﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚأُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚلَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚفَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗسُبْحَانَهُ ۖبَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖكُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖوَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗكَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘتَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗقَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖوَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗقُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗوَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙمَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗوَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (123) ۞وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖقَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖقَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖقَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖوَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖقَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖوَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)﴾
- التَّحذِيرُ مِنَ الظُّلمِ بِتَعطِيلِ مَسَاجِدِ اللهِ
قَالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَنِ الرُّومِ الَّذِينَ خَرَّبُوا بَيتَ المَقدِسِ وَطَرَحُوا فِيهِ الأَذَى وَمَنَعُوا النَّاسَ أَن يُصَلُّوا فِيهِ، أَو عَن مَنعِ المُشرِكِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَن يَدخُلَ المَسجِدَ الحَرَامَ عَامَ الحُدَيبِيَةِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أَيُّ أَحَدٍ أَظلَمُ، أَي لَا أَحَدَ أَظلَمُ ﴿مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ﴾ مَنَعَهَا كَرَاهَةَ أَن يُذكَرَ ﴿فِيهَا اسْمُهُ﴾ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسبِيحِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وَكَانَ المَنعُ مِن مَسجِدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ بَيتُ المَقدِسِ أَوِ المَسجِدُ الحَرَامُ لِأَنَّ الحُكمَ وَرَدَ عَامًّا وَإِن كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا، فَهُوَ حُكمٌ عَامٌّ لِجِنسِ مَسَاجِدِ اللهِ، وَأَنَّ مَانِعَ ذِكرِ اللهِ فِيهَا مُفرِطٌ فِي الظُّلمِ ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾ بِالهَدمِ أَوِ التَّعطِيلِ بِانقِطَاعِ الذِّكرِ فِيهَا ﴿أُولَٰئِكَ﴾ المَانِعُونَ ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا﴾ أَي مَا كَانَ يَنبَغِي لَهُم أَن يَدخُلُوا مَسَاجِدَ اللهِ ﴿إِلَّا خَائِفِينَ﴾ أَي عَلَى حَالِ التَّهَيُّبِ وَارتِعَادِ الفَرَائِصِ مِنَ المُؤمِنِينَ أَن يَبطِشُوا بِهِم بَدَلًا مِن أَن يَستَولُوا عَلَيهَا وَيَلُوهَا وَيَمنَعُوا المُؤمِنِينَ مِنهَا، وَالمَعنَى: مَا كَانَ الحَقُّ إِلَّا ذَلِكَ لَولَا ظُلمُ الكَفَرَةِ وَعُتُوُّهُم([1])، فَهُوَ خَبَرٌ بِمَعنَى الأَمرِ، أَي أَخِيفُوهُم بِالجِهَادِ، أَو هُوَ إِخبَارٌ عَن حَالِهِم بَعدَ ذَلِكَ، وَنَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعدَ فَتحِ مَكَّةَ: «أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعدَ هَذَا العَامِ مُشرِكٌ»([2])، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ هَوَانٌ بِالقَتلِ وَالسَّبيِ لِلحَربِيِّ وَالذِّلَّةِ بِضَربِ الجِزيَةِ لِلذِّمِّيِّ ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)﴾ أَيِ النَّارُ.
- ذِكرُ الوَجهِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَتَفسِيرُهُ وَذِكرُ حُكمِ الصَّلَاةِ فِي النَّفلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ
لَمَّا ذَكَرَ مَنعَ المُؤمِنِينَ مِن مَسَاجِدِ اللهِ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الأَرضَ كُلَّهَا مِلكُهُ وَأَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ خُصَّت بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ بُقعَةٍ مِنهَا، وَضَمَّنَ ذَلِكَ حُكمَ صَلَاةِ النَّفلِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أَي بِلَادُ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ كُلُّهَا، أَيِ الأَرضُ كُلُّهَا لِأَنَّهُمَا نَاحِيَتَاهَا، أَي هُوَ مَالِكُهَا وَمُتَوَلِّيهَا ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ أَي فَأَيَّ جِهَةٍ تَستَقبِلُونَ وَتَتَوَجَّهُونَ إِلَيهَا ﴿فَثَمَّ﴾ أَي هُنَاكَ فِي الجِهَةِ الَّتِي تَتَوَجَّهُونَ إِلَيهَا ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾([3]) قَالَ مُجَاهِدٌ: أَي قِبلَةُ اللهِ الَّتِي رَضِيَهَا، فَهُوَ حُكمٌ خَاصٌّ بِصَلَاةِ النَّفلِ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَو مَشيًا([4])، وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: نَزَلَت فِي صَلَاةِ المُسَافِرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَينَمَا تَوَجَّهَت، فَمَعنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمُصَلِّي النَّفلِ فِي السَّفَرِ أَن يَبدَأَ صَلَاتَهُ مُتَوَجِّهًا لِلقِبلَةِ ثُمَّ يُتَابِعُ مَسِيرَهُ وَيُكمِلُ صَلَاتَهُ جَالِسًا عَلَى دَابَّتِهِ أَو مَاشِيًا عَلَى قَدَمِهِ وَلَو أَدَّى ذَلِكَ لِتَغيِيرِ جِهَةِ القِبلَةِ، بَل لَهُ أَن يَتَوَجَّهَ إِلَى جِهَتِهِ الَّتِي يَسِيرُ إِلَيهَا وَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَى القِبلَةِ بَعدَ تَكبِيرَةِ الإِحرَامِ إِن كَانَ رَاكِبًا، وَإِن كَانَ مَاشِيًا يَستَقبِلُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالجُلُوسِ بَينَ السَّجدَتَينِ، أَوِ المَعنَى أَنَّكُم إِذَا مُنِعتُم أَن تُصَلُّوا فِي المَسجِدِ الحَرَامِ أَو فِي بَيتِ المَقدِسِ فَقَد جُعِلَت لَكُمُ الأَرضُ مَسجِدًا، فَصَلُّوا فِي أَيِّ بُقعَةٍ شِئتُم مِن بِقَاعِهَا وَتَوَجَّهُوا لِلقِبلَةِ وَهِيَ البَيتُ الحَرَامُ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّوَجُّهَ مُمكِنٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَقِيلَ المُرَادُ هُنَا التَّوَجُّهُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكرِ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ﴾ أَي وَاسِعُ الرَّحمَةِ يُرِيدُ التَّوسِعَةَ عَلَى عِبَادِهِ وَيَسَعُ فَضلُهُ كُلَّ شَىءٍ، فَقَد وَسِعَ غِنَاهُ مَفَاقِرَ عِبَادِهِ وَرِزقُهُ جَمِيعَ خَلقِهِ ﴿عَلِيمٌ (115)﴾ بِمَصَالِحِهِم وَتَدبِيرِهِم.
- ذِكرُ كَذِبِ مَن قَالَ: إِنَّ للهِ وَلَدًا
قَالَ تَعَالَى مُعَجِّبًا مِمَّنِ اجتَرَأَ عَلَى نِسبَةِ الوَلَدِ إِلَيهِ سُبحَانَهُ مَعَ مَعرِفَتِهِ شُمُولَ قُدرَتِهِ تَعَالَى وَاتِّسَاعَ عِلمِهِ وَفَضلِهِ وَاستِحَالَةَ افتِقَارِهِ لِلوَلَدِ وَغَيرِهِ: ﴿وَقَالُوا﴾ أَي قَالَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا: المَسِيحُ ابنُ اللهِ، وَاليَهُودُ الَّذِينَ قَالُوا: عُزَيرٌ ابنُ اللهِ، وَالمُشرِكُونَ الَّذِينَ قَالُوا: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تَنزِيهًا لَهُ عَنِ الوَلَدِ وَتَبعِيدًا([5]) ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَي هُوَ خَالِقُهُ وَمَالِكُهُ وَهُم عَبِيدُهُ، وَمِن جُملَتِهِمُ المَسِيحُ وَعُزَيرٌ وَالمَلَائِكَةُ، وَالوِلَادَةُ تُنَافِي المُلكَ ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (116)﴾ أَي كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ مُنقَادُونَ لَهُ وَلَا يَمتَنِعُ شَىءٌ مِنهُم عَلَى تَكوِينِهِ وَتَقدِيرِهِ.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَي مُختَرِعُهُمَا وَمُبدِعُهُمَا وَمُوجِدُهُمَا لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ ﴿وَإِذَا قَضَىٰ﴾ حَكَمَ أَو قَدَّرَ أَو أَرَادَ ﴿أَمْرًا﴾ أَي إِيجَادَهُ ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117)﴾ أَيِ احدُث فَيَحدُثُ، وَهَذَا مَجَازٌ عَن سُرعَةِ التَّكوِينِ وَتَمثِيلٌ، لَيسَ المَعنَى أَنَّهُ يَقُولُ لَفظَ (كُن)، وَإِنَّمَا المَعنَى أَنَّ مَا قَضَاهُ مِنَ الأُمُورِ وَأَرَادَ كَونَهُ فَإِنَّمَا يَتَكَوَّنُ وَيَدخُلُ تَحتَ الوُجُودِ مِن غَيرِ امتِنَاعٍ وَلَا تَوَقُّفٍ، وَأَكَّدَ بِهَذَا استِبعَادَ الوِلَادَةِ، لِأَنَّ مَن كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ القَدرِ كَانَت صِفَاتُهُ لَا تُشبِهُ صِفَاتِ الأَجسَامِ، فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ التَّوَالُدُ فِيهِ([6]).
- ذِكرُ تَكذِيبِ اليَهُودِ وَالمُشرِكِينَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ
بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى مَا حَصَلَ مِنَ الجُرأَةِ عَلَيهِ بِمَا استَوَى فِيهِ حَالُ الجَهَلَةِ مِنَ العَرَبِ وَالعُلَمَاءِ مِن أَهلِ الكِتَابِ تَبكِيتًا لَهُم وَتَنفِيرًا مِنهُم بِأَنَّهُ لَا حَامِلَ لَهُم عَلَى الرِّضَا لِأَنفُسِهِم بِالنُّزُولِ مِن أَوجِ العِلمِ إِلَى حَضِيضِ أَهلِ الجَهلِ إِلَّا اتِّبَاعُ الهَوَى، فَقَالَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مِن مُشرِكِي مَكَّةَ أَو مِن أَهلِ الكِتَابِ، وَنَفَى عَنهُمُ العِلمَ لِأَنَّهُم لَم يَعمَلُوا بِهِ ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ بِأَنَّكَ رَسُولُهُ كَمَا يُكَلِّمُ المَلَائِكَةَ وَكَلَّمَ مُوسَى، استِكبَارًا مِنهُم وَعُتُوًّا ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ مِمَّا اقتَرَحنَاهُ عَلَى صِدقِكَ، جُحُودًا لِأَن يَكُونَ مَا أَتَاهُم مِن آيَاتِ اللهِ آيَاتٍ، وَاستِهَانَةً بِهَا ﴿كَذَٰلِكَ﴾ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ ﴿قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ مِن كُفَّارِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ لِأَنبِيَائِهِم ﴿مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ مِنَ التَّعَنُّتِ وَطَلَبِ الآيَاتِ ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فِي الكُفرِ وَالعِنَادِ وَالعَمَى، وَفِيهِ تَخفِيفٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)﴾ يُنصِفُونَ فَيُوقِنُونَ وَيُؤمِنُونَ بِأَنَّهَا آيَاتٌ يَجِبُ الِاعتِرَافُ بِهَا وَالإِذعَانُ لَهَا وَالِاكتِفَاءُ بِهَا عَن غَيرِهَا.
وَلَمَّا تَضَمَّنَ هَذَا السِّيَاقُ الشَّهَادَةَ بِصِحَّةِ رِسَالَتِهِ ﷺ وَأَنَّهُ لَيسَ عَلَيهِ إِلَّا البَيَانُ صَرَّحَ بِالأَمرَينِ مُؤَكِّدًا لِكَثرَةِ المُنكِرِينَ فِي قَولِهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ بِالهُدَى ﴿بَشِيرًا﴾ لِلمُؤمِنِينَ الَّذِينَ أَجَابُوا إِلَيهِ بِالثَّوَابِ وَهُوَ الجَنَّةُ ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلكَافِرِينَ بِالعِقَابِ ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)﴾ أَي وَلَا نَسأَلُكَ عَنهُم: مَا لَهُم لَم يُؤمِنُوا بَعدَ أَن بَلَّغتَ وَبَلَغتَ جَهدَكَ فِي دَعوَتِهِم؟
وَلَمَّا جَرَتِ العَادَةُ بِأَنَّ المُبَشَّرَ يُسَرُّ بِالبَشِيرِ أَخبَرَ تَعَالَى أَنَّ أَهلَ الكِتَابِ فِي قِسمِ المُنذَرِينَ فَهُم لَا يَزَالُونَ غِضَابًا على النبي ﷺ، فَقَالَ: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ دِينَهُم، كَأَنَّهُم قَالُوا: لَن نَرضَى عَنكَ وَإِن أَبلَغتَ فِي طَلَبِ رِضَانَا حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَنَا، إِقنَاطًا مِنهُم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَن دُخُولِهِم فِي الإِسلَامِ، فَذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَامَهُم، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَرُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ الهُدنَةَ وَوَعَدُوهُ أَن يَتبَعُوهُ بَعدَ مُدَّةٍ خِدَاعًا مِنهُم، فَأَعلَمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ إِعطَاءَ الهُدنَةِ لَا يَنفَعُ عِندَهُم، وَأَطلَعَهُ عَلَى سِرِّ خِدَاعِهِم ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ الَّذِي رَضِيَ لِعِبَادِهِ وَهُوَ الإِسلَامُ ﴿هُوَ الْهُدَىٰ﴾ أَيِ الهُدَى كُلُّهُ لَيسَ وَرَاءَهُ هُدًى، وَمَا عَدَاهُ مِمَّا تَدعُونَ إِلَى اتِّبَاعِهِ مَا هُوَ هُدًى إِنَّمَا هُوَ هَوًى وَضَلَالٌ، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: أَي مَا أَنتَ عَلَيهِ يَا مُحَمَّدُ مِن هُدَى اللهِ الَّذِي يَضَعُهُ فِي قَلبِ مَن يَشَاءُ هُوَ الهُدَى الحَقِيقِيُّ، لَا مَا يَدَّعِيهِ هَؤُلَاءِ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾ أَي أَقوَالَهُمُ الَّتِي يَدعُونَكَ إِلَيهَا الَّتِي هِيَ أَهوَاءٌ وَبِدَعٌ، وَمَعلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَتبَعُهُم عَلَى مَا هُم عَلَيهِ ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أَي مِنَ العِلمِ بِأَنَّ دِينَ اللهِ هُوَ الإِسلَامُ، أَو مِنَ الدِّينِ المَعلُومِ صِحَّتُهُ بِالبَرَاهِينِ الوَاضِحَةِ وَالحُجَجِ اللَّائِحَةِ، أَوِ الوَحيِ مِنَ اللهِ ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ أَي مِن عَذَابِ اللهِ ﴿مِن وَلِيٍّ﴾ يَحفَظُكَ وَيَنفَعُكَ ﴿وَلَا نَصِيرٍ (120)﴾ نَاصِرٍ يَنصُرُكَ وَيَمنَعُكَ مِن عُقُوبَتِهِ.
- ذِكرُ وَمَدحُ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى
لَمَّا أَفصَحَ عَمَّن يَستَحِقُّ النّذَارَةَ مِنهُم بِتَغيِيرِ الدِّينِ بِأَهوَائِهِم فَأَفهَمَ مَن يَستَحِقُّ البِشَارَةَ تَلَاهُ بِالإِفصَاحِ عَنِ القِسمَينِ: مَن يَستَحِقُّ البِشَارَةَ مِنهُم وَمَن يَستَحِقُّ النّذَارَةَ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هُم أَصحَابُ النَّبِيِّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالكِتَابُ القُرءَانُ، أَو مُؤمِنُو أَهلِ الكِتَابِ وَالكِتَابُ التَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أَي يَعمَلُونَ بِهِ وَيُؤمِنُونَ بِمَا فِي مَضمُونِهِ وَلَا يُغَيِّرُونَ مَا فِيهِ، أَو يَقرَؤُونَهُ حَقَّ قِرَاءَتِهِ فِي التَّرتِيلِ وَأَدَاءِ الحُرُوفِ وَالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، يَقرَؤُونَ القُرءَانَ قِرَاءَةً مُوَافِقَةً لِقِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا أُنزِلَ([7]) ﴿أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أَي بِالكِتَابِ المُؤتَى بِأَن يُحَرِّفَهُ ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)﴾ حَيثُ اشتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالهُدَى، وَلِمَصِيرِهِم إِلَى النَّارِ المُؤَبَّدَةِ عَلَيهِم.
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أَي أَنعَمتُهَا عَلَيكُم ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122)﴾ أَي عَلَى عَالَمِي زَمَانِكُم.
وَلَمَّا طَالَ المَدَى فِي تَذكِيرِهِم بِالنِّعَمِ، ثُمَّ فِي بَيَانِ عَوَارِهِم وَهَتكِ أَستَارِهِم، خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرهِيبِ بِخَسَارِهِم لِتَضيِيعِ أَديَانِهِم بِأَعمَالِهِم وَأَحوَالِهِم وَأَقوَالِهِم، فَأَعَادَ مَا صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهُم مِنَ التَّذكِيرِ بِالنِّعَمِ، وَالتَّحذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ فِي يَومٍ يُجمَعُ فِيهِ الأُمَمُ وَيَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّت بِهِ القَدَمُ، لِيُعلَمَ أَنَّ هَذَا هُوَ المَقصُودُ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا﴾ خَافُوا ﴿يَوْمًا لَّا تَجْزِي﴾ لَا تُغنِي فِيهِ ﴿نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ﴾ فِيهِ ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾ فِدَاءٌ ﴿وَلَا تَنفَعُهَا﴾ فِيهِ ﴿شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (123)﴾ لَا يُمنَعُونَ فِيهِ مِن عَذَابِ اللهِ، وَتَكرِيرُ هَاتَينِ الآيَتَينِ لِتَكَرُّرِ المَعَاصِي مِنهُم، وَخَتَمَ قِصَّةَ بَنِي إِسرَائِيلَ بِمَا بَدَأَ بِهِ.
- ذِكرُ بَعضِ نِعَمِ اللهِ عَلَى العَرَبِ
لَمَّا عَابَ سُبحَانَهُ أَهلَ الضَّلَالِ، وَكَانَ جُلُّهُم مِن ذُرِّيَّةِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَجَمِيعُ طَوَائِفِ المِلَلِ تُعَظِّمُهُ، وَمِنهُمُ العَرَبُ، وَبَيتُهُ الَّذِي بَنَاهُ أَكبَرُ مَفَاخِرِهِم وَأَعظَمُ مَآثِرِهِم، ذَكَّرَ الجَمِيعَ بِمَا أَنعَمَ بِهِ عَلَيهِ، تَذكِيرًا يُؤَدِّي إِلَى ثُبُوتِ هَذَا الدِّينِ بِاطِّلَاعِ هَذَا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ الَّذِي لَم يُخَالِط عَالِمًا قَطُّ عَلَى مَا لَا يَعلَمُهُ إِلَّا خَوَاصُّ العُلَمَاءِ، فَقَالَ: ﴿۞([8]) وَإِذِ﴾ أَي وَاذكُر إِذِ ﴿ابْتَلَىٰ﴾ اختَبَرَ ﴿إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ التَّقدِيرُ: ابتَلَى اللهُ إِبرَاهِيمَ ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أَي بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ كَلَّفَهُ بِهَا، قِيلَ هِيَ مَنَاسِكُ الحَجِّ، وَقِيلَ: هِيَ خَمسٌ فِي الرَّأسِ: المَضمَضَةُ وَالِاستِنشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَفَرقُ الشَّعَرِ، وَخَمسٌ فِي الجَسَدِ: قَلمُ الأَظفَارِ وَنَتفُ الإِبطِ وَحَلقُ العَانَةِ وَالخِتَانُ وَالِاستِنجَاءُ، وَقِيلَ: هِيَ سِتٌّ فِي الإِنسَانِ وَأَربَعٌ فِي المَشَاعِرِ، فَالَّتِي فِي الإِنسَانِ: حَلقُ العَانَةِ، وَنَتفُ الإِبِطِ، وَتَقلِيمُ الأَظَافِرِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَالسِّوَاكُ، وَالغُسلُ مِنَ الجَنَابَةِ وَيَومَ الجُمُعَةِ، وَالَّتِي فِي المَشَاعِرِ: الطَّوَافُ بِالبَيتِ، وَالسَّعيُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَرَميُ الجِمَارِ، وَالإِفَاضَةُ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، وَالِاختِبَارُ مِنَّا لِظُهُورِ مَا لَم نَعلَم، وَمِنَ اللهِ لِإِظهَارِ مَا قَد عَلِمَ، وَعَاقِبَةُ الِابتِلَاءِ ظُهُورُ الأَمرِ الخَفِيِّ، فَلِذَا تَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى مَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُظهِرُ الأَمرَ الَّذِي خَفِيَ لِحِكمَةٍ أَرَادَهَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِلَّا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعلَمُ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ مَا الَّذِي سَيَكُونُ ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أَي قَامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيَامِ وَأَدَّاهُنَّ أَحسَنَ التَّأدِيَةِ تَامَّاتٍ مِن غَيرِ تَفرِيطٍ وَتَوَانٍ ﴿قَالَ﴾ تَعَالَى لَهُ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قُدوَةً يَأتَمُّ النَّاسُ بِكَ فِي دِينِهِم ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ أَي وَاجعَل مِن ذُرِّيَّتِي إِمَامًا يُقتَدَى بِهِ، أَو نَبِيًّا، وَذُرِّيَّةُ الرَّجُلِ أَولَادُهُ، ذُكُورُهُم وَإِنَاثُهُم فِيهِ سَوَاءٌ ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)﴾ أَي لَا تُصِيبُ الإِمَامَةُ أَهلَ الظُّلمِ مِن وَلَدِكَ، أَي أَهلَ الكُفرِ، أَخبَرَ أَنَّ إِمَامَةَ المُسلِمِينَ لَا تَثبُتُ لِأَهلِ الكُفرِ وَتُصِيبُ غَيرَهُم، وَأَنَّ مِن أَولَادِهِ المُسلِمِينَ وَالكَافِرِينَ.
وَلَمَّا كَانَ مِن إِمَامَتِهِ اتِّبَاعُ النَّاسِ لَهُ فِي حَجِّ البَيتِ الَّذِي شَرَّفَهُ اللهُ بِبِنَائِهِ قَالَ إِثرَ ذَلِكَ نَاعِيًا عَلَى أَهلِ الكِتَابِ مُخَالَفَتَهُم لَهُ وَتَركَ دِينِهِ وَمُمَهِّدًا لِأَمرِ القِبلَةِ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ أَيِ الكَعبَةَ ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ أَي مَرجِعًا لِلحُجَّاجِ وَالعُمَّارِ يَتَفَرَّقُونَ عَنهُ ثُمَّ يَرجِعُونَ إِلَيهِ ﴿وَأَمْنًا﴾ أَي وَمَوضِعَ أَمنٍ لَهُم مِنَ الظُّلمِ وَالإِغَارَاتِ الوَاقِعَةِ فِي غَيرِهِ، وَكَانَ الجَانِي يَأوِي إِلَيهِ فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ حَتَّى يَخرُجَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَلقَى قَاتِلَ أَبِيهِ فِيهِ فَلَا يُهَيِّجُهُ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وَهُوَ الحَجَرُ الَّذِي قَامَ عَلَيهِ عِندَ بِنَاءِ البَيتِ وَفِيهِ أَثَرُ قَدَمَيهِ عِندَ الكَعبَةِ([9]) ﴿مُصَلًّى﴾ أَي وَقُلنَا اتَّخِذُوا مِنهُ مَوضِعَ صَلَاةٍ تُصَلُّونَ فِيهِ رَكعَتَيِ الطَّوَافِ([10]) ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أَي أَمَرنَاهُمَا ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ مِنَ الأَوثَانِ وَالخَبَائِثِ وَالأَنجَاسِ كُلِّهَا، وَالإِضَافَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَيْتِيَ﴾ هِيَ إِضَافَةُ مِلكٍ لِلتَّشرِيفِ لَا إِضَافَةُ صِفَةٍ أَو مُلَابَسَةٍ، لِاستِحَالَةِ المُلَامَسَةِ أَوِ المُمَاسَّةِ بَينَ اللهِ وَالكَعبَةِ، فَالكَعبَةُ نُسَمِّيهَا بَيتَ اللهِ وَكُلُّ مَسجِدٍ كَذَلِكَ عَلَى مَعنَى إِضَافَةِ المِلكِ وَالتَّشرِيفِ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يَسكُنُهَا، تَنَزَّهَ اللهُ عَن ذَلِكَ([11]) ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ أَي لِلدَّائِرِينَ حَولَهُ ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المُجَاوِرِينَ الَّذِينَ عَكَفُوا عِندَهُ، أَي أَقَامُوا لَا يَبرَحُونَ، أَوِ المُعتَكِفِينَ، أَو أَهلِ مَكَّةَ ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)﴾ أَيِ المُصَلِّينَ.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا﴾ البَلَدَ أَوِ المَكَانَ ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ ذَا أَمنٍ، أَو آمِنًا مَن فِيهِ، وَقَد أَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ فَجَعَلَهُ حَرَمًا لَا يُسفَكُ فِيهِ دَمُ إِنسَانٍ وَلَا يُظلَمُ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا يُصَادُ صَيدُهُ وَلَا يُختَلَى خَلَاهُ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لِأَنَّهُ لَم يَكُن لَهُم ثَمَرَةٌ وَلَا زَرعٌ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَصَرَّ قَومُ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَى الكُفرِ تَرَكَ بِلَادَهُ وَذَهَبَ إِلَى فِلَسطِينَ، ثُمَّ بَعدَ زَمَانٍ أَوحَى اللهُ إِلَيهِ أَن يَذهَبَ إِلَى مَكَّةَ وَتَرَكَ سُرِّيَّتَهُ هَاجَرَ وَابنَهُ إِسمَاعِيلَ هُنَاكَ بِأَمرِ اللهِ، وَدَعَا اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَ أَهلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّمَرَاتِ، لِأَنَّ مَكَّةَ وَادٍ لَيسَ بِهِ زَرعٌ وَحَولَهُ جِبَالٌ جُردٌ، فَاستَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، فَأَمَرَ اللهُ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَنقُلَ جَبَلًا مِن أَرضِ الشَّامِ، إِمَّا مِن سُورِيَّا وَإِمَّا مِن لُبنَانَ، لَكِنَّهُ أَشبَهُ بِلُبنَانَ، فَقَلَعَهُ جِبرِيلُ وَوَضَعَهُ فِي الطَّائِفِ قَرِيبًا مِن مِكَّةَ بِالقُوَّةِ الَّتِي أَعطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، وَهُوَ جَبَلٌ عَالٍ يَختَلِفُ عَمَّا حَولَهُ مِن مَكَّةَ وَنَوَاحِيهَا، بَارِدٌ فِي اللَّيلِ، فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الفَاكِهَةِ، فِيهِ عِنَبٌ مِن أَجوَدِ العِنَبِ، وَفِيهِ الرُّمَّانُ، وَفِيهِ مَاءٌ عَذبٌ يَختَلِفُ عَن تِلكَ النَّوَاحِي، وَفِيهِ غَيرُ ذَلِكَ، وَهَوَاؤُهُ لَطِيفٌ جِدًّا، وَهُوَ مُصطَافُ أَهلِ مَكَّةَ ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أَي وَارزُقِ المُؤمِنِينَ مِن أَهلِهِ خَاصَّةً، قَاسَ الرِّزقَ عَلَى الإِمَامَةِ فَخَصَّ المُؤمِنِينَ بِهِ ﴿قَالَ﴾ اللهُ تَعَالَى جَوَابًا لَهُ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أَي فَأَرزُقُ مَن كَفَرَ ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ تَمتِيعًا قَلِيلًا أَو زَمَانًا قَلِيلًا إِلَى حِينِ أَجَلِهِ ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ أَي أُلجِئُهُ فِي الآخِرَةِ ﴿إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ﴾ فَلَا يَجِدُ عَنهَا مَحِيصًا ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)﴾ المَرجِعُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيهِ النَّارُ.
([1]) رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدخُلُ بَيتَ المَقدِسِ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى إِلَّا مُتَنَكِّرًا خِيفَةَ أَن يُقتَلَ، هَذَا قَبلَ الصَّحَابَةِ لَمَّا كَانَتِ اليَهُودُ مُستَولِيَةً عَلَى بَيتِ المَقدِسِ قَبلَ البِعثَةِ، وَكَانَتِ النَّصَارَى لَا تَدخُلُ بَيتَ المَقدِسِ مُجَاهِرِينَ، فَحَطَّمَ بُختَنَصَّرُ اليَهُودَ وَخَرَّبَ بَيتَ المَقدِسِ، ثُمَّ عَادُوا قَبلَ البِعثَةِ بِزَمَنٍ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ وَكَانَ بَعضُ النَّصَارَى مَعَهُم، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ الشَّامَ فَصَالَحَ نَصَارَى بَيتِ المَقدِسِ عَلَى الجِزيَةِ، ثُمَّ بَقِيَ بَيتُ المَقدِسِ بِأَيدِي المُسلِمِينَ إِلَى القَرنِ الرَّابِعِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الإِفرِنجُ، ثُمَّ أَخرَجَهُم صَلَاحُ الدِّينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
([2]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ تَفسِيرِ القُرءَانِ – سُورَةُ بَرَاءَةٌ – بَابُ: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾، رَقمُ الحَدِيثِ: (4657).
([3]) تَنبِيهٌ: الوَجهُ فِي لُغَةِ العَرَبِ لَهُ أَكثَرُ مِن مَعنًى، لَيسَ مَعنَاهُ هَذَا الجُزءَ الَّذِي نَعلَمُهُ مِن أَنفُسِنَا فَقَط، لُغَةُ العَرَبِ وَاسِعَةٌ، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ أَطلَقَ اللهُ عَلَى نَفسِهِ لَفظَ الوَجهِ، فَنَحنُ لَيسَ لَنَا أَن نَرُدَّ ذَلِكَ لَكِن عَلَينَا أَن نَعتَقِدَ أَنَّ الوَجهَ إِذَا أُطلِقَ عَلَى اللهِ لَا يَكُونُ مَعنَاهُ هَذَا الجُزءَ، لَيسَ الجَارِحَةَ الَّتِي نَعرِفُهَا، فَالَّذِي يَعتَقِدُ فِي اللهِ الجَارِحَةَ يَكفُرُ، وَتَكفِيرُ المُجَسِّمِ هُوَ مَذهَبُ السَّلَفِ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ وَغَيرُهُمَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: المُجَسِّمُ كَافِرٌ، كَمَا نَقَلَهُ عَنهُ السُّيُوطِيُّ فِي الأَشبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، فَقَولُ بَعضِ المُتَأَخِّرِينَ مِنَ المُنتَسِبِينَ لِلمَذهَبِ الشَّافِعِيِّ بِعَدَمِ تَكفِيرِهِم مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيهِ السَّلَفُ، فَلَا التِفَاتَ إِلَى مَا نُقِلَ عَن بَعضِ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ مِن عَدَمِ تَكفِيرِهِ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَل فِي القُرآنِ مَذكُورٌ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَارِحَةِ عَنِ اللَّمسِ وَاللِّسَانِ وَالأُذُنِ؟ نَقُولُ يَكفِي قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، [سُورَةُ الشُّورَى:11]، لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَهُ جَارِحَةُ سَمعٍ أَو جَارِحَةُ بَصَرٍ لَكَانَ مِثلًا لَنَا، وَلَو كَانَ مِثلًا لَنَا لَم يَكُن إِلَهًا، وَأَمَّا اعتِقَادُ أَنَّ للهِ سَمعًا وَبَصَرًا بِجَارِحَتَينِ وَيُضِيفُ إِلَى ذَلِكَ قَولَهُ لَا كَجَوَارِحِنَا فَهُوَ كُفرٌ، فَمَنِ اعتَقَدَ أَنَّ وَجهَ اللهِ هُوَ الحَجمُ فَقَد أَلحَدَ وَكَفَرَ، لِأَنَّ الحَجمَ مَخلُوقٌ كَثِيفًا كَانَ أَو لَطِيفًا، لَا بُدَّ لَهُ مِن مِقدَارٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)﴾، [سُورَةُ الرَّعدِ:8]، فَالحَجمُ مَهمَا كَانَ صَغِيرًا وَمَهمَا كَانَ كَبِيرًا لَهُ مِقدَارٌ، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن أَن يَكُونَ حَجمًا لَطِيفًا أَو كَثِيفًا، لِأَنَّ الحَجمَ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ لَهُ مِقدَارٌ.
([4]) تَنبِيهٌ: لَيسَ مَعنَى الآيَةِ كَمَا يَزعُمُ بَعضُ الَّذِينَ يَنتَسِبُونَ إِلَى أَهلِ التَّصَوُّفِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُحِيطٌ بِالعَالَمِ كَإِحَاطَةِ هَذَا البَيتِ بِمَن فِيهِ، هَذَا كُفرٌ وَضَلَالٌ، لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ مُحِيطًا بِالعَالَمِ كَإِحَاطَةِ الجِدَارِ بِمَا يُوجَدُ دُونَهُ، بَل مَعنَى الآيَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَخَّصَ لَكُم فِي صَلَاةِ النَّفلِ فِي السَّفَرِ أَن تَتَوَجَّهُوا إِلَى الجِهَةِ الَّتِي تَذهَبُونَ إِلَيهَا، أَمَّا الصُّوفِيَّةُ الحَقَّةُ فَهُم عَلَى مُعتَقَدِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ لَم يَحِيدُوا عَنهُ، يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُشبِهُ المَخلُوقَاتِ، لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، وَلَيسَ حَجمًا، لَا يَحتَاجُ إِلَى مَكَانٍ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾، [سُورَةُ الشُّورَى:11]. فَالقِبلَةُ فِي السَّفَرِ لِلمُسَافِرِ الَّذِي يُرِيدُ السُّنَّةَ هِيَ الوِجهَةُ الَّتِي هُوَ سَائِرٌ إِلَيهَا، فَإِن كُنتَ مُغَرِّبًا فَقِبلَتُكَ المَغرِبُ، وَإِن كُنتَ سَائِرًا إِلَى الجَنُوبِ فَقِبلَتُكَ الجَنُوبُ، وَإِن كُنتَ سَائِرًا إِلَى الشَّمَالِ فَقِبلَتُكَ الشَّمَالُ، فِي نَفلِ السَّفَرِ، سَوَاءٌ كَانَ الإِنسَانُ عَلَى دَابَّةٍ أَو مَاشِيًا، وَلَيسَ عَلَيهِ أَن يَستَقبِلَ الكَعبَةَ الشَّرِيفَةَ، إِنَّمَا يَستَقبِلُهَا فِي تَكبِيرَةِ الإِحرَامِ فَقَط، تَخفِيفًا مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَا يَلتَحِقُ بِذَلِكَ رَاكِبُ السَّيَّارَاتِ وَالطَّائِرَاتِ كَمَا يُفهَمُ ذَلِكَ مِن كُتُبِ الفِقهِ. أَمَّا الفَرضُ فَلَا يُصَلَّى إِلَّا بِاستِقبَالِ الكَعبَةِ الشَّرِيفَةِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ، مُلَخَّصًا مِن: تُحفَةِ الحَبِيبِ عَلَى شَرحِ الخَطِيبِ، لِلبُجَيرِمِيِّ (ج1 ص461).
([5]) تَنزِيهُ اللهِ عَنِ الوَلَدِ وَعَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِ: بَيِّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنبَغِي لَهُ الوَلَدُ لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ وَمَالِكُهُ، وَكُلُّ شَىءٍ فَقِيرٌ إِلَيهِ، خَاضِعٌ ذَلِيلٌ لَدَيهِ، وَجَمِيعُ سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ عَبِيدُهُ، وَهُوَ رَبُّهُم لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) ﴾، [سُورَةُ الأَنعَامِ:100-103]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ، فَكَيفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَالوَلَدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَينَ شَيئَينِ مُتَنَاسِبَينِ؟ وَاللهُ تَعَالَى لَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا عَدِيلَ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)﴾، [سُورَةُ الإِخلَاصِ:1-4]، وَهُوَ الإِلَهُ الَّذِي كَمُلَ فِي عِلمِهِ وَحِكمَتِهِ وَرَحمَتِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ، ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أَي لَم يُوجَد مِنهُ وَلَدٌ، ﴿وَلَمْ يُولَدْ (3)﴾ أَي وَلَم يَتَوَلَّد عَن شَىءٍ قَبلَهُ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)﴾ أَي وَلَيسَ لَهُ عَدلٌ وَلَا مُكَافِئٌ وَلَا مُسَاوٍ، فَقَطَعَ النَّظِيرَ المُدَانِيَ وَالأَعلَى وَالمُسَاوِيَ فَانتَفَى أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، إِذ لَا يَكُونُ الوَلَدُ إِلَّا مُتَوَلِّدًا بَينَ شَيئَينِ مُتَعَادِلَينِ أَو مُتَقَارِبَينِ، وَتَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.ويَروِي البَعضُ حَدِيثًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ قَولُهُم: «الخَلقُ كُلُّهُم عِيَالُ اللهِ وَأَحَبُّهُم إِلَى اللَّهِ أَنفَعُهُم لِعِيَالِهِ»، فَهَذَا الحَدِيثُ لَيسَ صَحِيحًا بَل هُوَ حَدِيثٌ شَدِيدُ الضَّعفِ، فَفِي أَسَانِيدِهِ رَاوِيَانِ مَترُوكَانِ، فَلَا يَنبَغِى أَن يُروَى، قَالَ الحَافِظُ نُورُ الدِّينِ فِي مَجمَعِ الزَّوَائِدِ: رَوَاهُ أَبُو يَعلَى وَالبَزَّارُ، وَفِيهِ يُوسُفُ بنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ وَهُوَ مَترُوكٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ وَالأَوسَطِ وَفِيهِ مُوسَى بنُ عُمَيرٍ وَهُوَ أَبُو هَارُونَ القُرَشِىُّ مَترُوكٌ.اﻫ مَجمَعُ الزَّوَائِدِ وَمَنبَعُ الفَوَائِدِ، لِلحَافِظِ نُورِ الدِّينِ الهَيثَمِيِّ (ج8 ص191).ثُمَّ العِيَالُ فِي اللُّغَةِ مَعنَاهُ النَّاسُ الَّذِينَ يُنفِقُ عَلَيهِمُ الشَّخصُ وَلَو كَانُوا أَعمَامَهُ أَو أَخوَالَهُ، وَلَيسَ مَعنَاهُ الأَولادَ، فَلَو صَحَّ هَذَا الحَدِيثُ لَكَانَ مَعنَاهُ أَنَّ الخَلقَ كُلَّهُم فَقُرَاءُ إِلَى اللهِ، كَمَا ذَكَرَ المُنَاوِيُّ فِي شَرحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ.اهـ فَيضُ القَدِيرِ، لِعَبدِ الرَّؤُوفِ المُنَاوِيِّ (ج3 ص505)، فَلَيسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَن أَرَادَ أَن يَنسُبَ الوَلَدَ لِلخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ.اهـلِذَلِكَ عَدَّ العُلَمَاءُ أَنَّ مِنَ الكُفرِ الكُفرَ القَولِيَّ وَيَكُونُ بِاللِّسَانِ، كَمَن يَشتِمُ اللهَ تَعَالَى بِقَولِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الكُفرِ: أُختَ رَبِّكَ، أَوِ ابنَ اللَّهِ، يَقَعُ الكُفرُ هُنَا وَلَو لَم يَعتَقِد أَنَّ لِلَّهِ أُختًا أَوِ ابنًا، لِأَنَّهُ كَذَّبَ قَولَ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِخلاصِ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)﴾، [سورة الإخلاص:3-4]، وَكَذَا لَو زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَولِهِ ابنَ اللَّهِ المَحبُوبَ عِندَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُنجِيهِ مِنَ الكُفرِ وَلَو قَصَدَ الحُنُوَّ فَهُوَ كُفرٌ، وَهُوَ غَيرُ سَائِغٍ شَرعًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُشَبَّهُ بِالأَبِ وَلَا يُشَبَّهُ بِالمَخلُوقَاتِ، وَقَد شَهِدَتِ النُّصُوصُ بِبُطلانِهِ كَقَولِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ:18]، فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي عَدَمِ قَبُولِ مِثلِ هَذَا التَّأوِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ جُزَىٍّ وَغَيرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، عَلَى أَنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ أَنَّ نِسبَةَ الوَلَدِ إِلَى اللَّهِ شَتمٌ لِلَّهِ فَكَيفَ يَكُونُ بَعدَ هَذَا سَائِغًا أَو مَقبُولًا.
([6]) تَنبِيهٌ: أَخبَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنَّهُ يُوجِدُ الأَشيَاءَ بِدُونِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ وَبِدُونِ مُمَانَعَةِ أَحَدٍ، أَي أَنَّهُ يَخلُقُ الأَشيَاءَ الَّتِي شَاءَ أَن يَخلُقَهَا بِسُرعَةٍ بِلَا تَأَخُّرٍ عَنِ الوَقتِ الَّذِي شَاءَ وُجُودَهَا فِيهِ، فَقَولُهُ هُنَا: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾عِبَارَةٌ عَن سُرعَةِ الإِيجَادِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ كُلَّمَا أَرَادَ اللهُ خَلقَ شَىءٍ يَقُولُ: كُن، وَإِلَّا لَكَانَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: كُن، فِي كُلِّ وَقتٍ، وَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخلُقُ فِي اللَّحظَةِ الوَاحِدَةِ مَا لَا يَدخُلُ تَحتَ الحَصرِ، يُنزِلُ اللهُ الأَمطَارَ كُلَّ يَومٍ فِي بُقعَةٍ مِنَ الدُّنيَا، وَيَخلُقُ كُلَّ يَومٍ وَلَدًا وَيُمِيتُ آخَرَ وَيُغنِي هَذَا وَيُفقِرُ هَذَا وَيُصِحُّ هَذَا وَيُمرِضُ هَذَا. ثُمَّ كَلِمَةُ (كُن) لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ، وَاللهُ تَعَالَى كَانَ قَبلَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَقَبلَ أَصنَافِ المَخلُوقَاتِ، فَعَلَى قَولِ المُشَبِّهَةِ المُجَسِّمَةِ يَلزَمُ أَن يَكُونَ اللهُ سَاكِتًا قَبلُ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا، وَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّ هَذَا شَأنَ البَشَرِ وَغَيرِهِم، وَقَد قَالَ أَهلُ السُّنَّةِ: لَو كَانَ يَجُوزُ عَلَى اللهِ أَن يَتَكَلَّمَ بِالحَرفِ وَالصَّوتِ لَجَازَ عَلَيهِ كُلُّ الأَعرَاضِ مِنَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالبُرُودَةِ وَاليُبُوسَةِ وَالأَلوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُحَالٌ. فَالَّذِي يَتَوَهَّمُ أَنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ بِالحَرفِ وَالصَّوتِ وَاللُّغَةِ فَهَذَا نَسَبَ إِلَى اللهِ صِفَةَ الحُدُوثِ، جَعَلَ اللهَ تَعَالَى حَادِثًا مَخلُوقًا، لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ المَخلُوقَاتِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الخَالِقِ النُّطقُ، لِأَنَّ النُّطقَ يَكُونُ بِالحَرفِ وَالصَّوتِ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرآنِ بِهَذَا التَّعبِيرِ لِيُقَرِّبَ لَنَا وَيُفهِمَنَا أَنَّهُ يَخلُقُ الأَشيَاءَ بِلَا تَعَبٍ وَبِلَا مَشَقَّةٍ كَمَا أَنَّ كَلِمَةَ (كُن) فِي حَقِّ المَخلُوقِ مَا فِيهَا تَعَبٌ، فَهَذَا تَقرِيبٌ مِنَ اللهِ وَإِثبَاتُ تَكوِينِهِ لِلمَخلُوقَاتِ حَتَّى نَفهَمَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَحتَاجُ فِي خَلقِ شَىءٍ مَا إِلَى حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ وَاستِعمَالِ آلَةٍ، بَل بِمُجَرَّدِ تَعَلُّقِ إِرَادَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ عَلَى وَفقِ عِلمِهِ الأَزَلِيِّ بِالمُحدَثَاتِ تُوجَدُ المُحدَثَاتُ، فَمَا قَضَاهُ مِنَ الأُمُورِ وَأَرَادَ كَونَهُ فَإِنَّمَا يَتَكَوَّنُ وَيَدخُلُ تَحتَ الوُجُودِ مِن غَيرِ امتِنَاعٍ وَلَا تَوَقُّفٍ، كَمَا أَنَّ المَأمُورَ المُطِيعَ الَّذِي يُؤمَرُ فَيَمتَثِلُ لَا يَتَوَقَّفُ وَلَا يَمتَنِعُ وَلَا يَكُونُ مِنهُ إِبَاءٌ، وَأَكَّدَ بِهَذَا استِبعَادَ الوِلَادَةِ لِأَنَّ مَن كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ القُدرَةِ كَانَت صِفَاتُهُ مُبَايِنَةً لِصِفَاتِ الأَجسَامِ فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ التَّوَالُدُ ثَمَّ.
([7]) وَحَقُّ التِّلَاوَةِ لَا يُعلَمُ إِلَّا بِالتَّلَقِّي عَن أَهلِ المَعرِفَةِ الَّذِينَ تَلَقَّوا عَن أَمثَالِهِم بِسِلسِلَةٍ تَتَّصِلُ إِلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَن أَرَادَ أَن يَقرَأَ القُرءَانَ لِنَفسِهِ أَو أَن يُقرِئَ غَيرَهُ لَا بُدَّ أَن يَتَلَقَّى مِنَ القَارِئِ الثِّقَةِ، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لِمَن قَرَأَ القُرءَانَ بِلَا تَلَقٍّ، وَإِلَّا كَيف يَضمَنُ أَنَّهُ يَتلُوهُ كَمَا أُنزِلَ مِن غَيرِ تَلَقٍّ، وَهَذِهِ الآيَةُ وَغَيرُهَا مِنَ الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ القُرءَانِ الكَرِيمِ بِطَرِيقَةٍ مُخِلَّةٍ بِمَا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ مِنَ التَّشكِيلِ وَمُرَاعَاةُ أَوَاخِرِ الكَلِمَاتِ وَإِخرَاجُ الحُرُوفِ مِن مَخَارِجِهِا، وَمَن لَم يُرَاعِ ذَلِكَ فَقَد خَرَجَ بِالإِثمِ بَدَلًا مِنَ الأَجرِ وَالثَّوَابِ، وَفِي الجَزَرِيَّةِ فِي عِلمِ التَّجوِيدِ يَقُولُ ابنُ الجَزَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
وَذُو لُحُونٍ فِي القُرَانِ آثِمُ
المُقَدِّمَةُ الجَزَرِيَّةُ، لِشَمسِ الدِّينِ ابنِ الجَزَرِيِّ (ص62)، وَهَذَا صَرِيحٌ مِن أَحَدِ أَئِمَّةِ هَذَا العِلمِ فِي أَنَّ تَركَ تَصحِيحِ القِرَاءَةِ فِيهِ إِثمٌ فَضلًا عَن أَن يَكُونَ فِيهِ أَجرٌ وَثَوَابٌ.
([8]) ثَلَاثَةُ أَربَاعِ الحِزبِ (2).
([9]) وَأَصلُ هَذَا الحَجَرِ يَاقُوتَةٌ مِن يَوَاقِيتِ الجَنَّةِ، كَانَ مُضِيئًا بِحَيثُ يَغلِبُ نُورَ الشَّمسِ، لَكِنَّ اللهَ طَمَسَ ذَلِكَ النُّورَ بِسَبَبِ شِركِ الكَافِرِينَ حَولَهُ بِعِبَادَةِ الأَصنَامِ وَتَمَسُّحِهِم بِهِ فَعَادَ كَبَعضِ أَحجَارِ الأَرضِ هَذِهِ، وَلَو بَقِيَ عَلَى أَصلِهِ لَأَضَاءَ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، وَكَانَ هَذَا الحَجَرُ يَطِيرُ بِنَبِيِّ اللهِ إِبرَاهِيمَ عِندَمَا كَانَ يَبنِي الكَعبَةَ مِن جَدِيدٍ مَعَ وَلَدِهِ إِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
([10]) رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَخَذَ بِيَدِ عُمَرَ فَقَالَ: «هَذَا مَقَامُ إِبرَاهِيمَ»، فَقَالَ عُمَرُ: أَفَلَا نَتَّخِذُهُ مُصَّلًى؟ فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَم أُؤمَر بِذَلِكَ»، فَلَم تَغِبِ الشَّمسُ حَتَّى نَزَلَت، سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج5 ص221).
([11]) بَل وَيَكفُرُ مَن يَعتَقِدُ المُمَاسَّةَ لِاستِحَالَتِهَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى جَعلِ ذَاتِ اللهِ مُقَدَّرًا مَحدُودًا مُتَنَاهِيًا. وَلَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا لِإِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ فَذَلِكَ لِيُفهِمَنَا أَنَّ لِلكَعبَةِ عِندَهُ مَقَامًا عَالِيًا وَأَنَّهَا مُشَرَّفَةٌ عِندَهُ.