{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)}
- الحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالإِنفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى
لَمَّا بَيَّنَ كُفرَ أَهلِ الكِتَابِ وَتَكذِيبَهُم بِكُتُبِ اللهِ وَبِرُسُلِهِ وَكَتمَهُم مَا عِندَهُم مِنَ الحَقِّ، وَكَانَ الحَالُ أَنَّهُمُ اهتَمُّوا بِالفُرُوعِ وَتَنَازَعُوا فِيمَا بَينَهُم فِيهَا كَأَمرِ القِبلَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَينِ يَزعُمُ أَنَّ البِرَّ التَّوَجُّهُ إِلَى قِبلَتِهِ، فَرَدَّ عَلَيهِم بِأَنَّ البِرَّ وَالأَصلَ الَّذِي يَنبَغِي الِاهتِمَامُ بِهِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ رُسُلُ اللهِ، فَقَالَ:
{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}
{لَّيْسَ الْبِرَّ}
كُلَّهُ، وَالبِرُّ اسمٌ لِلخَيرِ وَلِكُلِّ فِعلٍ مُرضٍ.
{أَن تُوَلُّوا}
أَي لَيسَ كُلُّ البِرِّ تَولِيَتَكُم.
{وُجُوهَكُمْ}
فِي الصَّلَاةِ.
{قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}
وَالخِطَابُ لِأَهلِ الكِتَابِ.
{وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ}
بِرُّ.
{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}
أَو ذَا البِرِّ مَن آمَنَ بِاللهِ.
{وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}
أَي يَومِ البَعثِ.
{وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ}
أَي جِنسِ كُتُبِ اللهِ أَوِ القُرآنِ.
{وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ}
أَي عَلَى حُبِّ اللهِ، أَو حُبِّ المَالِ، أَو حُبِّ الإِيتَاءِ، يُرِيدُ أَن يُعطِيَهُ وَهُوَ طَيِّبُ النَّفسِ بِإِعطَائِهِ.
{ذَوِي الْقُرْبَىٰ}
أَيِ القَرَابَةِ، وَقَدَّمَهُم لِأَنَّهُم أَحَقُّ، قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ صَدَقَتَكَ عَلَى المِسكِينِ صَدَقَةٌ، وَإِنَّهَا عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثنَتَانِ: صَدَقَةٌ وصِلَةٌ»([1]).
{وَالْيَتَامَىٰ}
وَالمُرَادُ الفُقَرَاءُ مِن ذَوِي القُربَى وَاليَتَامَى، وَاليَتِيمُ هُوَ مَن مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ دُونَ البُلُوغِ.
{وَالْمَسَاكِينَ}
المِسكِينُ الدَّائِمُ السُّكُونِ إِلَى النَّاسِ لِأَنَّهُ لَا شَىءَ لَهُ.
{وَابْنَ السَّبِيلِ}
المُسَافِرَ المُنقَطِعَ.
{وَالسَّائِلِينَ}
المُستَطعِمِينَ.
{وَفِي الرِّقَابِ}
أَي وَفِي مُعَاوَنَةِ المُكَاتَبِينَ وَالأَسرَى حَتَّى يَفُكُّوا رِقَابَهُم.
{وَأَقَامَ الصَّلَاةَ}
المَكتُوبَةَ.
{وَآتَى الزَّكَاةَ}
المَفرُوضَةَ، وَالمُرَادُ بِالأَوَّلِ نَوَافِلُ الصَّدَقَاتِ وَالمَبَارُّ.
{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ}
أَي إِذَا عَاهَدُوا اللهَ وَالنَّاسَ.
{وَالصَّابِرِينَ}
فِيهِ إِظهَارٌ لِفَضلِ الصَّبرِ فِي الشَّدَائِدِ وَمَوَاطِنِ القِتَالِ عَلَى سَائِرِ الأَعمَالِ.
{فِي الْبَأْسَاءِ}
الفَقرِ وَالشِّدَّةِ.
{وَالضَّرَّاءِ}
المَرَضِ وَالزَّمَانَةِ.
{وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ}
وَقتَ القِتَالِ.
{أُولَٰئِكَ}
أَي أَهلُ هَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ.
{الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ}
فِي الدِّينِ وَالإِيمَانِ، أَو فِي ادِّعَاءِ البِرِّ.
{وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}
اللهَ.
- ذِكرُ حُكمِ القِصَاصِ
رَوَى شَيبَانُ عَن قَتَادَةَ أَنَّ أَهلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانَ فِيهِم بَغيٌ، وَكَانَ الحَيُّ مِنهُم إِذَا كَانَ فِيهِم عَدَدٌ وَعُدَّةٌ فَقَتَلَ عَبدَهُم عَبدُ قَومٍ آخَرِينَ قَالُوا: لَن نَقتُلَ بِهِ إِلَّا حُرًّا، تَعَزُّزًا لِفَضلِهِم عَلَى غَيرِهِم، وَإِذَا قَتَلَتِ امرَأَةً مِنهُم امرَأَةٌ مِن آخَرِينَ قَالُوا: لَن نَقتُلَ بِهَا إِلَّا رَجُلًا، فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ}
أَي فُرِضَ.
{عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ}
أَيِ المُسَاوَاةُ وَالمُمَاثَلَةُ.
{فِي الْقَتْلَى ۖ}
جَمعِ قَتِيلٍ، وَالمَعنَى فُرِضَ عَلَيكُمُ اعتِبَارُ المُمَاثَلَةِ وَالمُسَاوَاةِ بَينَ القَتلَى وَصفًا وَفِعلًا، أَو فُرِضَ القِصَاصُ عَلَى القَاتِلِ لِلوَلِيِّ وَلَيسَ فَرضًا عَلَى الوَلِيِّ، بَلِ الوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَينَ القَتلِ وَالعَفوِ.
{الْحُرُّ}
مَأخُوذٌ أَو مَقتُولٌ.
{بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ}
مَأخُوذٌ أَو مَقتُولٌ.
{بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ}
مَأخُوذَةٌ أَو مَقتُولَةٌ.
{بِالْأُنثَىٰ ۚ}
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقتَلُ الحُرُّ بِالعَبدِ بِهَذَا النَّصِّ، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الذَّكَرَ يُقتَلُ بِالأُنثَى، وَأَنَّهُ تُعتَبَرُ المُمَاثَلَةُ فِي الدِّينِ فَلَا يُقتَلُ مُسلِمٌ وَلَو عَبدًا بِكَافِرٍ وَلَو حُرًّا.
{فَمَنْ عُفِيَ}
تُرِكَ.
{لَهُ}
مِنَ القَاتِلِينَ.
{مِنْ}
دَمِ.
{أَخِيهِ}
المَقتُولِ.
{شَيْءٌ}
أَي تُرِكَ لَهُ القَتلُ وَرُضِيَ مِنهُ بِالدِّيَةِ.
{فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}
بِأَن يُطَالِبَهُ بِالدِّيَةِ بِلَا عُنفٍ، فَيُؤمَرُ آخِذُ الدِّيَةِ بِالمُطَالَبَةِ الجَمِيلَةِ الَّتِي لَا يُرهِقُهُ فِيهَا.
{وَأَدَاءٌ}
أَي وَعَلَى القَاتِلِ أَدَاءٌ.
{إِلَيْهِ}
إِلَى العَافِي وَهُوَ الوَارِثُ.
{بِإِحْسَانٍ ۗ}
بِأَن لَا يُمَاطِلَهُ وَلَا يَبخَسَهُ، يَعنِي أَنَّ الوَلِيَّ إِذَا أُعطِيَ لَهُ شَىءٌ مِن مَالِ أَخِيهِ يَعنِي القَاتِلَ بِطَرِيقِ الصُّلحِ فَليَأخُذهُ بِمَعرُوفٍ مِن غَيرِ تَعنِيفٍ، وَليُؤَدِّهِ القَاتِلُ إِلَيهِ بِلَا تَسوِيفٍ.
{ذَٰلِكَ}
الحُكمُ المَذكُورُ مِنَ العَفوِ وَأَخذِ الدِّيَةِ.
{تَخْفِيفٌ}
تَسهِيلٌ.
{مِّن رَّبِّكُمْ}
عَلَيكُم.
{وَرَحْمَةٌ ۗ}
بِكُم، فَإِنَّهُ كَانَ فِي التَّورَاةِ القَتلُ لَا غَيرُ، وَفِي الإِنجِيلِ العَفوُ بِلَا بَدَلٍ لَا غَيرُ، وَأُبِيحَ لَنَا القِصَاصُ وَالعَفوُ وَأَخذُ المَالِ بِطَرِيقِ الصُّلحِ تَوسِعَةً وَتَيسِيرًا، وَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤمِنٌ لِلوَصفِ بِالإِيمَانِ بَعدَ وُجُودِ القَتلِ وَلِبَقَاءِ الأُخُوَّةِ الثَّابِتَةِ بِالإِيمَانِ وَلِاستِحقَاقِ التَّخفِيفِ وَالرَّحمَةِ.
{فَمَنِ اعْتَدَىٰ}
ظَلَمَ القَاتِلَ.
{بَعْدَ ذَٰلِكَ}
التَّخفِيفِ فَتَجَاوَزَ مَا شُرِعَ لَهُ مِنَ القِصَاصِ أَو قَتَلَ بَعدَ أَخذِ الدِّيَةِ ﱡﲟ ﲠ {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
أَي نَوعٌ مِنَ العَذَابِ شَدِيدُ الأَلَمِ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ النَّارُ، أَو فِي الدُّنيَا وَهُوَ القَتلُ.
وَلَمَّا أَخبَرَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِفَائِدَةِ العَفوِ أَخبَرَ بِفَائِدَةِ مُقَابِلِهِ، فَقَالَ:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}
كَلَامٌ فَصِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الغَرَابَةِ، إِذِ القِصَاصُ قَتلٌ وَتَفوِيتٌ لِلحَيَاةِ، وَقَد جُعِلَ ظَرفًا لِلحَيَاةِ، وَفِي تَعرِيفِ القِصَاصِ وَتَنكِيرِ الحَيَاةِ بَلَاغَةٌ بَيِّنَةٌ، لِأَنَّ المَعنَى: وَلَكُم فِي هَذَا الجِنسِ مِنَ الحُكمِ الَّذِي هُوَ القِصَاصُ حَيَاةٌ عَظِيمَةٌ، لِمَنعِهِ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِن قَتلِ الجَمَاعَةِ لِوَاحِدٍ مَتَى اقتَدَرُوا مَعَ كَونِهِم لَم يَشتَرِكُوا فِي قَتلِهِ، فَكَانَ القِصَاصُ حَيَاةً، أَو لَكُم نَوعٌ مِنَ الحَيَاةِ وَهِيَ الحَيَاةُ الحَاصِلَةُ بِالِارتِدَاعِ عَنِ القَتلِ، لِوُقُوعِ العِلمِ بِالقِصَاصِ مِنَ القَاتِلِ، لِأَنَّهُ إِذَا هَمَّ بِالقَتلِ فَتَذَكَّرَ الِاقتِصَاصَ ارتَدَعَ فَسَلِمَ صَاحِبُهُ مِنَ القَتلِ وَهُوَ مِنَ القَوَدِ، فَكَانَ شَرعُ القِصَاصِ سَبَبَ حَيَاةِ نَفسَينِ.
{يَا أُولِي}
ذَوِي.
{الْأَلْبَابِ}
العُقُولِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُم بِهَذَا الخِطَابِ وَإِن كَانَ الخِطَابُ عَامًّا لِأَنَّهُمُ المُنتَفِعُونَ بِالخِطَابِ، لِكَونِهِم يَأتَمِرُونَ بِأَمرِهِ وَيَنتَهُونَ بِنَهيِهِ.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
القَتلَ حَذَرًا مِنَ القِصَاصِ.
- ذِكرُ حُكمِ الوَصِيَّةِ
لَمَّا كَانَ فِي الخِطَابِ السَّابِقِ ذِكرُ القَتلِ وَالقِصَاصِ الَّذِي هُوَ حَالُ حَضرَةِ المَوتِ انتَظَمَ بِهِ ذِكرُ الوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ حَالُ مَن حَضَرَهُ المَوتُ، فَقَالَ:
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}
{كُتِبَ}
فُرِضَ.
{عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}
أَي دَنَا مِنَ المَوتِ فَظَهَرَت أَمَارَاتُهُ، أَو حَضَرَت أَسبَابُهُ.
{إِن تَرَكَ خَيْرًا}
أَي مَالًا كَثِيرًا، أَو مَالًا قَلِيلًا كَانَ أَو كَثِيرًا.
{الْوَصِيَّةُ}
أَي كُتِبَ عَلَيكُمُ الوَصِيَّةُ.
{لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ }
بِالعَدلِ.
{حَقًّا}
تَأكِيدٌ، أَي حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
{عَلَى الْمُتَّقِينَ}
الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّركَ، أَو يَتَّقُونَ اللهَ، وَهَذَا مَنسُوخٌ بِآيَةِ المِيرَاثِ وَبِحَدِيثِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»([2]).
{فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
{فَمَن بَدَّلَهُ}
أَي بَدَّلَ أَمرَ الوَصِيَّةِ.
{بَعْدَمَا سَمِعَهُ}
بَعدَ سَمَاعِهِ إِيَّاهُ وَعِلمِهِ بِهِ.
{فَإِنَّمَا إِثْمُهُ}
إِثمُ التَّبدِيلِ.
{عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}
فَإِنَّمَا إِثمُهُ عَلَى مُبَدِّلِهِ، لَا عَلَى المُوصِي وَلَا عَلَى المُوصَى لَهُ إِن لَم يُبَدِّل، لِأَنَّهُمَا بَرِيئَانِ مِنَ الحَيفِ.
{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ}
لِمَا قَد قَالَهُ المُوصِي.
{عَلِيمٌ}
بِمَا يَفعَلُهُ المُوصَى إِلَيهِ.
{فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
{فَمَنْ خَافَ}
عَلِمَ، بِأَن وُجِدَ الجَورُ، أَو ظَنَّ ظَنًّا غَالِبًا أَنَّهُ سَيُوجَدُ.
{مِن مُّوصٍ جَنَفًا}
مَيلًا عَنِ الحَقِّ بِالخَطَأِ فِي الوَصِيَّةِ.
{أَوْ إِثْمًا}
تَعَمُّدًا لِلحَيفِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ أَو تَخصِيصِ غَنِيٍّ مَثَلًا.
{إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ}
أَي بَينَ المُوصَى لَهُم وَهُمُ الوَالِدَانِ وَالأَقرَبُونَ بِإِجرَائِهِم عَلَى طَرِيقِ الشَّرعِ وَأَمرِهِم بِالعَدلِ.
{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}
حِينَئِذٍ لِأَنَّ تَبدِيلَهُ تَبدِيلُ بَاطِلٍ إِلَى حَقٍّ، فَذَكَرَ مَن يُبَدِّلُ بِالبَاطِلِ ثُمَّ مَن يُبَدِّلُ بِالحَقِّ لِيُعلَمَ أَنَّهُ لَيسَ كُلُّ تَبدِيلٍ يُؤَثِّمُ.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
وَفِي تَوجِيهِ هَذِهِ الآيَةِ قَولَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعنَاهَا: مَن حَضَرَ رَجُلًا يَمُوتُ فَأَسرَفَ فِي وَصِيَّتِهِ أَو قَصَّرَ عَن حَقٍّ فَليَأمُرهُ بِالعَدلِ، وَالثَّانِي: أَنَّ مَعنَاهُا: مَن أَوصَى بِجَورٍ فَرَدَّ وَلِيُّهُ وَصِيَّتَهُ أَو رَدَّهَا مِن أَئِمَّةِ المُسلِمِينَ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ فَلَا إِثمَ عَلَيهِ.
- ذِكرُ حُكمِ الصِّيَامِ
نَاسَبَ ذِكرُ الصِّيَامِ بَعدَ أَن أَبَاحَ سُبحَانَهُ الأَكلَ مِمَّا خَلَقَهُ دَلِيلًا عَلَى الوَحدَانِيَّةِ وَالرَّحمَةِ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، وَأَتبَعَهُ حُكمَ المُضطَرِّ، ثُمَّ حَثَّ عَلَى التَّخَلِّي عَمَّا دَخَلَ فِي اليَدِ مِن مَتَاعِ الدُّنيَا لِلأَصنَافِ السِّتَّةِ، ثُمَّ حَكَمَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ تَزهِيدًا فِي زَهرَةِ الحَيَاةِ الدُّنيَا، ثُمَّ أَتبَعَهُ التَّخَلِّي عَنِ المَالِ فِي حَضرَةِ المَوتِ، فَتَدَرَّبَتِ النَّفسُ فِي الزُّهدِ بِمَا هُوَ مَعقُولُ المَعنَى، وَالأَمرُ بِالصِّيَامِ أَمرٌ بِالتَّخَلِّي عَنِ الأَكلِ وَالشُّربِ وَالمَلَذَّاتِ لَا لِأَنَّهُ يَحتَاجُ إِلَى حِميَةٍ، بَل للهِ الَّذِي أَوجَدَهُ لِتَزكِيَةِ النَّفسِ وَتَطهِيرِهَا، هَذَا مَعَ مَا لِلقِصَاصِ وَالوَصِيَّةِ مِنَ المُنَاسَبَةِ لِلصَّومِ مِن حَيثُ إِنَّ فِي القِصَاصِ قَتلَ النَّفسِ حِسًّا وَفِي الصَّومِ قَتلَ الشَّهوَةِ، وَفِي القِصَاصِ حَيَاةَ الأَجسَادِ مَعنًى وَفِي الصَّومِ حَيَاةَ الأَروَاحِ بِطَهَارَةِ القُلُوبِ وَفَرَاغِهَا لِلتَّفَكُّرِ وَتَهَيُّئِهَا لِإِفَاضَةِ الحِكمَةِ وَالخَشيَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى التَّقوَى وَإِمَاتَةِ الشَّهوَةِ، وَشَهرُهُ شَهرُ الصَّبرِ المُستَعَانِ بِهِ عَلَى الشُّكرِ، وَخَتَمَهَا بِالمَغفِرَةِ وَالرَّحمَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ مِن أَقرَبِ النَّاسِ إِلَيهِمَا، فَقَالَ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ}
فُرِضَ.
{عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}
أَي صِيَامُ رَمَضَانَ، وَهُوَ لُغَةً الإِمسَاكُ وَلَو عَن نَحوِ الكَلَامِ، وَشَرعًا هُوَ الإِمسَاكُ عَنِ المُفَطِّرَاتِ مِن أَكلٍ وَشُربٍ وَنَحوِهِمَا جَمِيعَ نَهَارٍ قَابِلٍ لِلصَّومِ مِنَ الفَجرِ إِلَى المَغرِبِ مَعَ النِّيَّةِ المُبَيَّتَةِ فِي القَلبِ فِي اللَّيلِ.
{كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}
عَلَى الأَنبِيَاءِ وَالأُمَمِ مِن لَدُن آدَمَ إِلَى عَهدِكُم، فَهُوَ عِبَادَةٌ قَدِيمَةٌ، وَالتَّشبِيهُ بِاعتِبَارِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ صَومُ أَيَّامٍ، أَي أَنتُم مُتَعَبَّدُونَ بِالصِّيَامِ كَمَا تُعُبِّدَ مَن كَانَ قَبلَكُم، وَقَد خَصَّ اللهُ تَعَالَى أُمَّةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَن يَصُومُوا رَمَضَانَ فَضلًا مِنهُ وَكَرَمًا، أَمَّا الأُمَمُ السَّابِقَةُ فَكَانُوا يَصُومُونَ غَيرَهُ.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
المَعَاصِي بِالصِّيَامِ، لِأَنَّ الصِّيَامَ أَظلَفُ لِنَفسِهِ وَأَردَعُ لَهَا مِن مُوَاقَعَةِ السُّوءِ، وَيَكُفُّ النَّفسَ عَن كَثِيرٍ مِمَّا تَتَطَلَّعُ إِلَيهِ مِنَ المَعَاصِي، وَيَكسِرُ الشَّهوَةَ الَّتِي هِيَ مَبدَؤُهَا، أَو لَعَلَّكُم تَنتَظِمُونَ فِي زُمرَةِ المُتَّقِينَ إِذِ الصَّومُ شِعَارُهُم، أَو لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ مَحظُورَاتِ الصَّومِ([3]).
{أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
{أَيَّامًا}
أَي كُتِبَ عَلَيكُم أَن تَصُومُوا أَيَّامًا.
{مَّعْدُودَاتٍ ۚ}
مُؤَقَّتَاتٍ بِعَدَدٍ مَعلُومٍ، أَي قَلَائِلَ، وَهِيَ رَمَضَانُ، وَقَلَّلَهُ تَسهِيلًا عَلَى المُكَلَّفِينَ.
{فَمَن كَانَ مِنكُم}
حِينَ شُهُودِهِ.
{مَّرِيضًا}
مَرَضًا يَشُقُّ مَعَهُ الصَّومُ مَشَقَّةً لَا تُحتَمَلُ، أَو كَانَ يَضُرُّهُ الصَّومُ.
{أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ}
أَي مُسَافِرًا سَفَرًا طَوِيلًا يُبَاحُ مَعَهُ قَصرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَهُوَ مَسِيرَةُ يَومَينِ بِسَيرِ الأَقدَامِ وَدَبِيبِ الأَثقَالِ، وَلَو لَم يَشُقَّ عَلَيهِ الصَّومُ.
{فَعِدَّةٌ}
أَي فَعَلَيهِ صِيَامُ عَدَدِ أَيَّامِ فِطرِهِ، وَالعِدَّةُ بِمَعنَى المَعدُودِ، أَي أُمِرَ أَن يَصُومَ أَيَّامًا مَعدُودَةً بَدَلَهَا.
{فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ}
سِوَى أَيَّامِ مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ، هَذَا إِن كَانَ المَرِيضُ يُرجَى بُرؤُهُ، أَمَّا إِن كَانَ لَا يُرجَى بُرؤُهُ أَو كَانَ كَبِيرًا لَا يُطِيقُ الصَّومَ فَعَلَيهِ الفِديَةُ لَا القَضَاءُ.
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}
وَعَلَى المُطِيقِينَ لِلصِّيَامِ الَّذِينَ لَا عُذرَ لَهُم إِن أَفطَرُوا.
{فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ}
مُدٌّ مِن غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ، وَالمُدُّ مِلءُ الكَفَّينِ المُعتَدِلَينِ، وَكَانَ هَذَا الحُكمُ فِي بَدءِ الإِسلَامِ، فَإِنَّهُ فُرِضَ عَلَيهِمُ الصَّومُ وَلَم يَتَعَوَّدُوهُ فَاشتَدَّ عَلَيهِم، فَرُخِّصَ لَهُم فِي الإِفطَارِ وَالفِديَةِ، كَانُوا مُخَيَّرِينَ بَينَ صَومِ رَمَضَانَ وَبَينَ الإِفطَارِ وَدَفعِ الفِديَةِ وَلَو مَعَ القُدرَةِ عَلَى الصَّومِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا التَّخيِيرُ إِلَى تَعيِينِ الصَّومِ بِقَولِهِ تَعَالَى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا الحَامِلَ وَالمُرضِعَ إِذَا أَفطَرَتَا خَوفًا عََلَى الوَلَدِ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ بِلَا نَسخٍ فِي حَقِّهِمَا، أَوِ المَعنَى: {وَعَلَى الَّذِينَ} لَا {يُطِيقُونَهُ}
لِكِبَرٍ أَو مَرَضٍ لَا يُرجَى بُرؤُهُ: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ}([4]).
{فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا}
فَزَادَ عَلَى مِقدَارِ الفِديَةِ.
{فَهُوَ}
فَالتَّطَوُّعُ.
{خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا}
أَيُّهَا المُطِيقُونَ وَتَجتَهِدُوا طَاقَتَكُم فِي الصِّيَامِ، أَو أَيُّهَا المُرَخَّصُونَ فِي الإِفطَارِ، لِيَندَرِجَ تَحتَهُ المُسَافِرُ وَالمَرِيضُ، إِلَّا أَنَّ المَرِيضَ إِن ضَرَّهُ الصِّيَامُ حَرُمَ عَلَيهِ.
{خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ}
مِنَ الإِفطَارِ وَالفِديَةِ، أَو مِن تَطَوُّعِ الخَيرِ، أَو مِنهُمَا وَمِن تَأخِيرِ القَضَاءِ.
{إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
مَا فِي الصَّومِ مِنَ الفَضِيلَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَقِيلَ مَعنَاهُ إِن كُنتُم مِن أَهلِ العِلمِ وَالتَّدَبُّرِ عَلِمتُم أَنَّ الصَّومَ خَيرٌ لَكُم مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ فَسَّرَ الأَيَّامَ المَعدُودَاتِ فََقَالَ سُبحَانَهُ:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
تِلكَ الأَيَّامُ هِيَ
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}
مِنَ اللَّوحِ المَحفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا فِي لَيلَةِ القَدرِ مِنهُ.
{هُدًى}
أَي أُنزِلَ هَادِيًا.
{لِّلنَّاسِ}
مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الحَقِّ.
{وَبَيِّنَاتٍ}
ءَايَاتٍ وَاضِحَاتٍ مَكشُوفَاتٍ.
{مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ}
مِمَّا يَهدِي إِلَى الحَقِّ وَيَفرُقُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.
{فَمَن شَهِدَ}
أَي رَأَى.
{مِنكُمُ الشَّهْرَ}
أَي هِلَالَ الشَّهرِ.
{فَلْيَصُمْهُ ۖ}
وَلَا يُفطِر إِلَّا إِن كَانَ لَهُ عُذرٌ، وَالأَمرُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ صَومِ رَمَضَانَ.
{وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ}
أَي فَعَلَيهِ عِدَّةٌ، أَي صَومُ الأَيَّامِ الَّتِي أَفطَرَهَا، وَكَرَّرَ هُنَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ نَسخُهُ.
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
أَي يُحِبُّ اللهُ لَكُمُ اليُسرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ([5])، المَعنَى: مَا جَعَلَ فِي دِينِكُم مِن حَرَجٍ إِلَّا شَيئًا تُطِيقُهُ النُّفُوسُ حَيثُ أَبَاحَ الفِطرَ بِالسَّفَرِ وَالمَرَضِ.
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
عِدَّةَ صَومِ رَمَضَانَ، أَو عِدَّةَ مَا أَفطَرتُم بِالقَضَاءِ إِذَا زَالَ المَرَضُ وَالسَّفَرُ.
{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ}
عِندَ إِكمَالِهَا.
{عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ}
أَرشَدَكُم لِمَعَالِمِ دِينِكُم.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
اللهَ عَلَى مَا شَرَعَ لَكُم، وَعُدِّيَ التَّكبِيرُ بِـ(عَلَى) لِتَضَمُّنِهِ مَعنَى الحَمدِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لِتُكَبِّرُوا اللهَ أَي لِتُعَظِّمُوهُ حَامِدِينَ عَلَى مَا هَدَاكُم إِلَيهِ([6]).
- الحَثُّ عَلَى الدُّعَاءِ
قَالَ أَعرَابِيٌّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ؟ أَم بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ؟ فَنَزَلَت:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ}
أَي عِلمًا وَإِجَابَةً، لِتَعَالِيهِ عَنِ القُربِ مَكَانًا، فَلَا يُقَالُ عَنِ اللهِ بَعِيدٌ وَلَا حَاضِرٌ، وَيُقَالُ قَرِيبٌ لَا بِمَعنَى القُربِ المَسَافِيِّ([7]).
{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ}
بِإِنَالَتِهِ مَا سَأَلَ.
{إِذَا دَعَانِ}
أَي دَعَانِي([8])، إِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَعدُ صِدقٍ مِنَ اللهِ لَا خُلفَ فِيهِ، أَي أُثِيبُ الطَّائِعَ عَلَى طَاعَتِهِ المُوَافِقَةِ لِلشَّرعِ، وَقَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: وَهَذَا الوَعدُ بِالإِجَابَةِ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، أَي أَستَجِيبُ لَكُم إِن شِئتُ، كَقَولِهِ سُبحَانَهُ: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ}([9])([10]).
{فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي}
إِذَا دَعَوتُهُم لِلإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ كَمَا أَنِّي أُجِيبُهُم إِذَا دَعَونِي لِحَوَائِجِهِم. {وَلْيُؤْمِنُوا بِي}
أَي فَليُدَاوِمُوا عَلَى الإِيمَانِ بِي.
{لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
يَهتَدُونَ، أَي لِيَكُونُوا عَلَى رَجَاءٍ مِن إِصَابَةِ الرُّشدِ، وَهُوَ ضِدُّ الغَيِّ.
- عَودَةٌ إِلَى ذِكرِ حُكمِ الصِّيَامِ
كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَمسَى حَلَّ لَهُ الأَكلُ وَالشُّربُ وَالجِمَاعُ إِلَى أَن يُصَلِّيَ العِشَاءَ الآخِرَةَ أَو يَرقُدَ، فَإِذَا صَلَّاهَا أَو رَقَدَ وَلَم يُفطِر حَرُمَ عَلَيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ إِلَى القَابِلَةِ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَاقَعَ أَهلَهُ بَعدَ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَلَمَّا اغتَسَلَ أَخَذَ يَبكِي وَيَلُومُ نَفسَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَخبَرَهُ بِمَا فَعَلَ، فَقَالَ ﷺ: «مَا كُنتَ جَدِيرًا بِذَلِكَ»([11])، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى:
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ }
أَيِ الإِفضَاءُ.
{إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ}
بِالجِمَاعِ، فَنَسَخَت هَذِهِ الآيَةُ حُكمَ تَحرِيمِ الجِمَاعِ وَالأَكلِ وَالشُّربِ بَعدَ العِشَاءِ، وَلَمَّا كَانَ الرَّجُلُ وَالمَرأَةُ يَعتَنِقَانِ وَيَشتَمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي عِنَاقِهِ شُبِّهَ بِاللِّبَاسِ المُشتَمِلِ عَلَيهِ بِقَولِهِ تَعَالَى:
{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ}
وَقِيلَ لِبَاسٌ أَي سَترٌ عَنِ الحَرَامِ، فَإِذَا كَانَت بَينَكُم وَبَينَهُنَّ مِثلُ هَذِهِ المُخَالَطَةِ وَالمُلَابَسَةِ قَلَّ صَبرُكُم عَنهُنَّ وَصَعُبَ عَلَيكُمُ اجتِنَابُهُنَّ فَلِذَا رُخِّصَ لَكُم فِي مُبَاشَرَتِهِنَّ، أَو هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ احتِيَاجِ كُلٍّ مِنهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، أَو مَعنَاهُ هُنَّ سَكَنٌ لَكُم وَأَنتُم سَكَنٌ لَهُنَّ.
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}
تَظلِمُونَهَا بِالجِمَاعِ وَتَنقُصُونَ حَظَّهَا مِنَ الخَيرِ، أَو تَخُونُونَهَا بِالجِمَاعِ لَيلَةَ الصِّيَامِ.
{فَتَابَ عَلَيْكُمْ}
حِينَ تُبتُم مِمَّا ارتَكَبتُم مِنَ المَحظُورِ.
{وَعَفَا عَنكُمْ ۖ}
مَا فَعَلتُم قَبلَ الرُّخصَةِ.
{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}
جَامِعُوهُنَّ فِي لَيَالِي الصَّومِ، وَهُوَ أَمرُ إِبَاحَةٍ، وَسُمِّيَتِ المُجَامَعَةُ مُبَاشَرةً لِالتِصَاقِ بَشَرَتَيهِمَا، فَالمُبَاشَرَةُ تَأتِي بِمَعنى الجِمَاعِ وَتَأتِي بِمَعنَى التَّضَامِّ([12]).
{وَابْتَغُوا}
وَاطلُبُوا.
{مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ}
مَا قَسَمَ اللهُ لَكُم وَأَثبَتَ فِي اللَّوحِ مِنَ الوَلَدِ بِالمُبَاشَرَةِ، فَلَا تُبَاشِرُوا لِقَضَاءِ الشَّهوَةِ وَحدَهَا وَلَكِن لِابتِغَاءِ مَا وَضَعَ اللهُ النِّكَاحَ لِأَجلِهِ كَالتَّنَاسُلِ، أَوِ ابتَغُوا المَحَلَّ الَّذِي كَتَبَهُ اللهُ لَكُم وَحَلَّلَهُ وَهُوَ القُبُلُ دُونَ مَا لَم يَكتُب لَكُم مِنَ المَحَلِّ المُحَرَّمِ وَهُوَ الدُّبُرُ، أَوِ اطلُبُوا مَا أَبَاحَ اللهُ لَكُم مِنَ الجِمَاعِ.
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا}
اللَّيلَ كُلَّهُ.
{حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ}
يَظهَرَ.
{لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ}
هُوَ أَوَّلُ مَا يَبدُو مِنَ الفَجرِ الصَّادِقِ المُعتَرِضِ فِي الأُفُقِ كَالخَيطِ المَمدُودِ.
{مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}
وَهُوَ مَا يَمتَدُّ مِن سَوَادِ اللَّيلِ، شُبِّهَا بِخَيطَينِ أَبيَضَ وَأَسوَدَ لِامتِدَادِهِمَا.
{مِنَ الْفَجْرِ ۖ}
أَيِ الصَّادِقِ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الخَيطَ الأَبيَضَ مِنَ الفَجرِ لَا مِن غَيرِهِ، وَكَانَ نَزَلَ فِي أَوَّلِ الأَمرِ قَولُهُ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}، فَكَانَ بَعضُ الصَّحَابَةِ يَضَعُ خَيطًا أَبيَضَ وَخَيطًا أَسوَدَ فَإِذَا تَمَيَّزَ لَهُ الخَيطَانِ أَمسَكَ عَنِ الأَكلِ، وَيَكُونُ هَذَا بَعدَ دُخُولِ الفَجرِ عِندَ ظُهُورِ الضَّوءِ، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: {مِنَ الْفَجْرِ} فَعُلِمَ أَنَّ المُرَادَ بِهِ طُلُوعُ الفَجرِ.
{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ}
أَي الكَفَّ عَن المُفَطِّرَاتِ مِنَ الفَجرِ.
{إِلَى اللَّيْلِ ۚ}
أَي إِلَى دُخُولِهِ بِغُرُوبِ الشَّمسِ.
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ}
لَا تُبَاشِرُوا النِّسَاءَ.
{وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ}
مُعتَكِفُونَ فِيهَا، أَي مُقِيمُونَ فِيهَا بِنِيَّةِ الِاعتِكَافِ، بَيَّنَ أَنَّ الجِمَاعَ يَحِلُّ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ لَكِن لِغَيرِ المُعتَكِفِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعتِكَافَ لَا يَكُوُن إِلَّا فِي المَسجِدِ، وَأَنَّهُ لَا يَختَصُّ بِهِ مَسجِدٌ دُونَ مَسجِدٍ.
{تِلْكَ}
الأَحكَامُ الَّتِي ذُكِرَت.
{حُدُودُ اللَّهِ}
أَحكَامُهُ، حَدَّهَا لِعِبَادِهِ لِيَقِفُوا عِندَهَا.
{فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ}
بِالمُخَالَفَةِ وَالتَّغيِير.ِ
{كَذَٰلِكَ}
كَمَا بَيَّنَ لَكُم مَا ذُكِرَ.
{يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ}
شَرَائِعَهُ.
{لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}
المَحَارِمَ.
- ذِكرُ التَّحذِيرِ مِن أَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى نَاهِيًا عَن بَعضِ طُرُقِ تَحصِيلِ المَالِ المُحَرَّمَةِ:
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم}
أَي لَا يَأكُل بَعضُكُم مَالَ بَعضٍ.
{بِالْبَاطِلِ}
بِالوَجهِ الَّذِي لَم يُبِحهُ اللهُ وَلَم يَشرَعهُ بَل هُوَ حَرَامٌ شَرعًا كَالقِمَارِ وَالغَصبِ وَجَحدِ الحُقُوقِ وَغَيرِ ذَلِكَ.
{وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}
أَي وَلَا تُلقُوا أَمرَ الحُكمِ فِيهَا إِلَى الحُكَّامِ، أَو لَا تُلقُوا الأَموَالَ إِلَى الحُكَّامِ رِشوَةً.
{لِتَأْكُلُوا}
بِالتَّحَاكُمِ.
{فَرِيقًا}
طَائِفَةً.
{مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ}
مُتَلَبِّسِينَ.
{بِالْإِثْمِ}
بِشَهَادَةِ الزُّورِ أَو بِالأَيمَانِ الكَاذِبَةِ أَو بِالصُّلحِ مَعَ العِلمِ بِأَنَّ المَقضِيَّ لَهُ ظَالِمٌ، قَالَ ابنُ جُزَيٍّ: وَالمَعنَى: نَهَى عَن أَن يَحتَجَّ بِحُجَّةٍ بَاطِلَةٍ لِيَصِلَ بِهَا إِلَى أَكلِ مَالِ النَّاسِ، وَقِيلَ نَهَى عَن رِشوَةِ الحُكَّامِ بِأَموَالٍ لِلوُصُولِ إِلَى أَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ([13]) .
{وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
أَنَّكُم عَلَى البَاطِلِ، وَارتِكَابُ المَعصِيَةِ مَعَ العِلمِ بِقُبحِهَا أَقبَحُ وَصَاحِبُهَا بِالتَّوبِيخِ أَحَقُّ.
- ذِكرُ الأَهِلَّةِ
قَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَالُ الهِلَالِ يَبدُو دَقِيقًا مِثلَ الخَيطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَمتَلِئَ نُورًا وَيَستَوِيَ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنقُصُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا بَدَأَ، لَا يَكُونُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَالشَّمسِ؟ فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ}
جَمعِ هِلَالٍ، وَهُوَ أَوَّلُ حَالِ القَمَرِ حِينَ يَرَاهُ النَّاسُ أَوَّلَ لَيلَةٍ مِنَ الشَّهرِ، سُمِّيَ بِهِ لِرَفعِ النَّاسِ أَصوَاتَهُم عِندَ رُؤيَتِهِ.
{قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ}
جَمعُ مِيقَاتٍ، أَي مَعَالِمُ يُؤَقَّتُ بِهَا.
{لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ}
لِيَعلَمَ النَّاسُ أَوقَاتَ حَجِّهِم، وَصَومِهِم وَإِفطَارِهِم، وَعِدَّةَ نِسَائِهِم وَأَيَّامَ حَيضِهِنَّ وَمُدَّةَ حَملِهِنَّ، وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الأَحكَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأَهِلَّةِ([14])، بَل وَمِنَ الأُمُورِ الدُّنيَوِيَّةِ كَالزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ.
وَقَالَ ابنُ جُزَيٍّ: كَانَ قَومٌ إِذَا رَجَعُوا مِنَ الحَجِّ لَم يَدخُلُوا بُيُوتَهُم مِن أَبوَابِهَا وَإِنَّمَا يَدخُلُونَ مِن ظُهُورِهَا، وَيَقُولُونَ: لَا يَحُولُ بَينَنَا وَبَينَ السَّمَاءِ شَىءٌ، فَنَزَلَت:
{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا}
إِعلَامًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَيسَ مِنَ البِرِّ، أَي لَيسَ البِرُّ بِتَحَرُّجِكُم مِن دُخُولِ البَابِ.
{وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ}
بِرُّ.
{مَنِ اتَّقَىٰ ۗ}
مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَرَكَ مُخَالَفَتَهُ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُم عِندَ سُؤَالِهِم عَنِ الأَهِلَّةِ وَعَنِ الحِكمَةِ فِي نُقصَانِهَا وَتَمَامِهَا: مَعلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا يَفعَلُهُ اللهُ تَعَالَى لَا يَكُونُ إِلَّا لِحِكمَةٍ فَدَعُوا السُّؤَالَ عَنهُ، وَانظُرُوا فِي خَصلَةٍ وَاحِدَةٍ تَفعَلُونَهَا مِمَّا لَيسَ مِنَ البِرِّ فِي شَىءٍ وَأَنتُم تَحسَبُونَهَا بِرًّا، فَهَذَا وَجهُ اتِّصَالِهِ بِمَا قَبلَهُ، وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاستِطرَادِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهَا مَوَاقِيتُ الحَجِّ لِأَنَّهُ كَانَ مِن أَفعَالِهِم فِي الحَجِّ، وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ هَذَا تَمثِيلًا لِتَعكِيسِهِم فِي سُؤَالِهِم وَأَنَّ مَثَلَهُم فِيهِ كَمَثَلِ مَن يَترُكُ بَابَ البَيتِ وَيَدخُلُ مِن ظَهرِهِ، وَالمَعنَى: لَيسَ البِرُّ وَمَا يَنبَغِي أَن تَكُونُوا عَلَيهِ أَن تَعكِسُوا فِي مَسَائِلِكُم، وَلَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقَى ذَلِكَ وَتَجَنَّبَهُ وَلَم يَجسُر عَلَى مِثلِهِ.
{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ}
أَي وَبَاشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِهَا الَّتِي يَجِبُ أَن تُبَاشَرَ عَلَيهَا وَلَا تَعكِسُوا.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ}
فِيمَا أَمَرَكُم بِهِ وَنَهَاكُم عَنهُ.
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
لِتَفُوزُوا بِالنَّعِيمِ السَّرمَدِيِّ.
- ذِكرُ حُكمِ القِتَالِ
وَلَمَّا صُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ البَيتِ وَنَحَرَ هَديَهُ بِالحُدَيبِيَةِ وَصَالَحَهُ المُشرِكُونَ عَلَى أَن يَرجِعَ مِنَ العَامِ المُقبِلِ رَجَعَ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ فِي العَامِ المُقبِلِ خَافَ أَصحَابُهُ أَن لَا تَفِيَ لَهُم قُرَيشٌ بِذَلِكَ وَأَن يَصُدُّوهُم وَيُقَاتِلُوهُم، وَكَرِهَ أَصحَابُهُ القِتَالَ فِي الحَرَمِ وَالإِحرَامِ وَالشَّهرِ الحَرَامِ، فَنَزَلَت:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}
{وَقَاتِلُوا}
جَاهِدُوا.
{فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
لِإِعلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ وَإِعزَازِ الدِّينِ.
{الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}
وَهَذَا يَقتَضِي أَنَّ القِتَالَ يُبَاحُ فِي حَقِّ مَن قَاتَلَنَا مِنَ الكُفَّارِ وَلَا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَن لَم يُقَاتِل، وَهَذَا مَنسُوخٌ بِقَولِهِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}، وَقِيلَ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَت فِي القِتَالِ، وَالمَعنَى أَنَّهُ رُخصَةٌ لَكُم أَن تُقَاتِلُوا الَّذِينَ قَاتَلُوكُم قَبلَ غَيرِهِم وَهُم مُشرِكُو مَكَّةَ، ثُمَّ انكَسَرَ مُشرِكُو مَكَّةَ بَعدَ الفَتحِ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الهِجرَةِ، فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الرُّخصَةَ فِي قَتلِهِم أَينَمَا وَجَدُوهُم، وَليُعلَم أَنَّ الكُفرَ هُوَ سَبَبُ العَذَابِ الأَبَدِيِّ فِي الآخِرَةِ، فَقِتَالُ المُسلِمِينَ الكُفَّارَ لِإِدخَالِهِم فِي الإِسلَامِ رَحمَةٌ بِهِم، لِأَنَّهُم يُرِيدُونَ أَن يُخرِجُوهُم مِنَ الكُفرِ الَّذِي هُم فِيهِ الَّذِي يُوجِبُ العَذَابَ الدَّائِمَ فِي الآخِرَةِ لِمَن مَاتَ عَلَيهِ، أَو مَعنَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أَيِ الَّذِينَ أَعَدُّوا أَنفُسَهُم لِلقِتَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَالشُّيُوخِ وَالصِّبيَانِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ مَنسُوخَةً.
{وَلَا تَعْتَدُوا ۚ}
أَي بِقِتَالِ مَن نُهِيتُم عَنهُ مِنَ النِّسَاءِ وَالشُّيُوخِ وَنَحوِهِمَا، أَو لَا تَعتَدُوا فِي القِتَالِ لِغَيرِ وَجهِ اللهِ كَالحَمِيَّةِ وَكَسبِ الذِّكر.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}
لَا يُرِيدُ بِهِمُ الخَيرَ.
وَلَمَّا حَرَّمَ الِاعتِدَاءَ صَرَّحَ بِإِبَاحَةِ أَصلِ القِتَالِ فَقَالَ:
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}
أَي حَيثُ وَجَدتُمُوهُم، أَي أَنَّهُ رُخصَةٌ لَكُم أَن تَقتُلُوا أُولَئِكَ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم وَأَخرَجُوكُم مِن مَكَّةَ.
{وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ}
أَي مِن مَكَّةَ، وَعَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى فَتحَ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وَقَد فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ بِمَن لَم يُسلِم مِنهُم يَومَ الفَتحِ، وَقَد أَرسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعضَ الصَّحَابَةِ إِلَى مَوضِعٍ بَينَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ حَتَّى يَتَحَسَّسُوا أَخبَارَ المُشرِكِينَ، وَلَم يَأمُرهُم ﷺ بِالقِتَالِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى هَذَا المَكَانِ وَنَزَلُوا بِهِ مَرَّت بِهِم قَافِلَةٌ وَفِيهَا عَمرُو بنُ الحَضرَمِيِّ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ أَشخَاصٍ، فَقَتَلُوا عَمرَو بنَ الحَضرَمِيِّ وَأَسَرُوا اثنَينِ وَفَرَّ الثَّالِثُ، فَجَاؤُوا بِالقَافِلَةِ وَالأَسِيرَينِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَنكَرَ عَلَيهِم ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَم يَأمُرهُم بِالقِتَالِ، وَلِأَنَّ القِتَالَ كَانَ فِي أَحَدِ الأَشهُرِ الحُرُمِ، وَكَانَ مُحَرَّمًا القِتَالُ فِيهَا قَبلَ أَن يُنسَخَ الحُكمُ، فَأَنكَرَ المُشرِكُونَ ذَلِكَ وَقَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ يَدَّعِي الخَيرَ ثُمَّ يَرفَعُ السَّيفَ فِي مِثلِ هَذَا الشَّهرِ!؟ وَعَابُوا عَلَى المُسلِمِينَ أَنَّهُم قَاتَلُوا فِي الشَّهرِ الحَرَامِ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِم وَذَمَّهُم بِأَنَّهُمُ ارتَكَبُوا رَأسَ الذَّنبِ وَهُوَ الشِّركُ، فَكَيفَ يَعِيبُونَ عَلَى المُسلِمِينَ أَنَّهُم قَاتَلُوا فِي الشَّهرِ الحَرَامِ وَمَا هُم عَلَيهِ أَشَدُّ مِن هَذَا؟ لِأَنَّ الشِّركَ هُوَ أَعظَمُ الظُّلمِ وَالفِتَنِ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي تَبكِيتِهِم وَزَجرِهِم قَولَهُ:
{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ}
أَي شِركُكُم وَكُفرُكُم بِاللهِ وَعِبَادَتُكُم لِلأَصنَامِ أَشَدُّ وَأَعظَمُ مِنَ القِتَالِ فِي مِثلِ هَذَا الشَّهرِ الَّذِي تُعَيِّرُونَ بِهِ المُسلِمِينَ، لِأَنَّ الكُفرَ هُوَ أَعظَمُ الجَرَائِمِ وَالقَبَائِحِ عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَلَا جَرِيمَةَ وَلَا ذَنبَ أَكبَرُ وَأَشَدُّ مِنَ الكُفرِ إِن كَانَ إِشرَاكًا وَإِن كَانَ غَيرَ إِشرَاكٍ([15])، وَأَتبَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الجُملَةَ بِقَولِهِ:
{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ}
أَي وَلَا تَبدَؤُوا بِقِتَالِهِم فِي الحَرَمِ حَتَّى يَبدَؤُوا، وَالمَسجِدُ الحَرَامُ يَقَعُ عَلَى الحَرَمِ كُلِّهِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ البُقعَةَ الَّتِي أُعِدَّت لِلصَّلَاةِ عَلَيهَا فَقَط، إِنَّمَا مَكَّةُ كُلُّهَا يُطلَقُ عَلَيهَا المَسجِدُ الحَرَامُ، فَالبُيُوتُ وَالمَنَازِلُ وَمَا يَتَّصِلُ بِالكَعبَةِ مِنَ المَسَافَةِ كُلٌّ يُقَالُ لَهُ المَسجِدُ الحَرَامُ.
{فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ}
فِي الحَرَمِ، فَيُقتَلُونَ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ لَا فِي الحَرَمِ، إِلَّا أَن يَبدَؤُونَا بِالقِتَالِ فِيهِ فَحِينَئِذٍ نَقتُلُهُم، وَإِن كَانَ ظَاهِرُ قَولِهِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} يُبِيحُ القَتلَ فِي الأَمكِنَةِ كُلِّهَا لَكِن خُصَّ النَّهيُ عَنِ القِتَالِ فِي الحَرَمِ إِلَّا عِندَ البَدَاءَةِ مِنهُم، لِقَولِِهِ: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ}.
{كَذَٰلِكَ}
أَيِ القَتلُ وَالإِخرَاجُ.
{جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.
{فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
{فَإِنِ انتَهَوْا}
عَنِ الشِّركِ وَالقِتَالِ وَأَسلَمُوا([16]).
{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}
لِمَا سَلَفَ مِن طُغيَانِهِم.
{رَّحِيمٌ}
بِهِم بِقَبُولِ تَوبَتِهِم وَإِيمَانِهِم.
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ}
تُوجَدَ.
{فِتْنَةٌ}
أَي شِركٌ، مَعنَاهُ فَرضٌ عَلَيكُم أَيُّهَا المُسلِمُونَ أَن تُقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا يَنتَشِرَ الكُفرُ وَحَتَّى لَا يَفتِنُوكُم عَن دِينِكُم فَيُخرِجُوكُم عَنهُ إِن بَقِيتُم سَاكِتِينَ.
{وَيَكُونَ الدِّينُ}
أَيِ العِبَادَةُ خَالِصَةً.
{لِلَّهِ ۖ}
لَيسَ لِلشَّيطَانِ فِيهَا نَصِيبٌ وَلَا يُعبَدُ شَىءٌ مََعَ اللهِ، أَي وَفُرِضَ عَلَيكُمُ القِتَالُ حَتَّى يَنتَشِرَ الإِسلَامُ، مَعنَاهُ انشُرُوا الإِسلَامَ بِقَدرِ وُسعِكُم، لِأَنَّهُ رَحمَةٌ لِلنَّاسِ وَبِهِ يَنجُو الإِنسَانُ مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ.
{فَإِنِ انتَهَوْا}
عَنِ الكُفرِ.
{فَلَا عُدْوَانَ}
أَي فَلَا اعتِدَاءَ بِقَتلٍ أَو نَحوِهِ.
إ{ِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}
الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الكُفرِ، وَمَنِ انتَهَى فَلَيسَ بِظَالِمٍ فَلَا عُدوَانَ عَلَيهِ.
وَلَمَّا أَقبَلَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ وَأَصحَابُهُ مُعتَمِرِينَ فِي ذِي القَعدَةِ وَمَعَهُمُ الهَديُ فَصَدَّهُمُ المُشرِكُونَ، وَصَالَحَهُم نَبِيُّ اللهِ ﷺ عَلَى أَن يَرجِعَ عَنهُم ثُمَّ يَعُودَ فِي العَامِ المُقبِلِ فَيَكُونُ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلَا يَدخُلُهَا بِسِلَاحٍ، وَلَا يَخرُجُ بِأَحَدٍ مِن أَهلِ مَكَّةَ، افتَخَرَ المُشرِكُونَ عَلَيهِ إِذ رَدُّوهُ يَومَ الحُدَيبِيَةِ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقبِلُ أَقبَلَ هُوَ وَأَصحَابُهُ وَدَخَلُوهَا، أَدخَلَهُ اللهُ مَكَّةَ فِي الشَّهرِ الَّذِي رَدُّوهُ فِيهِ، فَقَالَ:
{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}
{الشَّهْرُ الْحَرَامُ}
المُحَرَّمُ مُقَابَلٌ.
{بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ}
فَكُلَّمَا قَاتَلُوكُم فِيهِ قَاتِلُوهُم فِي مِثلِهِ.
{وَالْحُرُمَاتُ}
جَمعُ حُرمَةٍ، أَي مَا يَجِبُ احتِرَامُهُ.
{قِصَاصٌ ۚ }
أَي يُقتَصُّ بِمِثلِهَا إِذَا انتُهِكَت، أَيِ اقتَصَصتُ لَكُم مِنهُم فِي ذِي القَعدَةِ كَمَا صَدُّوكُم فِي ذِي القَعدَةِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَولِهِ:
{فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}
بِالقِتَالِ فِي الحَرَمِ أَوِ فِي الإِحرَامِ أَوِ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ.
{فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ}
بِعُقُوبَةٍ مُمَاثِلَةٍ لِعُدوَانِهِم، سَمَّى مُقَابَلَتَهُ اعتِدَاءً لِشَبَهِهَا بِالمُقَابَلِ بِهِ فِي الصُّورَةِ.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ}
فِي حَالِ كَونِكُم مُنتَصِرِينَ مِمَّنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَلَا تَعتَدُوا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكُم.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}
بِالعَونِ وَالنَّصرِ([17]).
- الحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى
لَمَّا كَانَتِ النَّفَقَةُ مِن أَعظَمِ دَعَائِمِ الجِهَادِ وَكَانَ تَعَالَى قَد بَيَّنَ حُكمَ الجِهَادِ الَّذِي هُوَ مِن أَشَقِّ الأَعمَالِ عَلَى النَّفسِ أَتبَعَهُ بِأَمرِ الجُودِ وَالإِنفَاقِ الَّذِي هُوَ أَشَقُّ مِنهُ عَلَى الأَنفُسِ، وَمِن حَيثُ إِنَّ القِتَالَ مُدَافَعَةٌ يَشتَمِلُ عَلَى عُدَّةٍ وَزَادٍ فَلَم يَكُن أَمرُهُ لِيَتِمَّ إِلَّا بِإِعمَالِ الغَرِيزَتَينِ: الشَّجَاعَةِ وَالجُودِ، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
{وَأَنفِقُوا}
تَصَدَّقُوا.
{فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
فِي رِضَى اللهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الجِهَادِ وَغَيرِهِ.
{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم بِأَيدِيكُم كَمَا يُقَالُ: أَهلَكَ فُلَانٌ نَفسَهُ بِيَدِهِ إِذَا تَسَبَّبَ بِهَلَاكِهَا، أَو لَا تَترُكُوا الإِنفَاقَ فِي سَبِيلِ اللهِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الهَلَاكِ، أَو لَا تَترُكُوا الجِهَادَ لِأَنَّهُ يُقَوِّي العَدُوَّ عَلَيكُم، أَو لَا تُسرِفُوا فِي النَّفَقَةِ فَتُفقِرُوا أَنفُسَكُم وَتُضَيِّعُوا عِيَالَكُم، لَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ مَعنَاهَا: لَا تَنشَغِلُوا فِي أَمَارَةِ المَالِ عَنِ الجِهَادِ، لِأَنَّ بَعضَ الأَنصَارِ انشَغَلُوا بِإِصلَاحِ أَموَالِهِم فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنصَارِيُّ: المَعنَى: لَا تَشتَغِلُوا بِأَموَالِكُم عَنِ الجِهَادِ.
{وَأَحْسِنُوا ۛ}
الظَنَّ بِاللهِ، أَو أَحسِنُوا أَعمَالَكُم بِالنَّفَقَةِ وَغَيرِهَا.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ}
يُثِيبُ.
{الْمُحْسِنِينَ}
إِلَى المُحتَاجِينَ.
- ذِكرُ بَعضِ شَعَائِرِ الحَجِّ وَأَحكَامِهِ
لَمَّا خَتَمَ آيَاتِ القِتَالِ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ لِشِدَّةِ حَاجَةِ الجِهَادِ إِلَيهَا، وَكَانَ “سَبِيلُ اللهِ” اسمًا يَقَعُ عَلَى الحَجِّ كَمَا يَقَعُ عَلَى الجِهَادِ رَجَعَ إِلَى ذِكرِ الحَجِّ وَالعُمرَةِ، وَلَا سِيَّمَا وَآيَاتُ القِتَالِ هَذِهِ إِنَّمَا نُظِمَت هَهُنَا بِسَبَبِهِمَا تَوصِيلًا إِلَيهِمَا، وَبَعضُهَا سَبَبُهُ عُمرَةُ الحُدَيبِيَةِ الَّتِي صَدَّ المُشرِكُونَ المُسلِمِينَ عَنهَا، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ}
أَدُّوهُمَا تَامَّينِ بِشَرَائِطِهِمَا وَفَرَائِضِهِمَا وَأَركَانِهِمَا وَوَاجِبَاتِهِمَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي شَرَعَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقِيلَ الإِتمَامُ يَكُونُ بَعدَ الشُّرُوعِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَن شَرَعَ فِيهِمَا بِالإِحرَامِ لَزِمَهُ إِتمَامُهُمَا وُجُوبًا وَلَو كَانَتَا نَفلًا.
{لِلَّهِ ۚ}
لِوَجهِ اللهِ تَعَالَى بِلَا تَوَانٍ وَلَا نُقصَانٍ.
{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}
مُنِعتُم عَنِ المُضِيِّ إِلَى البَيتِ وَأَنتُم مُحرِمُونَ بِحَجٍّ أَو عُمرَةٍ بِسَبَبِ عَدُوٍّ أَو مَرَضٍ أَو عَجزٍ.
{فَمَا اسْتَيْسَرَ}
فَمَا تَيَسَّرَ.
{مِنَ الْهَدْيِ ۖ}
جَمعِ هَديَةٍ، يَعنِي فَعَلَيكُم إِذَا أَرَدتُمُ التَّحَلُّلَ ذَبحُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الهَديِ مِن بَعِيرٍ أَو بَقَرَةٍ أَو شَاةٍ.
{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ}
لَا تَتَحَلَّلُوا بِحَلقِ الرَّأسِ.
{حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ}
أَيِ المَكَانَ الَّذِي يَحِلُّ ذَبحُهُ فِيهِ وَهُوَ مَكَانُ الإِحصَارِ سَوَاءٌ كَانَ فِي حِلٍّ أَو حَرَمٍ، وَلَا يَجُوزُ الذَّبحُ بِمَوضِعٍ مِن الحِلِّ غَيرِ الَّذِي أُحصِرَ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي المَجمُوعِ، وَبُلُوغُهُ مَحِلَّهُ كِنَايَةٌ عَن ذَبحِهِ فِي مَكَانِ الإِحصَارِ، وَلَم يَجُز أَن يَتَحَلَّلَ قَبلَ نَحرِهَا، لِهَذِهِ الآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الهَديَ بدلٌ مِنَ الأَفعَالِ الَّتِي تَرَكَهَا وَهُوَ لَم يَكُن يَتَحَلَّلُ إِلَّا بِهَا فَكَذَلِكَ الهَديُ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ لَهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ: وَلَا خِلَافَ بَينَ أَهلِ التَّفسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَت بِالحُدَيبِيَةِ، حِينَ أُحصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَالَ المُشرِكُونَ بَينَهُ وَبَينَ البَيتِ، فَنَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ حَلَالٌ، وَلَم يَرجِع إِلَى البَيتِ الحَرَامِ هُوَ وَلَا أَصحَابُهُ غَيرُ عُثمَانَ بنِ عَفَّانٍ.
{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا}
أَي بِهِ مَرَضٌ يُحوِجُهُ إِلَى الحَلقِ.
{أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ}
وَهُوَ القَملُ أَوِ الجِرَاحَةُ أَوِ الصُّدَاعُ.
{فَفِدْيَةٌ}
فَعَلَيهِ إِذَا حَلَقَ فِديَةٌ.
{مِّن صِيَامٍ}
ثِلَاثَةَ أَيَّامٍ.
{أَوْ صَدَقَةٍ}
عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسكِينٍ نِصفُ صَاعٍ مِن غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ.
{أَوْ نُسُكٍ ۚ}
ةشَاةٍ، وَأُلحِقَ بِهِ مَن حَلَقَ لِغَيرِ عُذرٍ لِأَنَّهُ أَولَى بِالكَفَّارَةِ، وَكَذَا مَنِ استَمتَعَ بِغَيرِ الحَلقِ كَالطِّيبِ وَاللُّبسِ وَالدَّهنِ لِعُذرٍ أَو غَيرِهِ.
{فَإِذَا أَمِنتُمْ}
الإِحصَارَ، أَي فَإِذَا لَم تُحصَرُوا وَكُنتُم فِي حَالِ أَمنٍ وَسَعَةٍ.
{فَمَن تَمَتَّعَ}
استَمتَعَ.
{بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}
وَاستِمتَاعُهُ بِالعُمرَةِ إِلَى وَقتِ الحَجِّ انتِفَاعُهُ بِالتَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللهِ قَبلَ انتِفَاعِهِ بِالتَّقَرُّبِ بِالحَجِّ، أَي أَحرَمَ بِالعُمرَةِ فِي أَشهُرِ الحَجِّ ثُمَّ بَعدَ فَرَاغِهِ مِنهَا أَحرَمَ بِالحَجِّ.
{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ}
وَهُوَ هَديُ المُتعَةِ، وَهُوَ نُسُكٌ يُذبَحُ بَعدَ الإِحرَامِ بِالحَجِّ، وَالأَفضَلُ يَومَ النَّحرِ.
{فَمَن لَّمْ يَجِدْ}
الهَديَ لِفَقدِهِ أَو فَقدِ ثَمَنِهِ.
{فَصِيَامُ}
فَعَلَيهِ صِيَامُ.
{ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي}
وَقتِ.
{الْحَجِّ}
وَهُوَ أَشهُرُهُ، فَيَصُومُ بَدَلَ الهَديِ وُجُوبًا قَبلَ يَومِ النَحرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَتُسَنُّ قَبلَ يَومِ عَرَفَةَ، لِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلحَاجِّ فِطرُهُ، وَلَا يَجُوزُ صَومُ شَىءٍ مِنهَا يَومِ النَّحرِ وَلَا فِي أَيَّامِ التَّشرِيقِ، وَلَا يَجُوزُ تَقدِيمُهَا عَلَى الإِحرَامِ بِالحَجِّ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا تُقَدَّمُ عَلَى وَقتِهَا.
{وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ}
إِذَا رَجَعتُم إِلَى وَطَنِكُم، فَلَا يَجُوزُ صَومُهَا فِي الطَّرِيقِ.
{تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ}
فِي وُقُوعِهَا بَدَلًا مِنَ الهَديِ، أَو فِي الثَّوَابِ.
{ذَٰلِكَ}
الحُكمُ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الهَديِ أَوِ الصِّيَامِ.
{لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ}
الأَهلُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ النَّفسِ.
{حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ}
حَاضِرُهُ: مَن قَرُبَ مِنهُ، وَهُم أَهلُ الحَرَمِ وَمَن بَينَهُ وَبَينَهُ مَسَافَةٌ لَا تُقصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، أَي مَن كَانُوا عَلَى دُونِ مَرحَلَتَينِ مِنَ الحَرَمِ، لِأَنَّ الحَاضِرَ فِي اللُّغَةِ هُوَ القَرِيبُ، وَلَا يَكُونُ قَرِيبًا إِلَّا فِي مَسَافَةٍ لَا تُقصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، فَإِن كَانَ مِن أَهلِ المَسجِدِ الحَرَامِ فَلَا دَمَ عَلَيهِ وَلَا صِيَامَ.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ}
فِيمَا أَمَرَكُم بِهِ وَنَهَاكُم عَنهُ فِي الحَجِّ وَغَيرِهِ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
لِمَن لَم يَتَّقِهِ وَخَالَفَهُ.
وَلَمَّا ذَكَرَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الحَجَّ مُوَقَّتٌ بِالأَهِلَّةِ وَلَم يُعَيِّن لَهُ وَقتًا مِن شُهُورِ السَّنَةِ وَخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّفرِقَةِ فِي بَعضِ أَحكَامِ الحَجِّ بِسَبَبِ الأَمَاكِنِ تَشَوَّفَتِ النَّفسُ إِلَى تَعيِينِ وَقتِهِ، فَقَالَ:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}
{الْحَجُّ}
أَي وَقتُ الحَجِّ.
{أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ}
مَعرُوفَاتٌ عِندَ النَّاسِ لَا يُشكِلنَ عَلَيهِم، وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو القَعدَةِ وَعَشرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وَفَائِدَةُ تَوقِيتِ الحَجِّ بِهَذِهِ الأَشهُرِ أَنَّ الإِحرَامَ بِالحَجِّ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِيهَا.
{فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ}
أَلزَمَ نَفسَهُ فِي هَذِهِ الأَشهُرِ.
{الْحَجَّ}
بِالإِحرَامِ.
{فَلَا رَفَثَ}
وَهُوَ الجِمَاعُ.
{وَلَا فُسُوقَ}
وَهِيَ المَعَاصِي.
{وَلَا جِدَالَ}
وَلَا مِرَاءَ مَعَ الرُّفَقَاءِ وَالخَدَمِ وَالمُكَارِينَ.
{فِي الْحَجِّ ۗ}
ثُمَّ حَثَّ عَلَى الخَيرِ عَقِيبَ النَّهيِ عَنِ الشَّرِّ وَأَن يَستَعمِلُوا مَكَانَ القَبِيحِ مِنَ الكَلَامِ الحَسَنَ وَمَكَانَ الفُسُوقِ البِرَّ وَالتَّقوَى وَمَكَانَ الجِدَالِ الوِفَاقَ وَالأَخلَاقَ الجَمِيلَةَ بِقَولِهِ تَعَالَى:
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ}
أَعلَمَ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ يُجَازِيكُم عَلَيهِ، وَرَدَّ قَولَ مَن نَفَى عِلمَهُ بِالجُزئِيَّاتِ([18])، وَكَانَ أُنَاسٌ مِن أَهلِ اليَمَنِ يَذهَبُونَ لِلحَجِّ بِغَيرِ زَادٍ، فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِإِرشَادِهِم إِلَى مَا هُوَ مَصلَحَتُهُم وَلِيُبَيِّنَ لَهُم أَنَّ خَيرَ الزَّادِ هُوَ التَّقوَى قَولَهَ:
{وَتَزَوَّدُوا}
لِسَفَرِ الحَجِّ، فَهُوَ عَمَلٌ حَسَنٌ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى الوُصُولِ إِلَى الحَجِّ.
{فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ}
أَي أَنَّ الأَهَمَّ مِن ذَلِكَ التَّزَوُّدِ هُوَ تَقوَى اللهِ([19]).
{وَاتَّقُونِ}
وَخَافُوا عِقَابِي.
{يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}
يَا ذَوِي العُقُولِ، يَعنِي أَنَّ قَضِيَّةَ اللُّبِّ تَقوَى اللهِ، وَمَن لَم يَتَّقِهِ مِنَ الأَلِبَّاءِ فَكَأَنَّهُ لَا لُبَّ لَهُ.
وَكَانُوا يَتَّقُونَ البُيُوعَ وَالتِّجَارَةَ فِي المَوسِمِ وَيَقُولُونَ: أَيَّامُ ذِكرٍ، وَزَعَمُوا أَن لَا حَجَّ لِجَمَّالٍ وَتَاجِرٍ، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ الدَّاجُّ وَلَيسُوا بِالحَاجِّ، فَنَزَلَت:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}
فِي.
{أَن تَبْتَغُوا}
تَطلُبُوا فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ.
{فَضْلًا}
رِزقًا وَعَطَاءً وَتَفَضُّلًا، وَهُوَ النَّفعُ وَالرِّبحُ فِي التِّجَارَةِ وَالكِرَاءِ.
{مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم}
دَفَعتُم بِكَثرَةٍ.
{مِّنْ عَرَفَاتٍ}
بَعدَ الوُقُوفِ بِهَا، وَهِيَ عَلَمٌ لِلمَوقِفِ، وَسُمِّيَت بِذَلِكَ لِأَنَّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَرَّفَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ المَنَاسِكَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَرَفتَ؟ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا وُصِفَت لِإِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَلَمَّا رَآهَا عَرَفَهَا، وَقِيلَ: التَقَى فِيهَا آدَمُ وَحَوَّاءُ فَتَعَارَفَا، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، وَهِيَ خَارِجَ حُدُودِ الحَرَمِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ الإِفَاضَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعدَهُ.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ}
بَعدَ المَبِيتِ بِمُزدَلِفَةَ بِالتَّلبِيَةِ وَالتَّهلِيلِ وَالتَّكبِيرِ وَالثَّنَاءِ وَالدَّعَوَاتِ، أَو بِصَلَاةِ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ.
{عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ}
هُوَ جَبَلٌ فِي آخِرِ المُزدَلِفَةِ يُقَالُ لَهُ قُزَحُ، وَهُوَ الجَبَلُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيهِ الإِمَامُ، وَالمَشعَرُ: المَعلَمُ لِأَنَّهُ مَعلَمُ العِبَادَةِ، وَوُصِفَ بِالحَرَامِ لِحُرمَتِهِ، وَالمُزدَلِفَةُ خَارِجَ مَكَّةَ لَكِنَّهَا مِنَ الحَرَمِ، سُمِّيَتِ المُزدَلِفَةَ وَجَمعًا لِأَنَّ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ اجتَمَعَ فِيهَا مَعَ حَوَّاءَ وَازدَلَفَ إِلَيهَا أَي دَنَا مِنهَا، أَو لِأَنَّهُ يُجمَعُ فِيهَا بَينَ الصَّلَاتَينِ، أَو لِأَنَّ النَّاسَ يَزدَلِفُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَي يَتَقَرَّبُونَ بِالوُقُوفِ فِيهَا([20]).
{وَاذْكُرُوهُ}
ذِكرًا حَسَنًا بِتَوحِيدِهِ.
{كَمَا هَدَاكُمْ}
هِدَايَةً حَسَنَةً وَعَلَّمَكُم كَيفَ تَذكُرُونَهُ وَلَا تَعدِلُوا عَنهُ، وَكَرَّرَ الأَمرَ بِالذِّكرِ لِلمُبَالَغَةِ فِي الأَمرِ بِهِ.
{وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ}
مِن قَبلِ الهُدَى.
{لَمِنَ الضَّالِّينَ}
أَيِ الجَاهِلِينَ لَا تَعرِفُونَ كَيفَ تَذكُرُونَهُ وَتَعبُدُونَهُ.
وَكَانَ أَهلُ مَكَّةَ مِن قُرَيشٍ يَقِفُونَ بِجَمعٍ وَسَائِرُ النَّاسِ بِعَرَفَاتَ تَرَفُّعًا عَنِ الوُقُوفِ مَعَهُم وَيَقُولُونَ نَحنُ قُطَّانُ حَرَمِهِ فَلَا نَخرُجُ مِنهُ، فَذَكَرَ مُخَالَفَتَهُم فِي ذَلِكَ وَحَذَّرَ مِنهَا وَنَهَاهُم عَنهَا فَقَالَ:
{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
{ثُمَّ أَفِيضُوا}
لِتَكُن إِفَاضَتُكُم يَا قُرَيشُ.
{مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}
بِأَن تَقِفُوا بِهَا مَعَهُم وَتُفِيضُوا مِن عَرَفَاتٍ إِلَى جَمعٍ وَلَا تَكُن إِفَاضَتُكُم مِنَ المُزدَلِفَةِ([21]) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكنٌ، وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَتِ الآثَارُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَةُ»([22]).
{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ}
مِن مُخَالَفَتِكُم فِي المَوقِفِ وَنَحوِ ذَلِكَ مِن جَاهِلِيَّتِكُم، أَو مِن تَقصِيرِكُم فِي أَعمَالِ الحَجِّ، أَو مِن ذُنُوبِكُم.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}
لِلمُؤمِنِينَ.
{رَّحِيمٌ}
بِهِم.
{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}
{فَإِذَا قَضَيْتُم}
أَدَّيتُم.
{مَّنَاسِكَكُمْ}
وَفَرَغتُم مِن عِبَادَاتِكُمُ الَّتِي أُمِرتُم بِهَا فِي الحَجِّ وَنَفَرتُم إِلَى مِنًى([23]).
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ}
فَأَكثِرُوا مِن ذِكرِ اللهِ وَبَالِغُوا فِيهِ بِالتَّكبِيرِ وَالثَّنَاءِ.
{كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}
كَمَا تَفعَلُونَ فِي ذِكرِ آبَائِكُم وَمَفَاخِرِهِم وَأَيَّامِهِم، وَكَانُوا إِذَا قَضَوا مَنَاسِكَهُم وَقَفُوا بَينَ المَسجِدِ بِمِنًى وَبَينَ الجَبَلِ فَيُعَدِّدُونَ فَضَائِلَ آبَائِهِم وَيَذكُرُونَ مَحَاسِنَ أَيَّامِهِم.
{أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ}
أَي أَكثَرَ مِن ذِكرِكُم إِيَّاهُم.
{فَمِنَ النَّاسِ}
الَّذِينَ يَشهَدُونَ الحَجَّ.
{مَن}
يَسأَلُ اللهَ حُظُوظَ الدُّنيَا.
فَـ{يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا}
اجعَل إِيتَاءَنَا أَي إِعطَاءَنَا وَنَصِيبَنَا.
{فِي الدُّنْيَا}
خَاصَّةً، يَعنِي الجَاهَ وَالغِنَى.
{وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}
أَي مِن نَصِيبٍ، لِأَنَّ هَمَّهُ مَقصُورٌ عَلَى الدُّنيَا لِكُفرِهِ بِالآخِرَةِ، وَالمَعنَى: أَكثِرُوا ذِكرَ اللهِ وَدُعَاءَهُ وَطَاعَتَهُ، لِأَنَّ النَّاسَ مِن بَينِ مُقِلٍّ لَا يَطلُبُ بِذِكرِ اللهِ إِلَّا أَعرَاضَ الدُّنيَا وَمُكثِرٍ يَطلُبُ خَيرَ الدَّارَينِ، فَكُونُوا مِنَ المُكثِرِينَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِم مَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الآيَةِ الَّتِي بَعدَهَا:
{وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
{وَمِنْهُم}
وَمِنَ الَّذِينَ يَشهَدُونَ الحَجَّ.
{مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}
أَي عَمَلًا صَالِحًا وَنِعمَةً وَعَافِيَةً وَعِلمًا وَعِبَادَةً، وَقِيلَ الزَّوجَةُ الصَّالِحَةُ.
{وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً}
أَيِ العَفوَ وَالمَغفِرَةَ وَالجَنَّةَ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ.
{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
احفَظنَا مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ بِعَدَمِ دُخُولِهَا([24]).
{أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
{أُولَٰئِكَ}
الدَّاعُونَ بِالحَسَنَتَينِ.
{لَهُمْ نَصِيبٌ}
ثَوَابٌ.
{مِّمَّا}
مِن جِنسِ مَا.
{كَسَبُوا ۚ}
مِنَ الأَعمَالِ الحَسَنَةِ مِنَ الحَجِّ وَالدُّعَاءِ، وَهُوَ الثَّوَابُ الَّذِي هُوَ المَنَافِعُ الحَسَنَةُ، أَو مِن أَجلِ مَا كَسَبُوا، وَسَمَّى الدُّعَاءَ كَسبًا لِأَنَّهُ مِنَ الأَعمَالِ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ {أُولَٰئِكَ} لِلفَرِيقَينِ أَي أَنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ نَصِيبًا مِن جِنسِ مَا كَسَبُوا.
{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
يُوشِكُ أَن يُقِيمَ القِيَامَةَ وَيُحَاسِبَ العِبَادَ فَبَادِرُوا إِكثَارَ الذِّكرِ وَطَلَبَ الآخِرَةِ، أَو وَصَفَ نَفسَهُ بِسُرعَةِ حِسَابِ الخَلَائِقِ عَلَى كَثرَةِ عَدَدِهِم وَكَثرَةِ أَعمَالِهِم لِيَدُلَّ عَلَى كَمَالِ قُدرَتِهِ وَوُجُوبِ الحَذَرِ مِن نِقمَتِهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ يُحَاسِبُ الخَلقَ فِي قَدرِ حَلبِ شَاةٍ، وَرُوِيَ: فِي مِقدَارِ لَمحَةٍ، وَرُوِيَ: فِي مِقدَارِ نِصفِ نَهَارٍ مِن أَيَّامِ الدُّنيَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا، إِذ لَو كَانَ حُرُوفًا وَأَصوَاتًا مُتَعَاقِبَةً لَمَا كَانَ حِسَابُهُ سَرِيعًا، بَل لَكَانَ حِسَابُ إِبلِيسَ وَحدَهُ يَحتَاجُ إِلَى خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ([25]).
وَلَمَّا كَانَ قَد أَمَرَهُم بِذِكرِهِ عِندَ قَضَاءِ الأَركَانِ، وَكَانَ رُبَّمَا فُهِمَ اقتِصَارُهُم عَلَيهِ فِي الوَقتِ الَّذِي كَانُوا يَذكُرُونَ فِيهِ آبَاءَهُم، قَالَ مُعَمِّمًا وَلِيَكُونَ الحَثُّ عَلَيهِ آكَدَ لِتَكرِيرِ النَّدبِ إِلَيهِ بِصِيغَةِ الأَمرِ فَيَكُونَ أَضخَمَ لِشَأنِهِ:
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ}
بِالتَّكبِيرِ فِي أَدبَارِ الصَّلَوَاتِ وَعِندَ الجَمَرَاتِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَوقَاتِ الحَجِّ.
{فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ}
هِيَ أَيَّامُ التَّشرِيقِ الثَّلَاثَةُ.
{فَمَن تَعَجَّلَ}
فَمَن عَجَّلَ فِي النَّفرِ أَوِ استَعجَلَ النَّفرَ.
{فِي يَوْمَيْنِ}
مِن هَذِهِ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَلَم يَمكُث حَتَّى يَرمِيَ فِي اليَومِ الثَّالِثِ وَاكتَفَى بِرَميِ الجِمَارِ فِي اليَومَينِ الأَوَّلَينِ([26]).
{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}
فَلَا يَأثَمُ بِهَذَا التَّعَجُّلِ([27]).
{وَمَن تَأَخَّرَ}
حَتَّى رَمَى فِي اليَومِ الثَّالِثِ.
{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ}
فِي تَركِ استِعمَالِ الرُّخصَةِ، بَل هُوَ مَأجُورٌ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي التَّعجِيلِ وَالتَّأَخُّرِ وَإِن كَانَ التَّأَخُّرُ أَفضَلَ، وَقِيلَ كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ فَرِيقَينِ: مِنهُم مَن جَعَلَ المُتَعَجِّلَ آثِمًا، وَمِنهُم مَن جَعَلَ المُتَأَخِّرَ آثِمًا، فَوَرَدَ القُرآنُ بِنَفيِ المَأثَمِ عَنهُمَا.
{لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ}
الصَّيدَ أَوِ الرَّفَثَ وَالفُسُوقَ، وَالمَعنَى أَنَّهُ قَد زَالَت آثَامُ المُتَعَجِّلِ وَالمُتَأَخِّرِ الَّتِي كَانَت عَلَيهِمَا قَبلَ حَجِّهِمَا بِشَرطِ التَّقوَى([28]).
{وَاتَّقُوا اللَّهَ}
فِي جَمِيعِ الأُمُورِ، وَذَلِكَ بِأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}
فِي الآخِرَةِ فَيُجَازِيكُم بِأَعمَالِكُم.
([1]) السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج8 ص307).
([2]) سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج3 ص620).
([3]) يَجِبُ صَومُ شَهرِ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ، وَلا يَصِحُّ مِن حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ، وَيَجِبُ عَلَيهِمَا القَضَاءُ. وَإِنَّمَا يَجِبُ الصَّومُ بِرُؤيَةِ عَدلِ شَهَادَةٍ هِلالَ رَمَضَانَ بَعدَ غُرُوبِ شَمسِ التَّاسِعِ وَالعِشرِينَ مِن شَعبَانَ، أَو بِاستِكمَالِ شَعبَانَ ثَلاثِينَ يَومًا إِن لَم يُرَ الهِلَالُ، فَإِذَا شَهِدَ عَدلٌ بِأَنَّهُ شَاهَدَ هِلالَ رَمَضَانَ عِندَ القَاضِي أَثبَتَ القَاضِي الصِّيَامَ عَلَى أَهلِ البَلَدِ كُلِّهِم، فَيَثبُتُ الصِّيَامُ عَلَى أَهلِ البَلَدِ وَعَلَى البُلدَانِ القَرِيبَةِ مِنهَا أَيِ الَّتِي اتَّحَدَت مَطَالِعُهَا مَعَهَا، وَشَهَادَتُهُ تَكُونُ بِأَن يَقُولَ: أَشهَدُ أَنِّي رَأَيتُ هِلالَ رَمَضَانَ اللَّيلَةَ، أَمَّا لَو قَالَ عَلِمتُ أَنَّهُ هِلالُ رَمَضَانَ اللَّيلَةَ فَلا يَثبُتُ بِقَولِهِ هَذَا. وَيُشتَرَطُ فِيمَن يَجِبُ عَلَيهِ الصَّومُ الإِسلامُ وَالتَّكلِيفُ أَيِ البُلُوغُ وَالعَقلُ، فَلا يَجِبُ الصِّيَامُ عَلَى الكَافِرِ الأَصلِيِّ أَي أَدَاؤُهُ فِي الدُّنيَا، وَلا عَلَى الصَّبِيِّ، لَكِن يَجِبُ عَلَى الأَبَوَينِ أَن يَأمُرَا الوَلَدَ المُمَيِّزَ بِالصَّومِ بَعدَ سَبعِ سِنِينَ إِن أَطَاقَ جِسمُهُ وَتَحَمَّلَ، وَلا يَجِبُ أَيضًا عَلَى المَجنُونِ. وَأَمَّا المُرتَدُّ فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَقضِيَ مَا فَاتَهُ مِنَ الصِّيَامِ فِي أَيَّامِ رِدَّتِهِ، هَذَا عِندَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَمَّا عِندَ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ مَالِكٍ وَأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَلا يَجِبُ عَلَيهِ قَضَاءُ الصِّيَامِ. وَلا يَجِبُ الصَّومُ أَيضًا عَلَى مَن لا يُطِيقُهُ حِسًّا لِكِبَرٍ أَو مَرَضٍ لا يُرجَى بُرؤُهُ، وَكَذَا مَن لا يُطِيقُهُ شَرعًا كَالحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَإِنَّهُمَا لا يَجِبُ عَلَيهِمَا وُجُوبَ أَدَاءٍ بَل يَجِبُ عَلَيهِمَا وُجُوبَ قَضَاءٍ، وَكَذَلِكَ المَرِيضُ الَّذِي يُرجَى بُرؤُهُ. وَيَحرُمُ الإِمسَاكُ عَلَى الحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ وَلا يَجِبُ عَلَيهِمَا تَعَاطِي مُفَطِّرٍ. وَيَجِبُ في الصيام إِيقَاعُ النِّيَّةِ لَيلًا فِيمَا بَينَ غُرُوبِ الشَّمسِ وَطُلُوعِ الفَجرِ لِكُلِّ يَومٍ مِن رَمَضَانَ بِالقَلبِ، وَلَو قَبلَ أَن يَتَعَاطَى مُفَطِّرًا، لِحَدِيثِ أَحمَدَ وَغَيرِهِ عَن حَفصَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَن لَم يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبلَ الفَجرِ فَلا صِيَامَ لَهُ»، سُنَنُ النَّسَائِيِّ، لِأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ النَّسَائِيِّ (ج4 ص318). وَيَجِبُ الإِمسَاكُ عَنِ الجِمَاعِ، أَي أَن يَكُفَّ الصَّائِمُ نَفسَهُ عَنِ الجِمَاعِ فِي فَرجٍ وَلَو لِبَهِيمَةٍ، وَعن الِاستِمنَاءِ، وَهُوَ استِخرَاجُ المَنِيِّ بِنَحوِ اليَدِ، وَعن الِاستِقَاءَةِ بِنَحوِ إِدخَالِ إِصبَعِهِ أَو إِدخَالِ نَحوِ رِيشَةٍ فَإِنَّهُ يُفطِرُ بِذَلِكَ، وَعَنِ الرِّدَّةِ، أَي عَن قَطعِ الإِسلامِ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنهَا جَمِيعَ النَّهَارِ، فَمَنِ ارتَدَّ وَلَو لَحظَةً مِنَ النَّهَارِ بَطَلَ صَومُهُ كَالصَّلاةِ، سَوَاءٌ كَانَ كُفرُهُ بِالقَولِ أَوِ الفِعلِ أَوِ الِاعتِقَادِ، وَعَن دُخُولِ عَينٍ جَوفًا إِلَّا رِيقَهُ الخَالِصَ الطَّاهِرَ مِن مَعدِنِهِ، وَلَو كَانَت تِلكَ العَينُ قَلِيلَةً كَحَبَّةِ سِمسِمٍ، وَلَو كَانَت مِمَّا لا يُؤكَلُ كَحَصَاةٍ، فَمَن تَنَاوَلَ عَينًا فَدَخَلَت إِلَى جَوفِهِ مِن مَنفَذٍ مَفتُوحٍ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ مُتَعَمِّدًا لا نَاسِيًا وَمُختَارًا لا مُكرَهًا بِالقَتلِ وَنَحوِهِ أَفطَرَ، وَأَن لا يُجَنَّ وَلَو لَحظَةً، وَأَن لا يُغمَى عَلَيهِ كُلَّ اليَومِ، فَمَن جُنَّ فِي بَعضِ النَّهَارِ وَلَو لَحظَةً فَإِنَّه يُفطِرُ وَلَيسَ عَلَيهِ قَضَاءٌ، وَمَن حَصَلَ لَهُ إِغمَاءٌ يَستَغرِقُ كُلَّ النَّهَارِ أَفطَرَ، فَإِن لَم يَستَغرِق كُلَّ النَّهَارِ فَلا يَضُرُّ، وَاختَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَيهِ، فَمَن فَعَلَ شَيئًا مِن ذَلِكَ عَالِمًا بِالتَّحرِيمِ مُتَعَمِّدًا أَي غَيرَ نَاسٍ لِلصَّومِ مُختَارًا أَي لَا مُكرَهًا بِالقَتلِ أَو نَحوِهِ فَإِنَّهُ يُفطِرُ، وَمَن أَفسَدَ صَومَهُ بِالجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَجَبَت عَلَيهِ الكَفَّارَةُ، وَتَجِبُ فِديَةٌ وَهِيَ مُدٌّ عَن كُلِّ يَومٍ يُفطِرُهُ مَن أَفطَرَ لِكِبَرٍ أَو مَرَضٍ لَا يُرجَى بُرؤُهُ أَو إِذَا أَفطَرَتِ الحَامِلُ أَوِ المُرضِعُ خَوفًا عَلَى وَلَدِهِمَا فَقَط. مُلَخَّصًا مِن: فَتحِ الوَهَّابِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج1 ص138-147)، رَوضَةِ الطَّالِبِينَ، لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ (ج2 ص345-389)، أَسنَى المَطَالِبِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج1 ص408-433).
([4]) يَجُوزُ الفِطرُ فِي صَومِ الفَرضِ بِأَسبَابٍ مِنهَا: السَّفَرُ إِلَى مَسَافَةِ قَصرٍ، وَهِيَ مَرحَلَتَانِ، أَي سَفَرًا يَجُوزُ فِيهِ قَصرُ الصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ إِلَى رَكعَتَينِ، وَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي لَيسَ فِيهِ عِصيَانٌ لِلَّهِ وَلا هُوَ قَصِيرٌ بِأَن يَكُونَ أَقَلَّ مِن مَرحَلَتَينِ. فَإِذَا كَانَ السَّفَرُ إِلَى مَرحَلَتَينِ أَي بِسَيرِ الأَثقَالِ وَدَبِيبِ الأَقدَامِ يَجُوزُ الفِطرُ لَو لَم يَشُقَّ عَلَيهِ الصَّومُ، لَكِن إِن لَم يَشُقَّ عَلَيهِ الصَّومُ فَالمُثَابَرَةُ عَلَى الصِّيَامِ أَفضَلُ مِن أَن يُفطِرَ. وَمِنهَا المَرَضُ إِن كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ مَعَ الصَّومِ تُبِيحُ التَّيَمُّمَ، أَي كَانَ فِي المُثَابَرَةِ عَلَى الصَّومِ مَعَ هَذَا المَرَضِ مَشَقَّةٌ كَمَشَقَّةِ استِعمَالِ المَاءِ لِلطُّهرِ، فَعِندَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ الإِفطَارُ كَمَا أَنَّ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيهِ استِعمَالُ المَاءِ لِلوُضُوءِ أَو لِلِاغتِسَالِ مَشَقَّةً لَا تُحتَمَلُ عَادَةً كَأَن كَانَ يَخَافُ تَلَفَ نَفسِهِ أَو عُضوِهِ أَو زِيَادَةَ مَرَضٍ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ مِن أَجلِ المَشَقَّةِ. وَمِنهَا الحَملُ وَالإِرضَاعُ إِذَا خَافَتِ الحَامِلُ وَالمُرضِعُ عَلَى أَنفُسِهِمَا أَو عَلَى وَلَدِهِمَا، وَيَجِبُ عَلَيهِمَا -وَلَو مَرِيضَتَينِ أَو مُسَافِرَتَينِ إِذَا أَفطَرَتَا خَوفًا عَلَى الوَلَدِ فَقَط أَن يُجهَضَ أَو يَقِلَّ اللَّبَنُ فَيَتَضَرَّرَ- مَعَ القَضَاءِ الفِديَةُ لِكُلِّ يَومٍ مُدٌّ. وَأَمَّا العَاجِزُ عَنِ الصَّومِ لِكِبَرِ سِنٍّ أَو زَمَانَةٍ، وهو الإِنسَانُ الَّذِي كَسَرَهُ المَرَضُ فَلا يُطِيقُ الصَّومَ يُسَمَّى زَمِنًا، أَو مَرَضٍ لا يُرجَى بُرؤُهُ فَلَيسَ عَلَيهِ قَضَاءٌ بل تجب عليه الفدية، وَالفِديَةُ تُدفَعُ عَن كُلِّ يَومٍ فِي يَومِهِ وَلا يُقَدِّمُ الدَّفعَ كُلَّهُ، وَإِن كَانَ لا يَستَطِيعُ أَن يَدفَعَ عَن كُلِّ يَومٍ فِي يَومِهِ يُؤَخِّرُ إِلَى وَقتِ استِطَاعَتِهِ، وَقَدرُ الفِديَةِ مُدٌّ عَن كُلِّ يَومٍ مِن غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ. مُلَخَّصًا مِن: فَتحِ الوَهَّابِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج1 ص138-147)، رَوضَةِ الطَّالِبِينَ، لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ (ج2 ص345-389)، أَسنَى المَطَالِبِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج1 ص408-433).
([5]) وَمَعنَى الإِرَادَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ المَحَبَّةُ، وَليُعلَم أَنَّ الإِرَادَةَ تَأتِي بِمَعنَى المَشِيئَةِ أَيضًا كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، [سُورَةُ التَّكوِيرِ:29]، وَتَأتِي عَلَى مَعنَى المَحَبَّةِ كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ مِن صِفَاتِ اللهِ الوَاجِبَةِ لَهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يُخَصِّصُ اللهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الأَشيَاءَ المُمكِنَةَ (أَيِ الَّتِي يَجُوزُ وُجُودُهَا وَعَدَمُ وُجُودِهَا مِثلُ هَذَا العَالَمِ) بِبَعضِ الصِّفَاتِ الجَائِزَةِ عَلَيهَا دُونَ بَعضٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}، [سُورَةُ الحَجِّ:14].
([6]) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «زَيِّنُوا أَعيَادَكُم بِالتَّكبِيرِ»، المُعجَمُ الأَوسَطُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج4 ص339)، فَيُكَبِّرُ الرَّجُلُ وَغَيرُهُ حَاضِرًا كَانَ أَو مُسَافِرًا نَدبًا فِي المَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالمَسَاجِدِ وَالأَسوَاقِ مِن غُرُوبِ الشَّمسِ مِن لَيلَةِ عِيدِ الفِطرِ، وَيَستَمِرُّ هَذَا التَّكبِيرُ إِلَى أَن يُحرِمَ الإِمَامُ بِصَلَاةِ العِيدِ، وَلَم يَرِدِ التَّكبِيرُ بَعدَ صَلَاةِ عِيدِ الفِطرِ، وَيَكُونُ التَّكبِيرُ بِرَفعِ الصَّوتِ بِالنِّسبَةِ لِلرَّجُلِ وَبِخَفضِ الصَّوتِ بِالنِّسبَةِ لِلأُنثَى بِحَضرَةِ الرِّجَالِ الأَجَانِبِ، وَمِمَّا يُستَحسَنُ مِنَ الصِّيَغِ فِي تَكبِيرَاتِ العِيدِ: (اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ، اللهُ أَكبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ بُكرَةً وَأَصِيلًا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ، صَدَقَ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَأَعَزَّ جُندَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ)، وَليُعلَم أَنَّ خَفضَ المَرأَةِ صَوتَهَا فِي التَّكبِيرِ لَيسَ لِأَنَّهُ عَورَةٌ، فَصَوتُ المَرأَةِ لَيسَ بِعَورَةٍ بِالإِجمَاعِ، وَلَكِن أَمرُ المَرأَةِ مَبنِيٌّ فِي الشَّرعِ عَلَى المُبَالَغَةِ فِي السَّترِ.
([7]) وَسُؤَالُ هَذَا الأَعرَابِيِّ لَيسَ عَن شَكٍّ فِي استِحَالَةِ القُربِ الحِسِّيِّ وَالبُعدِ الحِسِّيِّ عَلَى اللهِ، إِنَّمَا يُرِيدُ زِيَادَةَ اليَقِينِ فِي أَنَّهُ لَيسَ قَرِيبًا بِالمَسَافَةِ وَلَا بَعِيدًا بِالمَسَافَةِ، لِأَنَّ الَّذِي يَعتَقِدُ أَنَّ اللهَ قَرِيبٌ أَو بَعِيدٌ بِالمَسَافَةِ فَقَد شَبَّهَهُ بِخَلقِهِ، لِأَنَّ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ أَنَّ بَعضَهَا قَرِيبٌ مِن بَعضٍ بِالمَسَافَةِ وَبَعضَهَا بَعِيدٌ مِن بَعضٍ بِالمَسَافَةِ.
([8]) الدُّعَاءُ وَأَسرَارُ إِجَابَتِهِ: إِنَّ مِن أَنفَعِ الأَدوِيَةِ لِلمُؤمِنِ عِندَ الضِّيقِ وَالحَاجَةِ وَالكَربِ أَن يَسأَلَ رَبَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِدَعوَةٍ يَطلُبُ فِيهَا الخَيرَ وَدَفعَ الشَّرِّ مِنهُ تَعَالَى، وَفِي ذَلِكَ إِظهَارٌ لِلفَقرِ وَالضَّعفِ وَالحَاجَةِ وَالعَجزِ مِنَ العَبدِ وَالِاعتِرَافُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ القَادِرُ المُغنِي المَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ السَّمِيعُ العَلِيمُ. وَمِن فَضِيلَةِ الدُّعَاءِ أَنَّهُ مِن أَكرَمِ الأَشيَاءِ عَلَى اللهِ، وَفِيهِ تَضَرُّعٌ وَافتِقَارٌ إِلَى اللهِ وَبَيَانُ حَاجَةِ الإِنسَانِ إِلَى رَبِّهِ وَأَنَّهُ لَا يَستَغنِي عَنهُ طَرفَةَ عَينٍ، وَأَنَّ العَبدَ الدَّاعِيَ لَا يُخطِئُهُ مِنَ الدُّعَاءِ إِحدَى ثَلَاثٍ: إمَّا ذَنبٌ يُغفَرُ لَهُ، وَإِمَّا خَيرٌ يُعَجَّلُ لَهُ، أَو يُدَّخَرُ لَهُ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ، قَالَ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:55]، وَقَالَ تَعَالَى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}، [سُورَةُ النَّملِ:62]. وَمِن أَدَبِ الدُّعَاءِ التَّوبَةُ وَرَدُّ المَظَالِمِ وَالإِقرَارُ بِالإِسَاءَةِ، وَأَكلُ الحَلَالِ فَقَد قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِسَيِّدِنَا سَعدِ بنِِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا سَعدُ أَطِب مَطعَمَكَ تَكُن مُستَجَابَ الدَّعوَةِ»، مَجمَعُ الزَّوَائِدِ وَمَنبَعُ الفَوَائِدِ، لِنُورِ الدِّينِ الهَيثَمِيِّ (ج10 ص521).وَقَد أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جُملَةٍ مِن آدَابِ الدُّعَاءِ فِيمَا يَروِيهِ مُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، [سُورَةُ المُؤمِنُونَ:51]، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يَدَيهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُستَجَابُ لَهُ»، صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الزَّكَاةِ – بَابُ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنَ الكَسبِ الطَّيِّبِ، وَمِن هَذِهِ الآدَابِ فِي الدُّعَاءِ المُستَفَادَةِ مِن هَذَا الحَدِيثِ: أَن يَقَعَ الدُّعَاءُ فِي أَثنَاءِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ فَإِنَّ مَظِنَّةَ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَقتَهَا تَكُونُ أَكبَرَ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ السَّفَرُ سَفَرَ طَاعَةٍ، وَمِن آدَابِ الدُّعَاءِ أَنَّ رَثَاثَةَ الهَيئَةِ عِندَ الدُّعَاءِ مِن أَسبَابِ الإِجَابَةِ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ ظُهُورِ الحَاجَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَمِن أَسبَابِ الإِجَابَةِ لِلدُّعَاءِ رَفعُ اليَدَينِ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّهَا قِبلَةُ الدُّعَاءِ لَا أَنَّ اللهَ يَسكُنُهَا، فَاللهُ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، فَرَفعُ اليَدَينِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ مُشعِرٌ بِالذُّلِّ وَالِانكِسَارِ وَالإِقرَارِ بِصِفَةِ العَجزِ، وَمِنَ الآدَابِ الإِلحَاحُ فِي الدُّعَاءِ للهِ بِتَكرَارِ ذِكرِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَمِمَّا يُستَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ أَنَّ أَكلَ الحَرَامِ سَبَبٌ فِي عَدَمِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الحَرَامَ يُفسِدُ القَلبَ وَفَسَادُهُ يُفسِدُ الجَسَدَ وَالدُّعَاءُ نَتِيجَتُهُمَا، وَلَكِنَّهُ لَيسَ صَرِيحًا فِي استِحَالَةِ الإِجَابَةِ وَمَنعِهَا بِالكُلِّيَّةِ، وَمِن آدَابِ الدُّعَاءِ: أَنَّهُ يَنبَغِي لِلَّذِي يَدعُو رَبَّهُ أَن يُحسِنَ الظَنَّ بِرَبِّهِ وَيَذكُرَ أَنَّ اللهَ يَسمَعُهُ وَيَعلَمُ بِهِ وَأَن يُكَرِّرَ دُعَاءَهُ وَلَا يَنبَغِي أَن يَقنَطَ أَو يَيأَسَ مِن رَحمَةِ اللهِ وَلَا يَنبَغِي أَن يَقُولَ العَبدُ دَعَوتُ فَلَم يُستَجَب لِي، وَمِن أَدَبِ الدَّاعِي أَن يَدعُوَ اللهَ مُتَضَرِّعًا مُبتَدِئًا بِحَمدِ اللهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ ويَختَتِمَهُ أَيضًا بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ يَنبَغِي لِلدَّاعِي ذِكرُ أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فِي دُعَائِهِ كَقَولِ يَا رَبِّ يَا رَحمَنُ يَا رَحِيمُ يَا مَالِكَ المُلكِ، وخَفضُ الصَّوتِ بَينَ المُخَافَتَةِ وَالجَهرِ. وَأَمَّا الأَوقَاتُ الَّتِي يُرجَى بِهَا قَبُولُ الدُّعَاءِ فَكَثِيرَةٌ مِنهَا: لَيلَةُ القَدرِ وَجَوفُ اللَّيلِ وَلَا سِيَّمَا الثُّلُثُ الأَخِيرُ مِنَ اللَّيلِ، وَمِنَ الأَوقَاتِ الَّتِي يُرجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدُّعَاءِ سَاعَةٌ مِن كُلِّ يَومِ جُمُعَةٍ وَلَم يَرِد تَحدِيدُهَا عَلَى التَّمَامِ مِن نَهَارِ الجُمُعَةِ لِذَلِكَ يَنبَغِي الِاجتِهَادُ وَالتَّحَرِّي لَهَا طِيلَةَ يَومِ الجُمُعَةِ وَالأَغلَبُ أَنَّهَا بَعدَ العَصرِ وَقَبلَ المَغرِبِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ، وَكَذِلَكَ يُستَجَابُ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ أَثنَاءَ الصَّلَاةِ، وَبَعدَ قِرَاءَةِ القُرءَانِ وَخَتمَةِ المُصحَفِ، وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “وَقَد حَفِظتُ عَن غَيرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الإِجَابَةِ عِندَ نُزُولِ الغَيثِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ”.اهـ الأُمُّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِدرِيسَ الشَّافِعِيِّ (ج1 ص293). وَأَمَّا المَوَاضِعُ وَالأَمَاكِنُ الَّتِي يُرجَى فِيهَا قَبُولُ الدُّعَاءِ فَهِيَ: عِندَ رُؤيَةِ الكَعبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَعِندَ تَقبِيلِ الحَجَرِ الأَسوَدِ وَفِي الطَّوَافِ وَالسَّعيِ، وَعِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ، وَعَقِبَ شُربِ مَاءِ زَمزَمَ، وَعِندَ التِقَاءِ الصُّفُوفِ بِالحَربِ، وَمِنَ المَوَاضِعِ الَّتِي يُرجَى بِهَا الإِجَابَةُ الدُّعَاءُ عِندَ قَبرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِندَ قُبُورِ الأَنبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِم أَجمَعِينَ وَكَذَلِكَ عِندَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ.
فَائِدَةٌ: مَرَّ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ بِسُوقِ البَصرَةِ فَاجتَمَعَ النَّاسُ إِلَيهِ، وَقَالُوا: يَا أَبَا إِسحَاقَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، [سُورَةُ غَافِرٍ:60]، وَنَحنُ نَدعُو فَلَا يُستَجَابُ لَنَا؟ قَالَ: لِأَنَّ قُلُوبَكُم مَاتَت بِعَشَرَةِ أَشيَاءَ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟! قالَ: الأَوَّلُ: أَنَّكُم عَرَفتُمُ اللهَ فَلَم تُؤَدُّوا حَقَّهُ. الثَّانِي: ادَّعَيتُم حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَم تَعمَلُوا بِسُنَّتِهِ. الثَّالِثُ: قَرَأتُمُ القُرءَانَ وَلَم تَعمَلُوا بِهِ. الرَّابِعُ: أَكَلتُم نِعمَةَ اللهِ، وَلَم تُؤَدُّوا شُكرَهَا. الخَامِسُ: قُلتُم إِنَّ الشَّيطَانَ عَدُوُّكُم وَوَافَقتُمُوهُ. السَّادِسُ: قُلتُم إِنَّكُم مُشتَاقُونَ لِلجَنَّةِ فَلَم تَعمَلُوا لَهَا. السَّابِعُ: قُلتُم إِنَّكُم تَخَافُونَ مِنَ النَّارِ فَلَم تَهرُبُوا مِنهَا. الثَّامِنُ: قُلتُم إِنَّ المَوتَ حَقٌّ وَلَم تَستَعِدُّوا لَهُ. التَّاسِعُ: اشتَغَلتُم بِعُيُوبِ النَّاسِ وَنَسِيتُم عُيُوبَكُم. العَاشِرُ: دَفَنتُم مَوتَاكُم وَلَم تَعتَبِرُوا بِهِم. حِليَةُ الأَولِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصفِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيمٍ الأَصبَهَانِيِّ (ج8 ص15).
([9]) [سُورَةُ الأَنعَامِ:41].
([10]) وَأَمَّا قَولُ: إِنَّ العَبدَ إِذَا قَالَ يَا رَبِّ يَقُولُ اللهُ لَهُ لَبَّيكَ عَبدِي، فَهَذَا كَذِبٌ غَيرُ صَحِيحٍ، كَلِمَةُ لَبَّيكَ مَعنَاهُ أُطِيعُكَ طَاعَةً بَعدَ طَاعَةٍ، هَذَا يَقُولُهُ العَبدُ للهِ تَعَالَى، أَمَّا اللهُ تَعَالَى لَا يُنسَبُ إِلَيهِ قَولُ لَبَّيكَ كَمَا هُوَ مَوجُودٌ فِي كِتَابِ تَفسِيرِ النَّسَفِيِّ.
([11]) حَاشِيَةُ السَّهَارِنفُورِيِّ عَلَى البُخَارِيِّ، لِأَحمَد عَلِي السَّهَارِنفُورِيِّ (ج8 ص734).
([12]) تَنبِيهٌ: لَا يَجُوزُ تَفسِيرُ المُبَاشَرَةِ بِالجِمَاعِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «كَانَ يُبَاشِرُنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ»، سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج2 ص259)، فَإِنَّ الجِمَاعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مِنَ الكَبَائِرِ وَالأَنبِيَاءُ مَعصُومُونَ مِنهَا، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَلمَسُ بَشَرَتَهَا لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأمَنُ مِن نُزُولِ المَنِيِّ.
([13]) قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلخَصمَينِ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَأَنتُم تَختَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعضَكُم أَلحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعضٍ فَأَقضِي لَهُ عَلَى نَحوِ مَا أَسمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيتُ لَهُ بِشَىءٍ مِن حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأخُذَنَّ مِنهُ شَيئًا، فَإِنَّمَا أَقضِي لَهُ قِطعَةً مِن نَارٍ»، السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج20 ص443)، فَبَكَيَا، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا: حَقِّي لِصَاحِبِي.
([14]) لِذَا قَالَ العُلَمَاءُ: تَرَائِي الهِلَالِ أَي أَن يُرَاقِبَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ بَلَدٍ فِي كُلِّ شَهرٍ فَرضُ كِفَايَةٍ، لِأَنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحكَامٌ عَدِيدَةٌ، يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ صَومُ رَمَضَانَ وَالعِدَّةُ وَالزَّكَاةُ وَالوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَإِن تَرَكَ ذَلِكَ كُلُّ أَهلِ البَلَدِ أَثِمُوا، وَقَد رَوَى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «جَعَلَ اللهُ الأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ، فَصُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَومًا»، المُصَنَّفُ، لِعَبدِ الرَّزَّاقِ الصَّنعَانِيِّ (ج4 ص454)، وَلِهَذَا فَقَد قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِأَنَّ الِاعتِمَادَ فِي بِدَايَةِ الشَّهرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى رُؤيَةِ الهِلَالِ لَا عَلَى الحِسَابِ، فَإِذَا أَرَدنَا مَعرِفَةَ دُخُولِ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِن رُؤيَةِ الهِلَالِ، وَلَيسَ الِاعتِمَادُ عَلَى الحِسَابِ، فَقَد قَالَ الرَّملِيُّ فِي فَتَاوِيهِ فِي المَذهَبِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ الشَّارِعَ أَيِ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَم يَعتَمِدِ الحِسَابَ، بَل أَلغَاهُ بِالكُلِّيَّةِ بِقَولِهِ: «نَحنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسُبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، الفَتَاوَى، لِشِهَابِ الدِّينِ الرَّملِيِّ (ج2 ص59)، مَعنَاهُ: اللهُ مَا كَلَّفَنَا أَن نَعمَلَ بِالحِسَابِ إِنَّمَا نَحنُ نَعتَمِدُ عَلَى الرُّؤيَةِ أَوِ الِاستِكمَالِ، وَالِاستِكمَالُ حِسَابُهُ يَعُودُ إِلَى الرُّؤيَةِ.
([15]) وَلَيسَ مَعنَى الآيَةِ أَنَّ مُجَرَّدَ الإِفسَادِ بَينَ اثنَينِ مُسلِمَينِ أَشَدُّ مِن قَتلِ المُسلِمِ ظُلمًا، بَل مَن قَالَ ذَلِكَ فَقَد كَذَّبَ الدِّينَ، لِأَنَّهُ مِنَ المَعلُومِ عِندَ المُسلِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ قَتلَ المُسلِمِ ظُلمًا هُوَ أَكبَرُ الذُّنُوبِ بَعدَ الكُفرِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ الذَّنبِ أَشَدُّ؟ قَالَ: «أَن تَجعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» أَي أَن تُشرِكَ بِاللهِ، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ الفَقرِ»، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ التَّوحِيدِ – بَابُ ذِكرِ اللهِ بِالأَمرِ وَبَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22)}، رَقمُ الحَدِيثِ: (7520).
([16]) بَعضُ النَّاسِ حَرَّفَ هَذِهِ الآيَةَ فَقَالَ: فَإِنِ انتَهَوا أَي عَنِ الحَيلُولَةِ بَينَنَا وَبَينَ الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ فَلَا يَجُوزُ لَكُم أَن تَقتُلُوهُم فَإِن مَنَعُوكُم فَقَاتِلُوهُم، وَهَذَا الكَلَامُ بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ تَفسِيرُ الآيَةِ بِهَذَا التَّفسِيرِ.
([17]) النَّصرُ إِمَّا حِسِّيٌّ وَإِمَّا مَعنَوِيٌّ، المُؤمِنُونَ هُمُ المُنتَصِرُونَ إِمَّا انتِصَارًا حِسِّيًّا وَإِمَّا انتِصَارًا مَعنَوِيًّا، إِذَا كَسَرُوا الكُفَّارَ بَعدَ قِتَالِهِم هَذَا انتِصَارٌ حِسِّيٌّ وَمَعنَوِيٌّ، أَمَّا إِن كَسَرَ الكُفَّارُ المُسلِمِينَ وَاستَولَوا عَلَيهِم فَالمُؤمِنُونَ فِي هَذَا الحَالِ مُنتَصِرُونَ مَعنًى وَحُكمًا، لِأَنَّ لَهُم أَجرًا بِقِتَالِهِم، وَمَن قُتِلَ مِنهُم يَكُونُ لَهُ أَجرُ الشَّهَادَةِ، هُمَ عَلَى الحَقِّ وَقِتَالُهُم هَذَا يُحِبُّهُ اللهُ فَهُمُ المُنتَصِرُونَ حُكمًا، لَيسَ الِانتِصَارُ الِانتِصَارَ الحِسِّيَّ فَقَط.
([18]) تَنبِيهٌ: اللهُ تَعَالَى مِن صِفَاتِهِ العِلمُ وَعِلمُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنقُصُ فَمَعنَى عِلمِ اللهِ الإِحَاطَةُ بِكُلِّ مَا مِن شَأنِهِ أَن يُعلَمَ عَلَى مَا هُوَ بِهِ أَي إِجمَالًا وَتَفصِيلًا وَمِن جَمِيعِ الوُجُوهِ خِلَافًا لِلفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَنكَرُوا عِلمَهُ تَعَالَى بِالجُزئِيَّاتِ، قَالُوا لِأَنَّ الجُزئِيَّاتِ تَتَغَيَّرُ فَلَو عَلِمَ اللهُ الجُزئِيَّاتِ لَتَغَيَّرَ عِلمُهُ، وَكَلَامُهُم هَذَا غَيرُ صَحِيحٍ، هَذَا لَا يَلزَمُ، التَّغَيُّرُ هُوَ أَطوَارٌ تَحدُثُ لِلمَخلُوقِ لَا تُوجِبُ تَغيُّرًا فِي العِلمِ. وَقَالَ بَعضُ أَهلِ السُّنَّةِ إِذَا عَلِمَ اللهُ أَنَّ زَيدًا يَكُونُ فِي الجُزءِ الفُلَانِيِّ مِنَ النَّهَارِ قَائِمًا وَفِي جُزءٍ ءَاخَرَ قَاعِدًا وَفِي جُزءٍ ثَالِثٍ مُضطَجِعًا كَانَت حَالَتُهُ فِي كُلِّ جُزءٍ مِنَ النَّهَارِ مَا عَلِمَ كَونَهُ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ الجُزءِ فَلَا تَغَيُّرَ فِي العِلمِ فَإِنَّ العِلمَ بِتَفَاصِيلِ ذَلِكَ قَدِيمٌ.اهـ
([19]) التَّقوَى كَلِمَةٌ شَامِلَةٌ مَعنَاهَا: أَدَاءُ مَا افتَرَضَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ وَاجتِنَابُ مَا حَرَّمَهُ عَلَيهِم، هِيَ كَلِمَةٌ خَفِيفَةٌ مِن حَيثُ التَّعبِيرُ بِاللَّفظِ لَكِن مَعنَاهَا وَاسِعٌ، وَمِنَ الوَاجِبَاتِ تَعَلُّمُ عِلمِ الدِّينِ الضَّرُورِيِّ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَحصِيلِ التَّقوَى إِلَّا بِتَعَلُّمِ عِلمِ الدِّينِ، فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبدٍ خَيرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ، أَي رَزَقَهُ العِلمَ بِأُمُورِ دِينِهِ، رَزَقَهُ المَعرِفَةَ بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ لِيُؤَدِّيَهُ وَيَفعَلَهُ، وَرَزَقَهُ مَعرِفَةَ مَا أَمَرَ بِاجتِنَابِهِ وَحَرَّمَ، فَلَا فَلَاحَ إِلَّا بِعِلمِ أُمُورِ الدِّينِ، العَقِيدَةِ الَّتِي هِيَ أَفرَضُ الفَرَائِضِ، ثُمَّ الأَحكَامِ العَمَلِيَّةِ، أَي لِأَنَّ عِلمَ التَّوحِيدِ هُوَ أَفضَلُ العُلُومِ، قَالَ العُلَمَاءُ: «مَا اتَّخَذَ اللهُ وَلِيًّا جَاهِلًا»، فَالجَاهِلُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا، وَلَو أَرَادَ لَهُ ذَلِكَ لَعَلَّمَهُ، يَعنِي لَو أَرَادَ لِإِنسَانٍ أَن يَكُونَ وَلِيًّا لَرَزَقَهُ عِلمَ الدِّينِ.
([20]) المَبِيتُ بِمُزدَلِفَةَ وَاجِبٌ مِن وَاجِبَاتِ الحَجِّ، وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَيَدخُلُ وَقتُ المَبِيتِ فِيهَا بِانتِصَافِ لَيلَةِ النَّحرِ، وَيَكفِي فِي المَبِيتِ المُكثُ فِيهَا بَعدَ نِصفِ لَيلَةِ النَّحرِ وَلَو لَحظَةً، وَلَو كَانَ مَارًّا فِيهَا، وَالأَفضَلُ أَن يَقِفَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ، وَيُستَحَبُّ أَن يَذكُرَ اللهَ إِلَى أَن يُسفِرَ النَّهَارُ أَي يَشتَدَّ ضَوؤُهُ، فَقَد رَوَى مُسلِمٌ عَن جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا صَلَّى رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى أَتَى عَلَى المَشعَرِ الحَرَامِ، فَاستَقبَلَ القِبلَةَ وَدَعَى اللهَ تَعَالَى وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ وَوَحَّدَ، وَلَم يَزَل وَاقِفًا حَتَّى أَسفَرَ جِدًّا، وَيَكُونُ مِن دُعَائِهِ: «اللهم كَمَا أَوقَفتَنَا فِيهِ وَأَرَيتَنَا إِيَّاهُ فَوَفِّقنَا لِذِكرِكَ كَمَا هَدَيتَنَا، وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا كَمَا وَعَدتَنَا بِقَولِكَ -وَقَولُكَ الحَقُّ-: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:198]، إِلَى قَولِهِ: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:199].
([21]) قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَت قُرَيشٌ وَمَن كَانَ عَلَى دِينِهَا وَهُمُ الحُمسُ يَقِفُونَ بِالمُزدَلِفَةِ يَقُولُونَ: نَحنُ قَطِينُ اللَّهِ -أَي: سُكَّانُ حَرَمِ اللهِ-، وَكَانَ مَن سِوَاهُم يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَائِشَةَ قَالَت: الحُمسُ هُمُ الَّذِينَ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِم: ﱡﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅﱠ قَالَت: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِن عَرَفَاتٍ، وَكَانَ الحُمسُ يُفِيضُونَ مِنَ المُزدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنَ الحَرَمِ، فَلَمَّا نَزَلَت: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.اهـ الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج2 ص428).
([22]) سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج2 ص400)، أَي أَنَّ مِن أَعظَمِ أَركَانِ الحَجِّ عَرَفَةُ، فَمَن فَاتَهُ الوُقُوفُ فَاتَهُ الحَجُّ، وَوَقتُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِن زَوَالِ يَومِ عَرَفَةَ إِلَى الفَجرِ الثَّانِي مِن يَومِ النَّحرِ، فَمَن حَصَلَ لَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَة فِي شَىءٍ مِن هَذَا الوَقتِ قَائِمًا أَو قَاعِدًا مُختَارًا وَهُوَ عَاقِلٌ فَقَد أَدرَكَ الحَجَّ، وَالأَفضَلُ أَن يَقِفَ الإِنسَانُ عِندَ الصَّخَرَاتِ الكِبَارِ بِقُربِ الإِمَامِ لِأَنَّهُ ﷺ وَقَفَ عِندَهَا، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَأَن يَكُونَ رَاكِبًا فِي أَحَدِ القَولَينِ، وَهُوَ الأَظهَرُ، لِأَنَّهُ ﷺ وَقَفَ رَاكِبًا، وَلِأَنَّهُ أَعوَنُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَهُوَ المُهِمُّ فِي هَذَا المَوضِعِ، وَقِيلَ إِنَّ تَركَ الرُّكُوبِ أَشبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَالخُضُوعِ، وَيُكثِرُ فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَكُونُ أَكثَرُ قَولِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ يُحيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ.
([23]) وَهِيَ مَوضِعٌ خَارِجَ مَكَّةَ لَكِنَّهَا مِنَ الحَرَمِ، وَالمَبِيتُ فِيهَا مِن جُملَةِ وَاجِبَاتِ الحَجِّ فِي لَيَالِي أَيَّامِ التَّشرِيقِ الثَّلَاثِ، وَيَحصُلُ بِالمُكثِ فِيهَا مُعظَمَ اللَّيلِ، وَيَرمِي فِي أَيَّامِهَا الجِمَارَ، وَيَجُوزُ أَن يَتَعَجَّلَ النَّفِيرَ أَيِ الخُرُوجَ إِلَى بَلَدِهِ قَبلَ الغُرُوبِ مِنَ اليَومِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ وَيَسقُطُ عَنهُ حِينَئِذٍ مَا بَقِيَ مِنَ الرَّميِ.
([24]) فَائِدَةٌ: كَانَ دُعَاءُ: (اللهم رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أَكثَرَ دَعوَةٍ يَدعُو بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِدُونِ تَخصِيصٍ بِحَالٍ مِنَ الأَحوَالِ، هَذَا مِن أَفضَلِ الدَّعَوَاتِ لِأَنَّهُ جَامِعٌ شَامِلٌ لِخَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.
([25]) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَومَ القِيَامَةِ لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تَرجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحجُبُهُ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ التَّوحِيدِ – بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22)}، رَقمُ الحَدِيثِ: (7443)، وَكَلَامُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ وَلَا لُغَةٍ، وَلَيسَ مَعنَى الحَدِيثِ أَنَّ اللهَ يَنطِقُ كَمَا نَحنُ نَنطِقُ وَأَنَّهُ يُحَاسِبُ كَمَا يُحَاسِبُ المَلِكُ الرَّعِيَّةَ، فِي مَوقِفٍ مِن يَومِ القِيَامَةِ اللهُ يُزِيلُ فِيهِ عَن أَسمَاعِ العِبَادِ الحِجَابَ المَعنَوِيَّ المَانِعَ مِن سَمَاعِ كَلَامِهِ الَّذِي هُوَ لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ وَلَا لُغَةٍ وَمَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا وَلَيسَ بِمُبتَدَإٍ وَلَا مُختَتَمٍ وَلَا يَدخُلُهُ التَّغَيُّرُ وَلَا اللَّحنُ وَلَا التَّعَاقُبُ، فَيَسمَعُونَ كَلَامَ اللهِ فَيَفهَمُونَ مِنهُ السُّؤَالَ عَن أَعمَالِهِم وَأَقوَالِهِم وَنِيَّاتِهِم، وَهَذَا مَعنَى أَنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ، لَو كَانَ حِسَابُهُ لِلخَلقِ بِالحَرفِ وَالصَّوتِ وَاللُّغَةِ لَكَانَ بَطِيءَ الحِسَابِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}، [سُورَةُ الأَنعَامِ:62].
([26]) مِن وَاجِبَاتِ الحَجِّ رَميُ الجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ أَيَّامَ التَّشرِيقِ كُلَّ وَاحِدَةٍ سَبعًا، فَإِذَا وَصَلَ الحَاجُّ إِلَى مِنًى بَعدَ المَبِيتِ بِمُزدَلِفَةَ بَدَأَ بِجَمرَةِ العَقَبَةِ فَيَرمِي إِلَيهَا سَبعَ حَصَيَاتٍ، وَيُشتَرَطُ أَن يَرمِيَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَلَا يُجزِئُهُ غَيرُهُ، فَلَو رَمَى السَّبعَةَ دَفعَةً وَاحِدَةً حُسِبَت وَاحِدَةً، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرفَعُ يَدَهُ اليُمنَى حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبطِهِ لِأَنَّهُ أَعوَنُ لَهُ عَلَى الرَّميِ، وَلَو رَمَى بِيَدِهِ اليُسرَى أَجزَأَهُ، وَيَقطَعُ التَّلبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، لِأَنَّ التَّلبِيَةَ لِلإِحرَامِ فَإِذَا رَمَى فَقَد بَدَأَ بِالتَّحَلُّلِ، وَإِن رَمَى بَعدَ نِصفِ اللَّيلِ وَقَبلَ الفَجرِ أَجزَأَهُ لِدُخُولِ وَقتِ الرَّميِ بِهِ.
([27]) فَالحَاجُّ لَهُ أَن يَتَعَجَّلَ فِي يَومَينِ، أَن يَرمِيَ اليَومَ الأَوَّلَ ثُمَّ الثَّانِيَ مِن أَيَّامِ التَّشرِيقِ ثُمَّ يَخرُجَ مِن مِنًى قَبلَ غُرُوبِ شَمسِ اليَومِ الثَّانِي، فَهَذَا تَعَجُّلٌ، يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا إِن تَأَخَّرَ فَيَلزَمُهُ أَن يَرمِيَ اليَومَ الثَّالِثَ مِن أَيَّامِ التَّشرِيقِ.
([28]) فَائِدَةٌ: التَّحَلُّلُ مِنَ الحَجِّ يَتِمُّ بِفِعلِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: طَوَافِ الإِفَاضَةِ المَتبُوعِ بِسَعيٍ -إِن لَم يَكُن سَعَى قَبلَ ذَلِكَ-، وَرَميِ جَمرَةِ العَقَبَةِ، وَالحَلقِ أَوِ التَّقصِيرِ، وَالثَّلاثَةُ يَدخُلُ وَقتُهَا بَعدَ مُنتَصَفِ لَيلَةِ العِيدِ، فَيُوجَدُ فِي الحَجِّ تَحَلُّلانِ: تَحَلُّلٌ أَوَّلُ: وَهُوَ الإِتيَانُ بِاثنَينِ مِن ثَلاثَةٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَذكُورَةِ، وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الأَوَّلِ كُلُّ مَا حَرُمَ عَلَى المُحرِمِ سِوَى أُمُورِ النِّسَاءِ، وَتَحَلُّلٌ ثَانٍ: وَيَحصُلُ بِالإِتيَانِ بِالأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وَيَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ مَا حَرُمَ بِالإِحرَامِ حَتَّى الجِمَاعُ، وَلَو لَم يَكُن أَتَمَّ رَميَ الجَمَرَاتِ كُلِّهَا بَعدُ.