثتُ يَومًا»، ثُمَّ رَأَى أَنَّ الشَّمسَ لَم تَغرُب كُلُّهَا بَعدُ فَقَالَ: «أَو بَعضَ يَومٍ». فَأَوضَحَ لَهُ المَلَكُ الكَرِيمُ قَائِلًا: «بَل لَبِثتَ مِائَةَ عَامٍ، فَانظُر إِلَى طَعَامِكَ» فَنَظَرَ إِلَى سَلَّةِ التِّينِ وَالعِنَبِ مَا زَالَت كَمَا قَطَفَهَا طَازِجَةً نَضِرَةً، وَإِلَى الشَّرَابِ فِي الوِعَاءِ لَم يَتَعَفَّن. ثُمَّ قَالَ لَهُ المَلَكُ: «وَانظُر إِلَى حِمَارِكَ» فَنَظَرَ إِلَيهِ حَيثُ رَبَطَهُ بِالشَّجَرَةِ، فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَعِظَامُهُ قَد أَصبَحَت بَيضَاءَ نَخِرَةً، وَقَد تَفَرَّقَت أَطرَافُهُ وَبَلِيَت، وَسَمِعَ صَوتَ مَلَكٍ مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: «أَيَّتُهَا العِظَامُ البَالِيَةُ تَجَمَّعِي بِإِذنِ اللَّهِ»، فَانضَمَّت أَجزَاءُ العِظَامِ إِلَى بَعضِهَا، ثُمَّ التَصَقَ كُلُّ عُضوٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، الضِّلَعُ إِلَى الضِّلَعِ، وَالذِّرَاعُ إِلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ جَاءَ الرَّأسُ إِلَى مَوضِعِهِ، وَرُكِّبَتِ الأَعصَابُ وَالعُرُوقُ، ثُمَّ أَنبَتَ اللَّهُ اللَّحمَ الطَّرِيَّ عَلَى الهَيكَلِ العَظمِيَّ، وَكَسَاهُ بِالجِلدِ الَّذِي انبَسَطَ عَلَى اللَّحمِ، ثُمَّ خَرَجَ الشَّعَرُ مِنَ الجِلدِ، وَعِندَهَا جَاءَ مَلَكٌ فَنَفَخَ الرُّوحَ بِإِذنِ اللَّهِ فِي مِنخَرَيِ الحِمَارِ فَقَامَ يَنهَقُ. فَهَبَطَ عُزَيرٌ إِلَى الأَرضِ سَاجِدًا لِلَّهِ بَعدَ أَن شَاهَدَ ءَايَةً مِن ءَايَاتِ اللَّهِ تَعَالَى العَجِيبَةِ البَاهِرَةِ وَهِيَ إِحيَاءُ المَوتَى، وَقَالَ: «أَعلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ». وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عُزَيرٌ قَبلَ مِائَةِ عَامٍ كَانَ عُمُرُهُ أَربَعِينَ عَامًا، أَسوَدَ الشَّعَرِ، قَوِيَّ البُنيَةِ، وَقَد تَرَكَ زَوجَتَهُ حَامِلًا، فَلَمَّا مَاتَ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ عُمُرُهُ مِائَةَ عَامٍ عِندَمَا عَادَ أَبُوهُ إِلَى الحَيَاةِ، فَرَكِبَ عُزَيرٌ حِمَارَهُ وَأَتَى مَحَلَّتَهُ حَيثُ كَانَ يَسكُنُ فَلَم يَعرِفهُ أَحَدٌ مِن أَهلِهِ وَلَم يَعرِفهُم، إِذ قَد وُلِدَ أُنَاسٌ وَمَاتَ أُنَاسٌ، وَقَصَدَ مَنزِلَهُ فَوَجَدَ عَجُوزًا عَميَاءَ مُقعَدَةً كَانَت خَادِمَةً عِندَهُم وَهِيَ بِنتُ عِشرِينَ عَامًا، فَقَالَ لَهَا: «أَهَذَا مَنزِلُ عُزَيرٍ؟»، قَالَت: «نَعَم»، وَبَكَت بُكَاءً غَزِيرًا، وَأَكمَلَت قَائِلَةً: «لَقَد ذَهَبَ عُزَيرٌ مُنذُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ وَنَسِيَهُ النَّاسُ، وَمَا رَأَيتُ أَحَدًا مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا ذَكَرَ عُزَيرًا إِلَّا الآنَ»، قَالَ: «أَنَا عُزَيرٌ، أَمَاتَنِي اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ وَهَا قَد بَعَثَنِي»، فَاضطَرَبَ أَمرُ هَذِهِ العَجُوزِ، ثُمَّ قَالَت: «إِنَّ عُزَيرًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُستَجَابَ الدَّعوَةِ لا يَدعُو لِمَرِيضٍ أَو صَاحِبِ بَلاءٍ إِلَّا تَعَافَى بِإِذنِ اللَّهِ، فَادعُ اللَّهَ أَن يُعَافِيَ جَسَدِي وَيَرُدَّ بَصَرِي»، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا هِيَ ذَاتُ بَصَرٍ حَادٍّ، وَوَجهٍ مُشرِقٍ قَد قَامَت وَاقِفَةً عَلَى رِجلَيهَا كَأَنَّهُ مَا أَصَابَهَا ضُرٌّ قَائِلَةً: «أَشهَدُ أَنَّكَ عُزَيرٌ». ثُمَّ انطَلَقَت بِهِ إِلَى بَنِي إِسرَائِيلَ، وَبَينَهُم أَولادُهُ وَأَحفَادُهُ، وُرُءُوسُهُم وَلِحَاهُم أَبيَضُ مِنَ الثَّلجِ، وَمِنهُم مَن بَلَغَ الثَّمَانِينَ، وَمِنهُم مَن قَارَبَ الخَمسِينَ، وَبَينَ القَومِ بَعضُ أَصدِقَائِهِ الَّذِينَ أَتعَبَ الزَّمَانُ أَجسَادَهُم فَانحَنَوا، وَأَذَابَ جُلُودَهُم، وَصَاحَت: «إِنَّ عُزَيرًا الَّذِي فَقَدتُمُوهُ مُنذُ مِائَةِ عَامٍ قَد رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلًا قَوِيًّا يَمشِي مِشيَةَ الشَّبَابِ الكَامِلِينَ»، وَظَهَرَ لَهُم عُزَيرٌ بَهِيَ الطَّلعَةِ، سَوِيَّ الخَلقِ، شَدِيدَ العَضَلاتِ، أَسوَدَ الشَّعَرِ، فَلَم يَعرِفُوهُ، وَلَكِنَّهُم أَرَادُوا أَن يَمتَحِنُوهُ، فَأَتَى ابنُهُ وَقَالَ لَهُ: «لَقَد كَانَت أُمِّي تُخبِرُنِي أَنَّهُ كَانَ لِأَبِي شَامَةٌ سَودَاءُ مِثلَ الهِلالِ بَينَ كَتِفَيهِ، فَأَرِنَا إِيَّاهَا»، فَكَشَفَ عُزَيرٌ عَن ظَهرِهِ فَظَهَرَتِ الشَّامَةُ، ثُمَّ أَرَادُوا أَن يَتَيَقَّنُوا أَكثَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ كَبِيرٌ بَينَهُم: «أَخبَرَنَا أَجدَادُنَا أَنَّ بُختَنَصَّر لَمَّا هَاجَمَ بَيتَ المَقدِسِ أَحرَقَ التَّورَاةَ وَلَم يَبقَ مِمَّن حَفِظَهُ غَيبًا إِلَّا القَلِيلُ، وَمِنهُم عُزَيرٌ، فَإِن كُنتَ هُوَ فَاتلُ عَلَينَا مَا كُنتَ تَحفَظُ»، فَقَامَ وَلَحِقُوا بِهِ إِلَى المَوضِعِ الَّذِي دَفَنَ فِيهِ التَّورَاةَ عِندَ هُجُومِ بُختَنَصَّر، فَأَخرَجَهَا، وَكَانَت مَلفُوفَةً بِخِرقَةٍ، فَتَعَفَّنَ بَعضُ وَرَقِهَا، وَجَلَسَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ وَبَنُو إِسرَائِيلَ حَولَهُ، فَأَمسَكُوا بِالتَّورَاةِ يُتَابِعُونَ مَا سَيَتلُو، وَتَلا التَّورَاةَ لَم يَترُك ءَايَةً مِنهَا، وَلَم يُحَرِّف جُزءًا، وَلَم يُنقِص حَرفًا، عِندَ ذَلِكَ صَافَحُوهُ مُصَدِّقِينَ، وَأَقبَلُوا عَلَيهِ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ، وَلَكِنَّهُم لِجَهلِهِم لَم يَزدَادُوا إِيمَانًا، بَل كَفَرُوا وَقَالُوا: «عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ» وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
([5]) فَمَعنَى لِيَطمَئِنَّ قَلبِي: أَي لِيَطمَئِنَّ قَلبِي بِإِجَابَةِ طَلَبِي، لِأَنَّهُ مِنَ الجَائِزِ أَن يُعطِيَ اللهُ بَعضَ الأَنبِيَاءِ جَمِيعَ مَا طَلَبَ، وَأَن يُعطِيَهُ بَعضَ مَا طَلَبَ وَلَا يُعطِيَهُ بَعضًا، سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ الَّذِي هُوَ أَشرَفُ خَلقِ اللهِ وَأَكرَمُهُم عَلَى اللهِ مَا أُعطِيَ جَمِيعَ مَا طَلَبَ، بَل أُعطِيَ بَعضَ مَا طَلَبَ وَمُنِعَ بَعضَ مَا طَلَبَ، وَإِبرَاهِيمُ مَا كَانَ جَازِمًا وَقَاطِعًا فِي نَفسِهِ بِأَنَّهُ يُعطِيهِ، كَانَ مُؤمِنًا بِأَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، لَكِن كَانَ عِندَهُ احتِمَالٌ أَنَّهُ يُعطِيهِ هَذَا الشَّىءَ، يَعنِي أَن يُرِيَهُ إِحيَاءَ المَوتَى، احتِمَالٌ أَنَّهُ يُرِيهِ كَيفَ يُحيِ المَوتَى وَاحتِمَالٌ أَنَّهُ لَا يُرِيهِ. لَيسَ شَكًّا بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، فَإِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يَسأَل ذَلِكَ لِلشَّكِّ وَلَا لِلِاستِبعَادِ لِذَلِكَ فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى. تَنبِيهٌ: يَجِبُ الحَذَرُ مِن أَهلِ الضَّلَالِ الَّذِينَ يَزعُمُونَ أَنَّ مَن شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ عَلَى كُلِّ شَىءٍ لَا يَكفُرُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَهَذَا كُفرٌ وَضَلَالٌ وَخَرقٌ لِلإِجمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ الإِمَامُ أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوزِيِّ كَمَا رَوَى عَنهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي فَتحِ البَارِي، فَقَالَ: جَحدُ صِفَةِ القُدرَةِ كُفرٌ اتِّفَاقًا، فَتحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج6 ص523). وَنَقَلَهُ غَيرُهُ مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
([6]) قِصَّةُ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ البَعثَ حَقٌّ وَأَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، وَكَانُوا هُم يَزعُمُونَ أَنَّهُم يُقَلِّدُونَهُ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ مُفعَمَ النَّفسِ بِالإِيمَانِ بِرَبِّهِ وَعَارِفًا بِهِ مُمتَلِئَ الثِّقَةِ بِقُدرَةِ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىءٍ لا يُعجِزُهُ شَىءٌ، وَكَانَ غَيرَ شَاكٍّ وَلا مُرتَابٍ بِوُجُودِ اللَّهِ سُبحَانَهُ، مُؤمِنًا بِمَا أُوحِيَ إِلَيهِ مِن بَعثِ النَّاسِ بَعدَ مَوتِهِم يَومَ القِيَامَةِ وَحِسَابِهِم فِي الحَيَاةِ الأُخرَى عَلَى أَعمَالِهِم وَمَا قَدَّمُوا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، [سُورَةُ البَقَرَة:260]، وَمَعنَاهُ إِنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كَانَ مُؤمِنًا وَمُصَدِّقًا بِقَلبِهِ تَصدِيقًا جَازِمًا لا رَيبَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِحيَاءِ المَوتَى وَإِعَادَةِ الخَلقِ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَن يَزدَادَ بَصِيرَةً وَيَقِينًا، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَن يُرِيَهُ كَيفَ يُحيِي المَوتَى بَعدَ مَوتِهِم، وَقَولُ اللَّهِ تَعَالَى: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ} ، [سُورَةُ البَقَرَة:260]، أَي أَنَا مُؤمِنٌ غَيرُ شَاكٍّ وَلا مُرتَابٍ وَلَكِن تَاقَت نَفسِي لِأَن أَرَى بِعَينَيَّ لِيَطمَئِنَّ قَلبِي وَيَزدَادَ يَقِينِي، فَمَعنَى قَولِ إِبرَاهِيمَ «لِيَطمَئِنَّ قَلبِي» أَي لِيَطمَئِنَّ قَلبِي بِإِجَابَةِ طَلَبِي، لِأَنَّهُ مِنَ الجَائِزِ أَن يُعطِيَ اللَّهُ تَعَالَى بَعضَ الأَنبِيَاءِ جَمِيعَ مَا طَلَبَ أَو أَن يُعطِيَهُ بَعضَ مَا طَلَبَ وَلا يُعطِيَهُ بَعضًا، فَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي هُوَ أَشرَفُ خَلقِ اللَّهِ وَأَكرَمُهُم عَلَى اللَّهِ مَا أُعطِيَ جَمِيعَ مَا طَلَبَ، بَل أُعطِيَ بَعضَ مَا طَلَبَ وَمُنِعَ بَعضَ مَا طَلَبَ، وَإِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مَا كَانَ جَازِمًا وَقَاطِعًا فِي نَفسِهِ بِأَنَّ اللَّهَ يُعطِيهِ مَا سَأَلَ، لَكِنَّهُ كَانَ مُؤمِنًا بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، لَكِن كَانَ عِندَهُ احتِمَالٌ أَنَّ اللَّهَ يُرِيهِ كَيفَ يُحيِي المَوتَى وَاحتِمَالٌ أَنَّهُ لا يُرِيهِ. فَأَجَابَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سُؤَالَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، وَأَمَرَهُ أَن يَأخُذَ أَربَعَةً مِنَ الطَّيرِ وَيَتَعَرَّفَ عَلَى أَجزَائِهَا، ثُمَّ يُفَرِّقَهَا أَشلاءً وَأَجزَاءً وَيَجعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزءًا، ثُمَّ يَدعُوهُنَّ إِلَيهِ فَيَأتِينَهُ سَعيًا بِإِذنِ اللَّهِ، فَلَمَّا فَعَلَ إِبرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحمٰنِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَارَ كُلُّ جُزءٍ يَنضَمُّ إِلَى مِثلِهِ، وَعَادَتِ الأَشلاءُ وَالأَجزَاءُ كَمَا كَانَت، وَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَى كُلِّ طَيرٍ، وَرَجَعَتِ الطُّيُورُ الأَربَعَةُ بِقُدرَةِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ إِلَى إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، وَهُوَ يَرَى ءَايَاتِ اللَّهِ البَيِّنَاتِ وَءَاثَارَ قُدرَتِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لا يُعجِزُهُ شَىءٌ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّمَوَاتِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحسَنُ الخَالِقِينَ أَي أَحسَنُ المُقَدِّرِينَ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا بِطَلَبِ النُّمرُودِ لَعَنَهُ اللهُ، فَقَالَ حَسَبَ مَا يُروَى: قُل لِرَبِّكَ أَن يُحيِيَ المَوتَى وَإِلاَّ قَتَلتُكَ، فَلَم يَخَف سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ مِنهُ، وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَن يَرَى نُمرُودُ وَأَتبَاعُهُ إِحيَاءَ المَوتَى عَلَّهُم يُؤمِنُونَ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ} ، [سُورَةُ البَقَرَةِ:260]. وَصَادَفَ مُرُورُ سَيِّدِنَا “إِبرَاهِيمَ” عَلَيهِ السَّلامُ قُربَ البَحرِ، فَشَاهَدَ جِيفَةَ بَهِيمَةٍ مَطرُوحَةً عَلَى الشَّاطِئِ، فَإِذَا هَاجَتِ الأَموَاجُ دَفَعَتهَا إِلَى البَرِّ فَأَكَلَت مِنهَا السِّبَاعُ، فَإِذَا ذَهَبَتِ السِّبَاعُ جَاءَتِ الطُّيُورُ فَأَكَلَت مِنهَا ثُمَّ طَارَت، ثُمَّ إِذَا سَحَبَ المَوجُ الجِيفَةَ إِلَى البَحرِ أَكَلَت مِنهَا الأَسمَاكُ وَالحِيتَانُ، فَدَعَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ رَبَّهُ وَقَالَ: «رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تَجمَعُ أَجزَاءَ الحَيَوَانِ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ وَحَيَوَانَاتِ البَحرِ لِيَزدَادَ يَقِينِي»، فَحَصَلَت مُعجِزَةٌ كَبِيرَةٌ بَاهِرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدقِ هَذَا النَّبِيِّ العَظِيمِ وَأَنَّهُ مُرسَلٌ مِن عِندِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، إِذِ استَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدُعَاءِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ وَعَلَّمَهُ كَيفَ يَصنَعُ أَوَّلاً، فَأَمَرَهُ كَمَا قِيلَ بِأَن يَأخُذَ أَربَعَةً مِنَ الطَّيرِ، فَأَخَذَ دِيكًا أَحمَرَ، وَحَمَامَةً بَيضَاءَ، وَطَاوُوسًا أَخضَرَ وَغُرَابًا أَسوَدَ، ثُمَّ ذَبَحَهَا وَأَسَالَ دَمَهَا، وَبَعدَ ذلَكِ قَطَّعَهَا قِطَعًا صَغِيرَةً، وَخَلَطَ لُحُومَهَا بِبَعضِهَا مَعَ الدَّمِ وَالرِّيشِ حَتَّى يَكُونَ أَعجَبَ، ثُمَّ وَزَّعَ أَجزَاءَ هَذَا الخَلِيطِ الغَرِيبِ عَلَى سَبعَةِ جِبَالٍ، وَوَقَفَ هُوَ بِحَيثُ يَرَى تِلكَ الأَجزَاءَ، وَأَمسَكَ رُءُوسَ تِلكَ الطُّيُورِ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَينَ بِإِذنِ اللَّهِ»، فَتَطَايَرَت تِلكَ الأَجزَاءُ، فَجَعَلَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ يَنظُرُ إِلَى الرِّيشِ يَطِيرُ إِلَى الرِّيشِ، وَالدَّمِ إِلَى الدَّمِ، وَاللَّحمِ إِلَى اللَّحمِ، وَالأَجزَاءِ مِن كُلِّ طَائِرٍ، يَتَّصِلُ بَعضُهَا إِلَى بَعضٍ، وَعَادَتِ الأَشلاءُ تَتَجَمَّعُ، حَتَّى قَامَ كُلُّ طَائِرٍ وَحدَهُ وَلَكِن مِن غَيرِ رَأسٍ، لِيَكُونَ أَبلَغَ لِسَيِّدِنَا إِبرَاهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ فِي الرُّؤيَةِ الَّتِي سَأَلَهَا، وَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَيهَا وَسَعَت إِلَيهِ بِقُدرَةِ اللَّهِ مُسرِعَةً، وَصَارَ كُلُّ طَائِرٍ يَجِيءُ لِيَأخُذَ رَأسَهُ الَّذِي فِي يَدِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، فَإِذَا قَدَّمَ لَهُ رَأسًا غَيرَ رَأسِهِ لا يَقبَلُهُ، فَإِذَا قَدَّمَ إِلَيهِ رَأسَهُ تَرَكَّبَ مَعَ بَقِيَّةِ جَسَدِهِ بِقُدرَةِ اللَّهِ، فَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يَغلِبُهُ شَىءٌ، وَلا يَمتَنِعُ عَلَيهِ مَا يُرِيدُ. ثُمَّ طَارَتِ الطُّيُورُ كَمَا كَانَت مِن جَدِيدٍ بِإِذنِ اللَّهِ، بَعدَ أَن تَحَقَّقَت مُعجِزَةٌ كَبِيرَةٌ لِنَبِيٍّ مِن أَعظَمِ الأَنبِيَاءِ قَدرًا عِندَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَلَى الرَّغمِ مِن ذَلِكَ لَم يُؤمِن نُمرُودُ، إِذ قَد غَلَبَت عَلَيهِ شَقَاوَتُهُ، فَأَذَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَن سَلَّطَ عَلَيهِ نَوعًا مِنَ الحَشَرَاتِ دَخَلَ رَأسَهُ، فَلَم يَكُن يَهدَأُ أَلَمُهُ حَتَّى يُضرَبَ بِالأَحذِيَةِ وَالكُفُوفِ المُجتَمِعَةِ، وَعَلَى قَولٍ بِالمَرَازِبِ، إِلَى أَن مَاتَ.اهـ
([7]) مِن مَعَاصِي القَلبِ: الرِّيَاءُ بِأَعمَالِ البِرِّ، أَىِ الحَسَنَاتِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً}، [سُورَةُ الكَهفِ:110]، أَى لا يُرَاءِ بِعَمَلِهِ. وَالرِّيَاءُ هُوَ أَن يَقصِدَ الإِنسَانُ بِأَعمَالِ البِرِّ -كَالصَّومِ وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ القُرءَانِ وَالحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالإِحسَانِ إِلَى النَّاسِ- مَدحَ النَّاسِ وَإِجلالَهُم لَهُ، وَقَد يَكُونُ بِإِظهَارِ نُحُولٍ وَصُفرَةٍ وَتَشَعُّثٍ وَخَفضِ صَوتٍ لِيُظَنَّ أَنَّهُ شَدِيدُ الِاجتِهَادِ فِي العِبَادَةِ، أَو بِتَقلِيلِ الأَكلِ وَعَدَمِ المُبَالَاةِ بِلُبسِهِ لِيُظَنَّ أَنَّهُ مُشتَغِلٌ عَن لُبسِهِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ، أَو بِإِكثَارِ الذِّكرِ وَمُلَازَمَةِ المَسَاجِدِ لِيُظَنَّ أَنَّهُ صُوفِيٌّ مَعَ أَنَّهُ مُفلِسٌ مِن حَقِيقَةِ التَّصَوُّفِ. فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَصدَ مَبَرَّةِ النَّاسِ لَهُ بِالهَدَايَا وَالعَطَايَا كَانَ أَسوَأَ حَالًا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِن أَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، أَو بِطَلَبِ كَثرَةِ الزُّوَّارِ لَهُ كَأَن يَطلُبَ مِن نَحوِ عَالِمٍ أَو ذِي جَاهٍ أَن يَزُورَهُ وَيَأتِيَ إِلَيهِ إِيهَامًا لِرِفعَتِهِ وَتَبَرُّكِ غَيرِهِ بِهِ، أَو بِلِقَاءِ كَثِيرٍ مِن أَهلِ الفَضلِ افتِخَارًا بِهِم وَتَرَفُّعًا عَلَى غَيرِهِ. وَكَذَا الزَّوجُ إِن أَحسَنَ لِزَوجَتِهِ أَو هِىَ أَحسَنَت إِلَيهِ لِطَلَبِ مَحمَدَةِ النَّاسِ فَهَذَا رِيَاءٌ، وَأَمَّا الَّذِى يَعمَلُ الإِحسَانَ لِيُحِبَّهُ النَّاسُ لا لِيَمدَحُوهُ وَلا لِلسُّمعَةِ فَلا يُعَدُّ عَمَلُهُ رِيَاءً لَكِن لا ثَوَابَ لَهُ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ أَن يَقبَلَ النَّاسُ مِنهُ النَّصِيحَةَ فَعِندَئِذٍ يُثَابُ. وَالرِّيَاءُ يُطلَقُ عَلَيهِ الشِّركُ الأَصغَرُ، فَقَد رَوَى الحَاكِمُ فِى المُستَدرَكِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ الشِّركُ الأَصغَرُ» وَهُوَ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ لِوَصفِهِ ﷺ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ الشِّركُ الأَصغَرُ. وَالرِّيَاءُ يُحبِطُ ثَوَابَ العَمَلِ الَّذِي قَارَنَهُ، فَإِن رَجَعَ عَن رِيَائِهِ وَتَابَ أَثنَاءَ العَمَلِ فَمَا فَعَلَهُ بَعدَ التَّوبَةِ مِنهُ لَهُ ثَوَابُهُ، وَأَيُّ عَمَلٍ مِن أَعمَالِ البِرِّ دَخَلَهُ الرِّيَاءُ فَلا ثَوَابَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ جَرَّدَ قَصدَهُ لِلرِّيَاءِ أَو قَرَنَ بِهِ قَصدَ طَلَبِ الأَجرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
([8]) قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: الحَشَفُ: اليابِسُ الفاسِدُ مِنَ التَّمرِ، الشِّيصُ والشِّيصَاءُ: رَدِيء التَّمرِ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج9 ص47).
([9]) وَشَرطُ النَّذرِ الَّذِى يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ هُوَ: أَن يَكُونَ المَنذُورُ قُربَةً غَيرَ وَاجِبَةٍ، فَلا يَنعَقِدُ نَذرُ القُربَةِ الوَاجِبَةِ كَالصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَلا نَذرُ تَركِ المَعصِيَةِ كَشُربِ الخَمرِ، وَفِيهِ تَفَاصِيلُ مَذكُورَةٌ فِى كُتُبِ الفِقهِ المُطَوَّلَةِ وَالمَبسُوطَةِ.
([10]) قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَت يَمِينُهُ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ الزَّكَاةِ – بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ، رَقمُ الحَدِيثِ: (1420)، وَعَن ذِي النُّونِ قَالَ: «قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: مَا أَخلَصَ العَبدُ لِلَّهِ إِلَّا أَحَبَّ أَن يَكُونَ فِى جُبٍّ لا يُعرَفُ»، الزُّهدُ الكَبِيرُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ص97).
([11]) اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَلَّ البَيعَ إِلَّا مَا نَهَى عَنهُ فِيمَا أَوحَى بِهِ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّمَا نَصَّ القُرآنُ الكَرِيمُ عَلَى ذِكرِ الرِّبَا وَاقتَصَرَ عَلَيهِ وَلَم يَذكُر غَيرَهُ مِن أَنوَاعِ البَيعِ المُحَرَّمَةِ لِأَنَّ الرِّبَا أَشَدُّ أَنوَاعِ المَالِ المُحَرَّمِ، فَكُلُّ مَالٍ مُحَرَّمٍ إِثمُهُ دُونَ إِثمِ الرِّبَا، وَالرِّبَا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِنهُ مَا هُوَ مِن طَرِيقِ القَرضِ وَأَنَّ مِنهُ مَا هُوَ لَيسَ مِن طَرِيقِ القَرضِ، فَالأَوَّلُ هُوَ القَرضُ الَّذِي يَشتَرِطُ فِيهِ المُقرِضُ جَرَّ مَنفَعَةٍ لِنَفسِهِ أَو لَهُ وَلِلمُقتَرِضِ، ثُمَّ الرِّبَا كَانَ حَرَامًا فِي شَرعِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، لَكِنَّهُ فِي بَدءِ البِعثَةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ لَم يَنزِل تَحرِيمُهُ عَلَيهِم، لِأَنَّ الأَحكَامَ كَانَت تَنزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ شَيئًا فَشَيئًا، هَذِهِ الصَّلَوَاتُ الخَمسُ نَزَلَ فَرضِيَّتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أُمَّتِهِ بَعدَ إِحدَى عَشرَةَ سَنَةً وَنِصفًا مِنَ البِعثَةِ كَانَ قَبلَ ذَلِكَ مَفرُوضًا عَلَيهِم أَن يُصَلُّوا فِي اللَّيلِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَفُرِضَ عَلَيهِمُ الخَمسُ، كَذَلِكَ الخَمرُ لَم يَكُن قَد نَزَلَ النَّصُّ بِتَحرِيمِهِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي بَدءِ الأَمرِ، بَل أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى النَّصَّ بِالتَّحرِيمِ بَعدَ الهِجرَةِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، لَكِنَّ الرَّسُولَ مَا شَرِبَ الخَمرَ وَلَا حَضَّ عَلَى شُربِ الخَمرِ، وَكَذَلِكَ الرِّبَا فِي شَرعِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَم يَحرُم إِلَّا بَعدَ الهِجرَةِ، وَكَانَ أَغلَبُ الرِّبَا الَّذِي يَعمَلُهُ النَّاسُ رِبَا القَرضِ، وَهُوَ أَن يَشرِطَ المُقرِضُ مَا فِيهِ جَرُّ مَنفَعَةٍ لِنَفسِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِزِيَادَةٍ فِي مِقدَارِ المَالِ الَّذِي أَقرَضَهُ أَو بِمَنفَعَةٍ أُخرَى، فَإِذَا اشتَرَطَ المُقرِضُ عَلَى المُقتَرِضِ شَيئًا مِنَ الزِّيَادَةِ فِي القَدرِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَى المُقتَرِضِ، أَوِ اشتَرَطَ عَلَيهِ مَنفَعَةً أُخرَى تَعُودُ إِلَيهِ كَأَن يَشتَرِطَ عَلَيهِ أَن يُسكِنَهُ بَيتَهُ إِلَى أَن يَرُدَّ القَرضَ مَجَّانًا أَو بِأُجرَةٍ هِيَ نِصفُ أُجرَةِ المِثلِ أَو نَحوَ ذَلِكَ، أَوِ اشتَرَطَ المُقرِضُ عَلَى المُقتَرِضِ أَن لَا يُعَامِلَ غَيرَهُ فِي مُعَامَلَاتِهِ بِالبَيعِ وَالشِّرَاءِ كَانَ ذَلِكَ رِبًا، وَهَذَا النَّوعُ مِنَ الرِّبَا يُقَالُ لَهُ رِبَا القَرضِ.
([12]) تَنبِيهٌ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ، [سُورَةُ النِّسَاءِ:48]، وَقَالَ الرَّازِيُّ: «هَذِهِ الآيَةُ مِن أَقوَى الدَّلَائِلِ لَنَا عَلَى العَفوِ عَن أَصحَابِ الكَبَائِرِ».اهـ التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج10 ص98)، فَأَخبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَغفِرُ كُلَّ الذُّنُوبِ لِمَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ المُسلِمِينَ المُتَجَنِّبِينَ لِلكُفرِ بِنَوعَيهِ الإِشرَاكِ بِاللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ غَيرِهِ وَالكُفرِ الَّذِي لَيسَ فِيهِ إِشرَاكٌ كَتَكذِيبِ الرَّسُولِ وَالِاستِخفَافِ بِاللَّهِ أَو بِرَسُولِهِ مَعَ تَوحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنزِيهِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَغفِرُ لِعَبدِهِ مَا لَم يَقَعِ الحِجَابُ»، قَالُوا: وَمَا وُقُوعُ الحِجَابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَن تَمُوتَ النَّفسُ وَهِيَ مُشرِكَةٌ»، رَوَاهُ أَحمَدُ وَابنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ. فَالكُفرُ بِجَمِيعِ أَنوَاعِهِ هُوَ الذَّنبُ الَّذِي لا يَغفِرُهُ اللَّهُ أَي لِمَنِ استَمَرَّ عَلَيهِ إِلَى المَوتِ أَو إِلَى حَالَةِ اليَأسِ مِنَ الحَيَاةِ بِرُؤيَةِ مَلَكِ المَوتِ وَمَلائِكَةِ العَذَابِ أَو إِدرَاكِ الغَرَقِ بِحَيثُ أَيقَنَ بِالهَلاكِ وَنَحوِهِ فَذَاكَ مُلحَقٌ بِالمَوتِ. فَالحَاصِلُ أَنَّ الكُفرَ لا يُغفَرُ إِلَّا بِالإِسلامِ فِي الوَقتِ الَّذِي يَكُونُ مَقبُولًا فِيهِ، فَمَن أَسلَمَ بَعدَ الوَقتِ الَّذِي يُقبَلُ فِيهِ فَلا يَمحُو إِسلامُهُ كُفرَهُ.
([13]) وَفِي الحَدِيثِ: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِن صَدَقَةٍ، فَتَصَدَّقُوا»، المُسنَدُ، لِأَبِي بَكرٍ البَزَّارِ (ج3 ص243)، مَعنَاهُ المَالُ الَّذِي يُتَصَدَّقُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي المَعنَى لَا يَنقُصُ مَعَ أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ نَقَصَهُ، أَمَّا فِي المَعنَى زَادَ، وَهَذَا هُوَ الرِّبحُ الحَقِيقِيُّ.
([14]) تَنبِيهٌ: مَن أَقرَضَ شَخصًا مِائَةً وَكَانَ شَرَطَ عَلَيهِ أَنَّهُ إِن تَأَخَّرَ عَن هَذَا المَوعِدِ يَنضَافُ عَلَيهِ كَذَا كَانَ رِبًا، وَمِنهُ مَا يَفعَلُهُ الَّذِينَ يَبِيعُونَ السَّيَّارَاتِ فِي هَذَا العَصرِ مَثَلًا أَنَّهُم يَشتَرِطُونَ بَعدَ تَحدِيدِ الثَّمَنِ أَنَّهُ إِن أَخَّرَ قِسطًا مِنَ الأَقسَاطِ يُضَافُ عَلَيهِ كَذَا، هَذَا مِنَ الرِّبَا المُحَرَّمِ المُتَّفَقِ عَلَى تَحرِيمِهِ، أَمَّا إِذَا لَم يَكُن فِيهِ هَذَا الشَّرطُ فَلَيسَ رِبًا، بِأَن قَالَ لَهُ بِعتُكَ هَذِهِ السَّيَّارَةَ بِثَمَنٍ مَبلَغُهُ كَذَا عَلَى أَن تَدفَعَ العُشرَ فِي نِهَايَةِ شَهرِ كَذَا أَو سَنَةِ كَذَا وَالعُشرَ الآخَرَ فِي نِهَايَةِ شَهرِ كَذَا أَو سَنَةِ كَذَا، إِلَى آخِرِ الأَقسَاطِ، بَيَّنَ لَهُ الآجَالَ حَتَّى صَارَت مَعلُومَةً لَيسَ فِيهَا جَهَالَةٌ لَا يَكُونُ رِبًا، لِأَنَّهُ مَا شَرَطَ جَرَّ مَنفَعَةٍ لِنَفسِهِ، أَمَّا أَنَّهُ استَفَادَ بِطَرِيقِ بَيعِ التَّقسِيطِ أَيِ المُؤَجَّلِ عَلَى ثَمَنِ بَيعِ النَّقدِ فَهَذَا لَا يَجعَلُهُ حَرَامًا.