﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚبَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖوَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) ۞إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖفَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚوَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙأُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚوَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا ۖلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (162) وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖلَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (163)إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)﴾
- ذِكرُ الشُّهَدَاءِ
وَكَانُوا يَقُولُونَ لِقَتلَى بَدرٍ وَأُحُدٍ: مَاتَ فُلَانٌ بِبَدرٍ، مَاتَ فُلَانٌ بِأُحُدٍ، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَي لَا تَقُولُوا: هُم ﴿أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ﴾ هُم ﴿أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ (154)﴾ لَا تَعلَمُونَ ذَلِكَ، لِأَنَّ حَيَاةَ الشَّهِيدِ لِا تُعلَمُ حِسًّا، المَعنَى: لَا تَقُولُوا: هُم أَموَاتٌ لَا تَصِلُ أَروَاحُهُم إِلَى الجَنَّاتِ، وَلَا تَنَالُ مِن لُطفِ اللهِ مَا يَنَالُهُ الأَحيَاءُ، بَل هُم أَحيَاءٌ، أَروَاحُهُم فِي حَوَاصِلِ طَيرٍ خُضرٍ تَسرَحُ فِي الجَنَّةِ، فَهُم أَحيَاءٌ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وَإِن كَانُوا أَموَاتًا مِن جِهَةِ خُرُوجِ الأَروَاحِ.
وَلَمَّا كَانَتِ النَّفسُ البَشَرِيَّةُ لَا تَصفُو وَلَا تَخلُصُ مِنَ الشَّوَائِبِ إِلَّا بِالِامتِحَانِ الشَّدِيدِ قَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا لَهُم مَا يَحصُلُ بِهِ صَفَاءُ النُّفُوسِ وَمُشِيرًا إِلَى مَا سَيَؤُولُ إِلَيهِ الأَمرُ مِنَ الحَربِ وَالبَلَاءِ الشَّدِيدِ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ وَلَنُصِيبَنَّكُم بِذَلِكَ إِصَابَةً تُشبِهُ فِعلَ المُختَبِرِ لِأَحوَالِكُم هَل تَصبِرُونَ عَلَى مَا أَنتُم عَلَيهِ مِنَ الطَّاعَةِ أَم لَا؟ وَاللهُ يَعلَمُ كُلَّ شَىءٍ ﴿بِشَيْءٍ﴾ بِقَلِيلٍ مِن كُلِّ وَاحِدَةٍ مِن هَذِهِ البَلَايَا وَطَرَفٍ مِنهَا، وَأَعلَمَهُم بِوُقُوعِ البَلوَى قَبلَ وُقُوعِهَا لِيُوَطِّنُوا نُفُوسَهُم عَلَيهَا فَيَكُونَ ذَلِكَ أَبعَدَ عَنِ الجَزَعِ ﴿مِّنَ الْخَوْفِ﴾ خَوفِ اللهِ وَالعَدُوِّ ﴿وَالْجُوعِ﴾ أَيِ القَحطِ، أَو صَومِ شَهرِ رَمَضَانَ ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ﴾ بِمَوتِ المَوَاشِي، أَوِ الزَّكَاةِ ﴿وَالْأَنفُسِ﴾ بِالقَتلِ وَالمَوتِ، أَو بِالمَرَضِ وَالشَّيبِ ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ ثَمَرَاتِ الحَرثِ، أَو مَوتِ الأَولَادِ لِأَنَّ الوَلَدَ ثَمَرَةُ الفُؤَادِ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)﴾ عَلَى هَذِهِ البَلَايَا، أَوِ المُستَرجِعِينَ عِندَ البَلَايَا، لِأَنَّ الِاستِرجَاعَ، أَي قَولَ: «إِنَّا للهِِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ»، تَسلِيمٌ وَإِذعَانٌ([1])، وَالمَعنَى: بَشِّرهُم بِالجَنَّةِ، وَالخِطَابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَو لِكُلِّ مَن يَتَأَتَّى مِنهُ البِشَارَةُ.
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ أَي مَكرُوهٌ وَبَلَاءٌ، فَذَكَرَ المُصِيبَةَ بِلَفظِ النَّكِرَةِ لِيُفهِمَنَا أَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسلِمَ، إِن كَانَت صَغِيرَةً وَإِن كَانَت كَبِيرَةً، فَإِنَّهَا تُفِيدُهُ بِرَفعِ الدَّرَجَاتِ وَتَكفِيرِ السَّيِّئَاتِ إِن رَضِيَ عَن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ مَا يُصِيبُهُ وَلَم يَعتَرِض عَلَى اللهِ ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ إِقرَارٌ لَهُ بِالمُلكِ، مَعنَاهُ عَرَفُوا وَاعتَقَدُوا وَجَزَمُوا بِأَنَّهُم مُلكٌ للهِ تَعَالَى، لَهُ أَن يَفعَلَ بِهِم مَا يَشَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُلَائِمُ طَبَائِعَ النُّفُوسِ أَو لَا، لِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَت عَلَى النُّفُورِ مِن أَشيَاءَ وَعَلَى المَيلِ إِلَى أَشيَاءَ، فَهَؤُلَاءِ يُسَلِّمُونَ للهِ تَسلِيمًا فِيمَا يُلَائِمُ نُفُوسَهُم وَفِيمَا لَا يُلَائِمُهَا مِمَّا قَضَى اللهُ تَعَالَى وَقَدَّرَهُ عَلَيهِم ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)﴾ إِقرَارٌ عَلَى نُفُوسِنَا بِالهُلكِ، أَي أَنَّ مَآلَنَا إِلَى جَزَاءِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَجَزَاءُ المُؤمِنِينَ عَلَى إِيمَانِهِم بَدؤُهُ فِي البَرزَخِ بَعدَ المَوتِ وَمُعظَمُهَ فِي الآخِرَةِ، فَالمَعنَى أَنَّهُم مُسَلِّمُونَ غَيرَ مُعتَرِضِينَ عَلَى رَبِّهِم، بَل يَرجِعُونَ إِلَى الِاعتِقَادِ الَّذِي هُم ثَابِتُونَ مُستَمِرُّونَ عَلَيهِ، وَهُوَ اعتِقَادُ التَّسلِيمِ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَبشِيرُ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى، وَهِيَ أَنَّهُم رَاضُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى، أَي لَا يَتَسَخَّطُونَ عَلَيهِ وَلَا يَتَضَجَّرُونَ مِن قَضَائِهِ، وَإِن كَانَتِ المَصَائِبُ تُقلِقُهُم وَتُحزِنُهُم وَتُؤذِيهِم، لَكِن قُلُوبُهُم رَاضِيَةٌ عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصَّلَاةُ الحُنُوُّ وَالتَّعَطُّفُ، فَوُضِعَت مَوضِعَ الرَّأفَةِ وَجُمِعَ بَينَهَا وَبَينَ الرَّحمَةِ، فَكَانَ المَعنَى: عَلَيهِم رَأفَةٌ بَعدَ رَأفَةٍ وَرَحمَةٌ بَعدَ رَحمَةٍ، فَبَشَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم تَنَالُهُم رَحَمَاتٌ مَقرُونَةٌ بِالتَّعظِيمِ، أَيِ الرَّحَمَاتُ الخَاصَّةُ([2])، وَلَيسَ المُرَادُ مُجَرَّدَ الرَّحمَةِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الرَّحمَةِ فِي الدُّنيَا تَشمَلُ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ، أَوِ الصَّلَوَاتُ المَغفِرَةُ وَالرَّحمَةُ النِّعمَةُ ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ لِطَرِيقِ الصَّوَابِ حَيثُ استَرجَعُوا([3]) وَأَذعَنُوا لِأَمرِ اللهِ.
- ذِكرُ بَعضِ شَعَائِرِ الحَجِّ
لَمَّا كَانَ فِي الحَجِّ جِهَادٌ مِن حَيثُ المَشَقَّةُ وَالنُّزُوحُ عَنِ الوَطَنِ، وَقَد سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدَ الجِهَادَينِ، نَاسَبَ ذِكرُهُ بَعدَ ذِكرِ الجِهَادِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿۞([4]) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ هُمَا عَلَمَانِ لِجَبَلَينِ فِي مَكَّةَ قُربَ الكَعبَةِ ﴿مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ جَمعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ العَلَامَةُ، أَي مِن أَعلَامِ مَنَاسِكِ اللهِ وَمُتَعَبَّدَاتِهِ، قِيلَ: كَانَ عَلَى الصَّفَا إِسَافٌ وَعَلَى المَروَةِ نَائِلَةٌ، وَهُمَا صَنَمَانِ يُروَى أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلًا وَامرَأَةً زَنَيَا فِي الكَعبَةِ فَمُسِخَا حَجَرَينِ وَوُضِعَا عَلَيهِمَا لِيُعتَبَرَ بِهِمَا، فَلَمَّا طَالَتِ المُدَّةُ عُبِدَا مِن دُونِ اللهِ، وَكَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ إِذَا سَعَوا مَسَحُوهُمَا، فَلَمَّا جَاءَ الإِسلَامُ وَكُسِّرَتِ الأَوثَانُ كَرِهَ المُسلِمُونَ الطَّوَافَ بَينَهُمَا لِأَجلِ فِعلِ الجَاهِلِيَّةِ، فَرُفِعَ عَنهُمُ الجُنَاحُ بِقَولِهِ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قَصَدَ الكَعبَةَ ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ زَارَ الكَعبَةَ، فَالحَجُّ القَصدُ وَالِاعتِمَارُ الزِّيَارَةُ، ثُمَّ غَلَبَا عَلَى قَصدِ البَيتِ وَزِيَارَتِهِ لِلنُّسُكَينِ المَعرُوفَينِ: الحَجِّ وَالعُمرَةِ ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ فَلَا إِثمَ ﴿عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ﴾ أَي يَتَطَوَّفَ ﴿بِهِمَا﴾ أَي بِالصَّفَا وَالمَروَةِ، وَلَيسَ المُرَادُ أَن يَطَّوَّفَ بِإِسَافٍ وَنَائِلَةَ، أَصلُ الطَّوفِ المَشيُ حَولَ الشَّىءِ، وَالمُرَادُ هُنَا السَّعيُ بَينَهُمَا([5]) ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أَي بِالطَّوَافِ بِهِمَا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ مُجَازٍ عَلَى القَلِيلِ كَثِيرًا ﴿عَلِيمٌ (158)﴾ بِالأَشيَاءِ صَغِيرَةً كَانَت أَو كَبِيرَةً.
- ذِكرُ تَكذِيبِ وَكُفرِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثَانِيًا
انعَطَفَ الكَلَامُ إِلَى تَبكِيتِ الكُفَّارِ المُنَافِقِينَ مِنهُم وَالمُصَارِحِينَ وَلَعنِهِم عَلَى كِتمَانِِهِم مَا يَعلَمُونَ مِنَ الحَقِّ، فَقَد كَانَت هَذِهِ كُلُّهَا فِي الحَقِيقَةِ قَصَصَهُم، وَالخُرُوجُ إِلَى غَيرِهَا إِنَّمَا هُوَ استِطرَادٌ عَلَى الأُسلُوبِ الحَكِيمِ المُبِينِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ﴾ أَحبَارَ اليَهُودِ ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ عَنِ النَّاسِ ﴿مَا أَنزَلْنَا﴾ فِي التَّورَاةِ ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ مِنَ الآيَاتِ الشَّاهِدَةِ عَلَى أَمرِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَو هُوَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ وَالحُدُودُ وَالفَرَائِضُ ﴿وَالْهُدَىٰ﴾ الهِدَايَةِ إِلَى الإِسلَامِ وَوَصفِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآيَةِ الرَّجمِ ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ أَوضَحنَاهُ ﴿لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ فِي التَّورَاةِ، لَم نَدَع فِيهِ مَوضِعَ إِشكَالٍ، فَعَمَدُوا إِلَى ذَلِكَ المُبَيَّنِ فَكَتَمُوهُ ﴿أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ يُبعِدُهُم وَيَطرُدُهُم مِن رَحمَتِهِ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)﴾ الَّذِينَ يَتَأَتَّى مِنهُمُ اللَّعنُ، وَهُمُ المَلَائِكَةُ وَالمُؤمِنُونَ مِنَ الثَّقَلَينِ أَيِ الإِنسِ وَالجِنِّ([6]).
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عَنِ الكِتمَانِ وَتَركِ الإِيمَانِ وَرَجَعُوا عَن ذَلِكَ ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ مَا أَفسَدُوا مِن أَحوَالِهِم وَأَعمَالِهِم وَتَدَارَكُوا مَا فَرَطَ مِنهُم ﴿وَبَيَّنُوا﴾ وَأَظهَرُوا مَا كَتَمُوا ﴿فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أَقبَلُ تَوبَتَهُم ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)﴾ بِالمُؤمِنِينَ.
وَبَعدَ أَن ذَكَرَ لَعنَةَ الكَافِرِينَ أَحيَاءً ذَكَرَ لَعنَتَهُم أَموَاتًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن هَؤُلَاءِ الكَاتِمِينَ ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أَي حَالَ كَونِهِم كُفَّارًا لَم يَتُوبُوا ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161)﴾ أَي هُم مُستَحِقُّونَ ذَلِكَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَالمُرَادُ بِالنَّاسِ المُؤمِنُونَ، أَوِ المُؤمِنُونَ وَالكَافِرُونَ، إِذ بَعضُهُم يَلعَنُ بَعضًا يَومَ القِيَامَةِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَي فِي اللَّعنَةِ، أَو فِي النَّارِ إِلَّا أَنَّهَا أُضمِرَت وَلَم يُذكَرِ اسمُهَا تَفخِيمًا لِشَأنِهَا وَتَهوِيلًا ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ طَرفَةَ عَينٍ ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (162)﴾([7]) أَي لَا يُمهَلُونَ وَلَا يُنتَظَرُونَ لِيَعتَذِرُوا أَو لِيَتُوبُوا، أَو لَا يُنظَرُ إِلَيهِم نَظَرَ رَحمَةٍ.
- ذِكرُ تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَالدَّلِيلِ عَلَيهِ
قَالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: صِف لَنَا رَبَّكَ وَانسُبهُ، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ﴾ المُستَحِقُّ لِلعِبَادَةِ مِنكُم ﴿إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ فَردٌ فِي أُلُوهِيَّتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي فِعلِهِ، وَلَا يَصِحُّ أَن يُسَمَّى غَيرُهُ إِلَهًا ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ العِبَادَةَ إِلَّا هُوَ سُبحَانَهُ ﴿الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (163)﴾ أَيِ المُولِي أَيِ المُعطِي لِجَمِيعِ النِّعَمِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا وَلَا شَىءَ سِوَاهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَمَا سِوَاهُ إِمَّا نِعمَةٌ وَإِمَّا مُنعَمٌ عَلَيهِ.
وَلَمَّا عَجِبَ المُشرِكُونَ مِن إِلَهٍ وَاحِدٍ طَلَبُوا آيَةً عَلَى ذَلِكَ، فَنَزَلَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَمَا فِيهِمَا مِنَ العَجَائِبِ، فَأَمَّا السَّمَاوَاتُ فَتَدُلُّ عَلَى صَانِعِهَا، إِذ هِيَ قَائِمَةٌ بِغَيرِ عَمَدٍ، وَفِيهَا مِنَ الآيَاتِ الظَّاهِرَةِ مَا يَدُلُّ يَسِيرُهُ عَلَى مُبدِعِهِ، وَكَذَلِكَ الأَرضُ فِي ظُهُورِ ثِمَارِهَا وَتَمهِيدِ سُهُولِهَا وَإِرسَاءِ جِبَالِهَا، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فِي اللَّونِ وَالطُّولِ وَالقِصَرِ وَتَعَاقُبِهِمَا فِي الذَّهَابِ وَالمَجِيءِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا حَادِثٌ بَعدَ أَن لَم يَكُن وَزَائِلٌ بَعدَ أَن كَانَ ﴿وَالْفُلْكِ﴾ أَيِ السُّفُنِ ﴿الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ أَيِ المَاءِ الغَزِيرِ وَلَا تَغرَقُ فِيهِ ﴿بِمَا﴾ بِالَّذِي ﴿يَنفَعُ النَّاسَ﴾ مِمَّا يُحمَلُ فِيهَا مِنَ المَعَايِشِ وَالتِّجَارَاتِ ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ﴾ أَي مَطَرٍ ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ بِالمَاءِ ﴿الْأَرْضَ﴾ بِالنَّبَاتِ المُختَلِفِ فِي الطُّعُومِ وَالأَلوَانِ وَالأَشكَالِ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَن قَالَ: إِنَّهُ مِن فِعلِ الطَّبِيعَةِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَن تَتَّفِقَ كُلُّهَا، إِذِ المُتَّفِقُ لَا يُوجِبُ المُختَلِفَ ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بَعدَ يُبسِهَا ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ وَفَرَّقَ وَنَشَرَ فِي الأَرضِ ﴿مِن كُلِّ دَابَّةٍ﴾ هِيَ كُلُّ مَا يَدِبُّ، لِأَنَّهُم يَنمُونَ وَيَحيَونَ بِالخِصبِ الكَائِنِ بِسَبَبِ إِحيَاءِ الأَرضِ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أَي تَقلِيبِهَا فِي مَهَابِّهَا قَبُولًا وَدَبُورًا وَجَنُوبًا وَشَمَالًا، وَفِي أَحوَالِهَا حَارَّةً وَبَارِدَةً وَعَاصِفَةً وَلَيِّنَةً وَعُقمًا وَلَوَاقِحَ، وَقِيلَ تَارَةً بِالرَّحمَةِ وَطَورًا بِالعَذَابِ ﴿وَالسَّحَابِ﴾ الغَيمِ ﴿الْمُسَخَّرِ﴾ المُذَلَّلِ المُنقَادِ لِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى وَيُمطِرُ حَيثُ شَاءَ اللهُ، فَالآيَةُ فِيهِ مِن أَربَعَةِ أَوجُهٍ: ابتِدَاءُ كَونِهِ، وَانتِهَاءُ تَلَاشِيهِ، وَقِيَامُهُ بِلَا دِعَامَةٍ وَلَا عِلَاقَةٍ، وَإِرسَالُهُ إِلَى حَيثُ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فِي الهَوَاءِ بِلَا عِلَاقَةٍ ﴿لَآيَاتٍ﴾ دَالَّةٍ عَلَى وَحدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)﴾ يَنظُرُونَ بِعُيُونِ عُقُولِهِم وَيَتَدَبَّرُونَ وَيَعتَبِرُونَ فَيَستَدِلُّونَ بِهَذِهِ الأَشيَاءِ عَلَى قُدرَةِ مُوجِدِهَا وَحِكمَةِ مُبدِعِهَا وَوَحدَانِيَّةِ مُنشِئِهَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
([1]) وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ استَرجَعَ عِندَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللهُ مُصِيبَتَهُ وَأَحسَنَ عُقبَاهُ وَجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرضَاهُ»، شُعَبُ الإِيمَانِ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج12 ص178)، وعَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: انقَطَعَ نَعلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاستَرجَعَ، فَقَالُوا: أَمُصِيبَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَا أَصَابَ المُؤمِنَ مِمَّا يَكرَهُ فَهُوَ مُصِيبَةٌ»، المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج8 ص203).
([2]) الرَّحَمَاتُ: خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ، الرَّحَمَاتُ العَامَّةُ فِي الدُّنيَا يَشتَرِكُ فِيهَا المُؤمِنُ وَغَيرُ المُؤمِنِ وَالبَرُّ وَالفَاجِرُ، فَمِنَ الرَّحَمَاتِ العَامَّةِ الِانتِفَاعُ بِالهَوَاءِ العَلِيلِ وَالصِّحَّةِ وَالمَالِ الوَافِرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ النِّعَمِ الدُّنيَوِيَّةِ، أَمَّا الرَّحَمَاتُ الخَاصَّةُ فَلَا يَنَالُهَا إِلَّا المُؤمِنُونَ، وَأَوَّلُ شَرطٍ لِنَيلِ الرَّحَمَاتِ الخَاصَّةِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، أَيِ الِاعتِقَادُ الجَازِمُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلَا تَشبِيهٍ وَلَا تَكيِيفٍ، وَتَركُ الِاعتِرَاضِ عَلَى كُلِّ مَا يَقضِيهِ عَلَى العِبَادِ مِمَّا يَسُرُّهُم وَمِمَّا يَسُوؤُهُم، أَمَّا الإِيمَانُ بِرَسُولِهِ فَهُوَ التَّسلِيمُ لَهُ ﷺ، لِأَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَحكَامِ العِبَادِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا أَو كَانَ مِمَّا يَحدُثُ فِيمَا بَعدَ المَوتِ فِي البَرزَخِ وَفِي الآخِرَةِ، كُلُّ ذَلِكَ يَجِبُ تَصدِيقُهُ بِلَا استِثنَاءٍ، هَذَا هُوَ الإِيمَانُ.
([3]) أَي قَالُوا: «إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ».
([5]) الصَّفَا وَالمَروَةُ جَبَلَانِ كَانَ بَينَهُمَا وَادٍ مُنخَفِضٌ ثُمَّ هَذَا الوَادِي طُمَّ بِالتُّرَابِ وَالحِجَارَةِ فَصَارَتِ الأَرضُ سَهلَةً، وَالسَّعيُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ مِن أَركَانِ الحَجِّ، لا يَصِحُّ الحَجُّ بِدُونِهِ، وَوَاجِبَاتُهُ أَربَعَةٌ: الأَوَّلُ: البَدَاءَةُ بِالصَّفَا وَالِانتِهَاءُ بِالمَروَةِ. وَالثَّانِي: كَونُهُ بَعدَ الطَّوَافِ. وَالثَّالِثُ: كَونُهُ سَبعَةَ أَشوَاطٍ، فَيُحسَبُ ذَهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَروَةِ مَرَّةً وَرُجُوعُهُ مِنَ المَروَةِ إِلَى الصَّفَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَهَكَذَا إِلَى سَبعَةٍ، وَأَمَّا لَو خَرَجَ مِن نِصفِ الشَّوطِ إِلَى خَارِجِ المَسعَى وَلَم يَعُد إِلَى حَيثُ كَانَ بَل أَكمَلَ إِلَى أَمَامِهِ لَم يَصِحَّ هَذَا الشَّوطُ، فَإِن أَتَى بِغَيرِ هَذَا الشَّوطِ صَحَّ، فَإِن تَأَخَّرَ إِلَى الغَدِ أَعَادَ السَّعيَ كُلَّهُ. وَمَن زَادَ فِي عَدَدِ أَشوَاطِ السَّعيِ عَامِدًا فَعَلَيهِ مَعصِيَةٌ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ، وَأَمَّا مَن شَكَّ فِي عَدَدِ الأَشوَاطِ يَأخُذُ بِاليَقِينِ وَيَبنِي عَلَى الأَقَلِّ، مُختَصَرًا مِن: رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ، لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ (ج2 ص369-372). وَقَد أَجمَع أَهلُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ وَغَيرُهُم عَلَى عَدَمِ جَوَازِ صِحَّةِ السَّعيِ خَارِجَ حُدُودِ الصَّفَا وَالمَروَةِ أَي خَارِجَ الحَدِّ الَّذِي سَعَى فِيهِ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ: وَإِن عَدَلَ حَتَّى يُفَارِقَ الوَادِيَ المُؤَدِّيَ إِلَى زُقَاقِ العَطَّارِينَ لَم يَصِحَّ، وَإنَّ المُتَتَبِّعَ لِأَقوَالِ العُلَمَاءِ يَجِدُ الحُكمَ كَذَلِكَ، فَفِي «المِنحَةِ» لابنِ عَابِدِينَ الحَنَفِي «وَالمَجمُوعِ» لِلنَّوَوِيِّ الشَّافِعِي «وَالرَّوضِ المُربِعِ» لِمَنصُورٍ البُهُوتي الحَنبَلِي «وَشِفَاءِ الغَرَامِ» لِلتَّقِي الفَاسِيِّ المَالِكِي أنَّ السَّعيَ الصَّحِيحَ هُوَ مَا كَان ضِمنَ الحَدِّ الذِي بَيَّنه رَسُولُ الله ﷺ، وأنَّ السَّعيَ خَارِجَ ذَلِكَ الحَدِّ لَا يَصِحُّ، وَأَنَّ مَن سَعَى خَارِجَهُ لَا يَصِح حَجهُ وَلَا عُمرَتُه، وَأَنَّهُ سَيَبقَى فِي حُكمِ المُحرِمِ، فَعَلَيهِ إِعَادَةُ السَّعيِ مَرَّةً أُخرَى فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ ثُمَّ يُحَلِّقُ أَو يُقَصِّرُ.
([6]) دَلَّتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ مِن مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِي هِيَ مِنَ الكَبَائِرِ كَتمَ العِلمِ الوَاجِبِ مَعَ وُجُودِ الطَّالِبِ، فقد رَوَى الطبراني عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَن سُئِلَ عَن عِلمٍ فَكَتَمَهُ أُلجِمَ يَومَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِن نَارٍ»، المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج10 ص102)، وَاللِّجَامُ هُوَ مِثلُ الَّذِى يُوضَعُ فِي فَمِ الفَرَسِ لَكِنَّهُ مِن نَارٍ، فَتَعلِيمُ العِلمِ يَكُونُ فِى حَالٍ فَرضَ كِفَايَةٍ وَفِى حَالٍ فَرضَ عَينٍ، وَالأَوَّلُ مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ يُوجَدُ أَكثَرُ مِن وَاحِدٍ مِمَّن تَأَهَّلَ لِذَلِكَ وَتَحصُلُ بِهِمُ الكِفَايَةُ، وَالثَّانِي إِذَا لَم يَكُن هُنَاكَ غَيرُ شَخصٍ فَلا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الحَالِ أَن يُحِيلَ المُفتِى الأَهلُ أَوِ العَالِمُ الَّذِى هُوَ أَهلٌ سَائِلَهُ إِلَى غَيرِهِ. وَمَن تَعَلَّمَ عِلمَ الدِّينِ الضَّرُورِىَّ ثُمَّ نَسِىَ بَعضَهُ بِحَيثُ لَو حَصَلَ مَعَهُ أَمرٌ يَحتَاجُ فِيهِ لِلعِلمِ الضَّرُورِىِّ لا يَعرِفُ حُكمَهُ يَجِبُ عَلَيهِ استِعَادَةُ تَعَلُّمِ مَا نَسِيَ. فَيَنبَغِى لِطَالِبِ العِلمِ الَّذِى أَخَذَ العِلمَ مِن أَهلِهِ أَن يَنشُرَهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾، [سُورَةُ ءَالِ عِمرَانَ:187]، وَلِحَدِيثِ أَبِى بَكرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ فِى خُطبَتِهِ بِمِنًى: «أَلَا لَيُبَلِّغَنَّ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الغَائِبَ فَلَعَلَّ مَن يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوعَى لَهُ مِن بَعضِ مَن سَمِعَهُ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ الأَضَاحِي – بَابُ مَن قَالَ الأَضحَى يَومُ النَّحرِ، رَقمُ الحَدِيثِ: (5550)، وَقَولِهِ ﷺ «بَلِّغُوا عَنِّى وَلَو ءَايَةً»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنبِيَاءِ – بَابُ مَا ذُكِرَ عَن بَنِي إِسرَائِيلَ، رَقمُ الحَدِيثِ: (3461). وَقَالَ الفُقَهَاءُ يَجِبُ وُجُودُ عَالِمٍ يَصلُحُ لِلفَتوَى فِى كُلِّ مَسَافَةِ قَصرٍ وَقَاضٍ فِى كُلِّ مَسَافَةِ عَدوَى أَى نِصفِ مَرحَلَةٍ. وَالمَرحَلَةُ مَسِيرَةُ يَومٍ مَعَ حِسَابِ الِاستِرَاحَةِ لِلصَّلاةِ وَالأَكلِ وَنَحوِ ذَلِكَ بِاعتِبَارِ سَيرِ الإِبِلِ المُحَمَّلَةِ أَو سَيرِ الأَقدَامِ. وَيَجِبُ وُجُودُ عَالِمٍ يَقُومُ بِالرَّدِّ عَلَى المُلحِدِينَ وَالمُشَكِّكِينَ فِى العَقِيدَةِ بِإِيرَادِ الشُّبَهِ فِى كُلِّ بَلَدٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ العَالِمُ عَارِفًا بِالحُجَجِ النَّقلِيَّةِ وَالعَقلِيَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ عِلمُ الكَلامِ الَّذِى عُرِفَ بِهِ أَهلُ السُّنَّةِ، لَيسَ عِلمَ الكَلامِ الَّذِى عِندَ المُبتَدِعَةِ المُشَبِّهَةِ وَغَيرِهِم مِن أَهلِ البِدَعِ الِاعتِقَادِيَّةِ كَالمُعتَزِلَةِ، لِأَنَّهُم أَلَّفُوا كُتُبًا عَدِيدَةً أَورَدُوا فِيهَا شُبَهًا عَقلِيَّةً وَتَموِيهَاتٍ بِالنُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ لِيَغُرُّوا بِهَا القَاصِرِينَ فِي الفَهمِ.
([7]) وَهَذِهِ الآيَةُ مِن أَصرَحِ الآيَاتِ فِي كِتَابِ اللهِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ لَا تَفنَى وَلَا يَفنَى عَذَابُهَا، وَأَنَّهُ لَا يُخَفَّفُ عَذَابُهَا عَنِ الكَافِرِينَ طَرفَةَ عَينٍ.