{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)}
- تَوبِيخُ بَعضِ بَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى قَبَائِحِهِم
لَمَّا كَانَ أَحبَارُ اليَهُودِ يَقُولُونَ لِأَقرِبَائِهِمُ المُسلِمِينَ: اُثبُتُوا عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَيَأمُرُونَ مَن نَصَحُوهُ فِي السِّرِّ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَيَقُولُونَ لَهُم أَحيَانًا: هَذَا مُحَمَّدٌ صَادِقٌ اتَّبِعُوهُ، وَلَا يَتَّبِعُونَهُ هُم حَتَّى لَا تَذهَبَ عَلَيهِمُ الرِّئَاسَةُ، وَقِيلَ: كَانُوا يَأمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ، وَإِذَا أُتُوا بِالصَّدَقَاتِ لِيُفَرِّقُوهَا خَانُوا فِيهَا، وَقِيلَ كَانُوا يَأمُرُونَ بِاتِّبَاعِ التَّورَاةِ وَلَا يَقُومُونَ بِهَا، فَوَبَّخَهُم اللهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ}
بِالإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، أَو بِسَعَةِ الخَيرِ وَالمَعرُوفِ.
{وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}
أَي وَتَترُكُونَهَا مِنَ البِرِّ كَالمَنسِيَّاتِ فَلَا تَأمُرُونَهَا بِهِ.
{وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ}
أَي وَأَنتُم تَتلُونَ التَّورَاةَ وَفِيهَا نَعتُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَو فِيهَا الوَعِيدُ عَلَى الخِيَانَةِ، وَهَذَا تَبكِيتٌ لَهُم.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
أَي أَفَلَا تَفطَنُونَ لِقُبحِ مَا أَقدَمتُم عَلَيهِ حَتَّى يَصُدَّكُمُ استِقبَاحُهُ عَنِ ارتِكَابِهِ، وَهُوَ تَوبِيخٌ عَظِيمٌ.
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}
{وَاسْتَعِينُوا}
اطلُبُوا المَعُونَةَ فِي أُمُورِكُم وَحَوَائِجِكُم وَعَلَى البَلَايَا وَالنَّوَائِبِ.
{بِالصَّبْرِ}
عَلَيهَا([1]).
{وَالصَّلَاةِ}
أَيِ الِالتِجَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ عِندَ وُقُوعِ البَلَايَا وَالنَّوَائِبِ، أَي بِأَن تُصَلُّوا صَابِرِينَ عَلَى تَكَالِيفِ الصَّلَاةِ مُحتَمِلِينَ لِمَشَاقِّهَا وَمَا يَجِبُ فِيهَا مِن إِخلَاصِ القَلبِ وَصَابِرِينَ عَلَى دَفعِ الوَسَاوِسِ الشَّيطَانِيَّةِ وَمُرَاعَاةِ الآدَابِ وَالخُشُوعِ، وَأَفرَدَ الصَّلَاةَ بِالذِّكرِ تَعظِيمًا لِشَأنِهَا([2])، وَقِيلَ الخِطَابُ لِليَهُودِ، لَمَّا عَاقَهُم عَنِ الإِيمَانِ الشَّرَهُ وَحُبُّ الرِّيَاسَةِ أُمِرُوا بِالصَّبرِ وَهُوَ الصَّومُ لِأَنَّهُ يَكسِرُ الشَّهوَةَ وَبِالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا تُورِثُ الخُشُوعَ وَتَنفِي الكِبرَ.
{وَإِنَّهَا}
أَيِ الصَّلَاةُ أَوِ الِاستِعَانَةُ.
{لَكَبِيرَةٌ}
أَي لَشَاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ.
{إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}
السَّاكِنِينَ إِلَى الطَّاعَةِ، لِأَنَّهُم يَتَوَقَّعُونَ مَا ادُّخِرَ لِلصَّابِرِينَ عَلَى مَشَقَّتِهَا فَتَهُونُ عَلَيهِم([3]).
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ}
يُوقِنُونَ وَيَعلَمُونَ.
{أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ}
بِالبَعثِ، أَي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن لِقَاءِ الجَزَاءِ، فَيَعمَلُونَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ وَيَطمَعُونَ فِي نَيلِ الثَّوَابِ مِنَ اللهِ، وَأَمَّا مَن لَم يُوقِن بِالجَزَاءِ وَلَم يَرجُ ثَوَابًا كَانَ العَمَلُ عَلَيهِ مَشَقَّةً خَالِصَةً، وَقَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: مَعنَاهُ يَرَونَهُ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ لَا كَمَا يُرَى المَخلُوقُ بِلَا اتِّصَافٍ بِالجِهَةِ وَالحَيِّزِ وَالمَسَافَةِ بَينَهُم وَبَينَهُ، لَا مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، لِأَنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلَى مَسَافَةٍ فَهُوَ مَحدُودٌ، وَالمَحدُودُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن يَحُدُّهُ، وَالإِلَهُ لَا يَحتَاجُ إِلَى غَيرِهِ.
{وَأَنَّهُمْ}
فِي الآخِرَةِ.
{إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}
لَا يَملِكُ أَمرَهُم أَحَدٌ سِوَاهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فَيُجَازِيهِم عَلَى أَعمَالِهِم.
- ذِكرُ بَعضِ نِعَمِ اللهِ عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ
كَرَّرَ اللهُ تَعَالَى أُسلُوبَ النِّدَاءِ مُبَالَغَةً فِي اللُّطفِ، فَقَالَ:
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}
{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ}
أَيِ اذكُرُوا تَفضِيلِي لِآبَائِكُمُ الَّذِينَ كَانُوا مُسلِمِينَ.
{عَلَى الْعَالَمِينَ}
فِي زَمَانِهِم، أَو عَلَى خَلقٍ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، أَيِ اذكُرُوا ذَلِكَ وَكُونُوا مِثلَهُم بِالإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، أَمَّا هَؤُلَاءِ المَوجُودُونَ اليَومَ وَالَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَانَدُوا وَكَذَّبُوا فَلَيسَ لَهُم فَضلٌ بِالمَرَّةِ، إِنَّمَا الفَضلُ لِأَجدَادِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى اتِّبَاعِ الأَنبِيَاءِ أَيَّامَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، لَهُم فَضلٌ لِإِيمَانِهِم بِاللهِ وَأَنبِيَائِهِ وَبِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِيَاءِ صَادِقٌ جَاءَ بِالحَقِّ([4]).
وَلَمَّا ذَكَّرَهُم بِنِعَمِهِ عَلَيهِم وَكَانَتِ المُخَالَفَةُ مَعَ النِّعمَةِ أَفحَشَ وَأَشَدَّ حَذَّرَهُم مِن يَومٍ لَا يُنجِي أَحَدًا فِيهِ إِلَّا تَقوَاهُ، فَقَالَ:
{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}
{وَاتَّقُوا}
خَافُوا.
{يَوْمًا}
أَي يَومَ القِيَامَةِ، أَي عَذَابَهُ.
{لَّا تَجْزِي}
أَي لَا تَقضِي فِيهِ.
{نَفْسٌ}
مُؤمِنَةٌ.
{عَن نَّفْسٍ}
كَافِرَةٍ.
{شَيْئًا}
مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي لَزِمَتهَا.
{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا}
مِنَ النَّفسِ المُؤمِنَةِ.
{شَفَاعَةٌ}
لِلكَافِرَةِ، لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِلمُؤمِنِينَ، وَقِيلَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَزعُمُ أَنَّ آبَاءَهُمُ الأَنبِيَاءَ يَشفَعُونَ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ، فَآيَسَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن ذَلِكَ([5]).
{وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}
أَي فِديَةٌ.
{وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}
لَا يُمنَعُونَ مِن عَذَابِ اللهِ، أَو لَا يُعَاوَنُونَ.
- ذِكرُ قِصَّةِ إِنجَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ مِن فِرعَونَ
حِينَ لَم يُؤَثِّر فِيهِمُ التَّذكِيرَانِ بِالعَهدِ وَالنِّعمَةِ هُدِّدُوا بِتَقرِيرِهِم عَلَى مَوَاقِعِ مَا أُصِيبُوا بِهِ مِنَ البَلَاءِ مِن عَدُوِّهِم لِمَا اقتَرَفُوهُ مِن ذُنُوبِهِم، فَقَالَ:
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}
{وَإِذْ}
وَاذكُرُوا إِذ.
{نَجَّيْنَاكُم}
أَي نَجَّينَا آبَاءَكُم، وَالخِطَابُ فِي هَذَا المَوضِعِ وَمَا بَعدَهُ لِلمَوجُودِينَ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ تَذكِيرًا لَهُم بِنِعمَةِ اللهِ تَعَالَى لِيُؤمِنُوا.
{مِّنْ آلِ}
أَتبَاعِ.
{فِرْعَوْنَ}
وَجُنُودِهِ، وَلَيسَ المُرَادُ قَرَابَتَهُ خَاصَّةً، وَيُقَالُ: إِنَّ اسمَهُ الوَلِيدُ بنُ مُصعَبٍ، وَفِرعَونُ لَقَبٌ لِكُلِّ مَن وَلِيَ مِصرَ.
{يَسُومُونَكُمْ}
يُذِيقُونَكُم.
{سُوءَ الْعَذَابِ}
أَشَدَّهُ وَأَفظَعَهُ، وَبَيَّنَ هَذَا العَذَابَ بِقَولِهِ:
{يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ}
المَولُودِينَ.
{وَيَسْتَحْيُونَ}
أَي يَستَبقُونَ وَيَترُكُونَ.
{نِسَاءَكُمْ}
أَي بَنَاتِكُمُ أَحيَاءَ لِلخِدمَةِ، وَإِنَّمَا فَعَلُوا بِهِم ذَلِكَ لِأَنَّ الكَهَنَةَ أَنذَرُوا فِرعَونَ بِأَنَّهُ يُولَدُ مَولُودٌ يَزُولُ مُلكُهُ بِسَبَبِهِ كَمَا أَنذَرُوا نُمرُودَ، فَلَم يُغنِ عَنهُمَا اجتِهَادُهُمَا فِي التَّحَفُّظِ، وَكَانَ مَا شَاءَ اللهُ.
{وَفِي ذَٰلِكُم}
العَذَابِ أَوِ الإِنجَاءِ.
{بَلَاءٌ}
ابتِلَاءٌ أَو إِنعَامٌ.
{مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}
أَي وَفِي ذَلِكَ مِحنَةٌ عَظِيمَةٌ مِن رَبِّكُم.
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}
{وَإِذْ}
وَاذكُرُوا إِذ.
{فَرَقْنَا}
فَلَقنَا.
{بِكُمُ الْبَحْرَ}
فَصَلنَاهُ وَفَرَّقنَاهُ بِسَبَبِكُم حَتَّى صَارَ فِيهِ اثنَا عَشَرَ مَسلَكًا عَلَى عَدَدِ الأَسبَاطِ فَدَخَلتُمُوهُ هَارِبِينَ مِن عَدُوِّكُم، أَو كَانُوا يَسلُكُونَهُ وَيَتَفَرَّقُ المَاءُ عِندَ سُلُوكِهِم فَكَأَنَّمَا فُرِقَ بِهِم.
{فَأَنجَيْنَاكُمْ}
مِنَ الغَرَقِ.
{وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ}
هُم فِرعَونُ وَجُنُودُهُ وَأَتبَاعُهُ.
{وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}
إِلَى انطِبَاقِ البَحرِ عَلَيهِم، أَي تَنظُرُونَ إِلَى ذَلِكَ وَتُشَاهِدُونَهُ وَلَا تَشُكُّونَ فِيهِ([6]).
- ذِكرُ عِبَادَةِ بَعضِ بَنِي إِسرَائِيلَ العِجلَ
بَعدَ هَلَاكِ فِرعَونَ لَم يَكُن لِبَنِي إِسرَائِيلَ كِتَابٌ يَنتَهُونَ إِلَيهِ، فَوَعَدَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى أَن يُنزِلَ عَلَيهِ التَّورَاةَ، وَضَرَبَ لَهُ مِيقَاتًا ذَا القَعدَةِ وَعَشرَ ذِي الحِجَّةِ، قَالَ تَعَالَى:
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ}
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ}
بِالوَحيِ أَن يَجِيءَ إِلَى المِيقَاتِ وَهُوَ الطُّورُ.
{أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}
نُعطِيهِ عِندَ انقِضَائِهَا التَّورَاةَ لِتَعمَلُوا بِهَا.
{ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ}
الَّذِي صَاغَهُ لَكُمُ السَّامِرِيُّ إِلَهًا.
{مِن بَعْدِهِ}
أَي مِن بَعدِ ذَهَابِهِ إِلَى مِيعَادِنَا.
{وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ}
بِاِتِّخَاذِهِ لِوَضعِكُمُ العِبَادَةَ فِي غَيرِ مَحَلِّهَا([7]).
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم}
مَحَونَا ذُنُوبَكُم.
{مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ}
الِاتِّخَاذِ، أَو بَعدَ انطِلَاقِهِ لِلجَبَلِ.
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
لِكَي تَشكُرُوا نِعمَتَنَا فِي العَفوِ عَنكُم.
وَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى سُوءِ طِبَاعِهِم وَعَكسِ مِزَاجِهِم وَأَنَّهُم لَا يَحفَظُونَ عَهدًا وَلَا يَستَقِيمُونَ عَلَى نَهجٍ ذَكَّرَهُم بِنِعمَةِ الكِتَابِ الَّذِي مِن شَأنِهِ الضَّبطُ فِي جَمِيعِ الأَحوَالِ بِالرُّجُوعِ إِلَيهِ عِندَ الضَّلَالِ فَقَالَ:
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ}
أَيِ التَّورَاةَ الجَامِعَةَ بَينَ كَونِهَا كِتَابًا مُنَزَّلًا وَفُرقَانًا يَفرِقُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ وَالحَلَالِ وَالحَرَامِ، أَوِ التَّورَاةَ وَالبُرهَانَ الفَارِقَ بَينَ الكُفرِ وَالإِيمَانِ مِنَ العَصَا وَاليَدِ وَغَيرِهِمَا مِنَ الآيَاتِ، أَوِ الشَّرعَ الفَارِقَ بَينَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَقِيلَ الفُرقَانُ انفِلَاقُ البَحرِ، أَوِ النَّصرُ الَّذِي فَرَقَ بَينَهُ وَبَينَ عَدُوِّهِ، أَوِ الفُرقَانُ هُوَ القُرآنُ، وَمَعنَى الكَلَامِ: لَقَد آتَينَا مُوسَى الكِتَابَ وَمُحَمَّدًا الفُرقَانَ.
{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
أَي لِكَي تَهتَدُوا بِهِ مِنَ الضَّلَالِ.
([1]) الصَّبرُ هُوَ حَبسُ النَّفسِ وَقَهرُهَا عَلى لَذِيذٍ تُفَارِقُهُ أَو مَكرُوهٍ تَتَحَمَّلُهُ.
([2]) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، لِأَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ (ج1 ص507)، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ فَأَتَاهُ خَبَرُ وَفَاةِ أَخِيهِ قُثَمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَصَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ قَالَ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، شُعَبُ الإِيمَانِ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج12 ص173).
([3]) تَنبِيهٌ مُهِمٌّ: اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ أُمُورَ الدُّنيَا عَلَى الأَسبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ مَعَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَن يُعطِيَنَا الثَّوَابَ مِن غَيرِ أَن نَقُومَ بِالأَعمَالِ، اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَنَا بِأَن نَستَعِينَ بِالصَّبرِ وَالصَّلَاةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُدخِلَنَا الجَنَّةَ مِن دُونِ صَبرٍ وَمِن دُونِ صَلَاةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَنَا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:45]، وَقَالَ: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}، [سُورَةُ المَائِدَةِ:35]، أَي كُلُّ شَىءٍ يُقَرِّبُكُم إِلَيهِ اطلُبُوهُ، يَعنِي هَذِهِ الأَسبَابَ، اعمَلُوا الأَسبَابَ فَنُحَقِّقَ لَكُمُ المُسَبَّبَاتِ، نُحَقِّقُ لَكُم مَطَالِبَكُم بِهَذِهِ الأَسبَابِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَحقِيقِهَا بِدُونِهَا، وَقَد جَعَلَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الأَسبَابِ المُعِينَةِ لَنَا لِتَحقِيقِ مَطَالِبِنَا التَّوَسُّلَ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ فِي حَالِ حَيَاتِهِم وَبَعدَ مَمَاتِهِم، فَنَحنُ نَسأَلُ اللهَ بِهِم رَجَاءَ تَحقِيقِ مَطَالِبِنَا فَنَقُولُ: اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ بِجَاهِ رَسُولِ اللهِ أَو بِحُرمَةِ رَسُولِ اللهِ أَن تَقضِيَ حَاجَتِي وَتُفَرِّجَ كَربِي، أَو نَقُولُ: اللهم بِجَاهِ عَبدِ القَادِرِ الجَيلَانِيِّ، وَنَحوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ ذَلِكَ المُشَبِّهَةُ نُفَاةُ التَّوَسُّلِ وَالتَّبَرُّكِ فَشَذُّوا بِذَلِكَ عَن أَهلِ السُّنَّةِ، فَالتَّوَسُّلُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ جَائِزٌ فِي حَالِ حَضرَتِهِم وَفِي حَالِ غَيبَتِهِم، وَمُنَادَاتُهُم جَائِزَةٌ فِي حَالِ غَيبَتِهِم وَفِي حَالِ حَضرَتِهِم، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الأَدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ، فَلَيسَ مَعنَى العِبَادَةِ مُجَرَّدَ نِدَاءِ حَيٍّ أَو مَيِّتٍ فِي حَالِ غَيبَتِهِ كَمَا قَالُوا، بَل لَم يُنقَل ذَلِكَ عَن أَحَدٍ مِن عُلَمَاءِ اللُّغَةِ فِي تَفسِيرِهِم لِمَعنَى العِبَادَةِ، بَل قَالَ الإِمَامُ اللُّغَوِيُّ ابنُ مَنظُورٍ فِي لِسَانِ العَرَبِ: العِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ، وَبِهَذَا فُسِّرَ قَولُهُ تَعَالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، [سُورَةُ الفَاتِحَةِ:5]، أَي نُطِيعُكَ الطَّاعَةَ الَّتِي مَعَهَا الخُضُوعُ، لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج3 ص273)، وَالخُشُوعُ مَعنَاهُ التَّذَلُّلُ، وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ الحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالَّذِي فِيهِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَلَّم الأَعمَى أَن يَتَوَسَّلَ بِهِ، فَذَهَبَ فَتَوَسَّلَ بِهِ فِي حَالِ غَيبَتِهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَعَادَ إِلَى مَجلِسِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَد أَبصَرَ، وَكَانَ مِمَّا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ أَن يَقُولَ: «اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي -وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ- لِتُقضَى لِي»، المُعجَمُ الصَّغِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج1 ص306-307)، فَبِهَذَا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَطَلَ زَعمُهُم أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَسُّلُ إِلَّا بِالحَيِّ الحَاضِرِ لِأَنَّ هَذَا الأَعمَى لَم يَكُن حَاضِرًا فِي المَجلِسِ حِينَ تَوَسَّلَ بِرَسُولِ الله ﷺ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَاوِيَ الحَدِيثِ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ لَمَّا رَوَى حَدِيثَ الأَعمَى: فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقنَا وَلَا طَالَ بِنَا المَجلِسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا الرَّجُلُ وَقَد أَبصَرَ، فَمِن قَولِهِ: حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا، عَلِمنَا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَم يَكُن حَاضِرًا فِي المَجلِسِ حِينَ تَوَسَّلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعدَ وَفَاتِهِ فَيُؤخَذُ أَيضًا مِن حَدِيثِ عُثمَانَ بنِ حُنَيفٍ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي فِيهِ التَّوَسُّلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ عِندَ سَيِّدِنَا عُثمَانَ ابنِ عَفَّانَ فِي خِلَافَتِهِ، وَمَا كَانَ يَتَيَسَّرُ لَهُ الِاجتِمَاعُ بِهِ حَتَّى قَرَأَ هَذَا الدُّعَاءَ، فَتَيَسَّرَ أَمرُهُ بِسُرعَةٍ وَقَضَى لَهُ سَيِّدُنَا عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ حَاجَتَهُ.
([4]) أَمَّا اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَم يُؤمِنُوا بِهِ فَلَا يُفَضَّلُونَ عَلَى العَالَمِينَ كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعضُ النَّاسِ عِندَ قِرَاءَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وَقَد يُفتَنُ بَعضُ النَّاسِ بِالقُرءَانِ إِذَا لَم يُوضَع مَوضِعَهُ، لِأَنَّهُ ذُو وُجُوهٍ، اللهُ ابتَلَى عِبَادَهُ بِأَن يَكُونَ بَعضُ عِبَادِهِ يَعرِفُونَ مَوَاقِعَ الحَقِّ فَيَحمِلُونَ الآيَاتِ عَلَى مَوَاضِعِهَا، وَمَن لَم يُوَفِّقهُم يَحمِلُونَ القُرآنَ عَلَى غَيرِ مَوَاضِعِهِ فَيَهلِكُونَ وَيَخسَرُونَ.
([5]) قَالَ ابنُ جُزَيٍّ مَا مَعنَاهُ: «وَلَيسَ فِي هَذِهِ الآيَةِ نَفيُ الشَّفَاعَةِ مُطلَقًا، فَإِنَّ مَذهَبَ أَهلِ الحَقِّ ثُبُوتُ الشَّفَاعَةِ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ»، التَّسهِيلُ لِعُلُومِ التَّنزِيلِ، لِابنِ جُزَيٍّ الكَلبِيِّ (ج1 ص83)، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعضُهُم فِي بَعضٍ، فَيَأتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِإِبرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحمَنِ، فَيَأتُونَ إِبرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَأتُونِي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَستَأذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤذَنُ لِي، وَيُلهِمُنِي مَحَامِدَ أَحمَدُهُ بِهَا لَا تَحضُرُنِي الآنَ، فَأَحمَدُهُ بِتِلكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ارفَع رَأسَكَ، وَقُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَ، وَاشفَع تُشَفَّع، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انطَلِق فَأَخرِج مِنهَا مَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ شَعِيرَةٍ مِن إِيمَانٍ، فَأَنطَلِقُ فَأَفعَلُ».اهـ صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ التَّوحِيدِ – بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ يَومَ القِيَامَةِ مَعَ الأَنبِيَاءِ وَغَيرِهِم، رَقمُ الحَدِيثِ: (7510)، وَالشَّفَاعَةُ تَكُونُ أَيضًا لِلمَلَائِكَةِ وَالأَنبِيَاءِ وَبَعضِ المُسلِمِينَ، لِمَا جَاءَ فِي الشَّرعِ، فَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي القُرآنِ مِن نَفيِ الشَّفَاعَةِ يُحمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا شَفَاعَةَ لِلكَافِرِينَ، لِأَنَّ المُطلَقَ يُحمَلُ عَلَى المُقَيَّدِ، فَلَيسَ فِي هَذِهِ الآيَاتِ المُطلَقَةِ دَلِيلٌ لِلمُعتَزِلَةِ عَلَى نَفيِ الشَّفَاعَةِ. وَقَولُهُ ﷺ: «رُوحُ اللهِ»، مَعنَاهُ أَنَّ رُوحَ المَسِيحِ رُوحٌ صَادِرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خَلقًا وَتَكوِينًا، أَي رُوحُهُ رُوحٌ مُشَرَّفٌ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الأَروَاحِ صَادِرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَكوِينًا، لَا فَرقَ فِي ذَلِكَ بَينَ رُوحٍ وَرُوحٍ، وَلَيسَ مَعنَاهَا أَنَّ المَسِيحَ عِيسَى جُزءٌ مِنَ اللَّهِ.
([6]) قِصَّةُ هَلَاكِ فِرعَونَ وَجُنُودِهِ فِي البَحرِ وَنَجَاةِ مُوسَى وَمَن ءَامَنَ مَعَهُ: كَذَّبَ فِرعَونُ وَقَومُهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَلَم يُؤمِن مِنهُم إِلَّا القَلِيلُ، وَتَمَادَى فِرعَونُ مَعَ أَتبَاعِهِ القِبطِ فِي كُفرِهِم وَضَلَالِهِم وَعِنَادِهِم، وَذَلِكَ مُتَابَعَةً لِمَلِكِهِم فِرعَونَ الَّذِي أَمَرَهُم بِعِبَادَتِهِ، وَأَرَادَ فِرعَونُ قَتلَ مُوسَى فَقَالَ لِلمَلَإِ مَا أَخبَرَ اللهُ بِهِ فِي قَولِهِ: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}، [سُورَةُ غَافِرٍ:26]، وَلَكِنَّ رَجُلًا مِن ءَالِ فِرعَونَ كَانَ يَكتُمُ إِيمَانَهُ خَوفًا عَلَى نَفسِهِ أَجَابَهُم: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) ، [سُورَةُ غَافِرٍ:28-29]، ثُمَّ تَابَعَ هَذَا المُؤمِنُ نُصحَهُ لَهُم: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)} [سُورَةُ غَافِرٍ:30-35]، وَلَكِنَّ كُلَّ هَذَا النُّصحِ وَالإِرشَادِ لَم يُؤَثِّر فِي قَلبِ فِرعَونَ، بَل صَارَ يَزدَادُ ضَلَالًا وَفَسَادًا، فَأَمَرَ هَامَانَ أَن يَبنِيَ لَهُ صَرحًا ضَخمًا مَبنِيًّا مِنَ الآجُرِّ المَشوِيِّ بِالنَّارِ، فَبَنَى لَهُ ذَلِكَ الصَّرحَ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ لَم يُرَ بِنَاءٌ أَعلَى مِنهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)}، [سُورَةُ غَافِرٍ:36-37]. فَلَمَّا يَئِسَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِن إِيمَانِهِم وَإِيمَانِ فِرعَونَ دَعَا عَلَيهِم وَأَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ أَخُوهُ هَارُونُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} ، [سُورَةُ يُونُسَ:88-89]، وَاستَجَابَ اللهُ تَعَالَى لَهُمَا فَمَسَخَ أَموَالَهُم فَصَارَت حِجَارَةً عَلَى مَا قِيلَ، وَلَمَّا طَالَ الأَمرُ عَلَى نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَوحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيهِ يَأمُرُهُ أَن يَخرُجَ بِبَنِي إِسرَائِيلَ مِن أَرضِ مِصرَ لَيلًا وَيَذهَبَ بِهِم إِلَى أَرضِ فِلَسطِينَ، وَأَمَرَهُ أَن يَحمِلَ مَعَهُ تَابُوتَ يُوسُفَ بنِ يَعقُوبَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَيَدفِنَهُ بِالأَرضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَجَهَّزَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ وَكَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلفٍ غَيرَ الذُّرِّيَّةِ، فَخَرَجَ بِهِم فِي اللَّيلِ سَائِرِينَ فِي طَرِيقِ البَحرِ الأَحمَرِ، وَأَخَذُوا يَجِدُّونَ فِي السَّيرِ حَذَرًا مِن فِرعَونَ وَظُلمِهِ وَطُغيَانِهِ. وَلَمَّا استَيقَظَ فِرعَونُ عَلِمَ بِخُرُوجِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَن مَعَهُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن مِصرَ، فَجَهَّزَ جَيشًا كَبِيرًا عَرَمرَمًا حَتَّى قِيلَ: كَانَ فِيهِ مِائَةُ أَلفِ فَارِسٍ، وَكَانَ عَدَدُ جُنُودِهِ يَزِيدُ عَلَى مِليُونٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلفِ جُندِيٍّ، وَتَوَجَّهَ فِرعَونُ بِهَذَا الجَيشِ الكَبِيرِ طَالِبًا بَنِي إِسرَائِيلَ وَمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، يَتبَعُ ءَاثَارَهُم يُرِيدُ كَيدَهُم وَالبَطشَ وَالفَتكَ بِهِم، فَأَدرَكَهُم فِي اليَومِ التَّالِي عِندَ شُرُوقِ الشَّمسِ، وَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ وَعَايَنَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَينِ صَاحِبَهُ وَرَآهُ وَلَم يَبقَ إِلَّا المُوَاجَهَةُ وَالمُقَاتَلَةُ، هُنَا شَعَرَ بَنُو إِسرَائِيلَ بِالخَطَرِ المُدلَهِمِّ، فَالبَحرُ أَمَامَهُم وَالعَدُوُّ خَلفَهُم وَفِرعَونُ وَجُنُودُهُ يُرِيدُونَ الفَتكَ بِهِم، فَضَجُّوا بِالعَوِيلِ وَالصِّيَاحِ، وَقَالُوا لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَهُم خَائِفُونَ: إِنَّا لَمُدرَكُوَن. وَلَكِنَّ نَبِيَّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَعلَمُ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي أَمَرَهُ بِالخُرُوجِ بِبَنِي إِسرَائِيلَ مِن مِصرَ سَيَنصُرُهُ، فَأَخَذَ يُسَكِّنُ رَوعَهُم. وَلَمَّا تَفَاقَمَ الأَمرُ وَضَاقَ الحَالُ وَاشتَدَّ وَاقتَرَبَ فِرعَونُ وَجُنُودُهُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ وَمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، عِندَ ذَلِكَ أَوحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى الكَلِيمِ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَضرِبَ بِعَصَاهُ البَحرَ، فَأَخرَجَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَصَاهُ وَضَرَبَ بِهَا البَحرَ فَانفَلَقَ البَحرُ بِقُدرَةِ اللهِ اثنَي عَشَرَ فِرقًا، وَكَانَ كُلُّ فِرقٍ كَالجَبَلِ العَظِيمِ، وَصَارَ فِيهِ اثنَا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبطٍ طَرِيقٌ يَسِيرُونَ فِيهِ، وَأَمَرَ اللهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَجُوزَهُ بِبَنِي إِسرَائِيلَ فَانحَدَرُوا فِيهِ مُسرِعِينَ مُبَادِرِينَ مُستَبشِرِينَ بِنَصرِ اللهِ بَعدَ أَن أَصبَحَ البَحرُ يَابِسًا مُمَهَّدًا بَعدَ أَن رَأَوا بِأُمِّ أَعيُنِهِم هَذِهِ الآيَةَ وَالمُعجِزَةَ العُظمَى الَّتِي تَحتَارُ لَهَا عُقُولُ النَّاظِرِينَ. فَلَمَّا جَاوَزَهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَجَاوَزَهُ بَنُو إِسرَائِيلَ وَخَرَجَ ءَاخِرُهُم مِنهُ وَانفَصَلُوا عَنهُ، وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ قُدُومِ أَوَّلِ جَيشِ فِرعَونَ إِلَيهِ وَوُصُولِهِم إِلَيهِ، أَرَادَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَضرِبَ البَحرَ بِعَصَاهُ لِيَرجِعَ كَمَا كَانَ عَلَيهِ حَتَّى لَا يَسلُكَهُ فِرعَونُ وَجُنُودُهُ، فَأَوحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيهِ أَن يَترُكَهُ عَلَى حَالِهِ سَاكِنًا عَلَى هَيأَتِهِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ إِغرَاقَهُم فِيهِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا} ، [سُورَةُ الدُّخَانِ:24]، أَي سَاكِنًا عَلَى هَيأَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيهَا. وَامتَثَلَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَمرَ اللهِ وَتَرَكَ البَحرَ عَلَى هَيأَتِهِ وَحَالَتِهِ. فَلَمَّا وَصَلَ فِرعَونُ إِلَى البَحرِ وَانتَهَى إِلَيهِ رَأَى هَذِهِ المُعجِزَةَ وَالآيَةَ البَاهِرَةَ وَعَايَنَهَا، وَهَالَهُ هَذَا المَنظَرُ العَظِيمُ حَيثُ كَانَ مَاءُ البَحرِ قَائِمًا مِثلَ الجِبَالِ، وَتَحَقَّقَ مَا كَانَ يَتَحَقَّقُهُ قَبلَ ذَلِكَ مِن أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ مِن فِعلِ وَخَلقِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَكِنَّهُ لَم يُذعِن لِقِيمَةِ البُرهَانِ العَقلِيِّ عَلَى صِدقِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَأَخَذَتهُ العِزَّةُ بِالإِثمِ، وَأَظهَرَ أَمَامَ جُنُودِهِ التَّجَلُّدَ وَالشَّجَاعَةَ، وَأَخَذَ يُشَجِّعُ جُندَهُ لِاقتِحَامِ البَحرِ أَمَامَهُ مِن أَجلِ أَن يَفُوزَ هُوَ بِالنَّجَاةِ، وَلَكِن لَا رَادَّ لِقَضَاءِ اللهِ، فَقَد جَاءَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ قِيلَ: هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَقَادَ فَرَسَ فِرعَونَ جِهَةَ البَحرِ، فَلَمَّا رَآهُ الجُنُودُ قَد سَلَكَ البَحرَ اقتَحَمُوا وَرَاءَهُ مُسرِعِينَ، فَلَمَّا أَصبَحُوا جَمِيعُهُم فِي البحَرِ، وَقَد هَمَّ أَوَّلُهُم بِالخُرُوجِ مِنهُ، عِندَ ذَلِكَ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَكَلِيمَهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَضرِبَ بِعَصَاهُ البَحرَ، فَلَمَّا ضَرَبَهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِعَصَاهُ ارتَطَمَ البَحرُ عَلَيهِم كَمَا كَانَ، وَعَادَت أَموَاجُهُ هَائِجَةً كَمَا كَانَت، فَهَلَكُوا جَمِيعُهُم بِالغَرَقِ وَلَم يَنجُ مِنهُم أَحَدٌ، وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ. فِرعَونُ يُعلِنُ أَنَّهُ مِنَ المُسلِمِينَ: لَمَّا ضَرَبَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِعَصَاهُ البَحرَ ارتَطَمَ البَحرُ بِأَموَاجِهِ الهَائِلَةِ عَلَى فِرعَونَ وَجُنُودِهِ، وَجَعَلَتِ الأَموَاجُ الهَائِجَةُ تَخفِضُ فِرعَونَ تَارَةً وَتَرفَعُهُ أُخرَى، وَبَنُو إِسرَائِيلَ يَنظُرُونَ إِلَيهِ وَإِلَى جُنُودِهِ بَينَ الأَموَاجِ العَاتِيَةِ وَهُم يَغرَقُونَ، وَكَانَ هَذَا البَأسُ الشَّدِيدُ وَالخَطبُ الجَسِيمُ الَّذِي نَزَلَ بِفِرعَونَ وَأَتبَاعِهِ أَقَرَّ لِأَعيُنِ بَنِي إِسرَائِيلَ، وَأَشفَى لِنُفُوسِهِم، لِمَا عَانَوا مِن ظُلمِ وَبَطشِ فِرعَونَ وَجُنُودِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى كُفرِهِ وَضَلَالِهِ. وَأَمَّا فِرعَونُ الطَّاغِيَةُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَينَ الأَموَاجِ الهَائِمَةِ المُدَمِّرَةِ وَأَصبَحَ عَلَى وَشَكِ الغَرَقِ وَقَد عَايَنَ مَا أَحَاطَ بِهِ مِن أَسبَابِ الهَلَاكِ أَعلَنَ وَقَالَ: {آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ، [سُورَةُ يُونُسَ:90]، وَلَم يَنفَعهُ إِيمَانُهُ وَإِسلَامُهُ فِي تِلكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي أَدرَكَ وَعَايَنَ فِيهَا الغَرَقَ، وَهَذِهِ هِيَ حَالَةُ اليَأسِ مِنَ الحَيَاةِ الَّتِي لَا يَقبَلُ اللهُ تَعَالَى التَّوبَةَ فِيهَا، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِخبَارًا عَن فِرعَونِ مِصرَ الطَّاغِيَةِ حِينَ أَدرَكَهُ الغَرَقُ: {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)} ، [سُورَةُ يُونُسَ:90-91]. فَائِدَةٌ: اعلَم يَا أَخِي المُسلِمَ أَنَّهُ يُشتَرَطُ لِقَبُولِ التَّوبَةِ مِن ذَنبِ الكُفرِ وَمَا دُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ أَن تَكُونَ قَبلَ الغَرغَرَةِ -أَي قَبلَ وُصُولِ الرُّوحِ إِلَى الحُلقُومِ- وَقَبلَ عَذَابِ الِاستِئصَالِ، وَهِيَ حَالَةُ اليَأسِ مِنَ الحَيَاةِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)} ، [سُورَةُ النِّسَاءِ:18]، وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)} ، [سُورَةُ غَافِرٍ:84-85]، وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقبَلُ تَوبَةَ العَبدِ مَا لَم يُغَرغِر»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ. وَلِذَلِكَ لَا تُقبَلُ التَّوبَةُ لِمَن أَدرَكَهُ الغَرَقُ كَفِرعَونَ حَاكِمِ مِصرَ، وَكَذَلِكَ لِمَن كَانَ فِي مِثلِ حَالَتِهِ وَهِيَ حَالَةُ اليَأسِ مِنَ الحَيَاةِ. فَلَم يَقبَلِ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى تَوبَةَ فِرعَونَ اللَّعِينِ حِينَ أَدرَكَهُ الغَرَقُ وَعَلِمَ أَنَّهُ هَالِكٌ غَرَقًا لَا مَحَالَةَ، قَالَ تَعَالَى: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ، [سُورَةُ يُونُسَ:91]، فَهَذِهِ الآيَةُ استِفهَامٌ إِنكَارِيٌّ، وَنَصٌّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ تَعَالَى مِنهُ الإِيمَانَ وَالإِسلَامَ فِي مِثلِ هَذِهِ الحَالَةِ الَّتِي وَصَلَ إِلَيهَا، وَقَدِ انعَقَدَ الإِجمَاعُ مِنَ المُسلِمِينَ عَلَى مَوتِ فِرعَونَ كَافِرًا. وَيُشتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّوبَةِ أَيضًا أَن تَكُونَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ مِن مَغرِبِهَا، لِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فِي المَغرِبِ بَابًا خَلَقَهُ اللهُ لِلتَّوبَةِ مَسِيرَةُ عَرضِهِ سَبعُونَ عَامًا، لَا يُغلَقُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مِنهُ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ حِبَّانَ.
([7]) بَعدَ أَن شَاهَدَ بَنُو إِسرَائِيلَ مِن سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ العَجَائِبَ، وَشَاهَدُوا مِنهُ المُعجِزَاتِ، مِنهُم مَن آمَنَ وَثَبَتَ عَلَى الإِيمَانِ، وَمِنهُم مَن لَم يُؤمِن، وَمِنهُم مَن كَفَرَ بَعدَ أَن آمَنَ، وَكَانَ قَد تَرَكَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَومَهُ بَعدَ أَن جَاوَزَ بِهِمُ البَحرَ وَذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، أَي لِسَمَاعِ كَلَامِ اللهِ الأَزَلِيِّ الذَّاتِيِّ الَّذِي لَا يُشبِهُ كَلَامَ العَالَمِينَ، لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ وَلَا لُغَةٍ، قَالَ لَهُمُ: انتَظِرُونِي فِي مَكَانٍ، وَغَابَ عَنهُم أَربَعِينَ لَيلَةً، وَكَانَ فِيهِم أَخُوهُ هَارُونُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَكَانَ نَبِيًّا رَسُولًا، ثُمَّ أَتَى مُوسَى بِالتَّورَاةِ وَسَمِعَ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيهِم وَجَدَ قِسمًا كَبِيرًا مِنهُم عَبَدُوا العِجلَ وَكَفَرُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَتَنَهُم رَجُلٌ يُسَمَّى مُوسَى السَّامِرِيُّ وَجَعَلَهُم يَعبُدُونَ العِجلَ الَّذِي صَاغَهُ مِن ذَهَبٍ، إِلَّا بَعضًا مِنهُم، وَكَانَ يَظهَرُ مِنهُ صَوتُ خَوُارٍ بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ مُوسَى السَّامِرِيُّ المَفتُونُ يَقُولُ لَهُم: هَذَا إِلَهُكُم وَإِلَهُ مُوسَى، إِنَّمَا مُوسَى أَضَلَّ إِلَهَهُ، مَا عَرَفَ مَكَانَهُ، وَهَذَا إِلَهُكُم، فَوَافَقَهُ كَثِيرٌ مِنهُم فَكَفَرُوا بِاللهِ، مَعَ أَنَّ زَمَانَهُم وَعَهدَهُم بِتِلكَ المُعجِزَةِ العَظِيمَةِ فَلقِ البَحرِ لَم يَكُن بَعِيدًا.