﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚيَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗوَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖوَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚبَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖوَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚوَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖفَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚوَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚوَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚوَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚوَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚلَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖلَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗوَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗوَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚوَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ۞مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗوَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗوَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖفَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚوَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗإِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗتِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗقُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗكَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚفَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)﴾
- ذِكرُ حِرصِ اليَهُودِ عَلَى الحَيَاةِ وَتَحَدِّيهِم بِتَمَنِّي المَوتِ
لَمَّا نَهَضَتِ الأَدِلَّةُ عَلَى استِحقَاقِهِم لِلعَذَابِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ بِكُفرِهِم خَتَمَ سُبحَانَهُ بِدَلِيلٍ بَدِيهِيٍّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿قُلْ﴾ لَهُم ﴿إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ أَيِ الجَنَّةُ، أَي نَعِيمُهَا وَحِظوَتُهَا وَخَيرُهَا ﴿عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ خَاصَّةً أَي سَالِمَةً لَكُم لَيسَ لِأَحَدٍ سِوَاكُم فِيهَا حَقٌّ ﴿مِّن دُونِ النَّاسِ﴾ كَمَا زَعَمتُم، وَكَانَتِ اليَهُودُ تَزعُمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَخلُقِ الجَنَّةَ إِلَّا لِإِسرَائِيلَ وَوَلَدِهِ، يَعنِي إِن صَحَّ قَولُكُم: لَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94)﴾ أَي إِن صَدَقتُم فِي زَعمِكُم أَنَّهَا لَكُم، وَمَن كَانَت لَهُ يُؤثِرُهَا، وَالمُوَصِّلُ إِلَيهَا المَوتُ، فَتَمَنَّوهُ، وَمَن أَيقَنَ أَنَّهُ مِن أَهلِ الجَنَّةِ اشتَاقَ إِلَيهَا تَخَلُّصًا مِنَ الدَّارِ ذَاتِ الشَّوَائِبِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم كَانَ يُحِبُّ المَوتَ وَيَحِنُّ إِلَيهِ.
﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ كُلَّ حَيَاتِهِم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بِسَبَبِ مَا أَسلَفُوا مِنَ الكُفرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَتَحرِيفِ كِتَابِ اللهِ وَقَتلِهِمُ الأَنبِيَاءَ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنَ المُعجِزَاتِ، لِأَنَّهُ إِخبَارٌ بِالغَيبِ، وَكَانَ كَمَا أَخبَرَ بِهِ ﷺ كَقَولِهِ ﱡﳉ ﳊﱠ، وَلَو تَمَنَّوهُ لَنُقِلَ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ سَائِرُ الحَوَادِثِ، بَل مَا تَجَرَّأَ مِنهُم أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى عِلمِهِم بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَادِقٌ، وَهُوَ مِن أَكبَرِ الدَّلِيلِ عَلَى صِدقِهِ ﷺ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)﴾ الكَافِرِينَ فَيُجَازِيهِم، وَهُوَ تَهدِيدٌ لَهُم.
وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُم لَا يَتَمَنَّونَهُ أَثبَتَ لَهُم مَا هُوَ فَوقَ ذَلِكَ مِن تَمَنِّي الضِّدِّ الدَّالِّ عَلَى عِلمِهِم بِسُوءِ مُنقَلَبِهِم، فَقَالَ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ عَلَى حَيَاةٍ مَخصُوصَةٍ وَهِيَ الحَيَاةُ المُتَطَاوِلَةُ ﴿وَمِنَ﴾ وَأَحرَصَ مِنَ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هُمُ المَجُوسُ، لِأَنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ لِمُلُوكِهِم: عِش أَلفَ نَيرُوزٍ وَأَلفَ مَهرَجَانٍ، أَو مُشرِكُو العَرَبِ المُنكِرُونَ لِلبَعثِ، نَعَم، قَد دَخَلَ الَّذِينَ أَشرَكُوا تَحتَ النَّاسِ وَلَكِنَّهُم أُفرِدُوا بِالذِّكرِ لِأَنَّ حِرصَهُم شَدِيدٌ، وَفِيهِ تَوبِيخٌ عَظِيمٌ لِليَهُودِ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَشرَكُوا لَا يُؤمِنُونَ بِعَاقِبَةٍ وَلَا يَعرِفُونَ إِلَّا الحَيَاةَ الدُّنيَا، فَحِرصُهُم عَلَيهَا لَا يُستَبعَدُ لِأَنَّهَا جَنَّتُهُم، فَإِذَا زَادَ فِي الحِرصِ مَن لَهُ كِتَابٌ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالجَزَاءِ كَانَ حَقِيقًا بِأَعظَمِ التَّوبِيخِ، وَإِنَّمَا زَادَ حِرصُهُم عَلَى الَّذِينَ أَشرَكُوا لِأَنَّهُم عَلِمُوا أَنَّهُم صَائِرُونَ إِلَى النَّارِ لِعِلمِهِم بِحَالِهِم وَالمُشرِكُونَ لَا يَعلَمُونَ ذَلِكَ ﴿يَوَدُّ﴾ يَتَمَنَّى ﴿أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَلفَ سَنَةٍ لِأَنَّهَا نِهَايَةُ مَا كَانَتِ المَجُوسُ تَدعُو بِهَا لِمُلُوكِهَا ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ أَي لَا يُبعِدُ أَحَدَهُم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ النَّارِ ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ أَي لَا يُبعِدُهُ تَعمِيرُهُ ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)﴾ أَي بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ فَيُجَازِيهِم عَلَيهِ.
- ذِكرُ عَدَاوَةِ اليَهُودِ لِلمَلَائِكَةِ كَمَا عَادَوُا الأَنبِيَاءَ
سَأَلَ ابنُ صُورِيَا النَّبِيَّ ﷺ أَو عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَمَّن يَأتِي بِالوَحيِ مِنَ المَلَائِكَةِ فَقَالَ: جِبرِيلُ، فَقَالَ: هُوَ عَدُوُّنَا يَأتِي بِالعَذَابِ، وَلَو كَانَ مِيكَائِيلَ لَآمَنَّا، لِأَنَّهُ يَأتِي بِالخِصبِ وَالسِّلمِ، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى مُبَيِّنًا لِعَدَاوَتِهِم لِخَوَاصِّ المَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُم خَيرٌ مَحضٌ لَا حَامِلَ لِبُغضِهِم إِلَّا الكُفرُ بَعدَ أَن بَيَّنَ عَدَاوَتَهُم لِخَوَاصِّ البَشَرِ وَهُمُ الأَنبِيَاءُ: ﴿قُلْ﴾ لَهُم ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ فَليَمُت غَيظًا، جِبرِيلُ هُوَ رَئِيسُ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ، وَهُوَ أَمِينُ الوَحيِ، وَهُوَ المُوَكَّلُ بِالرِّيحِ هُوَ وَجُنُودُهُ، وَمَعنَى جِبرِيلَ: عَبدُ اللهِ، لِأَنَّ «جِبرَ» هُوَ العَبدُ بِالسُّريَانِيَّةِ، وَ«إِيلَ» اسمُ اللهِ ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ أَيِ القُرآنَ ﴿عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ أَي حَفَّظَهُ إِيَّاكَ، وَخَصَّ القَلبَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الحِفظِ ﴿بِإِذْنِ﴾ بِأَمرِ ﴿اللَّهِ([1]) مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أَي قَبلَهُ مِنَ الكُتُبِ ﴿وَهُدًى﴾ مِنَ الضَّلَالَةِ ﴿وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (97)﴾ بِالجَنَّةِ، فَهَذَا رَدٌّ عَلَى اليَهُودِ حِينَ قَالُوا: إِنَّ جِبرِيلَ يَنزِلُ بِالحَربِ وَالشِّدَّةِ، فَقِيلَ: فَإِنَّهُ يَنزِلُ بِالهُدَى وَالبُشرَى أَيضًا، فَلَو أَنصَفُوا لَأَحَبُّوهُ وَشَكَرُوا لَهُ صَنِيعَهُ فِي إِنزَالِهِ مَا يَنفَعُهُم.
﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ مِيكَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ هُوَ مِن رُسُلِ المَلَائِكَةِ، وَلَهُ أَعوَانٌ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَهُوَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالمَطَرِ وَالزَّرعِ وَرَئِيسُ مَلَائِكَةِ المَطَرِ، وَخُصَّ المَلَكَانِ بِالذِّكرِ لِفَضلِهِمَا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98)﴾ أَي عَدُوٌّ لَهُم، فَدَلَّ الكَلَامُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَادَاهُمُ اللهُ لِكُفرِهِم، وَأَنَّ عَدَاوَةَ المَلَائِكَةِ كُفرٌ كَعَدَاوَةِ الأَنبِيَاءِ، وَمَن عَادَاهُم أَو سَبَّهُم أَو سَبَّ وَاحِدًا مِنهُم عَادَاهُ اللهُ، وَيَكُونُ خَارِجًا مِنَ المِلَّةِ الإِسلَامِيَّةِ([2]).
- ذِكرُ نَقضِ اليَهُودِ المَوَاثِيقَ وَكُفرِهِم
وَقَالَ ابنُ صُورِيَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: مَا جِئتَنَا بِشَىءٍ نَعرِفُهُ وَمَا أُنزِلَ عَلَيكَ مِن آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ بِهَا، فَنَزَلَت: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وَاضِحَاتٍ ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99)﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَقَد كَفَرُوا بِهَا.
﴿أَوَكُلَّمَا﴾ أَي أَكَفَرُوا بِالآيَاتِ البَيِّنَاتِ وَكُلَّمَا ﴿عَاهَدُوا﴾ اللهَ ﴿عَهْدًا﴾ عَلَى الإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ إِن خَرَجَ، أَو هُوَ عَهدُهُم لِلنَّبِيِّ ﷺ أَن لَا يُعَاوِنُوا عَلَيهِ المُشرِكِينَ ﴿نَّبَذَهُ﴾ أَي نَقَضَ العَهدَ وَرَفَضَهُ وَطَرَحَهُ ﴿فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ وَإِنَّمَا قَالَ ﴿فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ لِأَنَّ مِنهُم مَن لَم يَنقُض، وَالِاستِفهَامُ لِلإِنكَارِ، وَقَالَ ابنُ جُزَيٍّ: نَزَلَت فِي مَالِكِ بنِ الصَّيفِ اليَهُودِيِّ، وَكَانَ قَد قَالَ: وَاللهِ مَا أُخِذَ عَلَينَا عَهدٌ أَن نُؤمِنَ بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)﴾ بِالتَّورَاةِ وَلَيسُوا مِنَ الدِّينِ فِي شَىءٍ، فَلَا يَعُدُّونَ نَقضَ المَوَاثِيقِ ذَنبًا وَلَا يُبَالُونَ بِهِ.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ﴾ اليَهُودِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيِ التَّورَاةَ ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ أَي نَبَذُوا التَّورَاةَ، لِأَنَّهُم بِسَبَبِ كُفرِهِم بِرَسُولِ اللهِ ﷺ المُصَدِّقِ لِمَا مَعَهُم كَافِرُونَ بِهَا نَابِذُونَ لَهَا، أَو نَبَذُوا القُرءَانَ بَعدَمَا لَزِمَهُم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أَي لَم يَعمَلُوا بِمَا فِي الكِتَابِ مِنَ الإِيمَانِ بِالرَّسُولِ وَغَيرِهِ، وَهَذَا مَثَلٌ لِتَركِهِم وَإِعرَاضِهِم عَنهُ، مُثِّلَ بِمَا يُرمَى بِهِ وَرَاءَ الظُّهُورِ استِغنَاءً عَنهُ وَقِلَّةَ التِفَاتٍ إِلَيهِ ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)﴾ مَا فِيهَا مِن أَنَّهُ ﷺ نَبِيٌّ حَقًّا، أَو كَأَنَّهُم لَا يَعلَمُونَ أَنَّهُ كِتَابُ اللهِ.
- ذِكرُ قِصَّةِ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَهَارُوتَ وَمَارُوتَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَكَيفَ خَالَفَ بَعضُ بَنِي إِسرَائِيلَ وَعَمِلُوا بِالسِّحرِ
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى نَبذَهُم لِكَلَامِ اللهِ أَولَى الأَولِيَاءِ وَإِقبَالَهُم عَلَى كَلَامِ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ هُم أَعدَى الأَعدَاءِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أَي نَبَذَ اليَهُودُ كِتَابَ اللهِ وَاتَّبَعُوا ﴿مَا تَتْلُو﴾ أَي مَا تَقرَأُ ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ مِن كُتُبِ السِّحرِ وَالشَّعوَذَةِ ﴿عَلَىٰ﴾ عَهدِ ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أَي فِي زَمَانِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا يَستَرِقُونَ السَّمعَ ثُمَّ يَضُمُّونَ إِلَى مَا سَمِعُوا أَكَاذِيبَ يُلَفِّقُونَهَا وَيُلقُونَهَا إِلَى الكَهَنَةِ، وَقَد دَوَّنُوهَا فِي كُتُبٍ يَقرَؤُونَهَا وَيُعَلِّمُونَهَا النَّاسَ، وَفَشَا ذَلِكَ فِي زَمَنِ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ حَتَّى قَالُوا: إِنَّ الجِنَّ تَعلَمُ الغَيبَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: هَذَا عِلمُ سُلَيمَانَ، وَمَا تَمَّ لِسُلَيمَانَ مُلكُهُ إِلَّا بِهَذَا العِلمِ، وَبِهِ سَخَّرَ الجِنَّ وَالإِنسَ وَالرِّيحَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ([3]) ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾([4]) تَكذِيبٌ لِلشَّيَاطِينِ وَدَفعٌ لِمَا بَهَتَت بِهِ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ اعتِقَادِ السِّحرِ وَالعَمَلِ بِهِ([5]) ﴿وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ ﴿كَفَرُوا﴾ بِاستِعمَالِ السِّحرِ مَعَ استِحلَالِ العَمَلِ بِهِ وَتَدوِينِهِ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾([6]) أَي كَفَرُوا مُعَلِّمِينَ النَّاسَ السِّحرَ قَاصِدِينَ بِهِ إِغوَاءَهُم وَإِضلَالَهُم، وَلَمَّا كَثُرَ السَّحَرَةُ الَّذِينَ تَتَلمَذُوا عَلَى أَيدِي الشَّيَاطِينِ فِي عَهدِ سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَادَّعَوُا النُّبُوَّةَ وَتَحَدَّوُا النَّاسَ بِالسِّحرِ، أَنزَلَ اللهُ مَلَكَينِ مِن مَلَائِكَتِهِ الكِرَامِ وَهُمَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ لِيُعَلِّمَا النَّاسَ مَا هُوَ السِّحرُ فَيَتَمَكَّنُوا مِن تَميِيزِ السِّحرِ مِنَ المُعجِزَةِ، وَيَتَبَيَّنَ كَذِبُ السَّحَرَةِ فِي دَعوَاهُمُ النُّبُوَّةَ، وَلِكَي لَا يَلتَبِسَ عَلَى بَعضِ النَّاسِ حَالُهُم، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا﴾ وَيُعَلِّمُونَهُم مَا، أَو وَاتَّبَعُوا مَا أَيِ الَّذِي ﴿أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ أَي أُلهِمَاهُ مِن عِلمِ السِّحرِ ابتِلَاءً مِنَ اللهِ لِلنَّاسِ ﴿بِبَابِلَ﴾ بَلَدٌ فِي سَوَادِ العِرَاقِ، وَاسمُ المَلَكَينِ ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ([7]) ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أَي وَمَا يُعَلِّمُ المَلَكَانِ أَحَدًا ﴿حَتَّىٰ يَقُولَا﴾ حَتَّى يُنَبِّهَاهُ وَيَنصَحَاهُ وَيَقُولَا لَهُ ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ ابتِلَاءٌ وَاختِبَارٌ مِنَ اللهِ إِلَى النَّاسِ لِيَمتَحِنَهُم بِهِ ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بِتَعَلُّمِهِ وَالعَمَلِ بِهِ عَلَى وَجهٍ يَكُونُ كُفرًا، فَإِن أَبَى إِلَّا التَّعلِيمَ عَلَّمَاهُ، وَبَعضٌ مِمَّن تَعَلَّمَ هَذَا مِن هَارُوتَ وَمَارُوتَ التَزَمَ فَابتَعَدَ عَنِ السِّحرِ وَلَم يَعمَل بِهِ، وَالبَعضُ كَفَرَ بِاللهِ تَعَالَى وَصَارَ يَعمَلُ بِذَلِكَ السِّحرِ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أَي عِلمَ السِّحرِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا فِي التَّفرِيقِ بَينَ الزَّوجَينِ بِأَن يُبَغِّضَ كُلًّا إِلَى الآخَرِ فَيُحدِثُ اللهُ عِندَ ذَلِكَ النُّشُوزَ وَالخِلَافَ ابتِلَاءً مِنهُ ﴿وَمَا هُم﴾ أَيِ السَّحَرَةُ ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ بِالسِّحرِ ﴿مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ، الإِذنُ هُنَا المَشِيئَةُ فَقَط، وَفِي هَذَا إِبطَالُ مَذهَبِ المُعتَزِلَةِ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: المَعَاصِي لَا تَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ إِنَّمَا هِيَ بِمَشِيئَةِ العِبَادِ، فَالآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي إِبطَالِ دَعوَاهُم([8]) ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ فِي الآخِرَةِ ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ وَهُوَ السِّحرُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبُ الِاجتِنَابِ كَتَعَلُّمِ الفَلسَفَةِ الَّتِي تَجُرُّ إِلَى الغَوَايَةِ وَتَعَلُّمِ عِلمِ الحَرفِ ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ أَيِ اليَهُودُ شَيئًا وَهُوَ مَا تَتلُوا الشَّيَاطِينُ ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ اختَارَهُ أَوِ استَبدَلَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ مِن نَصِيبٍ فِي الجَنَّةِ ﴿وَلَبِئْسَ مَا﴾ أَي شَيئًا ﴿شَرَوْا﴾ أَي بَاعُوا ﴿بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ أَي بَاعُوا حَظَّهَا مِنَ الآخِرَةِ حَيثُ أَوجَبَ لَهُمُ النَّارَ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)﴾ حَقِيقَةَ مَا يَصِيرُونَ إِلَيهِ مِنَ العَذَابِ مَا تَعَلَّمُوهُ([9]).
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ أَيِ اليَهُودَ ﴿آمَنُوا﴾ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقُرآنِ ﴿وَاتَّقَوْا﴾ عِقَابَ اللهِ بِتَركِ مَعَاصِيهِ كَالسِّحرِ، أَيِ اتَّقَوُا اللهَ فَتَرَكُوا مَا هُم عَلَيهِ مِن نَبذِ كِتَابِ اللهِ وَاتِّبَاعِ كُتُبِ الشَّيَاطِينِ ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ أَي لَأُثِيبُوا عَلَيهِ مَثُوبَةً ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ مِمَّا شَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم ﴿لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)﴾ أَنَّ ثَوَابَ اللهِ خَيرٌ مِمَّا هُم فِيهِ لَمَا آثَرُوهُ عَلَيهِ، وَقَد عَلِمُوا، لَكِنَّهُ جَهَّلَهُم لَمَّا تَرَكُوا العَمَلَ بِالعِلمِ.
- ذِكرُ بَعضِ الإِرشَادَاتِ لِلمُؤمِنِينَ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ ﴿رَاعِنَا﴾ كَانَ المُسلِمُونَ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا أَلقَى عَلَيهِم شَيئًا مِنَ العِلمِ: رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَي رَاقِبنَا وَانتَظِرنَا حَتَّى نَفهَمَهُ وَنَحفَظَهُ، وَهِيَ بِلُغَةِ اليَهُودِ كَلِمَةٌ يَتَسَابُّونَ بِهَا عِبرَانِيَّةٌ أَو سُريَانِيَّةٌ مَعنَاهَا: أَنتَ أَرعَنُ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِقَولِ المُؤمِنِينَ سُرُّوا بِهِ وَافتَرَصُوهُ أَيِ انتَهَزُوهُ وَخَاطَبُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ وَهُم يَعنُونَ بِهِ تِلكَ المَسَبَّةَ، فَنُهِيَ المُؤمِنُونَ عَنهَا وَأُمِرُوا بِمَا هُوَ فِي مَعنَاهَا فَقَالَ: ﴿وَقُولُوا﴾ بَدَلَهَا ﴿انظُرْنَا﴾ أَيِ اُنظُر إِلَينَا ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أَحسِنُوا سَمَاعَ مَا يُكَلِّمُكُم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيُلقِي عَلَيكُم مِنَ المَسَائِلِ بِآذَانٍ وَاعِيَةٍ وَأَذهَانٍ حَاضِرَةٍ حَتَّى لَا تَحتَاجُوا إِلَى الِاستِعَادَةِ وَطَلَبِ المُرَاعَاةِ، أَو: وَاسمَعُوا سَمَاعَ قَبُولٍ وَطَاعَةٍ وَلَا يَكُن سَمَاعُكُم كَسَمَاعِ اليَهُودِ حَيثُ قَالُوا: سَمِعنَا وَعَصَينَا ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ اليَهُودِ الَّذِينَ سَبُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)﴾ أَي مُؤلِمٌ وَهُوَ النَّارُ.
﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وَهُم يَهُودُ المَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجرَانَ ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ مِنَ العَرَبِ وَأَهلِ مَكَّةَ، وَ(مِن) لِلبَيَانِ، أَي أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنسٌ تَحتَهُ نَوعَانِ: أَهلُ الكِتَابِ وَالمُشرِكُونَ ﴿أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم﴾ أَي عَلَى رَسُولِكُم ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ هُوَ الوَحيُ، أَوِ النُّبُوَّةُ وَالإِسلَامُ، أَوِ العِلمُ وَالفِقهُ وَالحِكمَةُ ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ حَسَدًا لَكُم ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ وَهِيَ النُّبُوَّةُ، أَوِ الإِسلَامُ ﴿مَن يَشَاءُ﴾ يَعنِي أَنَّهُم يَرَونَ أَنفُسَهُم أَحَقَّ بِأَن يُوحَى إِلَيهِم فَيَحسُدُونَكُم وَلَا يُحِبُّونَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيكُم شَىءٌ مِنَ الوَحيِ، فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّهُ يَختَصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَشَاءُ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)﴾ فِيهِ إِشعَارٌ بِأَنَّ إِيتَاءَ النُّبُوَّةِ مِنَ الفَضلِ العَظِيمِ.
- ذِكرُ مَسَائِلِ النَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ
لَمَّا طَعَنَ الكُفَّارُ فِي النَّسخِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَونَ إِلَى مُحَمَّدٍ يَأمُرُ أَصحَابَهُ بِأَمرٍ ثُمَّ يَنهَاهُم عَنهُ وَيَأمُرُهُم بِخِلَافِهِ، وَيَقُولُ اليَومَ قَولًا وَيَرجِعُ عَنهُ غَدًا، وَقَالُوا لَمَّا نُسِخَتِ القِبلَةُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُحِلُّ لِأَصحَابِهِ إِذَا شَاءَ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِم إِذَا شَاءَ، نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿۞([10]) مَا نَنسَخْ([11]) مِنْ آيَةٍ﴾ نَزَلَ حُكمُهَا ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ أَي نَذهَب بِحِفظِهَا عَنِ القُلُوبِ، أَو نُؤَخِّرهَا عَنِ النَّسخِ فَلَا نَنسَخُهَا، أَو نُؤَخِّر إِنزَالَهَا فَلَا نُنزِلُهَا أَلبَتَّةَ، أَو نُؤَخِّرهَا عَنِ العَمَلِ بِهَا بِنَسخِنَا إِيَّاهَا ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أَنفَعَ لِلعِبَادِ فِي السُّهُولَةِ وَاللِّينِ وَاليُسرِ عَلَى النَّاسِ، أَو فِي كَثرَةِ الأَجرِ وَالثَّوَابِ ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ فِي التَّكلِيفِ وَالثَّوَابِ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)﴾ قَادِرٌ، فَهُوَ يَقدِرُ عَلَى الخَيرِ وَعَلَى مِثلِهِ، وَقَادِرٌ عَلَى النَّسخِ وَالتَّبدِيلِ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَحكُمُ بِمَا يَشَاءُ عَلَى عِبَادِهِ وَيُغَيِّرُ مَا يَشَاءُ مِن أَحكَامٍ.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَالمُلكُ فِي اللُّغَةِ: تَمَامُ القُدرَةِ وَاستِحكَامُهَا، أَي يَفعَلُ مَا يَشَاءُ، فَهُوَ يَملِكُهُ وَيَملِكُ أُمُورَكُم وَيُدَبِّرُهَا وَهُوَ أَعلَمُ بِمَا يَتَعَبَّدُكُم بِهِ مِن نَاسِخٍ أَو مَنسُوخٍ ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أَي غَيرِهِ ﴿مِن وَلِيٍّ﴾ يَلِي أَمرَكُم وَيَحفَظُكُم ﴿وَلَا نَصِيرٍ (107)﴾ نَاصِرٍ يَمنَعُكُم مِنَ العَذَابِ إِن أَتَاكُم.
- التَّحذِيرُ مِن جُحُودِ الآيَاتِ كَجُحُودِ اليَهُودِ لَهَا
لَمَّا صَارَ أَهلُ مَكَّةَ يَسأَلُونَ الآيَاتِ كَأَن يُوَسِّعَ لَهُم مَكَّةَ، وَيَجعَلَ الصَّفَا ذَهَبًا، وَيَأتِيَهُم بِكِتَابٍ يَقرَؤُونَهُ، وَيُفَجِّرَ لَهُمُ الأَنهَارَ، وَغَيرِ ذَلِكَ، نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ بَل تُرِيدُونَ، أَو هَل تُرِيدُونَ ﴿أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ أَي سَأَلَهُ قَومُهُ فَقَالُوا: أَرِنَا اللهَ جَهرَةً، وَغَيرَ ذَلِكَ، فَنُهُوا عَن أَن يَقتَرِحُوا عَلَيهِ الآيَاتِ كَمَا اقتَرَحَ قَومُ مُوسَى عَلَيهِ ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ﴾ أَي يَأخُذِ ﴿الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ بَدَلَ الإِيمَانِ، بِتَركِ النَّظَرِ فِي الآيَاتِ المُنَزَّلَةِ وَالثِّقَةِ بِهَا وَبِالشَّكِّ فِيهَا وَاقتِرَاحِ غَيرِهَا ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)﴾ فَقَد ضَلَّ الطَّرِيقَ المُستَقِيمَ حَتَّى وَقَعَ فِي الكُفرِ. وَمَعنَى الآيةِ: لَا تَقتَرِحُوا فَتَضِلُّوا وَيُؤَدِّيَ بِكُمُ الضَّلَالُ إِلى البُعدِ عَنِ المَقصِدِ وَإِلَى تَبدِيلِ الكُفرِ بِالإِيمَانِ.
- ذِكرُ بَعضِ الإِرشَادَاتِ لِلمُؤمِنِينَ
كَانَ اليَهُودُ يَجتَهِدُونَ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنِ الإِسلَامِ إِلَى دِينِهِم، وَيَهجُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَيُؤذُونَهُ، وَيُحَرِّضُونَ كُفَّارَ مَكَّةَ عَلَيهِ، وَقَالُوا لِلمُسلِمِينَ بَعدَ وَقعَةِ أُحُدٍ: أَلَم تَرَوا إِلَى مَا أَصَابَكُم، وَلَو كُنتُم عَلَى الحَقِّ لَمَا هُزِمتُم، فَارجِعُوا إِلَى دِينِنَا فَهُوَ خَيرٌ لَكُم، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَّ﴾ أَحَبَّ وَتَمَنَّى ﴿كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليَهُودِ ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ أَي أَن يَرُدُّوكُم عَن دِينِكُم كَافِرِينَ ﴿حَسَدًا﴾ أَي لِأَجلِ الحَسَدِ، وَالحَسَدُ هُوَ أَن يَكرَهَ الشَّخصُ النِّعمَةَ الَّتِى أَنعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى المُسلِمِ دِينِيَّةً كَانَت أَو دُنيَوِيَّةً وَتَمَنِّي زَوَالِهَا وَاستِثقَالُهَا لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعصِيَةً إِذَا لَم يَكرَههُ أَي إِذَا لَم يَستَشعِر بِكَرَاهِيَةِ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِنَفسِهِ، وَمَحَلُّهُ أَيضًا إِن عَمِلَ بِمُقتَضَاهُ ﴿مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ أَي حَمَلَتهُم عَلَيهِ أَنفُسُهُمُ الخَبِيثَةُ، أَي وَدُّوا مِن عِندِ أَنفُسِهِم وَمِن قِبَلِ شَهوَتِهِم لَا مِن قِبَلِ التَّدَيُّنِ وَالمَيلِ مَعَ الحَقِّ، لِأَنَّهُم يَعلَمُونَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ ﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ فِي التَّورَاةِ ﴿الْحَقُّ﴾ فِي شَأنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَي مِن بَعدِ عِلمِهِم بِأَنَّكُم عَلَى الحَقِّ ﴿فَاعْفُوا﴾ عَنهُم أَيِ اترُكُوهُم ﴿وَاصْفَحُوا﴾ أَعرِضُوا فَلَا تُجَازُوهُم، أَيِ اسلُكُوا بِهِم سَبِيلَ العَفوِ وَالصَّفحِ عَمَّا يَكُونُ مِنهُم مِنَ الجَهلِ وَالعَدَاوَةِ ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فِيهِم بِالقِتَالِ، فَجَاءَ اللهُ بِأَمرِهِ فِي بَنِي النَّضِيرِ بِالجَلَاءِ وَالنَّفيِ وَفِي بَنِي قُرَيظَةَ بِالقَتلِ وَالسَّبيِ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾ فَهُوَ يَقدِرُ عَلَى الِانتِقَامِ مِنهُم.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ مِن طَاعَةٍ كَصَلَاةٍ أَو صَدَقَةٍ أَو صِلَةٍ أَو غَيرِهِمَا ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ تَجِدُوا ثَوَابَهُ عِندَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)﴾ فَيُجَازِيكُم بِهِ وَلَا يَضِيعُ عِندَهُ عَمَلُ عَامِلٍ.
- ذِكرُ كَذِبِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بِقَولِهِم إِنَّ الجَنَّةَ لَهُم لَا لِغَيرِهِم
لَمَّا رَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم فِي دَعوَاهُم أَنَّ النَّارَ لَن تَمَسَّهُم إِلَّا قَلِيلًا أَتبَعَهُ بِالرَّدِّ عَلَيهِم فِي دَعوَاهُم أَنَّ الجَنَّةَ خُلِقَت لِأَجلِهِم وَلَن يَدخُلَهَا غَيرُهُم فَقَالَ: ﴿وَقَالُوا﴾ أَي قَالَ أَهلُ الكِتَابِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجرَانَ لَمَّا تَنَاظَرُوا بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ أَي قَالَتِ اليَهُودُ: لَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ نَصَارَى، فَلَفَّ بَينَ القَولَينِ ثِقَةً بِأَنَّ السَّامِعَ يَرُدُّ إِلَى كُلِّ فَرِيقٍ قَولَهُ، وَأَمنًا مِنَ الِالتِبَاسِ لِمَا عُلِمَ مِنَ التَّعَادِي بَينَ الفَرِيقَينِ وَتَضلِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا صَاحِبَهُ ﴿تِلْكَ﴾ أُشِيرَ بِهَا إِلَى الأَمَانِيِّ المَذكُورَةِ، وَهِيَ أُمنِيَتُهُم أَلَّا يَنزِلَ عَلَى المُؤمِنِينَ خَيرٌ مِن رَبِّهِم، وَأُمنِيَتُهُم أَن يَرُدُّوهُم كُفَّارًا، وَأُمنِيَتُهُم أَلَّا يَدخُلَ الجَنَّةَ غَيرُهُم ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ شَهَوَاتُهُمُ البَاطِلَةُ، أَي تِلكَ الأَمَانِي البَاطِلَةُ أَمَانِيُّهُمُ الَّتِي يَتَمَنَّونَهَا وَهِيَ ظَنٌّ يَظُنُّونَهُ ﴿قُلْ﴾ لَهُم ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجَّتَكُم عَلَى اختِصَاصِكُم بِذَلِكَ، هَذَا أَمرٌ عَلَى وَجهِ التَّعجِيزِ وَالرَّدِّ عَلَيهِم ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾ فِي دَعوَاكُم.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَن لَيسَ كَمَا زَعَمُوا فَقَالَ: ﴿بَلَىٰ﴾ إِثبَاتٌ لِدُخُولِ غَيرِهِمُ الجَنَّةَ وَرَدٌّ لِقَولِهِم، أَي: بَلَى سَيَدخُلُ الجَنَّةَ غَيرُهُم ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ مَن أَخلَصَ نَفسَهُ لَهُ لَا يُشرِكُ بِهِ غَيرَهُ وَانقَادَ لِأَمرِهِ، قَالَ ابنُ جُزَيٍّ: أَي مَن دَخَلَ فِي الإِسلَامِ وَأَخلَصَ ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أَي مُصَدِّقٌ بِالقُرآنِ، أَو مُوَحِّدٌ، أَو مُحسِنٌ فِي عَمَلِهِ ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ أَي ثَوَابُ عَمَلِهِ الجَنَّةُ، فَضَمِنَ لَهُم تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ تَحصِيلَ الأُجُورِ وَآمَنَهُم مِمَّا يَخَافُونَهُ مِنَ المَحذُورِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيمَا يَستَقبِلُونَهُ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)﴾ عَلَى مَا مَضَى مِمَّا يَترُكُونَهُ، أَو لَا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحزَنُونَ فِي الآخِرَةِ.
- ذِكرُ كَذِبِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بِنِسبَتِهِمُ الضَّلَالَ لِكُلِّ مَن عَدَاهُم
لَمَّا أَبطَلَ دَعوَى اختِصَاصِهِم بِالرَّحمَةِ قَدحًا مِنهُم فِي غَيرِهِم وَأَثبَتَهَا لِلمُحسِنِينَ أَتبَعَ ذَلِكَ قَدحَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهُم فِي الآخَرِ وَبَيَانَ انتِفَائِهَا عَنهُم، فَقَالَ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أَي عَلَى شَىءٍ صَحِيحٍ مُعتَدٍّ بِهِ، وَكَفَرَت بِعِيسَى ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أَي عَلَى شَىءٍ صَحِيحٍ مُعتَدٍّ بِهِ، وَكَفَرَت بِمُوسَى ﴿وَهُمْ﴾ أَيِ الفَرِيقَانِ ﴿يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أَي قَالُوا ذَلِكَ وَحَالُهُم أَنَّهُم يَتلُونَ الكِتَابَ المُنَزَّلَ عَلَيهِم، وَفِي كِتَابِ اليَهُودِ تَصدِيقُ عِيسَى، وَفِي كِتَابِ النَّصَارَى تَصدِيقُ مُوسَى، وَهُم مِن أَهلِ العِلمِ وَالتِّلَاوَةِ لِلكُتُبِ ﴿كَذَٰلِكَ﴾ مِثلَ ذَلِكَ القَولِ الَّذِي سَمِعتَ بِهِ وَقَالَهُ هَؤُلَاءِ ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيِ المُشرِكُونَ مِنَ العَرَبِ وَغَيرُهُم مِنَ الجَهَلَةِ الَّذِينَ لَا عِلمَ عِندَهُم وَلَا كِتَابَ، كَعَبَدَةِ الأَصنَامِ وَالمُعَطِّلَةِ، قَالُوا لِأَهلِ كُلِّ دِينٍ: لَيسُوا عَلَى شَىءٍ، وَكَفَرُوا بِدِينِهِم، أَو هُم أُمَمٌ كَانُوا قَبلَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَقَومِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ وَهَذَا تَوبِيخٌ عَظِيمٌ لَهُم حَيثُ نَظَمُوا أَنفُسَهُم مَعَ عِلمِهِم فِي سِلكِ مَن لَا يَعلَمُ ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أَي بَينَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا يَقسِمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهُم مِنَ العِقَابِ اللَّائِقِ بِهِ، يُرِيدُ حُكمَ الفَصلِ بَينَهُم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فَيُرِيهِم مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ عِيَانًا وَمَن يَدخُلُ النَّارَ عِيَانًا، فَأَمَّا الحُكمُ بَينَهُم فِي العَقِيدَةِ فِي الدُّنيَا فَقَد بَيَّنَهُ لَهُم بِمَا أَقَامَ مِنَ الحُجَجِ ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)﴾ مِن أَمرِ الدِّينِ، فَيَدخُلُ المُحِقُّ الجَنَّةَ وَالمُبطِلُ النَّارَ.
([1]) كَانَ القُرءَانُ فِي الذِّكرِ أَيِ اللَّوحِ المَحفُوظِ، ثُمَّ بَعدَ أَن تَمَّ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ العُمُرِ أَربَعُونَ سَنَةً أَمَرَ اللهُ تَعَالَى جِبرِيلَ بِأَن يُنزِلَ القُرآنَ جُملَةً وَاحِدَةً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا إِلَى بَيتِ العِزَّةِ، كَانَت تِلكَ اللَّيلَةُ لَيلَةً مِن رَمَضَانَ، وَفِي ذَلِكَ العَامِ كَانَ بَدءُ نُزُولِ القُرآنِ عَلَيهِ ﷺ، لَكِنَّهُ لَم يُنزِلهُ عَلَى الرَّسُولِ دَفعَةً وَاحِدَةً، فَكَانَ يَنزِلُ مِنهُ آيَاتٌ أَحيَانًا، وَأَحيَانًا سُوَرٌ كَامِلَةٌ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَى الرَّسُولِ مِنَ القُرآنِ خَمسُ آيَاتٍ مِن سُورَةِ العَلَقِ، وَلَم تَنزِل عَلَيهِ بِتَمَامِهَا، ثُمَّ بَعدَ نَحوِ ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ سَنَةً تَمَّ نُزُولُ القُرآنِ عَلَيهِ ﷺ.
([2]) قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: «وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾، وَلَم يَقُل: لَهُم، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُم كَافِرُونَ بِهَذِهِ العَدَاوَةِ»، زَادُ المَسِيرِ فِي عِلمِ التَّفسِيرِ، لِأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوزِيِّ (ج1 ص91)، فَمَسَبَّةُ المَلَائِكَةِ أَو أَيِّ وَاحِدٍ مِنهُم كُفرٌ لَفظِيٌّ، وَهُوَ نَوعٌ مِن أَنوَاعِ الكُفرِ الثَّلَاثَةِ، حَيثُ إِنَّ العُلَمَاءَ قَد نَصُّوا عَلَى تَقسِيمِ الكُفرِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ: كُفرٍ لَفظِيٍّ، وَكُفرٍ فِعلِيٍّ، وَكُفرٍ اعتِقَادِيٍّ، فَالنَّوعُ الأَوَّلُ: الكُفرُ اللَّفظِيُّ، نَحوُ مَسَبَّةِ اللهِ أَو رُسُلِهِ أَو مَلَائِكَتِهِ أَو كُتُبِهِ أَو شَعَائِرِ دِينِهِ أَي مَعَالِمِ دِينِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالمَسَاجِدِ وَالأُضحِيَةِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَالنَّوعُ الثَّانِي: الكُفرُ الفِعلِيُّ، نَحوُ رَميِ المُصحَفِ فِي القَاذُورَاتِ وَإِن لَم يَكُن عَلَى وَجهِ الِاستِخفَافِ، أَوِ الجُلُوسِ عَلَيهِ أَوِ الدَّوسِ عَلَيهِ، أَو رَميِ وَرَقَةٍ مَكتُوبٍ عَلَيهَا اسمٌ مِن أَسمَاءِ اللهِ أَو نَحوُ ذَلِكَ مِنَ الأَسمَاءِ المُعَظَّمَةِ فِي القَاذُورَاتِ بِقَصدِ الِاستِخفَافِ، أَوِ السُّجُودِ لِصَنَمٍ أَو شَمسٍ، وَالنَّوعُ الثَّالِثُ: الكُفرُ الِاعتِقَادِيُّ، نَحوُ اعتِقَادِ صِفَاتِ النَّقصِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، كَاعتِقَادِ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى العَرشِ أَو سَاكِنٌ فِي السَّمَاءِ أَو أَنَّهُ جِسمٌ أَو يُشبِهُ الضَّوءَ أَو يُشبِهُ النُّورَ أَو نَحوِ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَكَاعتِقَادِ مَا لَا يَلِيقُ فِي حَقِّ الأَنبِيَاءِ، كَاعتِقَادِ أَنَّهُم قَد يَقَعُونَ فِي الكُفرِ أَوِ الكَذِبِ أَو نَحوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُّوَّةِ، فَفِي الجُملَةِ: كُلُّ قَولٍ أَو فِعلٍ أَوِ اعتِقَادٍ فِيهِ استِخفَافٌ بِاللهِ أَو رُسُلِهِ أَو مَلَائِكَتِهِ أَو كُتُبِهِ أَو وَعدِهِ أَو وَعِيدِهِ أَو شَعَائِرِ دِينِهِ فَهُوَ كُفرٌ، فَليَحذَرِ الإِنسَانُ مِن ذَلِكَ جَهدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ. وَليُعلَم أَنَّهُ لَا يُشتَرَطُ لِيُحكَمَ عَلَى الشَّخصِ بِالكُفرِ مَعرِفَةُ الحُكمِ، فَلَا يُعذَرُ وَلَو لَم يَعرِف أَنَّ مَسَبَّةَ اللهِ تَعَالَى مَثَلًا كُفرٌ، وَلَا يُشتَرَطُ انشِرَاحُ الصَّدرِ، فَلَو كَانَ غَاضِبًا أَو لَم يَقصِدِ الخُرُوجَ مِنَ الإِسلَامِ لَا يُعذَرُ، وَلَا يُشتَرَطُ اعتِقَادُ مَعنَى اللَّفظِ، كَمَن يَنسُبُ للهِ الِابنَ أَوِ الأُختَ فَيَقُولُ: أُختَ رَبِّكَ أَو يَا ابنَ اللهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا لَا أَعتَقِدُ أَنَّ لَهُ ابنًا أَو أُختًا حَقِيقَةً، فَهَذَا لَا يَنفَعُهُ، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأسًا، يَهوِي بِهَا سَبعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ»، سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج4 ص353)، فَلَم يَشتَرِطِ الرَّسُولُ شَيئًا مِمَّا ذُكِرَ، بَل بَيَّنَ وَنَبَّهَ أَنَّ كُلَّ مَن صَدَرَ مِنهُ كُفرٌ يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ وَيَخلُدُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ إِن مَاتَ عَلَيهِ، وَالشَّرطُ الوَحِيدُ هُوَ أَن يَتَلَفَّظَ بِالكُفرِ عَامِدًا مُختَارًا فَاهِمًا لِمَعنَى الكَلِمَةِ عَلَى غَيرِ وَجهِ سَبقِ اللِّسَانِ أَو حِكَايَةِ القَولِ أَوِ الإِكرَاهِ.
([3]) الشَّيَاطِينُ فِي زَمَانِ سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ كَانُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحرَ مَعَ أَنَّهُم كَانُوا مَقهُورِينَ لِسُلَيمَانَ، وَلَمَّا كَثُرَ هَذَا الأَمرُ فِي زَمَانِهِ وَانتَشَرَت كُتُبُ السِّحرِ بَينَ أَيدِي النَّاسِ أَمَرَ سُلَيمَانُ بِجَمعِهَا وَوَضعِهَا تَحتَ كُرسِيِّهِ، وَتَوَعَّدَ بِعِقَابٍ شَدِيدٍ مَن يَعمَلُ بِالسِّحرِ أَو يُرَوِّجُ لَهُ، وَلَم يَكُن أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَجرُؤُ عَلَى الِاقتِرَابِ مِنَ الكُرسِيِّ. وَلَمَّا مَاتَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَقَلَّ عَدَدُ العُلَمَاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا مَا فَعَلَهُ سُلَيمَانُ بِكُتُبِ السِّحرِ وَأَنَّهُ دَفَنَهَا تَحتَ كُرسِيِّهِ، وَمَضَى جِيلٌ وَأَتَى غَيرُهُ، جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى النَّاسِ وَقَالُوا لَهُم: إِنَّ سُلَيمَانَ لَم يَكُن نَبِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا، فَاحفِرُوا تَحتَ كُرسِيِّهِ، فَحَفَرُوا، فَوَجَدُوا الكُتُبَ، فَلَمَّا أَخرَجُوهَا قَالَت لَهُمُ الشَّيَاطِينُ: إِنَّ سُلَيمَانَ كَانَ يَحكُمُنَا بِهَذَا السِّحرِ، فَقَالَ الكُفَّارُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ: صَدَقَتِ الشَّيَاطِينُ، لَقَد كَانَ سُلَيمَانُ سَاحِرًا يَحكُمُنَا بِالسِّحرِ وَهَذَا سِحرُهُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَأمُرُنَا وَبِهِ يَقهَرُنَ، وَأَخَذَ كُفَّارُ بَنِي إِسرَائِيلَ يَعمَلُونَ بِمَا فِي تِلكَ الكُتُبِ. وَالحَقُّ أَنَّ سُلَيمَانَ مَا كَانَ سَاحِرًا، وَلَيسَ السِّحرُ مِن عَمَلِ الأَنبِيَاءِ وَلَا مِن عَمَلِ الأَولِيَاءِ، وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ مُنَزَّهٌ عَنِ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ وَعَن كُلِّ القَبَائِحِ وَالرَّذَائِلِ. لَمَّا كَثُرَ السَّحَرَةُ بَعدَ استِخرَاجِ كُتُبِ السِّحرِ مِن تَحتِ كُرسِيِّهِ صَارَ بَعضُهُم يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَيَتَحَدَّى النَّاسَ بِالسِّحرِ وَيَزعُم أَنَّ مَا يَظهَرُ عَلَى يَدَيهِ مِنَ الخَوَارِقِ إِنَّمَا هُوَ مُعجِزَةٌ أَيَّدَهُ اللهُ بِهَا تَصدِيقًا لِنُبُوَّتِهِ، وَلَمَّا كَثُرَ هَذَا الأَمرُُ أَنزَلَ اللهُ مَلَكَينِ مِن مَلَائِكَتِهِ الكِرَامِ، وَهُمَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ، أَنزَلَهُمَا لِيُعَلِّمَا النَّاسَ مَاهِيَّةَ السِّحرِ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّميِيزِ بَينَ السِّحرِ وَالمُعجِزَةِ فَيَظهَرَ لِلنَّاسِ الكَذَّابُ مِنَ الصَّادِقِ وَلَا يَلتَبِسَ عَلَى النَّاسِ حَالُهُم. وَلَا يَخفَى أَنَّ السِّحرَ يُعَارَضُ بِسِحرٍ أَقوَى مِنهُ، وَقَد يُبطِلُ السِّحرَ سَاحِرٌ آخَرُ. وَاعلَمُوا أَنَّ القُرءَانَ يَفُكُّ السِّحرَ، يُسَاعِدُ عَلَى فَكِّ السِّحرِ، وَالِانتِبَاهُ: لَا دَخلَ لِلقُرءَانِ بِالسِّحرِ. هَارُوتُ وَمَارُوتُ كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحرَ لِيَحذَرَهُ النَّاسُ، كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ مَعَ التَّحذِيرِ، وَيَقُولَانِ إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ، أَيِ ابتِلَاءٌ مِنَ اللهِ يَبتَلِيكُم بِنَا وَيَختَبِرُكُم، مَعنَاهُ مَن عَمِلَ السِّحرَ الَّذِي عَلَّمنَاهُ إِيَّاهُ يَكُونُ عَاصِيًا، وَمَن لَم يَعمَل بِهِ فَلَيسَ عَلَيهِ ضَرَرٌ (لِيُفَرِّقُوا بَينَ المُعجِزَةِ وَالسِّحرِ). وَأَمَّا هَارُوتُ وَمَارُوتُ فَهُمَا مَلَكََانِ مِنَ المَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ، وَمَا يُروَى عَنهُمَا أَنَّهُمَا شَرِبَا خَمرًا فَسَكِرَا ثُمَّ قَتَلَا طِفلًا كَانَت تَحمِلُهُ امرَأَةٌ ثُمَّ رُكِّبَت فِيهِمَا الشَّهوَةُ فَوَقَعَا عَلَيهَا، أَي زَنَيَا بِهَا، وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ، فَغَيرُ صَحِيحٍ، هَذَا كَذِبٌ وَخُرَافَةٌ. وَمَا يَذكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ فِي قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ أَنَّهُمَا مُستَثنَيَانِ مِن عِصمَةِ المَلَائِكَةِ فَهَذَا غَلَطٌ أَيضًا غَيرُ مَقبُولٍ. الحَاصِلُ أَنَّ السِّحرَ مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ (102)﴾، [سُورَةُ البَقَرَةِ:102]، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيسَ مِنَّا مَن تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. الكَاهِنُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى الإِخبَارَ عَنِ الحَوَادِثِ الَّتِي تَحدُثُ فِي المُستَقبَلِ وَيَدَّعِي مَعرِفَةَ الأَسرَارِ وَمُطَالَعَةَ عِلمِ الغَيبِ، سَوَاءٌ اعتَمَدَ عَلَى إِخبَارِ الجِنِّ أَوِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ، وَيُسَمَّى هَذَا مُنَجِّمًا، كُلُّ هَؤُلَاءِ تَصدِيقُهُم حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ الذَّهَابُ إِلَيهِم لِسُؤَالِهِم حَرَامٌ، كَمَا يَحرُمُ إِعطَاءُ المَالِ لَهُم أُجرَةً عَلَى إِخبَارِهِم. وَمِن هَؤُلَاءِ أُنَاسٌ يَضرِبُونَ بِالمَندَلِ، وَفِي حُكمِهِم مَن يَستَخِيرُ بِعَدِّ قَدرٍ مِن حَبَّاتِ السُّبحَةِ، أَو مِن غَيرِ عَدٍّ لَهَا، ثُمَّ بَعدَ العَدِّ إِذَا انتَهَى العَدُّ إِلَى فَردٍ أَو زَوجٍ بَنَوا عَلَى ذَلِكَ الإِقدَامَ أَوِ الإِحجَامَ عَنِ الغَرَضِ المَقصُودِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن أَتَى كَاهِنًا أَو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَد كَفَرَ بِمَا أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ، أَي إِنِ اعتَقَدَ أَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَى الغَيبِ، وَلَيسَ المُرَادُ مَن يَظُنُّ أَنَّهُ قَد يُوَافِقُ الوَاقِعَ وَقَد لَا يُوَافِقُ، فَإِنَّهُ لَا يَكفُرُ، بَل يَكُونُ عَاصِيًا بِسُؤَالِهِ إِيَّاهُم. وَمِمَّن يَدخُلُ فِي ذَلِكَ مَن يَعتَمِدُ فِي إِخبَارِهِ عَلَى الضَّربِ بِالمَندَلِ، وَالنَّظَرِ فِي فِنجَانِ القَهوَةِ. وَالعَرَّافُ هُوَ الشَّخصُ الَّذِي يُخبِرُ عَنِ المَاضِي فَقَط، وَأَمَّا الكَاهِنُ فَيُخبِرُ عَنِ المَاضِي وَالمُستَقبَلِ. تَنبِيهٌ: مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ أَخذَ الفَألِ مِنَ المُصحَفِ هُوَ عِندَ اللهِ حَرَامٌ، القُرءَانُ الكَرِيمُ يُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ، وَهُوَ بَرَكَةٌ لَكِن لَا يُستَعمَلُ لِهَذِهِ السَّخَافَاتِ، بَعضُ الجُهَّالِ إِذَا أَرَادُوا أَن يُقدِمُوا عَلَى أَمرٍ مَا أَو يَستَطلِعُوا المُغَيَّبَ يَفتَحُونَ المُصحَفَ وَيُقَلِّبُونَ عَدَدًا مِن أَورَاقِهِ ثُمَّ يَعُدُّونَ عَدَدًا مُعَيَّنًا مِنَ الأَسطُرِ ثُمَّ يَنظُرُونَ مَا يَظهَرُ لَهُم مِنَ الكَلَامِ لِيَبنُوا عَلَيهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعضُ النَّاسِ طَلَبَ الفَألِ مِنَ المُصحَفِ، هَذَا حَرَامٌ مِنَ الكَبَائِرِ، وَاللهُ أَعلَمُ وَأَحكَمُ.
([4]) فِي هَذِهِ الآيَةِ تَبرِئَةٌ مِنَ اللهِ لِسُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَالأَنبِيَاءُ مُنَزَّهُونَ عَنِ الِاشتِغَالِ بِالسِّحرِ.
([5]) الحَقُّ أَنَّ السِّحرَ لَيسَ مِن عَمَلِ الأَنبِيَاءِ وَلَا الأَولِيَاءِ، وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ مِن عِندِ اللهِ مُنَزَّهٌ عَنِ الكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ وَعَن كُلِّ القَبَائِحِ وَالرَّذَائِلِ وَمُنَزَّهٌ عَنِ الكُفرِ.
([6]) السِّحرُ وَأَنوَاعُهُ: السِّحرُ هُوَ مُزَاوَلَةُ أَفعَالٍ وَأَقوَالٍ خَبِيثَةٍ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، مِنَ السَّبعِ المُوبِقَاتِ أَيِ المُهلِكَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَدِيثِهِ، وَهُوَ أَنوَاعٌ: مِنهُ مَا يُحوِجُ إِلَى عَمَلٍ كُفرِيٍّ كَالسُّجُودِ لِلشَّمسِ أَوِ السُّجُودِ لِإِبلِيسَ، وَمِنهُ مَا يُحوِجُ إِلَى كُفرٍ قَولِيٍّ، وَمِنهُ مَا يُحوِجُ إِلَى تَعظِيمِ الشَّيَاطِينِ بِغَيرِ ذَلِكَ، فَمَا يُحوِجُ إِلَى الكُفرِ وَلَا يَحصُلُ إِلَّا بِالكُفرِ فَهُوَ كُفرٌ، وَمَا لَا يُحوِجُ إِلَى الكُفرِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَقَد أَطلَقَ بَعضُ العُلَمَاءِ تَحرِيمَ تَعَلُّمِ السِّحرِ، وَفَصَّلَ بَعضٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِن كَانَ تَعَلُّمُهُ وَتَعلِيمُهُ لَا يُحوِجُ إِلَى الكُفرِ وَلَا إِلَى تَعَاطِي مُحَرَّمٍ جَازَ ذَلِكَ بِشَرطِ أَن لَا يَكُونَ القَصدُ تَطبِيقَهُ بِالعَمَلِ، وَإِلَّا فَتَحرِيمُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَمَنِ استَحَلَّ ذَلِكَ كَفَرَ. وَقَولُ بَعضِ النَّاسِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا السِّحرَ وَلَا تَعمَلُوا بِهِ» كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ.
([7]) فَيُعلَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَلَكَانِ أَمَرَهُمَا اللهُ أَن يَنزِلَا إِلَى الأَرضِ وَيُعَلِّمَا النَّاسَ السِّحرَ لَا لِيَعمَلُوا بِهِ بَل لِيَعرِفُوا حَقِيقَتَهُ وَيَحذَرُوهُ، كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ مَعَ التَّحذِيرِ، أَي يَقُولَانِ لِلنَّاسِ: نَحنُ فِتنَةٌ أَي مِحنَةٌ وَابتِلَاءٌ مِنَ اللهِ وَاختِبَارٌ، نُعَلِّمُكُمُ السِّحرَ وَلَكِن لَا تَكفُرُوا، أَي لَا تَعتَبِرُوا السِّحرَ حَلَالًا، إِنَّمَا تَتَعَلَّمُونَهُ فَقَط، كَانُوا يُعَلِّمُونَهُم مِنَ السِّحرِ مَا يُفَرِّقُ بَينَ اثنَينِ مُتَحَابَّينِ، ثُمَّ بَعضُ النَّاسِ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا مِنهُمَا لَم يَعمَلُوا بِهَذَا السِّحرِ الَّذِي تَعَلَّمُوهُ، وَبَعضُ النَّاسِ عَمِلُوا بِهِ وَعَصَوا رَبَّهُم، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ أَي كُفَّارَ الجِنِّ كَذَلِكَ كَانَت تَعمَلُ السِّحرَ وَتُعَلِّمُهُ لِلنَّاسِ، لَكِن بَعضُ أَنوَاعِهِ كَانَ فِيهِ كُفرٌ كَعِبَادَةِ الشَّمسِ وَعِبَادَةِ إِبلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ الكُفرِ، حَتَّى إِنَّ مِنهُ مَا تَشتَرِطُ الشَّيَاطِينُ عَلَى مَن تَعَلَّمَهُ أَن يَبُولَ عَلَى المُصحَفِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، لِأَنَّ الكُفرِ إِذَا حَصَلَ مِنَ ابنِ آدَمَ فَهَذَا عِندَهُم أَعظَمُ شَىءٍ، يَشتَهُونَ هَذَا اشتِهَاءً. وَأَمَّا هَارُوتُ وَمَارُوتُ فَهُمَا مَلَكَانِ مِنَ المَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ، وَمَا يُروَى عَنهُمَا أَنَّهُمَا شَرِبَا الخَمرَ ثُمَّ قَتَلَا الطِّفلَ الَّذِي كَانَت تَحمِلُهُ المَرأَةُ وَوَقَعَا عَلَيهَا فَغَيرُ صَحِيحٍ.
([8]) المَشِيئَةُ هِيَ الإِرَادَةُ، وَهِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ مِن صِفَاتِ اللهِ الوَاجِبَةِ لَهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يُخَصِّصُ اللهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الأَشيَاءَ المُمكِنَةَ (أَيِ الَّتِي يَجُوزُ وُجُودُهَا وَعَدَمُ وُجُودِهَا، مِثلُ هَذَا العَالَمِ) بِبَعضِ الصِّفَاتِ الجَائِزَةِ عَلَيهَا دُونَ بَعضٍ، كَأَن يُخَصِّصَ الأَشيَاءَ المَوجُودَةَ بِصِفَةِ الوُجُودِ بَدَلَ صِفَةِ العَدَمِ، وَيُخَصِّصَ مَثَلًا الشَّمسَ بِأَنَّهَا مُدَوَّرَةٌ بَدَلَ أَن تَكُونَ مُرَبَّعَةً أَو عَلَى شَكلٍ آخَرَ مِنَ الأَشكَالِ، وَيُخَصِّصَ زَيدًا بِأَنَّهُ طَوِيلٌ وَطُولُهُ كَذَا بَدَلَ أَن يَكُونَ أَطوَلَ أَو أَقصَرَ، وَهَكَذَا مَعَ كُلِّ شَىءٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى، فَاللهُ خَلَقَ الأَشيَاءَ وَخَصَّصَهَا بِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، كُلُّ مَخلُوقٍ لَهُ صِفَاتٌ اللهُ تَعَالَى خَصَّصَهُ بِهَا، وَهَذَا التَّخصِيصُ يَكُونُ بِصِفَةِ المَشِيئَةِ للهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَشِيئَةُ اللهِ لَا تَتَغَيَّرُ، لِأَنَّ التَّغَيُّرَ يَحصُلُ فِي المَخلُوقِينَ وَهُوَ أَكبَرُ عَلَامَاتِ الحُدُوثِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ ، [سُورَةُ ق:29]، وَرَوَى البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَن سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُم لَن يَخلُصَ الإِيمَانُ إِلَى قَلبِهِ حَتَّى يَستَيقِنَ يَقِينًا غَيرَ شَكٍّ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَم يَكُن لِيُخطِئَهُ وَمَا أَخطَأَهُ لَم يَكُن لِيُصِيبَهُ وَيُقِرَّ بِالقَدَرِ كُلِّهِ»، القَضَاءُ وَالقَدَرُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ص299). وَرَوَى الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَن إِحدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ لَهَا: «قُولِي إِذَا أَمسَيتِ: سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن، أَعلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَد أَحَاطَ بِكُلِّ شَىءٍ عِلمًا»، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، لِأَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ (ج4 ص479). فَقَولُهُ ﷺ: «مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن» هَذِهِ العِبَارَةُ اشتَهَرَت بَينَ المُسلِمِينَ وَتَوَاتَرَت وَاستَفَاضَت فِيمَا بَينَهُم، فَتَرَى كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُرَدِّدُونَهَا وَيَعتَقِدُونَ مَعنَاهَا، وَمَعنَاهَا أَنَّ كُلَّ مَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ أَن يَكُونَ وَأَن يَحصُلَ فِي هَذَا العَالَمِ كَانَ أَي حَصَلَ، فَلَا بُدَّ أَن يُوجَدَ وَيَكُونَ، وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن وَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ، وَعَن أَبِي العَبَّاسِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا قَالَ: كُنت خَلفَ النّبِيِّ ﷺ يَومًا فَقَالَ: «يَا غُلَامِ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللَّهِ، وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَىءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَىءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَىءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَىءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ؛ رُفِعَتِ الأَقلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»، سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج4 ص284)، وَقَالَ التِّرمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَمَشِيئَةُ اللهِ نَافِذَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، إِنَّمَا مَا أَرَادَهُ اللهُ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ، وَمَا لَم يُرِدهُ وَلَم يَشَأهُ لَا يَكُونُ.
([9]) قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: «وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَولَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا لَا يَسأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ عَن شَىءٍ مِنَ التَّورَاةِ إِلَّا أَجَابَهُم، فَسَأَلُوهُ عَنِ السِّحرِ وَخَاصَمُوهُ بِهِ فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ سُلَيمَانُ فِي القُرآنِ قَالَ يَهُودُ المَدِينَةِ: أَلَا تَعجَبُونَ لِمُحَمَّدٍ يَزعُمُ أَنَّ ابنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيًّا؟! وَاللهِ مَا كَانَ إِلَّا سَاحِرًا، فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ».اهـ زَادُ المَسِيرِ فِي عِلمِ التَّفسِيرِ، لِأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوزِيِّ (ج1 ص92).
([11]) مَعنَى النَّسخِ وَبَيَانُهُ: النَّسخُ لُغَةً: الإِزَالَةُ، يُقَالُ نَسَخَتِ الشَّمسُ الظِّلَّ إِذَا أَزَالَتهُ، أَوِ التَّبدِيلُ، وَتَعرِيفُهُ شَرعًا: رَفعُ حُكمٍ شَرعِيٍّ سَابِقٍ بِحُكمٍ شَرعِيٍّ لَاحِقٍ، فَهُوَ بَيَانُ انتِهَاءِ حُكمِ آيَةٍ سَابِقَةٍ بِحُكمِ آيَةٍ لَاحِقَةٍ، أَي أَنَّهُ قَد نَزَلَ أَشيَاءُ بِالوَحيِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ عَمِلَ بِهَا بُرهَةً مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِالوَحيِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَوجَبَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى المُسلِمِينَ ابتِدَاءً بَعدَ نُزُولِ الأَمرِ بِالقِتَالِ أَن يَثبُتَ الوَاحِدُ مِنهُم أَمَامَ عَشَرَةٍ مِنَ الكُفَّارِ فِي الجِهَادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا (65)﴾، [سُورَةُ الأَنفَالِ:65]، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ أَخَفُّ بِإِيجَابِ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ لِاثنَينِ مِنَ الكُفَّارِ رَحمَةً بِهِم لِلضَّعفِ الَّذِي فِيهِم، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾، [سُورَةُ الأَنفَالِ:66]. تَنبِيهٌ: وَقَولُهُ: ﱡﲐﱠ لَيسَ رَاجِعًا لِقَولِهِ: ﱡﲌﱠ، بَلِ المَعنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَفَّفَ عَنكُمُ الآنَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلمِهِ السَّابِقِ فِي الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ فِيكُم ضَعفٌ، وَلَيسَ المُرَادُ تَجَدُّدَ العِلمِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَالنَّسخُ لَا يَخلُو مِن حِكمَةٍ بَل هُوَ مِمَّا تَقتَضِيهِ الحِكمَةُ لِأَنَّ الآيَةَ تَنزِلُ فَيُعمَلُ بِمُقتَضَاهَا بُرهَةً ثُمَّ يُرفَعُ حُكمُهَا وَتَأتِي أُخرَى بَدَلَهَا، كَانَتِ الحِكمَةُ قَبلَ رَفعِ العَمَلِ بِهَا العَمَلَ بِهَا، ثُمَّ كَانَت مَصلَحَةُ العِبَادِ فِي رَفعِ ذَلِكَ الحُكمِ، لِأَنَّ الأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ الإِلَهِيَّةَ مِنهَا مَا هِيَ مُؤَبَّدَةٌ وَمِنهَا مَا هِيَ مُؤَقَّتَةٌ، فَالظُّلمُ مَثَلًا حُرِّمَ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ، وَكَذَلِكَ أَشيَاءُ أُخرَى كَأَكلِ المَيتَةِ وَالدَّمِ وَلَحمِ الخِنزِيرِ. وَيَجُوزُ نَسخُ رَسمِ الآيَةِ فِي المُصحَفِ وَتِلَاوَتِهَا عَلَى أَنَّهَا قُرآنٌ مَعَ بَقَاءِ حُكمِهَا وَالتَّكلِيفِ بِهِ، نَحوُ آيَةِ الرَّجمِ، وَهِيَ: (الشَّيخُ وَالشَّيخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارجُمُوهُمَا أَلبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ)، وَيَجُوزُ نَسخُ الحُكمِ وَبَقَاءُ الرَّسمِ، وَيَجُوزُ النَّسخُ إِلَى بَدَلٍ كَمَا فِي نَسخِ استِقبَالِ بَيتِ المَقدِسِ بِاستِقبَالِ الكَعبَةِ، وَيَجُوزُ النَّسخُ إِلَى غَيرِ بَدَلٍ كَذَلِكَ، وَقَد يَكُونُ النَّسخُ مِنَ التَّخفِيفِ إِلَى التَّثقِيلِ كَمَا فِي نَسخِ التَّخيِيرِ بَينَ صَومِ رَمَضَانَ وَالفِديَةِ بِالطَّعَامِ إِلَى تَعيِينِ الصَّومِ، كَانَ الأَمرُ فِي بَدءِ الإِسلَامِ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيهِمُ الصَّومُ وَلَم يَتَعَوَّدُوهُ فَاشتَدَّ عَلَيهِم، فَرُخِّصَ لَهُم بِالإِفطَارِ وَالفِديَةِ، فَكَانُوا مُخَيَّرِينَ بَينَ صَومِ رَمَضَانَ وَبَينَ دَفعِ الفِديَةِ وَلَو مَعَ القُدرَةِ عَلَى الصَّومِ، ثُمَّ نُسِحَ هَذَا التَّخيِيرُ إِلَى تَعيِينِ الصَّومِ، وَأَحيَانًا يَكُونُ النَّسخُ مِنَ التَّثقِيلِ إِلَى التَّخفِيفِ، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعرُوفٌ فِي عِلمِ الأُصُولِ، مُلَخَّصًا مِنَ: الوَرَقَاتِ فِي أُصُولِ الفِقهِ، لِأَبِي المَعَالِي الجُوَينِيِّ (ص21-24)، اللُّمَعِ فِي أُصُولِ الفِقهِ، لِأَبِي إِسحَقَ الشِّيرَازِيِّ (ص55-87). وَهُنَا تَنبِيهٌ لَا بُدَّ مِنهُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلزَمُ مِنَ النَّسخِ البَدَاءُ كَمَا ادَّعَتِ اليَهُودُ أَنَّ النَّسخَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ اللهَ ظَهَرَ لَهُ أَمرٌ كَانَ خَافِيًا عَلَيهِ، بَل فِيهِ حِكمَةٌ، لِأَنَّ أَحوَالَ العِبَادِ وَمَصَالِحَهُم تَختَلِفُ بِاختِلَافِ الأَزمَانِ، فَاللهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ فَيُنزِلُ حُكمًا ثُمَّ يَنسَخُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن مَصلَحَةِ العِبَادِ، وَلَا يَعنِي النَّسخُ أَيضًا أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَغَيَّرَت، وَلَا يَعنِي تَغيِيرَ صِفَةٍ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَعنِي طُرُوءَ عِلمٍ عَلَى اللهِ كَانَ خَافِيًا عَلَيهِ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ، بَلِ اللهُ تَعَالَى يَعلَمُ إِلَى أَيِّ وَقتٍ يَنتَهِي أَمرُهُ بِالحُكمِ الأَوَّلِ وَيَعلَمُ نَسخَهُ بِالثَّانِي، فَـ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِنَ القُرآنِ أَي يَرفَعُ حُكمَهُ وَيَنسَخُهُ بِحُكمٍ لَاحِقٍ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ مَا يَشَاءُ مِنَ القُرآنِ فَلَا يَنسَخُهُ، وَهَذَا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمَّا بَعدَ وَفَاتِهِ فَلَا نَسخَ، وَالنَّسخُ لَا يَدخُلُ العَقَائِدَ وَلَا الأَخبَارَ، إِنَّمَا هُوَ فِي الأَمرِ وَالنَّهيِ، وَلَيسَ مُوجِبًا لِلتَّنَاقُضِ.