﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚوَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚوَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚوَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗوَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) ۞أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚأَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖفَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚقُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖأَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚأَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚفَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖوَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗوَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖفَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (86) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖوَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗأَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚبَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚفَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖفَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚوَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗقُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (91) ۞وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚقُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93)﴾
- ذِكرُ قَسَاوَةِ قُلُوبِهِم وَفِعلُهُمُ المَعَاصِيَ حَتَّى بَعدَ رُؤيَةِ المُعجِزَاتِ
لَمَّا كَانَ حُصُولُ المَعصِيَةِ مِنهُم بَعدَ رُؤيَةِ هَذِهِ الخَارِقَةِ مُستَبعَدَ الحُصُولِ فَضلًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَولِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ أَيُّهَا اليَهُودُ، أَي صَلُبَت وَجَفَّت عَن قَبُولِ الحَقِّ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَن خُلُوِّهَا مِنَ الإِنَابَةِ وَالإِذعَانِ لِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: المُرَادُ قُلُوبُ وَرَثَةِ القَتِيلِ، لِأَنَّهُم حِينَ حَيِيَ وَقَالَ: إِنَّهُم قَتَلُوهُ، وَعَادَ إِلَى حَالِ مَوتِهِ أَنكَرُوا قَتلَهُ وَقَالُوا: كَذَبَ، بَعدَمَا رَأَوا هَذِهِ الآيَةَ العُظمَى، لَكِن نَفَذَ حُكمُ اللهِ تَعَالَى بِقَتلِهِم ﴿مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ إِشَارَةً إِلَى إِحيَاءِ القَتِيلِ، أَو إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الآيَاتِ المَعدُودَةِ، أَوِ المَعنَى استِبعَادُ القَسوَةِ مِن بَعدِ مَا ذُكِرَ مِمَّا يُوجِبُ لِينَ القُلُوبِ وَرِقَّتَهَا، أَي كَيفَ تَقسُو قُلُوبُكُم بَعدَ كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنَ الآيَاتِ؟ ﴿فَهِيَ﴾ فِي قَسوَتِهَا ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ مِنهَا، يَعنِي أَنَّ مَن عَرَفَ حَالَهَا شَبَّهَهَا بِالحِجَارَةِ أَو بِجَوهَرٍ أَقسَى مِنهَا وَهُوَ الحَدِيدُ مَثَلًا، ثُمَّ بَيَّنَ زِيَادَةَ قَسوَةِ قُلُوبِهِم عَلَى الحِجَارَةِ فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ﴾ يَتَفَتَّحُ بِسَعَةٍ وَكَثرَةٍ ﴿مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ يَتَشَقَّقُ انشِقَاقًا بِالطُّولِ أَو بِالعَرضِ ﴿فَيَخْرُجُ﴾ فَيَنبُعُ ﴿مِنْهُ الْمَاءُ﴾ وَقُلُوبُهُم لَا تَندَى ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ يَنزِلُ وَيَتَرَدَّى مِن أَعلَى الجَبَلِ إِلَى أَسفَلِهِ ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَي أَنَّ تِلكَ الحِجَارَةَ صَارَ فِيهَا شُعُورٌ بِخَشيَةِ اللهِ وَقُلُوبُكُم لَا تَتَأَثَّرُ وَلَا تَلِينُ وَلَا تَخشَعُ، وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ عَنِ انقِيَادِهَا لِأَمرِ اللهِ وَأَنَّهَا لَا تَمتَنِعُ عَلَى مَا يُرِيدُ فِيهَا وَقُلُوبُ هَؤُلَاءِ لَا تَنقَادُ وَلَا تَفعَلُ مَا أُمِرَت بِهِ، وَقِيلَ المُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ الخَشيَةِ عَلَى مَعنَى أَنَّهُ يَخلُقُ فِيهَا الحَيَاةَ وَالتَّميِيزَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ حَجَرٍ يَنفَجِرُ مِنهُ المَاءُ، وَيَنشَقُّ عَن مَاءٍ، أَو يَتَرَدَّى مِن رَأسِ جَبَلٍ، فَمِن خَشيَةِ اللهِ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾ وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُكُم لِوَقتِكُم، وَهُوَ وَعِيدٌ.
- تَأيِيسُ المُسلِمِينَ مِن إِيمَانِ بَعضِ اليَهُودِ وَكَيفَ أَنَّهُم حَرَّفُوا كُتُبَ اللهِ وَكَتَمُوا مَا فِيهَا
خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالمُؤمِنِينَ يُؤَيِّسُهُم مِن فَلَاحِ اليَهُودِ لِقَسوَةِ قُلُوبِهِم مِن كَثرَةِ المَعَاصِي وَالتَّجَرُّؤِ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمرِ اللهِ تَعَالَى، تَخفِيفًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِاجتِهَادِهِ فِي طَلَبِ إِيمَانِهِم وَحِرصِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿۞([1]) أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا﴾ أَيِ اليَهُودُ ﴿لَكُمْ﴾ لِأَجلِ دَعوَتِكُم وَيَستَحيُوا وَيَستَجِيبُوا لَكُم، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَذَلِكَ أَنَّ الأَنصَارَ كَانَ لَهُم حِرصٌ عَلَى إِسلَامِ اليَهُودِ لِلحِلفِ وَالجِوَارِ الَّذِي كَانَ بَينَهُم ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ﴾ طَائِفَةٌ فِي مَن سَلَفَ ﴿مِّنْهُمْ﴾ أَو أَحبَارُهُم ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّه﴾ أَيِ التَّورَاةَ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَن كَلَامِ اللهِ([2]) ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ يُغَيِّرُونَهُ كَمَا غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَآيَةَ الرَّجمِ ﴿مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾فَهِمُوهُ وَضَبَطُوهُ بِعُقُولِهِم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ أَنَّهُم كَاذِبُونَ مُفتَرُونَ، أَو يَعلَمُونَ عِقَابَ تَحرِيفِهِ، وَالهَمزَةُ لِلإِنكَارِ، أَي لَا تَطمَعُوا فَإِنَّهُ إِن كَفَرَ هَؤُلَاءِ وَحَرَّفُوا فَإِنَّ لَهُم سَابِقَةً فِي الكُفرِ وَالتَّحرِيفِ.
وَلَمَّا كَانَ الكَلَامُ مُرشِدًا إِلَى أَنَّ التَّقدِيرَ: فَهُم لِجُرأَتِهِم عَلَى اللهِ إِذَا سَمِعُوا كِتَابَكُم حَرَّفُوهُ وَإِذَا حَدَّثُوا عِبَادَ اللهِ لَا يَكَادُونَ يَصدُقُونَ، عَطَفَ عَلَيهِ قَولَهُ: ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾أَي لَقِيَ مُنَافِقُو اليَهُودِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيِ المُخلِصِينَ مِن أَصحَابِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿قَالُوا﴾ أَيِ المُنَافِقُونَ ﴿آمَنَّا﴾ بِأَنَّكُم عَلَى الحَقِّ وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيٌّ رَسُولٌ وَهُوَ المُبَشَّرُ بِهِ فِي كِتَابِنَا، قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ المُسلِمُ يَلقَى حَلِيفَهُ أَو أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مِنَ اليَهُودِ، فَيَسأَلُهُ: أَتَجِدُونَ مُحَمَّدًا فِي كِتَابِكُم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم، إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴿وَإِذَا خَلَا﴾ رَجَعَ ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مِنَ الَّذِينَ لَم يُنَافِقُوا مِنهُم ﴿إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ مِنَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴿قَالُوا﴾ لَهُم عَاتِبِينَ عَلَيهِم ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم﴾ أَي أَتُخبِرُونَ أَصحَابَ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِمَا بَيَّنَ اللهُ لَكُم وَعَلَّمَكُم فِي التَّورَاةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَو فَتَحَ بِمَعنَى قَضَى عَلَيكُم مِنَ العَذَابِ، فَقَد كَانُوا يُحَدِّثُونَ المُؤمِنِينَ بِمَا عُذِّبُوا بِهِ ﴿لِيُحَاجُّوكُم﴾ أَي لِيُجَادِلُوكُم وَيُخَاصِمُوكُم، أَي لِيَصِيرُوا خُصُومَكُم وَيَحتَجُّوا عَلَيكُم ﴿بِهِ﴾ بِمَا قُلتُمُوهُ لَهُم مِمَّا أَنزَلَ رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ فِي الآخِرَةِ وَيُقِيمُوا عَلَيكُمُ الحُجَّةَ فِي تَركِ اتِّبَاعِهِ مَعَ عِلمِكُم بِصِدقِهِ، فَيَقُولُونَ: كَفَرتُم بِهِ بَعدَ أَن وَقَفتُم عَلَى صِدقِهِ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)﴾أَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيكُم حَيثُ تَعتَرِفُونَ بِهِ ثُمَّ لَا تَتبَعُونَهُ وَأَنَّهُم يُحَاجُّونَكُم بِهَا إِذَا حَدَّثتُمُوهُم.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يُخفُونَ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ (77)﴾ يُظهِرُونَ فَيَنتَهُوا عَن ذَلِكَ؟ وَمِن ذَلِكَ إِسرَارُهُمُ الكُفرَ وَإِعلَانُهُمُ الإِيمَانَ، وَمَعنَى الآيَةِ أَنَّهُم يَعلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعلَمُ ذَلِكَ لَكِن يُرِيدُ أَن يُقَرِّرَهُم وَيُثبِتَ ذَلِكَ عَلَيهِم.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ أَي وَمِنَ اليَهُودِ نَاسٌ ﴿أُمِّيُّونَ﴾ عَوَامُّ ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾لَا يُحسِنُونَ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ فَيُطَالِعُوا التَّورَاةَ وَيَتَحَقَّقُوا مَا فِيهَا ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أَي لَكِن لَهُم أَمَانِيُّ أَي أَكَاذِيبُ مُختَلِفَةٌ تَلَقَّوهَا وَسَمِعُوهَا مِن رُؤَسَائِهِم وَعُلَمَائِهِم فَاعتَمَدُوهَا وَتَقَبَّلُوهَا عَلَى التَّقلِيدِ، أَو إِلَّا مَا يَتَمَنَّونَهُ مِنَ اللهِ مِن أَن يَعفُوَ عَنهُم وَيَرحَمَهُم وَلَا تَمَسَّهُمُ النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعدُودَةً، أَو أَشيَاءُ يَقُولُونَهَا بِأَفوَاهِهِم كَذِبًا، أَو أَشيَاءُ يَتلُونَهَا وَلَا يَعلَمُونَ فِقهَ الكِتَابِ، إِنَّمَا يَقتَصِرُونَ عَلَى مَا يَسمَعُونَهُ يُتلَى عَلَيهِم، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَيسُوا عََلَى يَقِينٍ، فَإِن كَذَبَ الرُّؤَسَاءُ أَو صَدَقُوا تَابَعُوهُم ﴿وَإِنْ﴾ أَي مَا ﴿هُمْ﴾ فِي جَحدِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيرِهِ مِمَّا يَختَلِقُونَهُ ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ (78)﴾ ظَنًّا وَلَا عِلمَ لَهُم، أَي لَا يَعلَمُ وَلَا يَدرِي هَؤُلَاءِ حَقِيقَةَ الأَمرِ فَيَجحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِالظَّنِّ، فَذَكَرَ اللهُ العُلَمَاءَ الَّذِينَ عَانَدُوا بِالتَّحرِيفِ مَعَ العِلمِ ثُمَّ العَوَامَّ الَّذِينَ قَلَّدُوهُم.
﴿فَوَيْلٌ﴾ شِدَّةُ عَذَابٍ، أَو وَادٍ فِي جَهَنَّمَ قَعرُهُ أَربَعُونَ خَرِيفًا كَمَا رَوَى ابنُ حِبَّانَ ﴿لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ المُحَرَّفَ ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾أَي مُختَلَقًا مِن عِندِهِم وَمِن تِلقَاءِ أَنفُسِهِم مِن غَيرِ أَن يَكُونَ مُنَزَّلًا ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عِوَضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنيَا، وَهُمُ اليَهُودُ، غَيَّرُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّورَاةِ وَآيَةَ الرَّجمِ وَغَيرَهُمَا وَكَتَبُوهَا عَلَى خِلَافِ مَا أُنزِلَ ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مِنَ المُحَرَّفِ ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79)﴾ مِنَ الرِّشَا، أَو هُوَ عِوَضُ مَا كَتَبُوا، أَو هُوَ إِثمُ مَا فَعَلُوا.
- ذِكرُ كَذِبِ بَعضِ بَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى اللهِ وَقَولِهِم لَن تَمَسَّنَا النَّارُ
لَمَّا أَرشَدَ الكَلَامُ إِلَى أَنَّ التَّقدِيرَ: فَحَرَّفُوا كَثِيرًا فِي كِتَابِ اللهِ وَزَادُوا وَنَقَصُوا، عَطَفَ عَلَيهِ مَا بَيَّنَ بِهِ جُرأَتَهُم وَجَفَاءَهُم وَعَدَمَ اكتِرَاثِهِم بِمَا يَرتَكِبُونَهُ مِنَ الجَرَائِمِ الَّتِي هُم أَعلَمُ النَّاسِ بِأَنَّ بَعضَهَا مُوجِبٌ لِلخُلُودِ فِي النَّارِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا﴾ لَمَّا أوَعَدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّارِ ﴿لَن تَمَسَّنَا﴾ تُصِيبَنَا ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ قَلِيلَةً، قَالُوا: أَربَعِينَ يَومًا، مُدَّةَ عِبَادَةِ آبَائِهِمُ العِجلَ، أَو أَنَّهُم قَالُوا: لِأَنَّ بَينَ طَرَفَي جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أَربَعِينَ سَنَةً، وَنَحنُ نَقطَعُ مَسِيرَةَ كُلِّ سَنَةٍ فِي يَومٍ، ثُمَّ يَنقَضِي العَذَابُ وَتَهلِكُ النَّارُ بِزَعمِهِم، أَو أَنَّهُم قَالُوا: عَتِبَ عَلَينَا رَبُّنَا فِي أَمرٍ فَأَقسَمَ لَيُعَذِّبَنَا أَربَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ يُدخِلَنَا الجَنَّةَ، فَلَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَربَعِينَ يَومًا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وَعَن مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: كَانُوا يَقُولُونَ: مُدَّةُ الدُّنيَا سَبعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ مَكَانَ كُلِّ أَلفِ سَنَةٍ يَومًا ﴿قُلْ﴾ لَهُم يَا مُحَمَّدُ ﷺ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ مِنَ اللهِ ﴿عَهْدًا﴾ مِيثَاقًا بِذَلِكَ، أَي أَعَهِدَ إِلَيكُم أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُكُم إِلَّا هَذَا المِقدَارَ ﴿فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ بِِهِ، أَي إِنِ اتَّخَذتُم عِندَ اللهِ عَهدًا فَلَن يُخلِفَ اللهُ عَهدَهُ ﴿أَمْ﴾ لَا، بَل ﴿تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)﴾.
﴿بَلَىٰ﴾ إِثبَاتٌ لِمَا بَعدَ النَّفيِ، أَي بَلَى تَمَسُّكُم وَتُخَلَّدُونَ فِيهَا أَبَدًا، بِدَلِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)﴾ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أَي شِركًا ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أَيِ استَولَت عَلَيهِ وَأَحدَقَت بِهِ مِن كُلِّ جَانِبٍ كَمَا يُحِيطُ العَدُوُّ، أَو سُدَّت عَلَيهِ مَسَالِكُ النَّجَاةِ بِأَن مَاتَ عَلَى شِركِهِ وَلَم يَتُب مِن شِركِهِ بِالدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ، فَأَمَّا إِذَا مَاتَ مُؤمِنًا فَلَا يَكُونُ الذَّنبُ مُحِيطًا بِهِ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ ﴿فَأُولَٰئِكَ﴾ أَهلُ هَذِهِ الصِّفةِ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾أَهلُ النَّارِ ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)﴾ دَائِمُونَ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَخرُجُونَ مِنهَا([3]).
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَامُوا بِتَوحِيدِهِ تَعَالَى وَنَزَّهُوهُ عَن مُشَابَهَةِ خَلقِهِ وَآمَنُوا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَدَّوُا الوَاجِبَاتِ وَاجتَنَبُوا المُحَرَّمَاتِ ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا عَذَابٍ ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)﴾ لَا يَخرُجُونَ مِنهَا، بَل يَبقَونَ حَيثُ النَّعِيمُ المُقِيمُ الخَالِدُ، لَا يَلقَونَ فِيهَا جُوعًا وَلَا عَطَشًا وَلَا نَكَدًا([4]).
- ذِكرُ بَعضِ المَوَاثِيقِ الَّتِي نَقَضَهَا بَعضُ بَنِي إِسرَائِيلَ
شَرَعَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُم مِمَّن أَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ﴾ وَاذكُر إِذ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فِي التَّورَاةِ، وَالمِيثَاقُ هُوَ العَهدُ المُؤَكَّدُ غَايَةَ التَّأكِيدِ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إِخبَارٌ فِي مَعنَى النَّهيِ، وَهُوَ أَبلَغُ مِن صَرِيحِ النَّهيِ لِأَنَّ المَعنَى كَأَنَّهُ سُورِعَ إِلَى الِانتِهَاءِ وَهُوَ يُخبِرُ عَنهُ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ أَي أَحسِنُوا بِالوَالِدَينِ ﴿إِحْسَانًا﴾ وَالإِحسَانُ إِلَيهِمَا بِرُّهُمَا ﴿وَذِي الْقُرْبَىٰ﴾ أَي وَبِذَوِي القَرَابَةِ، وَالإِحسَانُ إِلَيهِم صِلَتُهُم ﴿وَالْيَتَامَىٰ﴾ جَمعِ يَتِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي فَقَدَ أَبَاهُ قَبلَ الحُلُمِ، لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يُتمَ بَعدَ احتِلَامٍ»([5]) ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جَمعِ مِسكِينٍ، وَهُوَ الَّذِي أَسكَنَتهُ الحَاجَةُ وَالفَقرُ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ﴾ قَولًا ﴿حُسْنًا﴾ أَي هُوَ حُسنٌ فِي نَفسِهِ لِإِفرَاطِ حُسنِهِ مِنَ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ وَالصِّدقِ فِي شَأنِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالرِّفقِ بِهِم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَقَبِلتُم ذَلِكَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنِ المِيثَاقِ وَرَفَضتُمُوهُ وَأَعرَضتُم عَنِ الوَفَاءِ بِهِ، وَالمُرَادُ آبَاؤُهُم ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ﴾ قِيلَ هُمُ الَّذِينَ أَسلَمُوا مِنهُم ﴿وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (83)﴾ عَنهُ كَآبَائِكُم، أَو وَأَنتُم قَومٌ عَادَتُكُمُ الإِعرَاضُ وَالتَّولِيَةُ عَنِ المَوَاثِيقِ.
وَلَمَّا كَانَ أَكبَرُ الكَبَائِرِ بَعدَ الشِّركِ القَتلَ تَلَاهُ بِالتَّذكِيرِ بِمَا أَخَذَ عَلَيهِم فِيهِ مِنَ العَهدِ، وَقَرَنَ بِهِ الإِخرَاجَ مِنَ الدِّيَارِ، لِأَنَّ المَالَ عَدِيلُ الرُّوحِ وَالمَنزِلَ أَعظَمُ المَالِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وَقُلنَا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أَي لَا يَسفِك بَعضُكُم دَمَ بَعضٍ بِالقَتلِ، أَي لَا يَفعَل ذَلِكَ بَعضُكُم بِبَعضٍ، جَعَلَ غَيرَ الرَّجُلِ نَفسَهُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ أَصلًا أَو دِينًا، وَقِيلَ إِذَا قَتَلَ غَيرَهُ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ نَفسَهُ لِأَنَّهُ يُقتَصُّ مِنهُ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾ أَي لَا يُخرِج بَعضُكُم بَعضًا مِن دَارِهِ ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ قَبِلتُم ذَلِكَ المِيثَاقَ وَاعتَرَفتُم عَلَى أَنفُسِكُم بِلُزُومِهِ ﴿وَأَنتُمْ﴾ يَا مَعشَرَ اليَهُودِ ﴿تَشْهَدُونَ (84)﴾ اليَومَ عَلَى أَنفُسِكُم وَعَلَى أَسلَافِكُم بِالإِقرَارِ بِهَذَا المِيثَاقِ.
﴿ثُمَّ أَنتُمْ﴾ يَا ﴿هَٰؤُلَاءِ﴾بَعدَ أَخذِ المِيثَاقِ مِنكُم وَإِقرَارِكُم وَشَهَادَتِكُم ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ تَقتُلُونَ بَعضَكُم بَعضًا ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ﴾ غَيرَ مُرَاقِبِينَ مِيثَاقَ اللهِ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ تَتَعَاوَنُونَ ﴿عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ﴾ بِالمَعصِيَةِ ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظُّلمِ ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ﴾ أَسرَى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ تُنقِذُوهُم مِنَ الأَسرِ بِالمَالِ أَو غَيرِهِ، وَهُوَ مِمَّا عُهِدَ إِلَيهِم، وَأُسَارَى حَالٌ، وَهُوَ جَمعُ أَسِيرٍ، وَكَذَلِكَ أَسرَى، وَالمُفَادَاةُ إِعطَاءُ شَىءٍ وَأَخذُ شَىءٍ مَكَانَهُ ﴿وَهُوَ﴾ أَيِ الشَّأنُ أَنَّهُ ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ كَمَا حُرِّمَ تَركَ الفِدَاءِ، وَكَانَت قُرَيظَةُ حَالَفُوا الأَوسَ، وَالنَّضِيرُ الخَزرَجَ، فَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقَاتِلُ مَعَ حُلَفَائِهِ وَيُخَرِّبُ دِيَارَهُم وَيُخرِجُهُم، فَإِذَا أُسِرُوا فَدَوهُم، وَكَانُوا إِذَا سُئِلُوا: لِمَ تُقَاتِلُونَهُم وَتَفدُونَهُم؟ قَالُوا: أُمِرنَا بِالفِدَاءِ، فَيُقَالُ: فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُم؟ فَيَقُولُونَ: حَيَاءً أَن تُستَذَلَّ حُلَفَاؤُنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ وَهُوَ فِدَاءُ الأَسرَى ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وَهُوَ تَركُ القَتلِ وَالإِخرَاجِ وَالمُظَاهَرَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَفدِيهِ فِي يَدِ غَيرِكَ وَتَقتُلُهُ أَنتَ بِيَدِكَ، قَالَ السُّدِّيُّ: أَخَذَ اللهُ عَلَيهِم أَربَعَةَ عُهُودٍ: تَركَ القَتلِ، وَتَركَ الإِخرَاجِ، وَتَركَ المُظَاهَرَةِ، وَفِدَاءَ الأَسِيرِ، فَأَعرَضُوا عَن كُلِّ مَا أُمِرُوا بِهِ إِلَّا الفِدَاءَ ﴿فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ﴾ أَي يُؤمِنُ بِبَعضٍ وَيَكفُرُ بِبَعضٍ ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ فَضِيحَةٌ وَهَوَانٌ وَذُلٌّ ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وَقَد خُزُوا بِقَتلِ قُرَيظَةَ وَنَفيِ النَّضِيرِ إِلَى الشَّامِ وَضَربِ الجِزيَةِ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ وَهُوَ الَّذِي لَا رَوحَ فِيهِ وَلَا فَرَحَ، أَو إِلَى أَشَدَّ مِن عَذَابِ الدُّنيَا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾.
وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ كَالدَّلِيلِ عَلَى سُوءِ حَالِهِم أَثبَتَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿أُولَٰئِكَ﴾ أَيِ اليَهُودُ ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ بَاعُوا الآخِرَةَ بِمَا يُصِيبُونَهُ مِنَ الدُّنيَا وَاختَارُوا الدُّنيَا عَلَى الآخِرَةِ اختِيَارَ المُشتَرِي وَآثَرُوهَا عَلَيهَا ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (86)﴾ لَا يَنصُرُهُم أَحَدٌ بِالدَّفعِ عَنهُم وَلَا يَمنَعُهُم مِنَ العَذَابِ.
- ذِكرُ تَكذِيبِ اليَهُودِ لِلرُّسُلِ وَعِنَادُهُم مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
ثُمَّ بَيَّنَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سَبَبَ وُقُوعِهِم فِي كُلِّ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أَيِ التَّورَاةَ ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أَتبَعنَا ﴿مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أَرسَلنَا عَلَى إِثرِهِ الكَثِيرَ مِنَ الرُّسُلِ، رَسُولًا فِي إِثرِ رَسُولٍ، وَهُم يُوشَعُ وَإِشمَوِيلُ وَشَمعُونُ وَدَاوُدُ وَسُلَيمَانُ وَشَعيَاءُ وَأَرمِيَاءُ وَحِزقِيلُ وَإِليَاسُ وَاليَسَعُ وَيُونُسُ وَزَكَرِيَّا وَيَحيَى وَغَيرُهُم صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِم وَسَلَامُهُ أَجمَعِينَ، وَقَد جَاءَ الأَنبِيَاءُ الَّذِينَ بَينَ مُوسَى وَعِيسَى بِاتِّبَاعِ شَرِيعَةِ التَّورَاةِ([6]) ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أَيِ المُعجِزَاتِ الوَاضِحَاتِ كَإِحيَاءِ المَوتَى وَإِبرَاءِ الأَكمَهِ وَالأَبرَصِ وَالإِخبَارِ بِالمُغَيَّبَاتِ ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قَوَّينَاهُ ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أَيِ الرُّوحِ المُقَدَّسَةِ جِبرِيلَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِطَهَارَتِهِ، أَو لِأَنَّهُ يَأتِي بِمَا فِيهِ حَيَاةُ القُلُوبِ، وَتَأيِيدُهُ بِهِ أَنَّ جِبرِيلَ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ قَصَدَ اليَهُودُ قَتلَهُ، أَو أَيَّدَهُ بِهِ يَسِيرُ مَعَهُ حَيثُ سَارَ لِإِظهَارِ حُجَّتِهِ وَأَمرِ دِينِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَم تَستَقِيمُوا ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ﴾ لَا تُحِبُّ ﴿أَنفُسُكُمُ﴾ مِنَ الحَقِّ ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تَعَظَّمتُم عَن قَبُولِهِ وَتَكَبَّرتُم عَنِ اتِّبَاعِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ، وَالمُرَادُ بِالِاستِفهَامِ التَّوبِيخُ ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ كَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)﴾ كَزَكَرِيَّا وَيَحيَى عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَتَحُومُونَ حَولَ قَتلِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلَامُ لَولَا أَنِّي أَعصِمُهُ مِنكُم.
ثُمَّ بَيَّنَ شِدَّةَ بُهتَانِهِم وَقُوَّةَ عِنَادِهِم فَقَالَ: ﴿وَقَالُوا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ استِهزَاءً ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جَمعُ أَغلَفَ، أَي هِيَ مُغَطَّاةٌ بِأَغطِيَةٍ خِلقَةً فَلَا يَتَوَصَّلُ إِلَيهَا مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ السَّلَامُ وَلَا تَفقَهُهُ، وَقِيلَ: أَي قُلُوبُنَا أَوعِيَةٌ لِلعُلُومِ فَنَحنُ مُستَغنُونَ بِمَا عِندَنَا عَن غَيرِهِ، أَو أَوعِيَةٌ لِلعُلُومِ فَلَو كَانَ مَا جِئتَ بِهِ حَقًّا لَقَبِلنَاهُ ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَبعَدَهُم مِن رَحمَتِهِ وَخَذَلَهُم عَنِ القَبُولِ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ وَلَيسَ عَدَمُ قَبُولِهِم لِخَلَلٍ فِي قُلُوبِهِم، فَرَدَّ اللهُ أَن تَكُونَ قُلُوبُهُم مَخلُوقَةً كَذَلِكَ لِأَنَّهَا خُلِقَت عَلَى الفِطرَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ، وَإِنَّمَا طَرَدَهُم بِكُفرِهِم وَزَيغِهِم ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (88)﴾ قِيلَ القِلَّةُ بِمَعنَى العَدَمِ([7])، أَو فَقَلِيلٌ مَن يُؤمِنُ مِنهُم.
وَلَمَّا بَيَّنَ تَحرِيفَهُم لِلتَّورَاةِ وَتَكذِيبَهُم لِلإِنجِيلِ بَيَّنَ أَنَّهُم بَعدَ ذَلِكَ كَذَّبُوا القُرءَانَ أَيضًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أَيِ اليَهُودَ ﴿كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أَيِ القُرآنُ ﴿مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ مِن كِتَابِهِمُ التَّورَاةِ لَا يُخَالِفُهُ ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبلِ مَجِيءِ القُرآنِ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَستَنصِرُونَ ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلَى المُشرِكِينَ إِذَا قَاتَلُوهُم وَقَالُوا: اللهم انصُرنَا بِالنَّبِيِّ المَبعُوثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الَّذِي نَجِدُ نَعتَهُ فِي التَّورَاةِ، وَيَقُولُونَ لِأَعدَائِهِمُ المُشرِكِينَ: قَد أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ يَخرُجُ بِتَصدِيقِ مَا قُلنَا فَنَقتُلُكُم مَعَهُ قَتلَ عَادٍ وَإِرَمَ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا﴾ أَي مَا عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وَهُوَ بِعثَةُ النَّبِيِّ ﷺ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ جَحَدُوهُ وَكَذَّبُوهُ بَغيًا وَحَسَدًا وَحِرصًا عَلَى الرِّيَاسَةِ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)﴾ أَي عَلَيهِم، فَإِنَّ اللَّعنَةَ لَحِقَتهُم لِكُفرِهِم.
﴿بِئْسَمَا﴾ أَيِ بِئسَ الشَّىءُ الَّذِي ﴿اشْتَرَوْا﴾ أَي بَاعُوا ﴿بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ أَي بَاعُوا حَظَّهَا مِنَ الثَّوَابِ بِقَلِيلٍ مِنَ الدُّنيَا ﴿أَن يَكْفُرُوا﴾ أَي كُفرُهُم ﴿بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القُرآنِ ﴿بَغْيًا﴾ أَي طَلَبًا لِمَا لَيسَ لَهُم وَحَسَدًا عَلَى ﴿أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وَهُوَ الوَحيُ ﴿عَلَىٰ مَن يَشَاءُ﴾ لِلرِّسَالَةِ ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ وَهُوَ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿فَبَاءُوا﴾ رَجَعُوا ﴿بِغَضَبٍ﴾ مِنَ اللهِ بِسَبَبِ كُفرِهِم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَقَولِهِم: يَدُ اللهِ مَغلُولَةٌ ﴿عَلَىٰ غَضَبٍ﴾ استَحَقُّوهُ مِن قَبلُ بِتَضيِيعِ التَّورَاةِ وَالكُفرِ بِعِيسَى وَقَولِهِم: عُزَيرٌ ابنُ اللهِ، فَصَارُوا أَحِقَّاءَ بِغَضَبٍ مُتَرَادِفٍ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90)﴾ ذُو إِهَانَةٍ، أَي مُذِلٍّ.
- ذِكرُ كُفرِ اليَهُودِ بِكُتُبِ اللهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيهِم
لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى استِحقَاقَهُم لِلعَذَابِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ بِكُفرِهِم بِالقُرءَانِ بَيَّنَ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى استِحقَاقِهِم ذَلِكَ وَهُوَ كُفرُهُم بِكِتَابِهِم نَفسِهِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أَي لِليَهُودِ ﴿آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القُرآنِ وَغَيرِهِ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ وَهُوَ التَّورَاةُ ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أَي بِمَا بَعدَ التَّورَاةِ وَهُوَ القُرءَانُ، أَو بِمَا سِوَاهُ ﴿وَهُوَ﴾ أَيِ الَّذِي يَكفُرُونَ بِهِ هُوَ ﴿الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾ غَيرُ مُخَالِفٍ لَهُ، وَفِيهِ رَدٌّ لِمَقَالَتِهِم، لِأَنَّهُم إِذَا كَفَرُوا بِمَا يُوَافِقُ التَّورَاةَ فَقَد كَفَرُوا بِهَا ﴿قُلْ﴾ لَهُم ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ أَي فَلِمَ قَتَلتُم ﴿أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ أَي مِن قَبلِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (91)﴾ بِالتَّورَاةِ، اعتِرَاضٌ عَلَيهِم بِقَتلِهِمُ الأَنبِيَاءَ مَعَ ادِّعَائِهِمُ الإِيمَانَ بِالتَّورَاةِ، وَالتَّورَاةُ لَا تُسَوِّغُ قَتلَ الأَنبِيَاءِ، وَالخِطَابُ لِلمَوجُودِينَ مِن زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ بِمَا فَعَلَ آبَاؤُهُم لِرِضَاهُم بِهِ وَهُم فِيهِ عَلَى رَأيِهِم.
- ذِكرُ كُفرِ اليَهُودِ بِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ
لَمَّا بَيَّنَ كَذِبَهُم وَكُفرَهُم وَاستِحقَاقَهُم لِلعَذَابِ أَقَامَ دَلِيلًا آخَرَ أَقوَى مِن ذَلِكَ عَلَى استِحقَاقِهِمُ العَذَابَ وَهُوَ كُفرُهُم فِي زَمَنِ مُوسَى وَفِي حَيَاتِهِ وَاتِّخَاذُهُمُ العِجلَ إِلَهًا، فَقَالَ: ﴿۞([8]) وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بِالآيَاتِ التِّسعِ، أَو مَا فِي الأَلوَاحِ مِنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ إِلَهًا بِزَعمِكُم ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعدِ خُرُوجِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى طُورِ سَينَاءَ، أَو مِن بَعدِ مَجِيءِ البَيِّنَاتِ ﴿وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92)﴾ بِاتِّخَاذِهِ إِلَهًا، أَي عَبَدتُمُ العِجلَ وَأَنتُم وَاضِعُونَ العِبَادَةَ فِي غَيرِ مَوضِعِهَا، أَو وَأَنتُم قَومٌ عَادَتُكُمُ الظُّلمُ.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ عَلَى العَمَلِ بِمَا فِي التَّورَاةِ ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الجَبَلَ حِينَ امتَنَعتُم مِن قَبُولِهَا لِيَسقُطَ عَلَيكُم، كَرَّرَ ذِكرَ رَفعِ الطُّورِ لِمَا نِيطَ بِهِ مِن زِيَادَةٍ لَيسَت مَعَ الأُولَى ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ بِجِدٍّ وَاجتِهَادٍ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ مَا تُؤمَرُونَ بِهِ فِي التَّورَاةِ سَمَاعَ قَبُولٍ وَطَاعَةٍ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قَولَكَ ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أَمرَكَ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا إِذَا نَظَرُوا إِلَى الجَبَلِ، قَالُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى الكِتَابِ قَالُوا: سَمِعنَا وَعَصَينَا ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ سُقُوا ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ حُبَّ ﴿الْعِجْلَ﴾ أَي خَالَطَ حُبُّ العِجلِ وَالحِرصُ عَلَى عِبَادَتِهِ قُلُوبَهُم وَتَدَاخَلَهَا كَمَا يَتَدَاخَلُ الصِّبغُ الثَّوبَ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بِسَبَبِ كُفرِهِم وَاعتِقَادِهِمُ التَّشبِيهَ ﴿قُلْ﴾ لَهُم ﴿بِئْسَمَا﴾ بِئسَ شَيئًا مَا ﴿يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ بِالتَّورَاةِ أَي: أَن تَعبُدُوا العِجلَ، وَتُكَذِّبُوا المُرسَلِينَ، وَتَقتُلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ، وَتَكتُمُوا الهُدَى، لِأَنَّهُ لَيسَ فِي التَّورَاةِ ذَلِكَ، وَإِضَافَةُ الأَمرِ إِلَى إِيمَانِهِم تَهَكُّمٌ، وَكَذَا إِضَافَةُ الإِيمَانِ إِلَيهِم ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93)﴾ بِهَا كَمَا زَعَمتُم، وَالمَعنَى لَستُم بِمُؤمِنِينَ، فَهُوَ تَشكِيكٌ فِي إِيمَانِهِم وَقَدحٌ فِي صِحَّةِ دَعوَاهُم لَهُ، لِأَنَّ الإِيمَانَ لَم يَأمُر بِذَلِكَ، وَالمُرَادُ آبَاؤُهُم، أَي فَكَذَلِكَ أَنتُم لَستُم بِمُؤمِنِينَ بِالتَّورَاةِ وَقَد كَذَّبتُم مُحَمَّدًا ﷺ، وَالإِيمَانُ بِهَا لَا يَأمُر بِتَكذِيبِهِ.
([2]) التَّورَاةُ الأَصلِيَّةُ وَالإِنجِيلُ الصَّحِيحُ وَالزَّبُورُ وَالقُرآنُ وَسَائِرُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ يُقَالُ عَنهَا كَلَامُ اللهِ، بِمَعنَى أَنَّهَا عِبَارَاتٌ عَن كَلَامِ اللهِ تَعَالَى الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ الَّذِي لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا لُغَةً وَلَا يُشبِهُ كَلَامَ العَالَمِينَ، أَمَّا أَلفَاظُ القُرآنِ وَأَلفَاظُ التَّورَاةِ الأَصلِيَّةِ وَأَلفَاظُ الإِنجِيلِ الأَصلِيِّ وَأَلفَاظُ الزَّبُورِ المُنَزَّلَةُ فَهِيَ مَخلُوقَةٌ، اللهُ تَعَالَى خَلَقَهَا، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهَا حُرُوفٌ يَسبِقُ بَعضُهَا بَعضًا، وَلَكِنَّهَا لَيسَت مِن تَألِيفِ الأَنبِيَاءِ وَلَا جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ، إِنَّمَا هِيَ مَكتُوبَةٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ، أَمَرَ اللهُ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَأخُذَهَا وَيُنزِلَهَا عَلَى أُولَئِكَ الأَنبِيَاءِ الأَربَعَةِ، فَهِيَ عِبَارَاتٌ عَنِ الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَلَا بِأَنَّهُ عِبرَانِيٌّ وَلَا بِأَنَّهُ سُريَانِيٌّ، وَكُلٌّ يُطلَقُ عَلَيهِ كَلَامُ اللهِ، أَي أَنَّ صِفَةَ الكَلَامِ القَائِمَةَ بِذَاتِ اللهِ الثَّابِتَةَ لَهُ تَعَالَى يُقَالُ لَهَا كَلَامُ اللهِ، وَاللَّفظَ المُنَزَّلَ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنهُ يُقَالُ لَهُ كَلَامُ اللهِ.
([3]) يَجِبُ الإِيمَانُ بِالنَّارِ أَي جَهَنَّمَ أَي بِأَنَّهَا مَخلُوقَةٌ الآنَ، وَلا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ، هَذَا مَذهَبُ أَهلِ الحَقِّ، وَلَيسَ صَحِيحًا أَنَّهَا تَفنَى وَلَا يَبقَى فِيهَا أَحَدٌ، وَقَد اتَّفَقَ المُسلِمُونَ عَلَى بَقَاءِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَهَمُ بنُ صَفوَانَ فَكَفَّرَهُ المُسلِمُونَ لِأَنَّهُ تَكذِيبٌ لِلنَّصِّ القُرءَانِيِّ، وَلِلإِمَامِ السُّبكِيِّ كِتَابٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَن قَالَ بِفَنَاءِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ سَمَّاهُ: «الِاعتِبَارَ بِبَقَاءِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ»، وَجَهَنَّمُ دَارُ العَذَابِ المُقِيمِ لِلكَافِرِينَ لَا يَخرُجُونَ مِنهَا أَبَدًا، وَأَمَّا بَعضُ العُصَاةِ فَيُعَذَّبُونَ فِيهَا مُدَّةً ثُمَّ يُخرَجُونَ مِنهَا، وَمَا يَذكُرُهُ بَعضُ المُنتَسِبِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِن أَنَّ الكُفَّارَ يَتَلَذَّذُونَ بِالنَّارِ وَلا يَرضَونَ الخُرُوجَ مِنهَا فَهُوَ تَكذِيبٌ لِلنُّصُوصِ.
([4]) يَجِبُ الإِيمَانُ بِالجَنَّةِ وَهِيَ دَارُ السَّلامِ أَي دَارُ النَّعِيمِ المُقِيمِ الدَّائِمِ، وَالنَّعِيمُ فِيهَا قِسمَانِ: نَعِيمٌ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الأَتقِيَاءُ، وَنَعِيمٌ يَنَالُهُ كُلُّ أَهلِ الجَنَّةِ، وَمِن هَذَا النَّعِيمِ العَامِّ أَنَّ أَهلَ الجَنَّةِ كُلَّهُم شَبَابٌ لَا يَهرَمُونَ أَبَدًا، وَكُلَّهُم أَصِحَّاءُ لَا يَسقَمُونَ أَي لَا يَمرَضُونَ أَبَدًا، وَكُلَّهُم فِي سُرُورٍ لَا يُصِيبُهُم هَمٌّ وَحُزنٌ وَنَكَدٌ وَكَربٌ، وَكُلَّهُم يَبقَونَ أَحيَاءً فِي نَعِيمٍ دَائِمٍ لَا يَمُوتُونَ أَبَدًا.
([5]) سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، لِأَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ (ج3 ص74).
([6]) تَنبِيهٌ: كُلٌّ مِنَ النَّبِيِّ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ غَيرِ الرَّسُولِ قَد أُوحِيَ إِلَيهِ وَأُمِرَ بِالتَّبلِيغِ، غَيرَ أَنَّ النَّبِيَّ الرَّسُولَ يَأتِي بِنَسخِ بَعضِ شَرعِ مَن قَبلَهُ، أَي يُوحِي اللهُ إِلَيهِ بِأَحكَامٍ تَنسَخُ قِسمًا مِنَ الأَحكَامِ الَّتِي كَانَت فِي شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الَّذِي قَبلَهُ وَلَا تَنسَخُ بَاقِيَ الأَحكَامِ، فَتَكُونُ الأَحكَامُ الَّتِي لَم تُنسَخ شَرِيعَةً لِلرَّسُولِ المُتَأَخِّرِ وَلَو لَم يُنَصَّ لَهُ عَلَيهَا حُكمًا حُكمًا، أَو يَأتِي الرَّسُولُ المُتَأَخِرُ بِشَرعٍ جَدِيدٍ يَنسَخُ شَرعَ الرَّسُولِ الَّذِي قَبلَهُ، فَلَا تَكُونُ أَحكَامُ شَرعِ الرَّسُولِ المُتَقَدِّمِ شَرعًا لِلرَّسُولِ المُتَأَخِّرِ إِلا مَا نُصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنهَا، وَأَمَّا النَّبِيُّ غَيرُ الرَّسُول فَإِنَّهُ يُوحَى إِلَيهِ لِيَتَّبِعَ شَرعَ رَسُولٍ قَبلَهُ وَلِيُبَلِّغَهُ، فَكُلٌّ مِنَ النَّبِيِّ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ غَيرِ الرَّسُولِ مَأمُورٌ بِتَبلِيغِ الدَّعوَةِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَكَرَهُ الإِمَامُ أبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ وَغَيرُهُ، أُصُولُ الدِّينِ، لِأَبِي مَنصُورٍ البَغدَادِيِّ (435).
([7]) يُعَبَّرُ بِالقِلَّةِ عَنِ العَدَمِ فِي بَعضِ المَوَاضِعِ، لَكِنَّهَا نَادِرَةٌ، الأَمرُ الغَالِبُ أَن تُستَعمَلَ بِمَعنَى القَلِيلِ الَّذِي يُقَابِلُ الكَثِيرَ.