﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖإِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖإِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚوَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖوَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖقَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖلَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖوَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗقُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖوَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖوَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖفَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚوَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ ۖوَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖوَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗقُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗوَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖلَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖوَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) ۞سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚقُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗوَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚوَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗوَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143) قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖفَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚوَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗوَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗوَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚوَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚوَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚوَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙإِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖوَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖفَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖفَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚأَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖوَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗوَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚوَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾
- ذِكرُ قِصَّةِ بِنَاءِ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ الكَعبَةَ
﴿وَإِذْ﴾ وَاذكُر إِذ ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ جَمعَ قَاعِدَةٍ، وَهِيَ الأَسَاسُ وَالأَصلُ لِمَا فَوقَهُ، أَوِ هِيَ الجُدُرُ، وَرَفعُ الأَسَاسِ البِنَاءُ عَلَيهِ، قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ وَابنُ عَبَّاسٍ وَابنُ المُسَيِّبِ وَأَبُو العَالِيَةِ: رَفَعَ القَوَاعِدَ الَّتِي كَانَت قَوَاعِدَ قَبلَ ذَلِكَ ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ بَيتِ اللهِ وَهُوَ الكَعبَةُ ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ هُوَ عَطفٌ عَلَى إِبرَاهِيمَ، أَي وَيَرفَعُ إِسمَاعِيلُ، وَكَانَ إِبرَاهِيمُ يَبنِي وَإِسمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ ﴿رَبَّنَا﴾ أَي يَرفَعَانِهَا قَائِلِينَ: رَبَّنَا ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ تَقَرُّبَنَا إِلَيكَ بِبِنَاءِ هَذَا البَيتِ ﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ﴾ لِدُعَائِنَا وَأَقوَالِنَا ﴿الْعَلِيمُ (127)﴾ بِضَمَائِرِنَا وَنِيَّاتِنَا وَأَفعَالِنَا.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أَي ثَابِتَينِ عَلَى الإِسلَامِ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾([1])، أَي ثَبِّتنَا عَلَيهِ، فَهُوَ دُعَاءُ استِدَامَةٍ وَثَبَاتٍ، أَو مُخلِصَينِ لَكَ أَوجُهَنَا، أَو مُستَسلِمَينِ، أَو مُنقَادَينِ، أَو زِدنَا إِخلَاصًا وَإِذعَانًا لَكَ ﴿وَمِن﴾ وَاجعَل مِن ﴿ذُرِّيَّتِنَا﴾ أَولَادِنَا ﴿أُمَّةً﴾ جَمَاعَةً ﴿مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ قِيلَ أَرَادَ بِالأُمَّةِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿وَأَرِنَا﴾ عَلِّمنَا وَعَرِّفنَا ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ مُتَعَبَّدَاتِنَا فِي الحَجِّ، أَو شَرَائِعَ عِبَادَتِنَا، وَوَاحِدُ المَنَاسِكِ مَنسَكٌ بِفَتحِ السِّينِ وَكَسرِهَا وَهُوَ المُتَعَبَّدُ، وَلِهَذَا قِيلَ لِلعَابِدِ: نَاسِكٌ ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ مَا فَرَطَ مِنَّا مِنَ التَّقصِيرِ ﴿إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)﴾ سَأَلَاهُ التَّوبَةَ مَعَ عِصمَتِهِمَا تَوَاضُعًا وَتَعلِيمًا لِذُرِّيَّتِهِمَا([2]).
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ فِي الأُمَّةِ المُسلِمَةِ، أَو أَهلِ البَيتِ ﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ مِن أَنفُسِهِم، فَبَعَثَ اللهُ فِيهِم مُحَمَّدًا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ([3]) ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ يَقرَأُ عَلَيهِم وَيُبَلِّغُهُم مَا تُوحِيهِ إِلَيهِ مِن دَلَائِلِ وَحدَانِيَّتِكَ وَصِدقِ أَنبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ القُرآنَ ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السُّنَّةَ وَفَهمَ القُرءَانِ وَمَا فِيهِ مِنَ الأَحكَامِ وَالمَوَاعِظِ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ وَيُطَهِّرُهُم مِنَ الشِّركِ وَسَائِرِ الأَرجَاسِ ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ﴾ الغَالِبُ الَّذِي لَا يُغلَبُ ﴿الْحَكِيمُ (129)﴾ فِيمَا أَولَيتَ وَفِي صُنعِكَ.
- ذِكرُ مُوَافَقَةِ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الِاعتِقَادِ
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن﴾ أَي يَترُكُ ﴿مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ استِفهَامٌ بِمَعنَى الإِنكَارِ، أَي لَا يَكُونُ فِي العُقَلَاءِ مَن يَرغَبُ عَنِ الحَقِّ الوَاضِحِ الَّذِي هُوَ مِلَّةُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ الإِسلَامُ، وَالمِلَّةُ السُّنَّةُ وَالطَّرِيقَةُ، قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ دَعَا ابنَي أَخِيهِ مُهَاجِرًا وَسَلَمَةَ إِلَى الإِسلَامِ، فَأَسلَمَ سَلَمَةُ وَرَغِبَ عَنِ الإِسلَامِ مُهَاجِرٌ، فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ ﴿إِلَّا مَن﴾ أَي وَمَا يَرغَبُ عَن مِلَّةِ إِبرَاهِيمَ إِلَّا مَن ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أَي جَهِلَ أَنَّهَا مَخلُوقَةٌ لِلَّهِ يَجِبُ عَلَيهَا عِبَادَتُهُ، أَوِ استَخَفَّ بِهَا وَامتَهَنَهَا وَأَهلَكَهَا ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ اختَرنَاهُ ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بِالرِّسَالَةِ وَالخُلَّةِ ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)﴾ أَي صَالِحِي الحَالِ الفَائِزِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى، وَفِيهِ بَيَانٌ لِخَطَأِ رَأيِ مَن يَرغَبُ عَن مِلَّتِهِ، لِأَنَّ مَن جَمَعَ كَرَامَةَ الدَّارَينِ لَم يَكُن أَحَدٌ أَولَى بِالرَّغبَةِ فِي طَرِيقَتِهِ مِنهُ.
وَلَمَّا ذَكَرَ إِمَامَتَهُ ذَكَرَ مَا يُؤتَمُّ بِهِ فِيهِ، وَهُوَ سَبَبُ اصطِفَائِهِ وَصَلَاحِهِ، وَذَلِكَ دِينُهُ، فَقَالَ: ﴿إِذْ﴾ اُذكُر إِذ ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أَذعِن أَو أَطِع، أَو أَخلِص دِينَكَ للهِ ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)﴾ أَي أَخلَصتُ، أَوِ انقَدتُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: اذكُر ذَلِكَ الوَقتَ لِتَعلَمَ أَنَّهُ المُصطَفَى الصَّالِحُ الَّذِي لَا يُرغَبُ عَن مِلَّةِ مِثلِهِ، وَقِيلَ: ذَلِكَ حِينَ وُقُوعِ الِاصطِفَاءِ.
وَذَكَرَ وَصِيَّةَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ لِبَنِيهِ، وَوَصِيَّتَهُم لِبَنِيهِم سَلَفًا لِخَلَفٍ، وَلَا سِيَّمَا يَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ المُنَوَّهُ بِنِسبَةِ أَهلِ الكِتَابِ إِلَيهِ، فَقَالَ: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا﴾ أَي بِالمِلَّةِ، أَو بِقَولِ: أَسلَمتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ قِيلَ: بَنُوهُ أَربَعَةٌ: إِسمَاعِيلُ، وَإِسحَاقُ، وَمَديَنُ، وَمَدَائِنُ، وَقِيلَ إِنَّهُم ثَمَانِيَةٌ ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ أَي وَوَصَّى بِهَا يَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ بَنِيهِ أَيضًا، قَالَا فِي الوَصِيَّةِ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ﴾ أَي أَعطَاكُمُ دِينَ الَّذِي هُوَ صَفوَةُ الأَديَانِ وَهُوَ دِينُ الإِسلَامِ وَوَفَّقَكُم لِلأَخذِ بِهِ ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)﴾ فَلَا يَكُن مَوتُكُم إِلَّا عَلَى حَالِ الإِسلَامِ، فَهُوَ نَهيٌ فِي الحَقِيقَةِ عَن تَركِ الإِسلَامِ وَأَمرٌ بِالثَّبَاتِ عَلَيهِ إِلَى المَوتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الأَنبِيَاءِ أَمَرُوا أَقوَامَهُم وَدَعَوهُم إِلَى دِينِ الإِسلَامِ فَهُوَ دِينُ الحَقِّ الَّذِي لَا يَقبَلُ اللهُ مِنَ العِبَادِ غَيرَهُ.
وَلَمَّا كَذَبَ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى الأَنبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم وَنَسَبُوهُم إِلَى اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصرَانِيَّةِ، وَقَالَتِ اليَهُودُ: وَصَّى يَعقُوبُ بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ، رَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم وَكَذَّبَهُم، وَأَعلَمَهُم أَنَّهُم كَانُوا عَلَى الحَنِيفِيَّةِ وَالإِسلَامِ، وَقَالَ لَهُم عَلَى جِهَةِ التَّقرِيعِ وَالتَّوبِيخِ: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ﴾ هَل كُنتُم حُضُورًا ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾؟ أَشَهِدتُم يَعقُوبَ حِينَ حَضَرَهُ المَوتُ وَعَلِمتُم بِمَا أَوصَى فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَن عِلمٍ؟ أَي لَم تَشهَدُوا، بَل أَنتُم تَفتَرُونَ ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ أَي أَيَّ شَىءٍ تَعبُدُونَ مِن بَعدِ مَوتِي؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وَجَعَلَ إِسمَاعِيلَ مِن جُملَةِ آبَائِهِ وَهُوَ عَمُّهُ لِأَنَّ العَمَّ أَبٌ، قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي العَبَّاسِ: «إِنَّهُ بَقِيَّةُ آبَائِي»([4]) ﴿إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)﴾ أَي كَذَلِكَ كُنَّا نَحنُ وَنَكُونُ.
﴿تِلْكَ﴾ أَيِ الأُمَّةُ المَذكُورَةُ، وَهِيَ إِبرَاهِيمُ وَيَعقُوبُ وَبَنُوهُمَا المُوَحِّدُونَ ﴿أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ مِنَ العَمَلِ، أَي جَزَاءُ العَمَلِ ﴿وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ أَي أَنَّ أَحَدًا لَا يَنفَعُهُ كَسبُ غَيرِهِ مُتَقَدِّمًا كَانَ أَو مُتَأَخِّرًا، فَكَمَا أَنَّ أُولَئِكَ لَا يَنفَعُهُم إِلَّا مَا اكتَسَبُوا فَكَذَلِكَ أَنتُم لَا يَنفَعُكُم إِلَّا مَا اكتَسَبتُم، وَذَلِكَ لِافتِخَارِهِم بِآبَائِهِم، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَالمُخَاطَبُ فِي هَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَي أَنتُم يَا مَن نَسَبتُمُ الأَنبِيَاءَ إِلَى اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصرَانِيَّةِ ذَلِكَ لَا يَنفَعُكُم، لِأَنَّ كُلَّ نَفسٍ لَهَا مَا كَسَبَت مِن خَيرٍ وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت مِن شَرٍّ، فَخَيرُهُم لَا يَنفَعُكُم إِن كَسَبتُم شَرًّا، وَفِي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلَى الجَبرِيَّةِ القَائِلِينَ: لَا اكتِسَابَ لِلعَبدِ وَلَا اختِيَارَ لَهُ ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)﴾ وَلَا تُؤَاخَذُونَ بِسَيِّئَاتِهِم([5]).
- ذِكرُ تَكذِيبِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بِقَولِهِم: إِنَّ الهِدَايَةَ مَا هُم عَلَيهِ، وَالرَّدُّ عَلَيهِم
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ أَي قَالَ يَهُودُ المَدِينَةِ كُونُوا هُودًا وَقَالَت نَصَارَى نَجرَانَ كُونُوا نَصَارَى ﴿تَهْتَدُوا ۗ قُلْ﴾ لَهُم ﴿بَلْ﴾ نَتَّبِعُ ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ دِينَ إِبرَاهِيمَ، وَهُوَ دِينُ سَائِرِ الأَنبِيَاءِ، وَهُوَ الإِسلَامُ ﴿حَنِيفًا﴾ وَالحَنِيفُ المَائِلُ عَن كُلِّ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى دِينِ الحَقِّ ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)﴾ تَعرِيضٌ بِأَهلِ الكِتَابِ وَغَيرِهِم، لِأَنَّ كُلًّا مِنهُم يَدَّعِي اتِّبَاعَ مِلَّةِ إِبرَاهِيمَ وَهُوَ عَلَى الشِّركِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
ثُمَّ خَاطَبَ المُؤمِنِينَ، فَقَالَ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ أَيِ القُرآنِ ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ مِنَ الصُّحُفِ العَشَرَةِ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ حَفَدَةِ يَعقُوبَ، أَي ذَرَارِيِّ أَبنَائِهِ الِاثنَي عَشَرَ([6]) ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ﴾ مِنَ التَّورَاةِ ﴿وَعِيسَىٰ﴾ مِنَ الإِنجِيلِ ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ مِنَ الكُتُبِ وَالآيَاتِ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أَي لَا نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ كَمَا فَعَلَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)﴾ للهِ مُخلِصُونَ، وَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ الأَنبِيَاءِ جَاءُوا بِدِينٍ وَاحِدٍ هُوَ الإِسلَامُ.
﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ يَعنِي أَهلَ الكِتَابِ ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾ أَي بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ، أَو بِمَا آمَنتُم بِهِ، أَو آمَنُوا إِيمَانًا مِثلَ إِيمَانِكُم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا﴾ أَي أَعرَضُوا عَمَّا تَقُولُونَ لَهُم وَلَم يُنصِفُوا، أَو أَعرَضُوا عَنِ الشَّهَادَةِ وَالدُّخُولِ فِي الإِيمَانِ ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أَي فَمَا هُم إِلَّا فِي خِلَافٍ مَعَكُم وَعَدَاوَةٍ وَلَيسُوا مِن طَلَبِ الحَقِّ فِي شَىءٍ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ سَيَكفِيكَ اللهُ عَدَاوَتَهُم وَخِلَافَهُم، فَهُوَ ضَمَانٌ مِنَ اللهِ لِإِظهَارِ رَسُولِهِ عَلَيهِم، وَقَد أَنجَزَ وَعدَهُ بِقَتلِ بَعضِهِم وَإِجلَاءِ بَعضِهِم، وَمَعنَى السِّينِ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَإِن تَأَخَّرَ إِلَى حِينٍ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِمَا يَنطِقُونَ بِهِ وَيَقُولُونَهُ ﴿الْعَلِيمُ (137)﴾ بِأَحوَالِهِم وَمَا يُضمِرُونَ مِنَ الحَسَدِ وَالغِلِّ وَهُوَ مُعَاقِبُهُم عَلَيهِ، فَهُوَ وَعِيدٌ لَهُم، أَو هُوَ وَعدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَي يَسمَعُ مَا تَدعُو بِهِ وَيَعلَمُ نِيَّتَكَ وَمَا تُرِيدُهُ مِن إِظهَارِ دِينِ الحَقِّ وَهُوَ مُستَجِيبٌ لَكَ وَمُوصِلُكَ إِلَى مُرَادِكَ.
وَكَانَ النَّصَارَى يَغمِسُونَ أَولَادَهُم فِي مَاءٍ أَصفَرَ يُسَمُّونَهُ: المَعمُودِيَّةَ، وَيَقُولُونَ: هُوَ تَطهِيرٌ لَهُم، فَإِذَا فَعَلَ الوَاحِدُ مِنهُم بِوَلَدِهِ ذَلِكَ قَالَ: الآنَ صَارَ نَصرَانِيًّا حَقًّا، فَأَمَرَ المُسلِمُونَ بِأَن يَقُولُوا لَهُم: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَي دِينَ اللهِ الَّذِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِظُهُورِ أَثَرِهِ عَلَى صَاحِبِهِ كَالصِّبغِ فِي الثَّوبِ، أَي آمَنَّا بِاللهِ وَصَبَغَنَا اللهُ بِالإِيمَانِ صِبغَتَهُ وَلَم نُصبَغ صِبغَتَكُم ﴿وَمَنْ﴾ أَي لَا أَحَدَ ﴿أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أَي لَا صِبغَةَ أَحسَنُ مِن صِبغَتِهِ، يُرِيدُ الدِّينَ أَوِ التَّطهِيرَ، لِأَنَّ الإِيمَانَ يُطَهِّرُ النُّفُوسَ ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ عَطفٌ عَلَى آمَنَّا بِاللهِ، أَي قُولُوا هَذَا وَهَذَا.
﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُم أَبنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَادَّعَوا أَنَّهُم أَولَى بِاللهِ مِنكُم بِزَعمِهِم لِقِدَمِ أَديَانِهِم وَكُتُبِهِم ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ أَتُجَادِلُونَنَا وَتُخَاصِمُونَنَا ﴿فِي﴾ شَأنِ ﴿اللَّهِ﴾ وَاصطِفَائِهِ النَّبِيَّ مِنَ العَرَبِ دُونَكُم، وَتَقُولُونَ: لَو أَنزَلَ اللهُ عَلَى أَحَدٍ لَأَنزَلَ عَلَينَا، وَتَرَونَ أَنفُسَكُم أَحَقَّ بِالنُّبُوَّةِ مِنَّا ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ نَشتَرِكُ جَمِيعًا فِي أَنَّنَا عِبَادُهُ وَأَنَّهُ رَبُّنَا، وَهُوَ يُصِيبُ بِرَحمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَلَهُ أَن يَصطَفِيَ مَن يَشَاءُ ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾ نُجَازَى بِهَا ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ تُجَازَونَ بِهَا ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)﴾ الدِّينَ وَالعَمَلَ، أَي نَحنُ مُوَحِّدُونَ لَهُ نَخُصُّهُ بِالإِيمَانِ وَأَنتُم بِهِ مُشرِكُونَ، وَالمُخلِصُ أَحرَى بِالكَرَامَةِ وَأَولَى بِالنُّبُوَّةِ مِن غَيرِهِ.
- ذِكرُ تَكذِيبِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بِقَولِهِم: إِنَّ الأَنبِيَاءَ كَانُوا عَلَى مِلَلِهِم
قَالَ يَهُودُ المَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجرَانَ لِلمُؤمِنِينَ: إِنَّ أَنبِيَاءَ اللهِ كَانُوا مِنَّا مِن بَنِي إِسرَائِيلَ وَكَانُوا عَلَى دِينِنَا، فَنَزَلَ: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ يَعنِي أَيَّ الأَمرَينِ تَفعَلُونَ؟ المُحَاجَّةَ فِي حُكمِ اللهِ أَمِ ادِّعَاءَ اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصرَانِيَّةِ عَلَى الأَنبِيَاءِ؟ ثُمَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَن يَقُولَ رَادًّا عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿قُلْ﴾ لَهُم ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ أَيِ اللَّهُ أَعلَمُ، وَقَد بَرَّأَ إِبرَاهِيمَ مِنَ الكُفرِ وَالشِّركِ وَشَهِدَ لَهُ بِمِلَّةِ الإِسلَامِ فِي قَولِهِ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)﴾ ([7]) فَاللهُ أَعلَمَنَا بِدِينِ الأَنبِيَاءِ وَلَا أَحَدَ أَعلَمُ بِهِ مِنهُ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ﴾ أَخفَى عَنِ النَّاسِ ﴿شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أَي كَتَمَ شَهَادَةَ اللهِ لِإِبرَاهِيمَ بِالحَنِيفِيَّةِ([8]) مَعَ أَنَّهَا عِندَهُ فِي كِتَابِهِ وَيَعلَمُ بِهَا، وَالمَعنَى أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَظلَمُ مِن أَهلِ الكِتَابِ مِن هَذِهِ الحَيثِيَّةِ لِأَنَّهُم كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهُم عَالِمُونَ بِهَا، أَو أَنَّا لَو كَتَمنَا هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَم يَكُن أَحَدٌ أَظلَمَ مِنَّا فَلَا نَكتُمُهَا، وَفِيهِ تَعرِيضٌ بِكِتمَانِهِم شَهَادَةَ اللهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالنُّبُوَّةِ فِي كُتُبِهِم وَسَائِرِ شَهَادَاتِهِ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)﴾ مِن تَكذِيبِ الرُّسُلِ وَكِتمَانِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا تَهدِيدٌ لَهُم.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)﴾ كُرِّرَت لِلتَّأكِيدِ، أَو لِأَنَّ المُرَادَ بِالأَوَّلِ الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبِالثَّانِي أَسلَافُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى.
- ذِكرُ قِصَّةِ تَحوِيلِ القِبلَةِ
أَعلَمَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِمَا سَيَقُولُونَ فِي شَأنِ تَحَوُّلِ المُؤمِنِينَ مِنَ الشَّامِ إِلَى الكَعبَةِ، فَقَالَ: ﴿۞([9]) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ وَهُمُ الجُهَّالُ خِفَافُ الأَحكَامِ وَالعُقُولِ، وَهُمُ اليَهُودُ لِكَرَاهَتِهِمُ التَّوَجُّهَ إِلَى الكَعبَةِ وَلِأَنَّهُم لَا يَرَونَ النَّسخَ، أَو هُمُ المُنَافِقُونَ لِحِرصِهِم عَلَى الطَّعنِ وَالِاستِهزَاءِ، أَو هُمُ المُشرِكُونَ لِقَولِهِم: رَغِبَ عَن قِبلَةِ آبَائِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيهَا، وَاللهِ لَيَرجِعَنَّ إِلَى دِينِهِم ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ مَا صَرَفَهُم ﴿عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يَعنُونَ بَيتَ المَقدِسِ([10]) ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أَيِ الأَرضُ كُلُّهَا لَهُ، فَهُوَ يَحكُمُ بِمَا يُرِيدُ وَيُوَلِّي عِبَادَهُ وَيَأمُرُهُم بِالتَّوَجُّهِ إِلَى حَيثُ يَشَاءُ، فَتَارَةً إِلَى الكَعبَةِ وَتَارَةً إِلَى بَيتِ المَقدِسِ، فَلَا اعتِرَاضَ عَلَيهِ لِأَنَّهُ وَحدَهُ مَالِكُ الجِهَاتِ كُلِّهَا ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ مِن أَهلِهَا ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142)﴾ طَرِيقٍ مُستَوٍ، أَي يُرشِدُ مَن يَشَاءُ إِلَى دِينِ الإِسلَامِ، أَو إِلَى قِبلَةِ الحَقِّ وَهِيَ الكَعبَةُ الَّتِي أُمِرنَا بِالتَّوَجُّهِ إِلَيهَا، وَمِن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنتُم يَا أَتبَاعَ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ تَعَالَى لِلمُؤمِنِينَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أَي كَمَا جَعَلنَا قِبلَتَكُم مُتَوَسِّطَةً بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أَي عُدُولًا بَينَ الغُلُوِّ وَالتَّقصِيرِ، فَإِنَّكُم لَم تَغلُوا غُلُوَّ النَّصَارَى حَيثُ وَصَفُوا المَسِيحَ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَلَم تُقَصِّرُوا تَقصِيرَ اليَهُودِ حَيثُ وَصَفُوا مَريَمَ بِالزِّنَا وَعِيسَى بِأَنَّهُ وَلَدُ الزِّنَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، أَو خِيَارًا، وَقِيلَ لِلخِيَارِ وَسَطٌ لِأَنَّ الأَطرَافَ يَتَسَارَعُ إِلَيهَا الخَلَلُ وَالأَوسَاطُ مَحمِيَّةٌ ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يَومَ القِيَامَةِ أَنَّ رُسُلَهُم بَلَّغَتهُم ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أَنَّهُ بَلَّغَكُم، رُوِيَ أَنَّ الأُمَمَ يَومَ القِيَامَةِ يَجحَدُونَ تَبلِيغَ الأَنبِيَاءِ، فَيُطَالِبُ اللهُ الأَنبِيَاءَ بِالبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُم قَد بَلَّغُوا، وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّهُم بَلَّغُوا([11])، فَيُؤتَى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَيَشهَدُونَ، فَتَقُولُ الأُمَمُ: مِن أَينَ عَرَفتُم؟ فَيَقُولُونَ: عَلِمنَا ذَلِكَ بِإِخبَارِ اللهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ النَّاطِقِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الصَّادِقِ، فَيُؤتَى بِمُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَيُسأَلُ عَن حَالِ أُمَّتِهِ فَيُزَكِّيهِم وَيَشهَدُ بِعَدَالَتِهِم([12]) ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ الجِهَةَ ﴿الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ وَتُحِبُّ أَن تَستَقبِلَهَا، وَهِيَ الكَعبَةُ ﴿إِلَّا﴾ امتِحَانًا لِلنَّاسِ وَابتِلَاءً وَ﴿لِنَعْلَمَ﴾([13]) أَي لِنُظهِرَ لِلخَلقِ ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ أَي لِنُظهِرَ السَّابِقَ عَلَى الإِسلَامِ الصَّادِقَ فِيهِ مِمَّن هُوَ عَلَى حَرفٍ يَرجِعُ عَمَّا كَانَ عَلَيهِ مِن خَيرٍ لِقَلَقِهِ فَيَرتَدُّ عَنِ الإِسلَامِ عِندَ تَحوِيلِ القِبلَةِ ظَنًّا مِنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَيرَةٍ مِن أَمرِهِ، وَقَدِ ارتَدَّ لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ ﴿وَإِن كَانَتْ﴾ أَيِ التَّحوِيلَةُ إِلَى الكَعبَةِ ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أَي ثَقِيلَةً شَاقَّةً ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أَي إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ الثَّابِتِينَ الصَّادِقِينَ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الكَعبَةِ قَالُوا: كَيفَ بِمَن مَاتَ قَبلَ التَّحوِيلِ مِن إِخوَانِنَا؟ فَنَزَلَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أَي صَلَاتَكُم إِلَى بَيتِ المَقدِسِ فَيُثِيبُكُم عَلَيهَا، سَمَّى الصَّلَاةَ إِيمَانًا لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى أَهلِ الإِيمَانِ وَقَبُولَهَا مِن أَهلِ الإِيمَانِ وَأَدَاءَهَا فِي الجَمَاعَةِ دَلِيلُ الإِيمَانِ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143)﴾ فَلَا يُضِيعُ أُجُورَهُم.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أَن يُحَوِّلَهُ إِلَى الكَعبَةِ مُوَافَقَةً لِإِبرَاهِيمَ وَمُخَالَفَةً لِليَهُودِ، وَلِأَنَّهَا أَدعَى لِلعَرَبِ إِلَى الإِيمَانِ لِأَنَّهَا مَفخَرَتُهُم وَمَزَارُهُم وَمَطَافُهُم، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَىٰ﴾ نَعلَمُ([14]) ﴿تَقَلُّبَ﴾ تَرَدُّدَ ﴿وَجْهِكَ﴾ وَتَصَرُّفَ نَظَرِكَ ﴿فِي﴾ جِهَةِ ﴿السَّمَاءِ﴾([15]) مُتَطَلِّعًا إِلَى الوَحيِ وَمُتَشَوِّقًا لِلأَمرِ بِاستِقبَالِ الكَعبَةِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ فَلَنُعطِيَنَّكَ وَلَنُمَكِّنَنَّكَ مِنَ استِقبَالِ قِبلَةٍ ﴿تَرْضَاهَا﴾ تُحِبُّهَا وَتَمِيلُ إِلَيهَا لِأَغرَاضِكَ الصَّحِيحَةِ الَّتِي أَضمَرتَهَا وَوَافَقتَ مَشِيئَةَ اللهِ وَحِكمَتَهُ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ أَي نَحوَ جِهَةِ ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أَيِ اجعَل تَولِيَةَ الوَجهِ تِلقَاءَ المَسجِدِ أَي فِي جِهَتِهِ وَسَمتِهِ([16])، رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلَّى نَحوَ بَيتِ المَقدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهرًا أَو سَبعَةَ عَشَرَ شَهرًا، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ تَوَجَّهَ ﷺ إِلَى الكَعبَةِ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾ مِنَ الأَرضِ وَأَرَدتُمُ الصَّلَاةَ ﴿فَوَلُّوا﴾ أَي فَيَجِبُ عَلَيكُم أَن تُوَلُّوا ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ فِي الصَّلَاةِ ﴿شَطْرَهُ﴾ إِلَى جِهَتِهِ ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أَيِ التَّحوِيلَ إِلَى الكَعبَةِ هُوَ ﴿الْحَقُّ﴾ الثَّابِتُ ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بِشَارَةِ أَنبِيَائِهِم بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يُصَلِّي إِلَى القِبلَتَينِ وَأَنَّهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى الكَعبَةِ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)﴾ فَهُوَ وَعِيدٌ لِلكَافِرِينَ بِالعِقَابِ عَلَى الجُحُودِ وَالإِبَاءِ.
ثُمَّ قَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أَتَى بِهَا الأَنبِيَاءُ قَبلَكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَرَادَ ذَوِي العِنَادِ مِنهُم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ بِكُلِّ بُرهَانٍ قَاطِعٍ عَلَى أَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى الكَعبَةِ هُوَ الحَقُّ وَعَلَى صِدقِكَ فِي أَمرِ القِبلَةِ ﴿مَّا تَبِعُوا﴾ أَي لَا يَتبَعُونَ ﴿قِبْلَتَكَ﴾ لِأَنَّ تَركَهُمُ اتِّبَاعَكَ لَيسَ عَن شُبهَةٍ تُزِيلُهَا بِإِيرَادِ الحُجَّةِ، إِنَّمَا هُوَ عَن مُكَابَرَةٍ وَعِنَادٍ مَعَ عِلمِهِم بِمَا فِي كُتُبِهِم مِن نَعتِكَ أَنَّكَ عَلَى الحَقِّ ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حَسمٌ لِأَطمَاعِهِم، إِذ كَانُوا اضطَرَبُوا فِي ذَلِكَ وَقَالُوا: لَو ثَبَتَ عَلَى قِبلَتِنَا لَكُنَّا نَرجُو أَن يَكُونَ صَاحِبَنَا الَّذِي نَنتَظِرُهُ، وَطَمِعُوا فِي رُجُوعِهِ إِلَى قِبلَتِهِم ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَعنِي أَنَّهُم مَعَ اتِفَّاقِهِم عَلَى مُخَالَفَتِكَ مُختَلِفُونَ فِي شَأنِ القِبلَةِ، لَا يُرجَى اتِّفَاقُهُم كَمَا لَا تُرجَى مُوَافَقَتُهُم لَكَ، فَاليَهُودُ تَستَقبِلُ بَيتَ المَقدِسِ وَالنَّصَارَى مَطلِعَ الشَّمسِ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾ فَرَضًا، فَالرَّسُولُ لَا يَتَّبِعُهُم عَلَى الضَّلَالِ ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أَي مِن بَعدِ الوَحيِ وَوُضُوحِ البُرهَانِ وَالإِحَاطَةِ بِأَنَّ القِبلَةَ هِيَ الكَعبَةُ وَأَنَّ دِينَ اللهِ هُوَ الإِسلَامُ ﴿إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (145)﴾ الخِطَابُ فِي الظَّاهِرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالمُرَادُ أُمَّتُهُ.
ثُمَّ أَكَّدَ عِلمَهُم وَتَحَقُّقَهُم مِن صِدقِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ إِشَارَةً إِلَى مَا أَضمَرُوهُ مِنَ العِنَادِ المُوجِبِ لِلتَّمَادِي فِي الفَسَادِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أَي يَعرِفُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَبِيٌّ، أَو يَعرِفُونَ أَنَّ القُرءَانَ حَقٌّ، أَو يَعرِفُونَ أَنَّ تَحوِيلَ القِبلَةِ حَقٌّ ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أَي كَمَا يَعرِفُونَ أَنَّهُم أَولَادُهُم، بَل أَشَدُّ([17])، لِأَنَّ التَّورَاةَ الَّتِي أُنزِلَت عَلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِيهَا الإِخبَارُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَالإِنجِيلُ كَذَلِكَ، لَكِن لَم تُذعِن نُفُوسُهُم، فَلِذَلِكَ كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ بِأَلسِنَتِهِم مَعَ عِلمِهِم بِأَنَّهُ ﷺ نَبِيٌّ([18]) ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ﴾ أَيِ الَّذِينَ لَم يُسلِمُوا ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ حَسَدًا وَعِنَادًا، وَالكِتمَانُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعدَ العِلمِ بِالشَّىءِ، لِأَنَّ الجَاهِلَ بِالشَّىءِ لَا يُوصَفُ بِالكِتمَانِ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)﴾ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِم.
﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أَيِ الحَقُّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنَ اللهِ لَا مِن غَيرِهِ، فَالحَقُّ كَالَّذِي أَنتَ عَلَيهِ، وَأَمَّا المُحَرَّفُ الَّذِي عَلَيهِ أَهلُ الكِتَابِ فَهُوَ البَاطِلُ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)﴾ الشَّاكِّينَ فِي أَنَّهُ مِن رَبِّكَ، وَهَذَا نَهيٌ لِلأُمَّةِ، وَحَاشَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَن يَشُكَّ فِيمَا جَاءَ مِن عِندِ اللهِ تَعَالَى.
وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّ أَحَدًا مِن هَؤُلَاءِ الفِرَقِ لَا يَتبَعُ قِبلَةَ الآخَرِ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ أَنَّ لِكُلٍّ مِنهُم قِبلَةً، وَقَرَّرَ أَنَّ ذَلِكَ مِن أَهلِ الكِتَابِ عَلَى وَجهِ العِنَادِ، أَثبَتَ مَا تَضَمَّنَهُ الكَلَامُ السَّابِقُ عَلَى وَجهٍ أَعَمَّ مِنهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِن أَهلِ الأَديَانِ المُختَلِفَةِ ﴿وِجْهَةٌ﴾ قِبلَةٌ ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أَي يَتَوَجَّهُ إِلَيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فَاسبِقُوا أَنتُم إِلَيهَا غَيرَكُم ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ أَنتُم وَأَعدَاؤُكُم ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يَومَ القِيَامَةِ فَيَفصِلُ بَينَ المُحِقِّ وَالمُبطِلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾ لَا يُعجِزُهُ شَىءٌ.
ثُمَّ أَكَّدَ عَظِيمَ أَمرِ القِبلَةِ وَعَظِيمَ شَأنِهَا بِقَولِهِ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ وَمِن أَيِّ بَلَدٍ خَرَجتَ لِلسَّفَرِ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إِذَا صَلَّيتَ ﴿وَإِنَّهُ﴾ وَإِنَّ هَذَا المَأمُورَ بِهِ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)﴾ وَكُرِّرَتِ الآيَةُ تَكرِيرَ تَأكِيدٍ لِيَحسِمَ طَمَعَ أَهلِ الكِتَابِ فِي رُجُوعِ المُسلِمِينَ أَبَدًا إِلَى قِبلَتِهِم.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وَهَذَا التَّكرِيرُ لِتَأكِيدِ أَمرِ القِبلَةِ وَتَشدِيدِهِ، لِأَنَّ النَّسخَ مِن مَظَانِّ الفِتنَةِ وَالشُّبهَةِ فَكُرِّرَت عَلَيهِم لِيَثبُتُوا، عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ فَائِدَةً زَائِدَةً ﴿لِئَلَّا﴾ أَي قَد عَرَّفَكُمُ اللهُ أَمرَ الِاحتِجَاجِ فِي القِبلَةِ بِمَا قَد بَيَّنَهُ لَكُم لِئَلَّا ﴿يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ لِليَهُودِ أَوِ المُشرِكِينَ ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أَي مُجَادَلَةٌ فِي التَّوَلِّي إِلَى غَيرِهِ، أي لِتَنتَفِيَ مُجَادَلَتُهُم لَكُم مِن قَولِ اليَهُودِ: يَجحَدُ دِينَنَا وَيَتبَعُ قِبلَتَنَا، وَقَولِ المُشرِكِينَ: يَدَّعِي مِلَّةَ إِبرَاهِيمَ وَيُخَالِفُ قِبلَتَهُ ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إِلَّا المُعَانِدِينَ مِنهُم، ثُمَّ استَأنَفَ مُنَبِّهًا بِقَولِهِ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ فَلَا تَخَافُوا مَطَاعِنَهُم فِي قِبلَتِكُم فَإِنَّهُم لَا يَضُرُّونَكُم ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ فَلَا تُخَالِفُوا أَمرِي ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أَي عَرَّفتُكُم لِئَلَّا يَكُونَ عَلَيكُم حُجَّةٌ وَلِأُتِّمَ نِعمَتِي عَلَيكُم بِهِدَايَتِي إِيَّاكُم إِلَى الكَعبَةِ وَإِلَى مَعَالِمِ دِينِكُم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)﴾ وَلِكَي تَهتَدُوا إِلَى الحَقِّ، أَو إِلَى قِبلَةِ إِبرَاهِيمَ.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ أَي وَلِأُتِمَّ نِعمَتِي عَلَيكُم فِي الآخِرَةِ بِالثَّوَابِ كَمَا أَتمَمتُهَا عَلَيكُم فِي الدُّنيَا بِإِرسَالِ الرَّسُولِ ﴿مِّنكُمْ﴾ مِنَ العَرَبِ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ أَي يَقرَأُ عَلَيكُمُ القُرآنَ ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ وَيُطَهِّرُكُم مِنَ الكُفرِ وَيُنَمِّيكُم بِالطَّاعَةِ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾ القُرآنَ ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السُّنَّةَ وَالفِقهَ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَحنُ لَا نَأخُذُ بِالحَدِيثِ إِنَّمَا نَأخُذُ بِالقُرآنِ فَقَط، وَهَؤُلَاءِ مَلَاحِدَةٌ مُكَذِّبُونَ لِلقُرآنِ ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)﴾ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى مَعرِفَتِهِ إِلَّا بِالوَحيِ.
وَلَمَّا كَانَ مِنَ المَعلُومِ أَنَّ هَذَا الخَيرَ إِنَّمَا كَانَ بِذِكرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لِلعَرَبِ أَي بِإِنعَامِهِ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيهِم رَغَّبَهُم فِيمَا يُدِيمُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ سَبَبُهُ فَقَالَ: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ بِالمَعذِرَةِ أَو بِالثَّنَاءِ أَو بِالسُّؤَالِ أَو بِالتَّوبَةِ أَو بِالإِخلَاصِ أَو بِالمُنَاجَاةِ ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ ِالمَغفِرَةِ أَو بِالعَطَاءِ أَو بِالنَّوَالِ أَو بِعَفوِ الحَوبَةِ أَو بِالخَلَاصِ أَو بِالنَّجَاةِ، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: مَعنَى الآيَةِ: اذكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذكُركُم بِالثَّوَابِ وَالمَغفِرَةِ ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ مَا أَنعَمتُ بِهِ عَلَيكُم بِالطَّاعَةِ ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ (152)﴾ وَلَا تَجحَدُوا نِعمَتِيَ بِالمَعصِيَةِ.
وَلَمَّا خَتَمَ الآيَاتِ الآمِرَةَ بِاستِقبَالِ البَيتِ فِي الصَّلَاةِ التَفَتَ إِلَى الأَمرِ بِهَا وَالتَّأكِيدِ عَلَيهَا وَعَلَى الصَّبرِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ عَلَى الآخِرَةِ ﴿بِالصَّبْرِ﴾ عَلَى الطَّاعَةِ وَالبَلَاءِ، فَإِنَّ بِهِ تُنَالُ كُلُّ فَضِيلَةٍ ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فَإِنَّهَا تَنهَى عَن كُلِّ رَذِيلَةٍ، وَخَصَّهَا بِالذِّكرِ لِتَكَرُّرِهَا وَعِظَمِهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾ بِالنَّصرِ وَالمَعُونَةِ.
([1]) [سُورَةُ الفَاتِحَةِ:6].
([2]) قِصَّةُ بِنَاءِ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ الكَعبَةَ الشَّرِيفَةَ: أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِبِنَاءِ البَيتِ الحَرَامِ -الكَعبَةِ-، وَبَوَّأَهُ اللهُ مَكَانَهُ أَي أَرشَدَهُ إِلَيهِ وَدَلَّهُ عَلَيهِ، وَقِيلَ إِنَّ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَوضِعِ البَيتِ هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ. فَسَارَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ وَجَدَ إِسمَاعِيلَ يُصلِحُ نَبلًا لَهُ وَرَاءَ زَمزَمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِسمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَنِي أَن أَبنِيَ بَيتًا، قَالَ لَهُ إِسمَاعِيلُ: فَأَطِع رَبَّكَ، فَقَالَ لَهُ إِبرَاهِيمُ: قَد أَمَرَكَ أَن تُعِينَنِي عَلَى بِنَائِهِ، قَالَ: إِذَن أَفعَلُ، فَقَامَ إِبرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِ البَيتِ، فَجَعَلَ يَبنِي وَإِسمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَكُلَّمَا أَنهَيَا بِنَاءَ صَفٍّ مِنهَا ارتَفَعَ مَقَامُ إِبرَاهِيمَ بِهِ حَتَّى يَبنِيَ الَّذِي فَوقَهُ، وَهَكَذَا حَتَّى تَمَّت عِمَارَتُهَا. وَمَقَامُ إِبرَاهِيمَ هُوَ حَجَرٌ كَانَ يَقِفُ عَلَيهِ إِبرَاهِيمُ عِندَ بِنَاءِ الكَعبَةِ وَضَعَهُ لَهُ ابنُهُ إِسمَاعِيلُ لِيَرتَفِعَ عَلَيهِ لَمَّا تَعَالَى البِنَاءُ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾، [سُورَةُ البَقَرَةِ:127-129]. وَالمَقصُودُ أَنَّ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلَ بَنَى أَشرَفَ المَسَاجِدِ فِي أَشرَفِ البِقَاعِ فِي وَادٍ غَيرِ ذِي زَرعٍ، وَدَعَا لِأَهلِهَا بِالبَرَكَةِ وَأَن يُرزَقُوا مِنَ الثَّمَرَاتِ مَعَ قِلَّةِ المِيَاهِ وَعَدَمِ الأَشجَارِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَن يَجعَلَهُ اللهُ حَرَمًا ءَامِنًا. كَذَلِكَ سَأَلَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ اللهَ أَن يَبعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِنهُم أَي مِن جِنسِهِم وَعَلَى لُغَتِهِمُ الفَصِيحَةِ البَلِيغَةِ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِم وَيُطَهِّرُهُم. وَقَدِ استَجَابَ اللهُ تَعَالَى دَعوَةَ نَبِيِّهِ إِبرَاهِيمَ، فَبَعَثَ فِي العَرَبِ وَفِي أَشرَفِ القَبَائِلِ مِنهُم رَسُولًا عَظِيمًا، وَهُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. وَعِندَمَا أَكمَلَ إِبرَاهِيمُ بِنَاءَ الكَعبَةِ قَالَ لِابنِهِ إِسمَاعِيلَ: إِيتِنِي بِحَجَرٍ حَسَنٍ أَضَعُهُ عَلَى الرُّكنِ فَيَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَمًا، فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالحَجَرِ الأَسوَدِ فَأَخَذَهُ وَوَضَعَهُ مَوضِعَهُ. وَالكَعبَةُ هِيَ أَوَّلُ بَيتٍ وَمَسجِدٍ وُضِعَ فِي هَذِهِ الأَرضِ، وَءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ هُوَ أَوَّلُ مَن بَنَاهُ، وَقَدِ انهَدَمَ بِطُوفَانِ نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي عَمَّ كُلَّ الأَرضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)﴾، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:96]. وَالكَعبَةُ وَسَطُ المَعمُورَةِ، وَفَوقَهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ البَيتُ المَعمُورُ، وَهُوَ بَيتٌ مُشَرَّفٌ هُوَ لِأَهلِ السَّمَاءِ المَلَائِكَةِ كَالكَعبَةِ لِأَهلِ الأَرضِ، كُلَّ يَومٍ يَدخُلُهُ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ يَخرُجُونَ وَلَا يَعُودُونَ أَبَدًا. فَائِدَةٌ: عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: «المَسجِدُ الحَرَامُ»، قُلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «المَسجِدُ الأَقصَى»، قُلتُ: كَم بَينَهُمَا؟ قَالَ: «أَربَعُونَ سَنَةً»، قُلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ حَيثُ أَدرَكَتكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَكُلُّهَا مَسجِدٌ». وَبَعدَ أَن فَرَغَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن بِنَاءِ البَيتِ الحَرَامِ مَعَ إِسمَاعِيلَ أَمَرَهُ اللهُ أَن يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ، فَأَذَّنَ وَدَعَاهُم إِلَى حَجِّ بَيتِ اللهِ الحَرَامِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَد كَتَبَ عَلَيكُمُ الحَجَّ إِلَى البَيتِ العَتِيقِ. وَخَرَجَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ وَلَدِهِ إِسمَاعِيلَ وَقَامَا بِمَنَاسِكِ الحَجِّ، وَرُوِيَ أَنَّ جِبرِيلَ هُوَ الَّذِي أَرَى إِبرَاهِيمَ كَيفَ يَحُجُّ. وَقَد ثَبَتَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ إِبرَاهِيمَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيكُمُ الحَجَّ، فَأَسمَعَ مَن كَانَ فِي أَصلَابِ الآبَاءِ وَأَرحَامِ النِّسَاءِ مِمَّن ءَامَنَ وَكَتَبَ اللهُ أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، فَأَجَابَ: لَبَّيكَ اللهم لَبَّيكَ. حَسَّنَ ذَلِكَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ، وَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ عَنِ ابنِ عَبَّاسِ مِمَّا لَا يُقَالُ بِالرَّأيِ بَل بِالتَّوقِيفِ.
([3]) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا دَعوَةُ أَبِي إِبرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤيَا أُمِّيَ الَّتِي رَأَت حِينَ وَضَعَتنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنهَا نُورٌ أَضَاءَت لَهَا مِنهُ قُصُورُ الشَّامِ»، صَحِيحُ ابنِ حِبَّانَ، لِابنِ حِبَّانَ البُستِيِّ (ج4 ص15).
([4]) المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج11 ص80).
([5]) تَنبِيهٌ: أَعمَالُ العِبَادِ كُلُّهَا خَلقٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَسبٌ لِلعِبَادِ، فالكَسبُ أَمرٌ دُونَ الخَلقِ وَهُوَ العَزمُ المُصَمَّمُ عَلَى فِعلِ الشَّىءِ، لَمَّا يُوَجِّهُ وَيُعَلِّقُ العَبدُ قَصدَهُ وَإِرَادَتَهُ بِشَىءٍ يَخلُقُ اللهُ ذَلِكَ الشَّىءَ، وَالكَسبُ عَلَى مَفهُومِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ شَىءٌ غَامِضٌ مِن أَغمَضِ المَسَائِلِ فِي عِلمِ الكَلامِ. فنَحنُ نُوَجِّهُ إِلَى العَمَلِ القَصدَ وَالإِرَادَةَ وَالقُدرَةَ الَّتِي هِيَ حَادِثَةٌ، وَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ الشَّىءِ وَوُجُودُهُ فَهُوَ بِخَلقِ اللَّهِ، بَل وَهُوَ مَن يَخلُقُ كَسبَنَا أَي تَوجِيهَنَا قَصدَنَا وَإِرَادَتَنَا لِلعَمَلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سُورَةُ البَقَرَة:286]، المَعنَى أَنَّ العِبَادَ يُثَابُونَ عَلَى كَسبِهِم لِلحَسَنَاتِ وَيُعَاقَبُونَ عَلَى كَسبِهِم لِلسَّيِّئَاتِ. فَإِثَابَةُ الطَّائِعِينَ فَضلٌ مِنَ اللهِ، وَعِقَابُ العَاصِينَ عَدلٌ مِنهُ. فَكُلُّ أَعمَالِ العَبدِ مَخلُوقَةٌ لِلَّهِ أَي هُوَ يُوجِدُهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ وَلَا يُستَثنَى مِن ذَلِكَ شَىءٌ، فَالإِنسَانُ مُختَارٌ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، وَإِن شِئتَ قُلتَ: لَهُ اختِيَارٌ تَابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللهِ، وَلَيسَ مُختَارًا استِقلَالًا بِدُونِ مَشِيئَةِ اللهِ، وَلَا هُوَ مُجَرَّدٌ مِنَ الِاختِيَارِ، بَل هُوَ مُختَارٌ اختِيَارًا تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، وَاختِيَارُهُ تَابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللهِ، هَذَا هُوَ مَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ وَهُوَ خَارِجٌ عَن مَذهَبِ الجَبرِيَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ وَسَطٌ بَينَهُمَا، فَلَيسَ فِيهِ نَفىُ تَكلِيفِ العَبدِ وَلَا نِسبَةُ العَجزِ إِلَى اللهِ.
([6]) السِّبطُ لُغَةً يُطلَقُ عَلَى الوَلَدِ وَوَلَدِ الوَلَدِ، فَالأَسبَاطُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهُ أَنزَلَ عَلَيهِمُ الوَحيَ هُم غَيرُ إِخوَةِ يُوسُفَ الَّذِينَ آذَوهُ، بَل هُم ذُرِّيَّتُهُم، لِأَنَّ ذُرِّيَّتَهُم مِنهُم مَن أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، لِأَنَّ النُّبُّوَّةَ لَا تَصِحُّ لِإِخوَةِ يُوسُفَ، وَهُمُ العَشَرَةُ الَّذِينَ فَعَلُوا تِلكَ الأَفَاعِيلَ الخَسِيسَةَ مِن ضَربِهِم يُوسُفَ وَرَميِهِم لَهُ فِي البِئرِ وَتَسفِيهِمِ أَبَاهُم، وَهُم مَن عَدَا بِنيَامِينَ الَّذِي هُوَ أَخُو يُوسُفَ مِن أُمِّهِ وَأَبِيهِ، هَؤُلَاءِ العَشَرَةُ لَمَّا سَفَّهُوا أَبَاهُم بِقَولِهِم: إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ القَدِيمِ، وَفَعَلُوا غَيرَ ذَلِكَ مِن أَفعَالِهِم دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَم يَنَلِ النُّبُوَّةَ أَحَدٌ مِنهُم، فَالأَنبِيَاءُ لَا يَجُوزُ عَلَيهِمُ الوُقُوعُ فِي الكُفرِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَلَا بَعدَهَا، وَلَا يَقَعُونَ فِي المَعَاصِي الكَبِيرَةِ مِثلِ الكَذِبِ وَالسَّرِقَةِ وَضَربِ المُسلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ وَحَسَدِِهِ وَمُحَاوَلَةِ قَتلِهِ، وَلَا يَقَعُونَ فِي المَعَاصِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ.
([7]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:67].
([8]) أَي أَنَّهُ كَانَ حَنِيفًا كَمَا وَصَفَهُ اللهُ فِي الآيَةِ، أَي مَائِلًا عَنِ البَاطِلِ إِلَى الحَقِّ.
([9]) الجُزءُ (2) الحِزبُ (3).
([10]) وَالقِبلَةُ شَرعًا هِيَ الجِهَةُ الَّتِي يَستَقبِلُهَا الإِنسَانُ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ المُصَلِّي يُقَابِلُهَا، وَكَانَتِ الكَعبَةُ قِبلَةَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَن بَعدَهُ مِنَ الأَنبِيَاءِ إِلَى عَهدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِاستِقبَالِ بَيتِ المَقدِسِ فِي صَلَاتِهِ سَبعَةَ عَشَرَ شَهرًا أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ ثُمَّ أُمِرَ بِاستِقبَالِ الكَعبَةِ.
([11]) كُلُّ الأَنبِيَاءِ أَدَّوا مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِم وَبَلَّغُوا رِسَالَةَ رَبِّهِم وَقَامُوا بِهَا عَلَى أَكمَلِ وَجهٍ، لَكِن مَعنَى مُطَالَبَةِ اللهِ تَعَالَى لِلأَنبِيَاءِ بِالبَيِّنَةِ إِقَامَةُ الحُجَّةِ عَلَى أَقوَامِهِم، وَإِلَّا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعلَمُ أَنَّ أَنبِيَاءَهُ بَلَّغُوا رِسَالَةَ رَبِّهِم وَقَامُوا بِهَا عَلَى أَكمَلِ وَجهٍ، وَلَا يَكُونُ فِي هَذَا تَعنِيفٌ أَو تَوبِيخٌ لِلأَنبِيَاءِ أَو إِزعَاجٌ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ، بَل إِنَّهُم يَكُونُونَ يَومَ القِيَامَةِ مِنَ الَّذِينَ لَا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحزَنُونَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّبِيُّ الرَّسُولُ وَالنَّبِيُّ غَيرُ الرَّسُولِ، كِلَاهُمَا أُمِرَ بِالتَّبلِيغِ وَبَلَّغَ قَومَهُ كَمَا أُمِرَ.
([12]) استُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِجمَاعَ حُجَّةٌ، قَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ: فَفِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى جَعلِ إِجمَاعِ هَذِهِ الأُمَّةِ حُجَّةً لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالعَدَالَةِ وَصَيَّرَهَا مِن أَهلِ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا اجتَمَعُوا عَلَى شَىءٍ وَشَهِدُوا بِهِ لَزِمَ قَبُولُ ذَلِكَ وَالحُكمُ بِمَا شَهِدُوا.اهـ تَأوِيلَاتُ أَهلِ السُّنَّةِ، لِأَبِي مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ (ج1 ص584).
([13]) وَلَيسَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أَنَّهُ كَانَ خَافِيًا عَلَى اللهِ، لَا، بَلِ اللهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ شَىءٍ، يَعلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ أَن لَو كَانَ كَيفَ يَكُونُ، وَلَا يَزِيدُ عِلمُهُ سُبحَانَهُ وَلَا يَنقُصُ، فَلَا يَتَّصِفُ رَبُّنَا بِعِلمٍ حَادِثٍ كَعِلمِنَا، وَإِنَّمَا مَعنَاهَا: لِيُظهِرَ لِلخَلقِ.
([14]) مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى: البَصَرُ، وَبَصَرُ اللهِ تَعَالَى لَيسَ كَبَصَرِ المَخلُوقَاتِ، يَرَى بِرُؤيَةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ بِلَا حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ أَو شُعَاعِ ضَوءٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ.
([15]) وَلَم يَكُن تَقلِيبُ الرَّسُولِ ﷺ وَجهَهُ فِي جِهَةِ السَّمَاءِ لِأَنَّ اللهَ يَسكُنُهَا، حَاشَا، بَل إِنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ السُّكُونِ فِي السَّمَاءِ وَالتَّحَيُّزِ فِيهَا أَو فِي غَيرِهَا مِنَ الأَمَاكِنِ، لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، [سُورَةُ الشُّورَى:11].
([16]) فَمِن شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ استِقبَالُ القِبلَةِ، أَيِ استِقبَالُ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ، أَي عَينِ الكَعبَةِ وَجِرمِهَا أَو مَا يُحَاذِي جِرمَهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ أَوِ الأَرضِ السَّابِعَةِ، فَلَوِ استَقبَلَ مُشَاهِدُ الكَعبَةِ الكَعبَةَ بِبَعضِ بَدَنِهِ وَبَعضُ بَدَنِهِ خَارِجٌ عَنهَا لَم يَكفِ، وَالمُرَادُ بِالكَعبَةِ القَدرُ القَائِمُ الآنَ الَّذِي كَانَ قَائِمًا فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وَقَد قَالَ النبي ﷺ حِينَ صَلَّى إِلَيهَا: «هَذِهِ القِبلَةُ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ الصَّلَاةِ – بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، رَقمُ الحَدِيثِ: (398)، فَتَعَلُّمُ دَلِيلِ القِبلَةِ وَاجِبٌ، وَالمُرَادُ بِالِاستِقبَالِ أَن يَستَقبِلَ بِالصَّدرِ فِي القِيَامِ وَالقُعُودِ وَبِمُعظَمِ البَدَنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، مُلَخَّصًا مِن: فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج1 ص42-45).
([17]) اللَّهُ تَعَالَى أَخبَرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ عَنِ اليَهُودِ أَنَّهُم كَانُوا يَعرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ أَنَّهُ نَبِيٌّ لَكِن لَم تُذعِن نُفُوسُهُم، فَلِذَلِكَ كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ بِأَلسِنَتِهِم مَعَ عِلمِهِم بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، لِأَنَّ التَّورَاةَ الَّتِي أُنزِلَت عَلَى مُوسَى فِيهَا الإِخبَارُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: أَنَا أَعلَمُ بِهِ مِنِّي بِابنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنِّي لَستُ أَشُكُّ فِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَمَّا وَلَدِي فَلَعَلَّ وَالِدَتَهُ خَانَت، فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ، مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص141)، فَالإِيمَانُ الَّذِي هُوَ مَقبُولٌ عِندَ اللَّهِ هُوَ المَعرِفَةُ مَعَ الإِذعَانِ أَي رِضَا النَّفسِ بِالشَّىءِ الَّذِي عَرَفَتهُ، وَأَمَّا المَعرِفَةُ وَحدَهَا فَلا تَكفِي لِلنَّجَاةِ يَومَ القِيَامَةِ.
([18]) التَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ وَكُلُّ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ مَذكُورٌ فِيهَا صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَأَنَّهُ سَيَأتِي، كُلُّ نَبِيٍّ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ إِن بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ فَليُؤمِن بِهِ وَليَنصُرهُ، كَانَ هَذَا مَعرُوفًا بَينَ أَتبَاعِ مُوسَى وَأَتبَاعِ المَسِيحِ عِيسَى وَبَينَ أَتبَاعِ مَن قَبلَهُمَا مِنَ الأَنبِيَاءِ، تَشرِيفًا لِقَدرِهِ ﷺ، ثُمَّ إِنَّ التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ المَوجُودَينِ اليَومَ حُرِّفَا لَفظًا بَعدَ أَن حُرِّفَا مَعنًى.