﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖوَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗوَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗكَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖوَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗأَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖفَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙأُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚفَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗوَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)﴾
- ذِكرُ عَذَابِ اللهِ لِلمُشرِكِينَ يَومَ القِيَامَةِ
لَمَّا نَهَضَتِ الأَدِلَّةُ وَسَطَعَتِ البَرَاهِينُ عَلَى وَحدَانِيَّةِ اللهِ وَزَاحَتِ العِلَلُ وَالشُّكُوكُ عَابَ مَن عَبَدَ سِوَاهُ وَفَزِعَ إِلَى غَيرِهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أَي وَمَعَ هَذَا البُرهَانِ النَّيِّرِ مِنَ النَّاسِ ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أَي غَيرَهُ ﴿أَندَادًا﴾ أَمثَالًا مِنَ الأَصنَامِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ بِالتَّعظِيمِ وَالخُضُوعِ، أَي يُعَظِّمُونَهُم وَيَخضَعُونَ لَهُم تَعظِيمَ المَحبُوبِ ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ كَتَعظِيمِ وَحُبِّ اللهِ وَالخُضُوعِ لَهُ، أَي يُحِبُّونَ الأَصنَامَ كَمَا يُحِبُّونَ اللهَ، يَعنِي يُسَوُّونَ بَينَهُم وَبَينَهُ فِي مَحَبَّتِهِم لِأَنَّهُم كَانُوا يُقِرُّونَ بِاللهِ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيهِ بِزَعمِهِم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ مِنَ المُشرِكِينَ لِآلِهَتِهِم، لِأَنَّهُم لَا يَعدِلُونَ عَنهُ إِلَى غَيرِهِ بِحَالٍ، وَالمُشرِكُونَ يَعدِلُونَ عَن أَندَادِهِم إِلَى اللهِ عِندَ الشَّدَائِدِ فَيَفزَعُونَ إِلَيهِ وَيَخضَعُونَ لَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ نَاسٌ ضَلَّت عُقُولُهُم وَفَالَت آرَاؤُهُم، فَحَذَّرَ مِن سُوءِ مُنقَلَبِهِم فَقَالَ: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ وَلَو يَعلَمُ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الَّذِينَ ارتَكَبُوا الظُّلمَ العَظِيمَ بِشِركِهِم وَاتِّخَاذِهِمُ الأَندَادَ ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ إِذَا عَايَنُوا العَذَابَ يَومَ القِيَامَةِ وَشِدَّةَ عِقَابِهِ لِلظَّالِمِينَ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أَنَّ القُدرَةَ كُلَّهَا عَلَى كُلِّ شَىءٍ مِنَ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ للهِ تَعَالَى دُونَ أَندَادِهِم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾ شَدِيدٌ عَذَابُهُ، أَي: إِذَا حَصَلَ ذَلِكَ وَرَأَوهُ كَانَ مِنهُم مَا لَا يَدخُلُ تَحتَ الوَصفِ مِنَ النَّدَمِ وَالحَسرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُم يَتَبَرَّأُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ يَومَ يَنكَشِفُ حِجَابُ الغَفلَةِ وَيَتَجَلَّى الحَقُّ، فَقَالَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ أَيِ المُتَّبَعُونَ، وَهُمُ الرُّؤَسَاءُ أَوِ الشَّيَاطِينُ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ مِنَ الأَتبَاعِ، أَي أَنكَرُوا إِضلَالَهُم ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أَي تَبَرَّأُوا فِي حَالِ رُؤيَتِهِمُ العَذَابَ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)﴾ الوُصَلُ الَّتِي كَانَت بَينَهُم فِي الدُّنيَا مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَمِنَ الأَرحَامِ وَالأَنسَابِ وَالمَوَدَّةِ.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أَيِ الأَتبَاعُ ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ لَيتَ لَنَا رَجعَةً إِلَى الدُّنيَا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ الآنَ ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أَي كَمَا أَرَاهُم شِدَّةَ عَذَابِهِ وَتَبَرَّأَ بَعضُهُم مِن بَعضٍ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ السَّيِّئَةَ، أَي عِبَادَتَهُمُ الأَوثَانَ ﴿حَسَرَاتٍ﴾ نَدَامَاتٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مَعنَاهُ أَنَّ أَعمَالَهُم تَنقَلِبُ عَلَيهِم حَسَرَاتٍ فَلَا يَرَونَ إِلَّا حَسَرَاتٍ مَكَانَ أَعمَالِهِم ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)﴾ بَعدَ دُخُولِهَا بَل هُم فِيهَا دَائِمُونَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
- ذِكرُ الرَّدِّ عَلَى المُشرِكِينَ فِي تَحرِيمِهِم بَعضَ مَا أَحَلَّ اللهُ تَعَالَى وَبَيَانُ الحَلَالِ وَالحَرَامِ مِنَ المَآكِلِ
وَنَزَلَ فِيمَن حَرَّمُوا عَلَى أَنفُسِهِمُ البَحِيرَةَ([1]) وَنَحوَهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ أَمرٌ لِلإِبَاحَةِ ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ (مِن) لِلتَّبعِيضِ، لِأَنَّهُ لَيسَ كُلُّ مَا فِي الأَرضِ مَأكُولًا ﴿حَلَالًا﴾ أَي كُلُوا مِمَّا كَانَ حَلَالًا لَا حَرَامًا ﴿طَيِّبًا﴾ طَاهِرًا مِن كُلِّ شُبهَةٍ، أَو مُستَلَذًّا ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أَي طُرُقَهُ الَّتِي يَدعُوكُم إِلَيهَا وَتَزيِينَهُ، وَاتِّبَاعُهُم خُطُوَاتِهِ أَنَّهُم كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشيَاءَ قَد أَحَلَّهَا اللهُ وَيُحِلُّونَ أَشيَاءَ قَد حَرَّمَهَا اللهُ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168)﴾ ظَاهِرُ العَدَاوَةِ لَا خَفَاءَ بِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ وُجُوبَ الِانتِهَاءِ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَظُهُورَ عَدَاوَتِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم﴾ أَي لَا يَأمُرُكُم بِخَيرٍ قَطُّ إِنَّمَا يَأمُرُكُم ﴿بِالسُّوءِ﴾ بِالقَبِيحِ شَرعًا، أَو بِالإِثمِ، أَو بِمَا لَا حَدَّ فِيهِ ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ مَا يَتَجَاوَزُ الحَدَّ فِي القُبحِ مِنَ العَظَائِمِ، أَو مَا فِيهِ حَدٌّ ﴿وَأَن﴾ وَيَأمُرُكُم أَن ﴿تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾ هُوَ قَولُ: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ بِغَيرِ عِلمٍ، وَيَدخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا يُضَافُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيهِ.
وَلَمَّا نَهَاهُم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَن مُتَابَعَةِ العَدُوِّ ذَمَّهُم بِمُتَابَعَتِهِ مَعَ أَنَّهُ عَدُوٌّ مِن غَيرِ حُجَّةٍ بَل بِمُجَرَّدِ التَّقلِيدِ لِلجَهَلَةِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ لِلنَّاسِ، أَوِ المُشرِكِينَ، أَو طَائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ دَعَاهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ وَاتِّبَاعِ القُرآنِ وَتَحلِيلِ الطَّيِّبَاتِ ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أَي وَجَدنَا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ فَإِنَّهُم كَانُوا خَيرًا مِنَّا وَأَعلَمَ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿أَوَلَوْ﴾ أَيَتَّبِعُونَهُم وَلَو ﴿كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ (170)﴾ لِلصَّوَابِ وَالحَقِّ؟ أَيَتَّبِعُونَهُم فِي خَطَئِهِم وَافتِرَائِهِم؟
ثُمَّ ضَرَبَ لَهُم مَثَلًا فَقَالَ: ﴿وَمَثَلُ﴾ أَي وَصِفَةُ دَاعِي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إِلَى الهُدَى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ يَصِيحُ ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ وَهُوَ البَهَائِمُ، وَالمَعنَى: وَمَثَلُ دَاعِيهِم إِلَى الإِيمَانِ فِي أَنَّهُم لَا يَسمَعُونَ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَّا جَرسَ([2]) النَّغَمَةِ وَدَوِيَّ الصَّوتِ مِن غَيرِ إِلقَاءِ أَذهَانٍ وَلَا استِبصَارٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَصِيحُ بِالبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَسمَعُ إِلَّا دُعَاءَ الصَّائِحِ وَنِدَاءَهُ الَّذِي هُوَ تَصوِيتٌ بِهَا وَزَجرٌ لَهَا وَلَا تَفقَهُ شَيئًا آخَرَ كَمَا يَفهَمُ العُقَلَاءُ، أَي هُم كَالبَهَائِمِ، هُم ﴿صُمٌّ﴾ وَهُم ﴿بُكْمٌ﴾ وَهُم ﴿عُمْيٌ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)﴾ المَوعِظَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَا حَرَّمَهُ المُشرِكُونَ حَلَالٌ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِن مُستَلَذَّاتِهِ، أَو مِن حَلَالَاتِهِ ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكُمُوهَا وَأَحَلَّهَا لَكُم ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)﴾ إِن صَحَّ أَنَّكُم تَختَصُّونَهُ بِالعِبَادَةِ وَتُقِرُّونَ أَنَّهُ مُعطِي النِّعَمِ، أَي وَقَد صَحَّ فَافعَلُوا ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ المُحَرَّمَ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ أَي مَا حَرَّمَ عَلَيكُم إِلَّا أَكلَ المَيتَةِ([3]) وَمَا يُذكَرُ بَعدَهَا ﴿وَالدَّمَ﴾ أَي وَحَرَّمَ كَذَلِكَ الدَّمَ السَّائِلَ، سَوَاءٌ كَانَ دَمَ ذَبِيحَةٍ مِنَ الحَيَوَانَاتِ المَأكُولَةِ أَو دَمَ غَيرِهَا، بَعدَ انفِصَالِهِ مِن مَخرَجِهِ، وَكَذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي يَخرُجُ مِنَ الذَّبِيحَةِ ثُمَّ يُجَمَّدُ بِطَرِيقَةٍ فَنِّيَّةٍ فَحَرَامٌ أَكلُهُ، أَمَّا الدَّمُ غَيرُ السَّائِلِ فَلَيسَ حَرَامًا، فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ حَلَالٌ لِأَنَّهُمَا لَيسَا دَمًا مَسفُوحًا، فَمَن أَكَلَ الكَبِدَ أَوِ الطِّحَالَ نِيئًا أَو مَطبُوخًا أَو مَشوِيًّا فَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أُحِلَّت لَنَا مَيتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ وَالجَرَادُ وَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ»([4]) ﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ أَي وَحَرَّمَ كَذَلِكَ الخِنزِيرَ بِجَمِيعِ أَجزَائِهِ، فَهُوَ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ بَرِّيًّا أَو أَهلِيًّا، وَخُصَّ اللَّحمُ بِالذِّكرِ لِأَنَّهُ المَقصُودُ بِالأَكلِ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أَي وَحَرَّمَ كَذَلِكَ مَا ذُبِحَ لِعِبَادَةِ غَيرِ اللهِ كَتَعظِيمِ الأَصنَامِ، أَصلُ الإِهلَالِ رَفعُ الصَّوتِ، أَي رُفِعَ بِهِ الصَّوتَ لِلصَّنَمِ، وَذَلِكَ كَقَولِ أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ: (بِاسمِ اللَّاتِ وَالعُزَّى)، فَالشَّىءُ الَّذِي ذُكِرَ عَلَيهِ اسمُ غَيرِ اللهِ عِندَ ذَبحِهِ حَرَامٌ، كَمَا يَفعَلُ بَعضُ الوَثَنِيِّينَ عِندَمَا يَذبَحُونَ لِأَوثَانِهِم وَيَذكُرُونَ عَلَيهِ اسمَ ذَلِكَ الوَثَنِ تَعظِيمًا لَهُ وَتَقَرُّبًا إِلَيهِ([5])، وَهَذِهِ الأَشيَاءُ الأَربَعَةُ حُرِّمَت فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، فَالأَنبِيَاءُ شَرَائِعُهُم مُتَّفِقَةٌ فِي تَحرِيمِ أَكلِ المَيتَةِ وَالدَّمِ وَلَحمِ الخِنزِيرِ وَمَا ذُبِحَ وَرُفِعَ عَلَيهِ اسمُ غَيرِ اللهِ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَي أُلجِئَ، أَي دَعَتهُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَكلِ شَىءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ فَأَكَلَ ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ لِلَذَّةٍ وَشَهوَةٍ ﴿وَلَا عَادٍ﴾ غَيرَ مُتَعَدٍّ وَمُتَجَاوِزٍ مِقدَارَ الحَاجَةِ مِن تَنَاوُلِهِ، وَالمُضطَرُّ يُبَاحُ لَهُ قَدرُ مَا يَقَعُ بِهِ القِوَامُ وَتَبقَى مَعَهُ الحَيَاةُ دُونَ مَا فِيهِ حُصُولُ الشِّبَعِ، لِأَنَّ الإِبَاحَةَ لِلِاضطِرَارِ فَتُقَدَّرُ بِقَدرِ مَا تَندَفِعُ الضَّرُورَةُ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لَا يُؤَاخِذُهُ اللهُ فِي الأَكلِ، وَلَا يَأكُلُ المُضطَرُّ مِنَ المَيتَةِ إِلَّا مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ، أَي قَدرَ مَا يُنقِذُ بِهِ نَفسَهُ مِنَ الهَلَاكِ، وَفِي قَولٍ يَأكُلُ قَدرَ الشِّبَعِ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ الكَبَائِرِ فَلَا يُؤَاخِذُ بِتَنَاوُلِ المَيتَةِ عِندَ الِاضطِرَارِ ﴿رَّحِيمٌ (173)﴾ حَيثُ رَخَّصَ بِذَلِكَ.
- ذِكرُ التَّحذِيرِ مِن فِعلِ اليَهُودِ بِكِتمَانِهِم مَا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي كُتُبِهِ
لَمَّا كَانَ فِي بَيَانِ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ الإِشَارَةُ إِلَى عَيبِ مَنِ استَحَلَّهَا مِنَ العَرَبِ وَتَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ جَهلًا وَتَقلِيدًا، تَلَاهَا بِتَكرِيرِ عَيبِ رُؤَسَاءِ اليَهُودِ الكَاتِمِينَ لِمَا عِندَهُم مِنَ الحَقِّ مِمَّا أُنزِلَ فِي كِتَابِهِم مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمرِ الحَجِّ وَأَمرِ القِبلَةِ وَغَيرِهَا مِمَّا يُصَدِّقُ هَذَا الكِتَابَ الَّذِي لَا رَيبَ فِيهِ وَأَخذِهِم عَلَى ذَلِكَ الرِّشَا خَوفًا عَلَى انقِطَاعِ مَا كَانَ يُهدَى إِلَيهِم لِرِئَاسَتِهِم فِي دِينِهِم عَلَى وَجهٍ عَائِبٍ لَهُم، فَقَالَ: ﴿إِنَّ﴾ اليَهُودَ ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أَي عِوَضًا، أَو شَيئًا ذَا ثَمَنٍ مِنَ الدُّنيَا يَأخُذُونَهُ مِن سَفِلَتِهِم فَلَا يُظهِرُونَهُ خَوفَ فَوتِهِ عَلَيهِم ﴿أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أَي مِلءَ بُطُونِهِم ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ لِأَنَّهُ إِذَا أَكَلَ مَا يَتَلَبَّسُ بِالنَّارِ لِكَونِهَا عُقُوبَةً عَلَيهِ فَكَأَنَّهُ أَكَلَ النَّارَ ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كَلَامًا يَسُرُّهُم([6]) غَضَبًا عَلَيهِم ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ وَلَا يُطَهِّرُهُم مِن دَنَسِ ذُنُوبِهِم، أَو لَا يُثنِي عَلَيهِم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)﴾ مُؤلِمٌ هُوَ النَّارُ.
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ﴾ اختَارُوا الضَّلَالَةَ عَلَى الهُدَى فِي الدُّنيَا ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ اختَارُوا العَذَابَ عَلَى المَغفِرَةِ المُعَدَّةِ لَهُم فِي الآخِرَةِ لَو لَم يَكتُمُوا، وَذَلِكَ بِكِتمَانِ نَعتِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّهُم كَانُوا عَالِمِينَ بِالحَقِّ وَلَكِن كَتَمُوهُ وَأَخفَوهُ، وَكَانَ فِي إِظهَارِهِ الهُدَى وَالمَغفِرَةُ وَفِي كِتمَانِهِ الضَّلَالَةُ وَالعَذَابُ، فَلَمَّا أَقدَمُوا عَلَى إِخفَاءِ الحَقِّ وَكِتمَانِهِ كَانُوا بَائِعِينَ الهُدَى بِالضَّلَالَةِ وَالمَغفِرَةَ بِالعَذَابِ ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾ فَأَيُّ شَىءٍ أَصبَرَهُم عَلَى عَمَلٍ يُؤَدِّي إِلَى النَّارِ؟ وَهَذَا استِفهَامٌ مَعنَاهُ التَّوبِيخُ، أَو مَا أَشَدَّ صَبرَهُم، وَهُوَ تَعجِيبٌ لِلمُؤمِنِينَ مِنَ ارتِكَابِهِم مُوجِبَاتِهَا مِن غَيرِ مُبَالَاةٍ.
وَلَمَّا ذَكَرَ جَزَاءَهُم وَشَرَحَ حَالَهُم وَالتَّعجِيبَ مِن أَمرِهِم ذَكَرَ السَّبَبَ المُوجِبَ لِهَذَا الإِبعَادِ العَظِيمِ وَالتَّهدِيدِ الكَبِيرِ فَقَالَ: ﴿ذَٰلِكَ﴾ العَذَابُ، أَو كُفرُهُم ﴿بِأَنَّ﴾ بِسَبَبِ أَنَّ ﴿اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ نَزَّلَ مَا نَزَّلَ مِنَ الكُتُبِ ﴿بِالْحَقِّ﴾ كَمَا يَعلَمُونَ ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ أَي فِي كُتُبِ اللهِ، وَالمُختَلِفُونَ هُم أَهلُ الكِتَابِ حَيثُ قَالُوا فِي بَعضِهَا حَقٌّ وَفِي بَعضِهَا بَاطِلٌ فَكَتَمُوهُ، أَوِ المُشرِكُونَ حَيثُ قَالَ بَعضُهُم: هُوَ شِعرٌ، وَبَعضُهُم: سِحرٌ، وَبَعضُهُم: كَهَانَةٌ ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾ خِلَافٍ ﴿بَعِيدٍ (176)﴾ عَنِ الحَقِّ وَالهُدَى.
([1]) كَانُوا يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ، وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي تَلِدُ خَمسَةَ أَبطُنٍ الخَامِسُ مِنهَا أُنثَى، فَكَانُوا لَا يَركَبُونَ ظَهرَهَا وَلَا يَجُزُّونَ وَبَرَهَا وَلَا يَشرَبُونَ لَبَنَهَا، تُشَقُّ أُذُنُهَا وَيُخَلَّى سَبِيلُهَا تَحرِيمًا مِنهُم لِمَا أَحَلَّ اللهُ.
([2]) قَالَ فِي مُختَارِ الصَّحَاحِ: «الجَرسُ -بِفَتحِ الجِيمِ وَكَسرِهَا-: الصَّوتُ، يُقَالُ: سَمِعتُ جَرسَ الطَّيرِ إِذَا سَمِعتَ صَوتَ مَنَاقِيرِهَا عَلَى شَىءٍ تَأكُلُهُ»، مُختَارُ الصَّحَاحِ، لِزَينِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ص56).
([3]) المَيتَةُ: كُلُّ مَا فَارَقَ الحَيَاةَ إِلَّا المَأكُولَ المُذَكَّى، كَأَن تَمُوتَ بِمَرَضٍ، أَو بِذَبحِ مَن لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالمَجُوسِيِّ وَالمُرتَدِّ وَالبُوذِيِّ، وَلَو ذَبَحُوا كَمَا يَذبَحُ المُسلِمُونَ بِقَطعِ الحُلقُومِ أَي مَجرَى النَّفَسِ وَبِقَطعِ المَرِيءِ أَي مَجرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَو سَمَّوا، وَلَو كَبَّرُوا، فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ هَؤُلَاءِ، أَمَّا اليَهُودِيُّ وَالنَّصرَانِيُّ فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمَا، لِأَنَّ هَذَينِ مَعَ كُفرِهِمَا أَحَلَّ اللهُ لَنَا أَن نَأكُلَ ذَبَائِحَهُمَا إِن ذَبَحَا بِالطَّرِيقَةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَذَلِكَ مِن بَابِ التَّوسِعَةِ عَلَى المُسلِمِينَ.
([4]) مُسنَدُ الإِمَامِ أَحمَدَ، لِلإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ (ج10 ص16).
([5]) كَانَ لِقَبَائِلِ العَرَبِ طَوَاغِيتُ، وَالطَّاغُوتُ هُوَ شَيطَانٌ يَنزِلُ عَلَى الإِنسَانِ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ، فَكَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ هَذَا الإِنسَانَ مِن أَجلِ الشَّيطَانِ الَّذِي يَنزِلُ فِيهِ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ، كَانُوا يَعبُدُونَ ذَلِكَ الشَّيطَانَ، فَهَذَا الَّذِي يُذبَحُ لِلشَّيطَانِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَكلُهُ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ كَانُوا يَذبَحُونَ لِعِبَادَةِ الأَصنَامِ، فَقَد كَانَ عِندَهُم وَثَنٌ كَبِيرٌ يُسَمُّونَهُ هُبَلَ وَوَثَنٌ اسمُهُ مَنَاةُ وَآخَرُ اسمُهُ اللَّاتُ وَعِندَهُمُ العُزَّى وَهِيَ شَيطَانَةٌ أُنثَى.
([6]) وَلَكِن يُكَلِّمُهُم بِنَحوِ قَولِهِ: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (108)﴾ ، [سُورَةُ المُؤمِنُونَ:108]، يَومَ القِيَامَةِ اللهُ تَعَالَى يُزِيلُ عَن أَسمَاعِ العِبَادِ الحِجَابَ المَعنَوِيَّ المَانِعَ مِن سَمَاعِ كَلَامِهِ، فَيَسمَعُ الخَلقُ كَلَامَ اللهِ وَيُحَاسِبُهُم، فَالكَافِرُ عِندَمَا يَسمَعُ كَلَامَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ يَحصُلُ لَهُ فَزَعٌ وَخَوفٌ وَانزِعَاجٌ وَقَلَقٌ لَا يُوصَفُ، وَكَلَامُ اللهِ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا لُغَةً، هُوَ صِفَتُهُ فِي الأَزَلِ لَيسَ كَكَلَامِ العَالَمِينَ.