{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208) فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (218) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)}
- ذِكرُ بَعضِ المُنَافِقِينَ
كَانَ الأَخنَسُ بنُ شُرَيقٍ مُنَافِقًا يُظهِرُ حَلَاوَةَ المَنطِقِ، إِذَا لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَلَانَ لَهُ القَولَ وَادَّعَى أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَأَنَّهُ مُسلِمٌ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: يَعلَمُ اللهُ أَنِّي صَادِقٌ، فَأَدنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجلِسَهُ، فَأَكذَبَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ}
يَرُوقُكَ وَيَعظُمُ فِي قَلبِكَ.
{فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}
أَي يُعجِبُكَ مَا يَقُولُ فِي مَعنَى الدُّنيَا، لِأَنَّهُ يَطلُبُ بِادِّعَاءِ المَحَبَّةِ حَظَّ الدُّنيَا وَلَا يُرِيدُ بِهِ الآخِرَةَ، وَلَا يُعجِبُكَ فِي الآخِرَةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِاعتِقَادِهِ.
{وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ}
أَي يَحلِفُ وَيَقُولُ: اللهُ شَاهِدٌ عَلَى مَا فِي قَلبِي مِن مَحَبَّتِكَ وَمِنَ الإِسلَامِ.
{وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}
شَدِيدُ الجِدَالِ وَالعَدَاوَةِ لِلمُسلِمِينَ لِمُخَالَفَتِهِ لَكَ.
{وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}
{وَإِذَا تَوَلَّى}
انصَرَفَ عَنكَ وَذَهَبَ بَعدَ إِلَانَةِ القَولِ وَإِحلَاءِ المَنطِقِ، أَو غَضِبَ مِنكَ، أَو صَارَ وَالِيًا.
{سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا}
كَمَا فَعَلَ بِثَقِيفٍ، فَإِنَّهُ كَانَ بَينَهُ وَبَينَهُم خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُم لَيلًا وَأَهلَكَ مَوَاشِيَهُم وَأَحرَقَ زُرُوعَهُم.
{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ}
أَيِ الزَّرعَ وَالحَيَوَانَ، وَقَد مَرَّ بِزَرعٍ وَحُمُرٍ لِبَعضِ المُسلِمِينَ فَأَحرَقَهُ وَعَقَرَهَا لَيلًا، أَو إِذَا كَانَ وَالِيًا فَعَلَ مَا يَفعَلُهُ وُلَاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسَادِ فِي الأَرضِ بِإِهلَاكِ الحَرثِ وَالنَّسلِ، وَقِيلَ: يُظهِرُ الظُّلمَ حَتَّى يَمنَعَ اللهُ المَطَرَ بِشُؤمِ ظُلمِهِ فَيَهلِكُ الحَرثُ وَالنَّسلُ.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}
لَا يَرضَى بِالمَعَاصِي وَالكُفرِ وَإِن كَانَ كُلُّ مَا يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ}
لِلأَخنَسِ.
{اتَّقِ اللَّهَ}
فِي فِعلِكَ مِنَ الإِفسَادِ وَالإِهلَاكِ.
{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ}
حَمَلَتهُ النَّخوَةُ وَالأَنَفَةُ وَحَمِيَّةُ الجَاهِلِيَّةِ عَلَى الإِثمِ الَّذِي يُنهَى عَنهُ وَأَلزَمَتهُ ارتِكَابَهُ، أَو أَخَذَتهُ العِزَّةُ مِن أَجلِ الإِثمِ الَّذِي فِي قَلبِهِ وَهُوَ الكُفرُ.
{فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ}
أَي يَكفِيهِ جَهَنَّمُ.
{وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}
أَي لَبِئسَ الفِرَاشُ جَهَنَّمُ.
- ذِكرُ بَعضِ الصَّادِقِينَ فِي إِيمَانِهِم
نَزَلَ فِي صُهَيبٍ حِينَ أَرَادَهُ المُشرِكُونَ عَلَى تَركِ الإِسلَامِ وَقَتَلُوا نَفَرًا كَانُوا مَعَهُ فَاشتَرَى نَفسَهُ بِمَالِهِ مِنهُم وَأَتَى المَدِينَةَ، أَو فِيمَن يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ حَتَّى يُقتَلَ:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي}
يَبِيعُ.
{نَفْسَهُ}
أَي يَبذُلُهَا فِي طَاعَةِ اللهِ.
{ابْتِغَاءَ}
لِابتِغَاءِ وَطَلَبًا.
لـ{مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ}
أَي رِضَاهُ.
{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}
حَيثُ أَرشَدَهُم لِمَا فِيهِ رِضَاهُ وَأَثَابَهُم عَلَى ذَلِكَ.
- التَّحذِيرُ مِنَ الكُفرِ وَالعِصيَانِ
وَلَمَّا ذَكَرَ السَّاعِينَ إِلَى رِضَا اللهِ تَعَالَى قَالَ بَعدَ ذَلِكَ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}
وَهُوَ الِاستِسلَامُ وَالطَّاعَةُ، أَيِ استَسلِمُوا للهِ وَأَطِيعُوهُ.
{كَافَّةً}
جَمِيعًا لَا يُخرِج أَحَدٌ مِنكُم يَدَهُ عَن طَاعَتِهِ.
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}
وَسَاوِسَهُ وَطُرُقَهُ وَتَزيِينَهُ.
{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
ظَاهِرُ العَدَاوَةِ.
{فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
{فَإِن زَلَلْتُم}
مِلتُم عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلمِ جَمِيعِهِ.
{مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ}
أَيِ الحُجَجُ الوَاضِحَةُ الظَّاهِرَةُ وَالشَّوَاهِدُ اللَّائِحَةُ عَلَى أَنَّ مَا دُعِيتُم إِلَى الدُّخُولِ فِيهِ هُوَ الحَقُّ.
{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ}
غَالِبٌ لَا يَمنَعُهُ شَىءٌ مِن عَذَابِكُم وَانتِقَامِهِ مِنكُم وَلَا يَغلِبُهُ أَحَدٌ وَلَا يُعجِزُهُ شَىءٌ عَنهُ.
{حَكِيمٌ}
فِي صُنعِهِ لَا يُعَذِّبُ إِلَّا بِحَقٍّ.
وَلَمَّا ذَكَرَ عِزَّةَ اللهِ وَقُوَّتَهُ وَحِكمَتَهُ قَالَ فِي تَحذِيرِهِم مِمَّا يَؤُولُ إِلَيهِ أَمرُ الكُفرِ مِن ضَربِ الذِّلَّةِ وَالمَسكَنَةِ وَحُلُولِ الغَضَبِ وَالوُقُوعِ فِي العَطَبِ:
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}
{هَلْ يَنظُرُونَ}
مَا يَنتَظِرُ التَّارِكُونَ لِلدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ.
{إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ}
أَي أَمرُ اللهِ وَبَأسُهُ([1]).
{فِي ظُلَلٍ}
جَمعِ ظُلَّةٍ وَهِيَ مَا أَظَلَّكَ.
{مِّنَ الْغَمَامِ}
السَّحَابِ، وَهُوَ لِلتَّهوِيلِ إِذِ الغَمَامُ مَظِنَّةُ الرَّحمَةِ فَإِذَا أُنزِلَ مِنهُ العَذَابُ كَانَ الأَمرُ أَفظَعَ وَأَهوَلَ.
{وَالْمَلَائِكَةُ}
أَي وَتَأتِي المَلَائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِتَعذِيبِهِم، أَوِ المُرَادُ حُضُورُهُم يَومَ القِيَامَةِ.
{وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ}
أَي وَتَمَّ أَمرُ إِهلَاكِهِم وَفُرِغَ مِنهُ.
{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}
وَإِلَى اللهِ يَؤُولُ القَضَاءُ بَينَ خَلقِهِ يَومَ القِيَامَةِ وَالحُكمُ بَينَهُم فِي أُمُورِهِمُ الَّتِي جَرَت فِي الدُّنيَا مِن ظُلمِ بَعضِهِم بَعضًا، وَاعتِدَاءِ المُعتَدِي مِنهُم حُدُودَ اللهِ، وَمُخَالَفَتِهِ أَمرَهُ، وَإِحسَانِ المُحسِنِ مِنهُم، وَطَاعَتِهِ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، فَيَفصِلُ بَينَ المُتَظَالِمَينِ، وَيُجَازِي أَهلَ الإِحسَانِ بِالإِحسَانِ.
وَلَمَّا كَانَ بَنُو إِسرَائِيلَ أَعلَمَ النَّاسِ بِظُهُورِ آيَاتِ اللهِ فِي الغَمَامِ لِمَا رَأَوا مِن أَسلَافِهِم عِندَ خُرُوجِهِم مِن مِصرَ وَفِي جَبَلِ الطُّورِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا نُقِلَ إِلَيهِم قَالَ تَعَالَى جَوَابًا لِمَن كَأَنَّهُ سَأَلَ: كَيفَ يَكُونُ هَذَا؟
{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
{سَلْ}
أَيِ اسأَل، وَهُوَ أَمرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ أَو لِكُلِّ أَحَدٍ، وَهُوَ سُؤَالُ تَقرِيعٍ وَتَبكِيتٍ لِلكُفَّارِ كَمَا يَسأَلُ الكَفَرَةَ يَومَ القِيَامَةِ.
{بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ}
أَي عَلَى أَيدِي أَنبِيَائِهِم وَهِيَ مُعجِزَاتُهُم كَفَلقِ البَحرِ وَإِنزَالِ المَنِّ وَالسَّلوَى.
{بَيِّنَةٍ ۗ}
ظَاهِرَةٍ.
{وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ}
هِيَ آيَاتُهُ أَي مُعجِزَاتُهُ، وَهِيَ أَجَلُّ نِعمَةٍ مِنَ اللهِ لِأَنَّهَا أَسبَابُ الهُدَى وَالنَّجَاةِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَتَبدِيلُهُم إِيَّاهَا أَنَّ اللهَ أَظهَرَهَا لِتَكُونَ أَسبَابَ هُدَاهُم فَجَعَلُوهَا أَسبَابَ ضَلَالَتِهِم، أَو مَعنَاهُ كُفرُهُم بِهَا، أَو تَغيِيرُهُم. {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ}
مِن بَعدِ مَا عَرَفَهَا وَصَحَّت عِندَهُ لِأَنَّهُ إِذَا لَم يَعرِفهَا فَكَأَنَّهَا غَائِبَةٌ عَنهُ.
{فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
لِمَنِ استَحَقَّهُ.
وَلَمَّا تَقَدَّمَ الأَمرُ بِالسِّلمِ وَالتَّهدِيدُ عَلَى الزَّلَلِ عَنهُ بِمَا يَقتَضِي لُزُومَهُ حَتمًا كَانَ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا فَعَلَ مَن خُوطِبَ بِهَذِهِ الأَوَامِرِ وَقُمِعَ بِتِلكَ الزَّوَاجِرِ؟ فَقِيلَ: أَبَى أَكثَرُهُم، فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا لَعَجَبٌ! مَا الَّذِي صَدَّهُم؟ فَبَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ غَالِبًا فَقَالَ:
{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
{زُيِّنَ}
أَي زَيَّنَ الشَّيطَانُ، وَفِي البِنَاءِ لِلمَفعُولِ دِلَالَةٌ عَلَى ضَعفِ عُقُولِهِم فِي اغتِرَارِهِم بِكُلِّ مُزَيِّنٍ.
{لِلَّذِينَ كَفَرُوا}
مِن أَهلِ مَكَّةَ.
{الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}
وَحُسنُهَا فِي أَعيُنِهِم بِوَسَاوِسِهِ وَحَبَّبَهَا إِلَيهِم فَلَا يُرِيدُونَ غَيرَهَا، أَو زَيَّنَ اللهُ تَعَالَى بِخَلقِ الشَّهَوَاتِ فِيهِم.
{وَيَسْخَرُونَ}
وَهُم يَسخَرُونَ.
{مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ}
مِن فُقَرَاءِ المُؤمِنِينَ كَابنِ مَسعُودٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيبٍ وَنَحوِهِم مِمَّن لَا حَظَّ لَهُ فِيهَا، أَي يَستَهزِؤُونَ بِهِم وَيَتَعَالَونَ عَلَيهِم بِالمَالِ.
{وَالَّذِينَ اتَّقَوْا}
الشِّركَ وَهُم هَؤُلَاءِ الفُقَرَاءُ.
{فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ}
لِأَنَّهُم فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ وَهُم فِي نَارٍ هَاوِيَةٍ.
{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ}
يُوَسِّعُ عَلَى مَن أَرَادَ التَّوسِعَةَ عَلَيهِ.
{بِغَيْرِ حِسَابٍ}
بِغَيرِ تَقتِيرٍ كَمَا وَسَّعَ عَلَى قَارُونَ وَغَيرِهِ، وَهَذِهِ التَّوسِعَةُ عَلَيكُم مِنَ اللهِ لِحِكمَةٍ وَهِيَ استِدرَاجُكُم بِالنِّعمَةِ، وَلَو كَانَت كَرَامَةً لَكَانَ المُؤمِنُونَ أَحَقَّ بِهَا مِنكُم، أَو يَرزُقُ المُؤمِنِينَ رِزقًا وَاسِعًا فِي الآخِرَةِ أَو فِي الدُّنيَا بِأَن يَملِكَ المَسخُورُ مِنهُم أَموَالَ السَّاخِرِينَ وَرِقَابَهُم.
- ذِكرُ بَدءِ الأَمرِ وَحُدُوثِ الكُفرِ
لَمَّا كَانَ كَأَنَّهُ قِيلَ: هَل كَانَ هَذَا الكُفرُ وَالتَّزيِينُ مِن بَدءِ الأَمرِ أَم هُوَ شَىءٌ حَدَثَ؟ فَقَالَ:
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}
{كَانَ النَّاسُ}
مِن آدَمَ إِلَى نُوحٍ عَلَيهِمَا السَّلَامُ.
{أُمَّةً وَاحِدَةً}
مُتَّفِقِينَ عَلَى دِينِ الإِسلَامِ، فَاختَلَفُوا بِأَن آمَنَ بَعضٌ وَكَفَرَ بَعضٌ.
{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ}
عِندَمَا حَصَلَ هَذَا الِاختِلَافُ بَينَ البَشَرِ.
{مُبَشِّرِينَ}
بِالثَّوَابِ أَوِ الجَنَّةِ لِلمُؤمِنِينَ.
{وَمُنذِرِينَ}
بِالعِقَابِ أَو بِالنَّارِ لِلكَافِرِينَ([2]) وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَن أَرَسَلَهُ اللهُ مِن رَسُولٍ أَو نَبِيٍّ مَأمُورٌ بِالتَّبلِيغِ.
{وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}
بِتِبيَانِ الحَقِّ، وَأَمَّا قَولُ: إِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنزِلَ عَلَيهِ كِتَابٌ لَا وَجهَ لَهُ، لِأَنَّ أَكثَرَ أَنبِيَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ كَانُوا مَأمُورِينَ بِالتَّورَاةِ.
{لِيَحْكُمَ}
اللهُ أَوِ الكِتَابُ أَوِ النَّبِيُّ المُنَزَّلُ عَلَيهِ.
{بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا}
فِي دِينِ الإِسلَامِ الَّذِي.
{اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ}
بَعدَ الِاتِّفَاقِ.
{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ}
أَي فِي الحَقِّ.
{إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ}
أَيِ الكِتَابَ المُنَزَّلَ لِإِزَالَةِ الِاختِلَافِ، أَي أَنَّهُمُ ازدَادُوا فِي الِاختِلَافِ لَمَّا أُنزِلَ عَلَيهِمُ الكِتَابُ.
{مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}
الحُجَجُ الظَّاهِرَةُ عَلَى التَّوحِيدِ وَعَلَى صِدقِهِ.
{بَغْيًا بَيْنَهُمْ}
أَي حَسَدًا بَينَهُم وَظُلمًا لِحِرصِهِم عَلَى الدُّنيَا وَقِلَّةَ إِنصَافٍ مِنهُم.
{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ}
أَي لِلحَقِّ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ.
{بِإِذْنِهِ }
أَي بِمَشِيئَتِهِ، وَغَيرُ سَدِيدٍ تَفسِيرُ الإِذنِ بِالعِلمِ.
{وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}
هِدَايَتَهُ.
{إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}
إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ، فَالهِدَايَةُ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
- ذِكرُ بَعضِ البَلَايَا الَّتِي سَتُصِيبُ المُؤمِنِينَ وَالحَثُّ عَلَى الصَّبرِ عِندَ نُزُولِ البَلَاءِ
لَمَّا ذَكَرَ مَا كَانَت عَلَيهِ الأُمَمُ مِنَ الِاختِلَافِ عَلَى النَّبِيِّينَ بَعدَ مَجِيءِ البَيِّنَاتِ تَشجِيعًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالمُؤمِنِينَ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبرِ مَعَ الَّذِينَ اختَلَفُوا عَلَيهِ مِنَ المُشرِكِينَ وَأَهلِ الكِتَابِ وَإِنكَارِهِم لِآيَاتِهِ وَعَدَاوَتِهِم لَهُ قَالَ لَهُم عَلَى طَرِيقَةِ الِالتِفَاتِ الَّتِي هِيَ أَبلَغُ:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}
{أَمْ حَسِبْتُمْ}
أَي بَل أَحَسِبتُم، وَمَعنَى الهَمزَةِ فِيهَا: التَّقرِيرُ وَإِنكَارُ الحُسبَانِ وَاستِبعَادُهُ.
{أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم}
أَي وَلَم يَأتِكُم، أَي وَسَيَأتِي.
{مَّثَلُ}
شِبهُ مَا أَتَى.
{الَّذِينَ خَلَوْا}
مَضَوا، أَي حَالُهُمُ الَّتِي هِيَ مَثَلٌ فِي الشِّدَّةِ.
{مِن قَبْلِكُم ۖ}
مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُؤمِنِينَ مِنَ المِحَنِ فَتَصبِرُوا كَمَا صَبَرُوا، ثُمَّ كَأَنَّهُ قَالَ قَائِلٌ: كَيفَ كَانَ ذَلِكَ المَثَلُ؟ فَقِيلَ:
{مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ}
أَيِ البُؤسُ.
{وَالضَّرَّاءُ}
المَرَضُ وَالجُوعُ.
{وَزُلْزِلُوا}
وَحُرِّكُوا بِأَنوَاعِ البَلَايَا وَأُزعِجُوا إِزعَاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَّلزَلَةِ.
{حَتَّىٰ يَقُولَ}
إِلَى الغَايَةِ الَّتِي قَالَ.
{الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}
فِيهَا.
{مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ}
أَي بَلَغَ بِهِمُ الضَّجَرُ وَلَم يَبقَ لَهُم صَبرٌ حَتَّى قَالُوا ذَلِكَ، وَمَعنَاهُ طَلَبُ النَّصرِ وَتَمَنِّيهِ وَاستِطَالَةُ زَمَانِ الشِّدَّةِ، فَقِيلَ لَهُم:
{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}
إِجَابَةً لَهُم إِلَى طَلَبِهِم مِن عَاجِلِ النَّصرِ.
- ذِكرُ بَعضِ مَصَارِفِ الصَّدَقَاتِ
لَمَّا قَالَ عَمرُو بنُ الجَمُوحِ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ شَيخٌ كَبِيرٌ وَلَهُ مَالٌ عَظِيمٌ: مَاذَا نُنفِقُ مِن أَموَالِنَا وَأَينَ نَضَعُهَا؟ وَكَانَتِ النَّفَقَةُ مِن أُصُولِ مَا بُنِيَت عَلَيهِ السُّورَةُ مِن صِفَاتِ المُؤمِنِينَ وَهِيَ مِن دَعَائِمِ الجِهَادِ، قَالَ تَعَالَى مُعَلِّمًا لِمَن سَأَلَ:
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
{يَسْأَلُونَكَ}
يَا مُحَمَّدُ.
{مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ}
لَهُم.
{مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ}
بَيَانٌ لِـ(مَا) شَامِلٌ لِلقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَفِيهِ بَيَانُ المُنفَقِ مِنَ الأَموَالِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ شِقَّيِ السُّؤَالِ، أَي أَنفِقُوا خَيرًا، وَأَجَابَ عَنِ المَصرِفِ الَّذِي هُوَ الشِّقُّ الآخَرُ بِقَولِهِ:
{فَلِلْوَالِدَيْنِ}
أَي فَعَلَى الوَالِدَينِ.
{وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ }
أَي هُم أَولَى بِهِ.
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}
إِنفَاقٍ أَو غَيرِهِ.
{فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
فَيَجزِي عَلَيهِ.
- عَودَةٌ إِلَى ذِكرِ حُكمِ القِتَالِ
وَلَمَّا أُخبِرُوا بِمَا سَأَلُوا عَنهُ مِن إِحدَى الخَصلَتَينِ المُضَمَّنَتَينِ لِآيَةِ الزِّلزَالِ كَانَ ذَلِكَ مَوضِعَ السُّؤَالِ عَنِ الأُخرَى، فَأُجِيبُوا عَلَى طَرِيقِ الِاستِئنَافِ بِقَولِهِ:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ}
أَي تَستَثقِلُهُ نُفُوسُكُم، وَلَكِن فُرِضَ عَلَيكُم أَن تُقَاتِلُوا لِأَجلِ إِنقَاذِ النَّاسِ مِنَ الكُفرِ، لِأَنَّ الكُفرَ هُوَ سَبَبُ العَذَابِ الأَبَدِيِّ فِي الآخِرَةِ، فَالمُسلِمُونَ يُقَاتِلُونَ الكُفَّارَ لِإِدخَالِهِم فِي الإِسلَامِ فَيَكُونُ رَحمَةً بِهِم وَلَيسَ وَحشِيَّةً، وَكَذَلِكَ يُقَاتِلُونَ لِلدِّفَاعِ عَن دِينِ اللهِ.
{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا}
وَهُوَ الجِهَادُ وَالغَزوُ.
{وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}
فِيهِ إِحدَى الحُسنَيَينِ: إِمَّا الظَّفَرُ وَالغَنِيمَةُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالجَنَّةُ.
{وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا}
وَهُوَ القُعُودُ عَنِ الغَزوِ.
{وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}
لِمَا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَالفَقرِ وَحِرمَانِ الغَنِيمَةِ وَالأَجرِ، لِمَيلِ النَّفسِ إِلَى الشَّهَوَاتِ المُوجِبَةِ لِهَلَاكِهَا وَنُفُورِهَا عَنِ التَّكلِيفَاتِ المُوجِبَةِ لِسَعَادَتِهَا.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ}
مَا هُوَ خَيرٌ لَكُم.
{وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
ذَلِكَ، فَبَادِرُوا إِلَى مَا يَأمُرُكُم بِهِ وَإِن شَقَّ عَلَيكُم.
وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً فَقَاتَلُوا المُشرِكِينَ وَقَد أَهَلَّ هِلَالُ رَجَبٍ وَهُم لَا يَعلَمُونَ ذَلِكَ، فَقَالَت قُرَيشٌ: قَدِ استَحَلَّ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ السَّلَامُ الشَّهرَ الحَرَامَ شَهرًا يَأمَنُ فِيهِ الخَائِفُ، فَنَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
{يَسْأَلُونَكَ}
أَي يَسأَلُكَ الكُفَّارُ أَوِ المُسلِمُونَ.
{عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}
أَي عَنِ القِتَالِ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ.
{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ}
إِثمٌ.
{كَبِيرٌ ۖ}
عَظِيمٌ، وَأَكثَرُ الأَقَاوِيلِ عَلَى أَنَّهَا مَنسُوخَةٌ بِقَولِهِ تعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} وَكَانَ ابتِدَاءُ القِتَالِ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ حَرَامًا، ثُمَّ نُسِخَ الحُكمُ فَصَارَ يَجُوزُ قِتَالُ الكُفَّارِ فِي كُلِّ الأَشهُرِ.
{وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}
أَي مَنعُ المُشرِكِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصحَابَهُ عَنِ البَيتِ عَامَ الحُدَيبِيَةِ، أَو عَن دِينِ اللهِ.
{وَكُفْرٌ بِهِ}
أَي بِاللهِ.
{وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}
أَي وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَعَنِ المَسجِدِ الحَرَامِ.
{وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ}
أَي أَهلِ المَسجِدِ الحَرَامِ، وَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُؤمِنُونَ.
{مِنْهُ}
مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ.
{أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ}
مِمَّا فَعَلَتهُ السَّرِيَّةُ مِنَ القِتَالِ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ عَلَى سَبِيلِ الخَطَأِ وَالبِنَاءِ عَلَى الظَّنِّ، هُم مَا عَلِمُوا أَنَّ الشَّهرَ الحَرَامَ دَخَلَ.
{وَالْفِتْنَةُ}
أَيِ الشِّركُ.
{أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ}
فِي الشَّهرِ الحَرَامِ([3]).
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ}
أَي إِلَى الكُفرِ، وَهُوَ إِخبَارٌ عَن دَوَامِ عَدَاوَةِ الكُفَّارِ لِلمُسلِمِينَ وَأَنَّهُم لَا يَنفَكُّونَ عَنهَا حَتَّى يَرُدُّوهُم عَن دِينِهِم.
{إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ}
استِبعَادٌ لِاستِطَاعَتِهِم.
{وَمَن يَرْتَدِدْ}
يَرجِع.
{مِنكُمْ عَن دِينِهِ}
إِلَى دِينِهِم.
{فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}
أَي يَمُت عَلَى الرِّدَّةِ.
{فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ}
بَطَلَت.
{أَعْمَالُهُمْ}
الصَّالِحَةُ كُلُّهَا.
{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ}
فَلَا اعتِدَادَ بِهَا وَلَا ثَوَابَ عَلَيهَا، لِمَا يَفُوتُهُم بِالرِّدَّةِ مِمَّا لِلمُسلِمِينَ فِي الدُّنيَا مِن ثَمَرَاتِ الإِسلَامِ وَفِي الآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَحُسنِ المَآبِ.
{وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([4]).
وَلَمَّا قَالَتِ السَّرِيَّةُ: أَيَكُونُ لَنَا أَجرُ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا}
فَارَقُوا وَطَنَهُم وَتَرَكُوا مَكَّةَ وَعَشَائِرَهُم.
{وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
أَي جَاهَدُوا المُشرِكِينَ لِإِعلَاءِ دِينِهِ.
{أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ}
أَي ثَوَابَهُ، قِيلَ: مَن رَجَا طَلَبَ وَمَن خَافَ هَرَبَ([5]).
{وَاللَّهُ غَفُورٌ}
لِلمُؤمِنِينَ.
{رَّحِيمٌ}
بِهِم.
- ذِكرُ حُكمِ الخَمرِ وَالمَيسِرِ وَمَالِ اليَتِيمِ
فِي بَدءِ الأَمرِ لَم يَكُن نَزَلَ النَّصُّ بِتَحرِيمِ شُربِ الخَمرِ، فَكَانَ المُسلِمُونَ يَشرَبُونَ الخَمرَ وَهِيَ لَهُم حَلَالٌ إِلَى القَدرِ الَّذِي لَا يُسكِرُ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَشرَبِ الخَمرَ، وَلَا شَرِبَ نَبِيٌّ الخَمرَ وَلَا حَثَّ عَلَى شُربِهَا وَلَا شَجَّعَ النَّاسَ عَلَى شُربِهَا([6])، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَنَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفتِنَا فِي الخَمرِ، فَإِنَّهَا مَذهَبَةٌ لِلعَقلِ مَسلَبَةٌ لِلمَالِ، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى قَبلَ التَّحرِيمِ:
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ}
هِيَ مَا غَلَى وَاشتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ مِن عَصِيرِ العِنَبِ وَنَحوِهِ، وَالخَمرُ التَّغطِيَةُ، سُمِّيَت بِذَلِكَ لِتَغطِيَتِهَا العَقلَ.
{وَالْمَيْسِرِ ۖ}
القِمَارِ، وَصُورَتُهُ المُجمَعُ عَلَى تَحرِيمِهَا أَن يُخرَجَ العِوَضُ مِنَ الجَانِبَينِ، كَأَن يَتَّفِقَ اثنَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَربَحُ مِنهُمَا فِي هَذِهِ اللُّعبَةِ يَدفَعُ لَهُ الآخَرُ مَبلَغَ كَذَا، أَو يَضَعَ هَذَا مَالًا وَهَذَا مَالًا ثُمَّ الَّذِي يَربَحُ يَأخُذُ المَالَينِ، وَفِي حُكمِ المَيسِرِ أَنوَاعُ القِمَارِ مِنَ النَّردِ وَغَيرِهَا، وَالمَعنَى: يَسأَلُونَكَ عَمَّا فِي تَعَاطِيهِمَا.
{قُلْ}
يَا مُحَمَّدُ.
{فِيهِمَا}
فِي الخَمرِ وَالمَيسِرِ.
{إِثْمٌ كَبِيرٌ}
بِسَبَبِ مَا يَحصُلُ بِسَبَبِهِمَا مِنَ التَّخَاصُمِ وَالتَّشَاتُمِ وَقَولِ الفُحشِ وَالزُّورِ.
{وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}
بِالتِّجَارَةِ فِي الخَمرِ وَالتَّلَذُّذِ وَالفَرَحِ بِشُربِهَا، وَفِي المَيسِرِ بِنَيلِ المَالِ بِلَا كَدٍّ.
{وَإِثْمُهُمَا}
أَي شَرُّهُمَا، أَي مَا يَنشَأُ عَنهُمَا مِنَ المَفَاسِدِ، أَو عِقَابُ الإِثمِ فِي تَعَاطِيهِمَا.
{أَكْبَرُ}
أَعظَمُ.
{مِن نَّفْعِهِمَا ۗ}
لِأَنَّ أَصحَابَ الشُّربِ وَالقِمَارِ يَقتَرِفُونَ فِيهَا الآثَامَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ([7])، وَلَيسَت هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةً فِي التَّحرِيمِ، فَشَرِبَهَا قَومٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَتَرَكَهَا آخَرُونَ، فَنَزَلَ قَبلَ التَّحرِيمِ أَيضًا: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ}([8])، فَقَلَّ مَن يَشرَبُهَا، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: اللهم بَيِّن لَنَا فِي الخَمرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَ تَحرِيمُ الخَمرِ بِقَولِهِ تَعَالَى: { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ}، إِلَى قَولِهِ: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}([9])، فَفَهِمَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مِنهَا تَحرِيمَ الخَمرِ، لِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: انتَهَينَا يَا رَبِّ انتَهَينَا([10]) .
{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}
أَي مَا قَدرُهُ.
{قُلِ}
أَنفِقُوا.
{الْعَفْوَ}
أَيِ الفَضلَ، أَي أَنفِقُوا مَا فَضَلَ عَن قَدرِ الحَاجَةِ وَلَا تُنفِقُوا مَا تَحتَاجُونَ إِلَيهِ فَتُضَيِّعُوا أَنفُسَكُم، وَكَانَ التَّصَدُّقُ بِالفَضلِ فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ فَرضًا، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ زَرعٍ أَمسَكَ قُوتَ سَنَةٍ وَتَصَدَّقَ بِالفَضلِ، وَإِذَا كَانَ صَانِعًا أَمسَكَ قُوتَ يَومِهِ وَتَصَدَّقَ بِالفَضلِ، ثُمَّ نُسِخَت بِآيَةِ الزَّكَاةِ.
{كَذَٰلِكَ}
أَي تَبيِينًا مِثلَ هَذَا التَّبيِينِ.
{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.
وَلَمَّا كَانَ البَيَانُ مِن أَوَّلِ السُّؤَالِ إِلَى هُنَا قَد شَفَى فِي أُمُورِ الدَّارَينِ وَكَفَى وَأَوضَحَ ثَمَرَاتِ كُلٍّ مِنهُمَا وَكَانَ العَرَبُ يُنكِرُونَ الآخِرَةَ سَاقَ ذِكرَهَا مَسَاقَ مَا لَا نِزَاعَ فِيهِ لِكَثرَةِ مَا دَلَّ عَلَيهَا، فَقَالَ:
{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
{فِي الدُّنْيَا}
أَي لَعَلَّكُم تَتَفَكَّرُونَ فِي أَمرِ الدُّنيَا.
{وَالْآخِرَةِ ۗ}
وَفِي أَمرِ الآخِرَةِ، أَي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّارَينِ فَتَأخُذُونَ بِمَا هُوَ أَصلَحُ لَكُم، أَي مُدَاخَلَتُهُم عَلَى وَجهِ الإِصلَاحِ لَهُم وَلِأَموَالِهِم، وَلَمَّا كَانَ النَّفعُ لِليَتِيمِ مِمَّا يُرشِدُ إِلَيهِ التَّفَكُّرُ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَكَانَ الجِهَادُ مِن أَسبَابِ القَتلِ المُوجِبِ لِليُتمِ، وَكَانُوا يَلُونَ يَتَامَاهُم، فَنَزَلَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا} فَاعتَزَلُوا اليَتَامَى وَتَرَكُوا مُخَالَطَتَهُم وَالقِيَامَ بِأَموَالِهِم، وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَ:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ}
وَمَا يَلقَونَهُ فِي شَأنِهِم.
{قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ}
أَي مُدَاخَلَتُهُم عَلَى وَجهِ الإِصلَاحِ لَهُم وَلِأَموَالِهِم وَتَنمِيَتُهَا.
{خَيْرٌ ۖ }
مِن مُجَانَبَتِهِم.
{وَإِن تُخَالِطُوهُمْ}
أَي تَخلِطُوا نَفَقَتَكُم بِنَفَقَتِهِم وَتُعَاشِرُوهُم وَلَم تُجَانِبُوهُم.
{فَإِخْوَانُكُمْ ۚ}
فَهُم إِخوَانُكُم فِي الدِّينِ، وَمِن حَقِّ الأَخِ أَن يُخَالِطَ أَخَاهَ، أَي فَلَكُم ذَلِكَ.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ}
لِأَموَالِهِم.
{مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ}
لَهَا فَيُجَازِيهِ عَلَى حَسَبِ مُدَاخَلَتِهِ، فَاحذَرُوهُ وَلَا تَتَحَرَّوا غَيرَ الإِصلَاحِ.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ}
إِعنَاتَكُم، وَالعَنَتُ المَشَقَّةُ.
{لَأَعْنَتَكُمْ ۚ}
لَضَيَّقَ عَلَيكُم بِتَحرِيمِ المُخَالَطَةِ.
{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ}
غَالِبٌ عَلَى أَمرِهِ يَقدِرُ عَلَى أَن يُعنِتَ عِبَادَهُ وَيُضَيِّقَ عَلَيهِم.
{حَكِيمٌ}
فِي صُنعِهِ لَا يُكَلِّفُهُم إِلَّا وُسعَهُم وَطَاقَتَهُم.
- ذِكرُ حُكمِ نِكَاحِ المُشرِكَاتِ
لَمَّا سَأَلَ مَرثَدٌ النَّبِيَّ ﷺ عَن أَن يَتَزَوَّجَ امرَأَةً اسمُهَا عَنَاقُ وَكَانَت مُشرِكَةً نَزَلَ:
{وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
{وَلَا تَنكِحُوا}
لَا تَتَزَوَّجُوا أَيُّهَا المُسلِمُونَ.
{الْمُشْرِكَاتِ}
الكَافِرَاتِ.
{حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ}
وَلَو كَانَ الحَالُ أَنَّ المُشرِكَةَ تُعجِبُكُم لِجَمَالِهَا وَمَالِهَا.
{وَلَا تُنكِحُوا}
لَا تُزَوِّجُوا أَيُّهَا المُسلِمُونَ.
{الْمُشْرِكِينَ}
الكُفَّارَ بِمُسلِمَةٍ وَلَو كَانَ كِتَابِيًّا.
{حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ}
لِمَالِهِ وَجَمَالِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ فَقَالَ:
{أُولَٰئِكَ}
وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى المُشرِكَاتِ وَالمُشرِكِينَ.
{يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ}
إِلَى الكُفرِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ أَهلِ النَّارِ وَمُوجِبٌ لَهَا فَحَقُّهُم أَن لَا يُوَالَوا وَلَا يُصَاهَرُوا وَلَا تَلِيقُ مُنَاكَحَتُهُم.
{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ}
أَي وَأَولِيَاءُ اللهِ وَهُمُ المُؤمِنُونَ يَدعُونَ إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغفِرَةِ وَمَا يُوصِلُ إِلَيهِمَا فَهُمُ الَّذِينَ تَجِبُ مُوَالَاتُهُم وَمُصَاهَرَتُهُم، أَو أَنَّ اللهَ يَدعُو عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ إِلَى العَمَلِ المُوجِبِ لِلجَنَّةِ وَالمَغفِرَةِ.
{بِإِذْنِهِ ۖ}
بِأَمرِهِ أَو بِإِرَادَتِهِ وَتَيسِيرِهِ.
{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
يَتَّعِظُونَ.
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الحَيضِ
لَمَّا كَانَ فِي ذِكرِ هَذِهِ الآيَةِ رُجُوعٌ إِلَى تَتمِيمِ مَا أَحَلَّ مِنَ الرَّفَثِ فِي لَيلِ الصِّيَامِ عَلَى أَحسَنِ وَجهٍ تَلَاهَا بِالسُّؤَالِ عَن غَشَيَانِ الحَائِضِ، وَكَانَتِ العَرَبُ لَم يُؤَاكِلُوا الحَائِضَ وَلَم يُشَارِبُوهَا وَلَم يُسَاكِنُوهَا كَفِعلِ اليَهُودِ وَالمَجُوسِ، فَسَأَلَ أَبُو الدَّحدَاحِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن ذَلِكَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ نَصنَعُ بِالنِّسَاءِ إِذَا حِضنَ؟ فَنَزَلَ:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ}
أَيِ الحَيضِ أَو مَكَانِهِ مَاذَا يُفعَلُ بِالنِّسَاءِ فِيهِ، وَالحَيضُ هُوَ الدَّمُ النَّازِلُ مِن رَحِمِ المَرأَةِ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ.
{قُلْ هُوَ}
أَو مَحَلُّهُ.
{أَذًى}
أَي شَىءٌ يُستَقذَرُ وَيُؤذِي مَن يَقرَبُهُ، وَالحَيضُ نَفسُهُ أَذًى فَلِذَلِكَ حَرُمَ جِمَاعُ الرَّجُلِ لِزَوجَتِهِ فِي الحَيضِ، لِأَنَّهُ يَزِيدُ المَرأَةَ أَذًى، وَقَد يُسَبِّبُ مَرَضًا مِنَ الأَمرَاضِ لَهُمَا أَو لِأَحَدِهِمَا، وَقَد يُسَبِّبُ اختِلَافَ لَونِ الوَلَدِ عَن لَونِ أَبَوَيهِ ثُمَّ يَتَسَبَّبُ عَن ذَلِكَ اتِّهَامُ المَرأَةِ أَنَّهَا ضَاجَعَت غَيرَ حَلِيلِهَا.
{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ}
فَاجتَنِبُوهُنَّ أَي فَاجتَنِبُوا مُجَامَعَتَهُنَّ.
{فِي الْمَحِيضِ ۖ}
أَي فِي وَقتِهِ، أَو مَكَانِهِ، وَقِيلَ إِنَّ النَّصَارَى كَانُوا يُجَامِعُونَهُنَّ وَلَا يُبَالُونَ بِالحَيضِ، وَاليَهُودَ كَانُوا يَعتَزِلُونَهُنَّ فِي كُلِّ شَىءٍ، فَأَمَرَ اللهُ بِالِاقتِصَادِ بَينَ الأَمرَينِ، وَعِندَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ الاستِمتَاعُ بِمَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ مِنَ الحَائِضِ بِلَا حَائِلٍ، وَقِيلَ: لَا يَحرُمُ إِلَّا الجِمَاعُ.
{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ}
مُجَامِعِينَ أَو وَلَا تَقرَبُوا مُجَامَعَتَهُنَّ.
{حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ}
وَقُرِئَ كَذَلِكَ بِتَشدِيدِ الطَّاءِ وَالهَاءِ وَالفَتحِ، أَي: (يَطَّهَّرنَ)، وَهُوَ تَأكِيدٌ لِلحُكمِ وَبَيَانٌ لِغَايَتِهِ، وَهُوَ أَن يَغتَسِلنَ بَعدَ الِانقِطَاعِ لِقَولِهِ:
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ}
فَإِنَّهُ يَقتَضِي جَوَازَ الإِتيَانِ بَعدَ الغُسلِ لَا قَبلَهُ.
{مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ}
مِنَ المَكَانِ الَّذِي أَمَرَكُمُ اللهُ بِهِ وَحَلَّلَهُ لَكُم وَهُوَ القُبُلُ وَلَا تَعدُوهُ إِلَى غَيرِهِ.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ}
يُثِيبُ وَيُكرِمُ.
{التَّوَّابِينَ}
مِنَ ارتِكَابِ مَا نُهُوا عَنهُ أَوِ العَوَّادِينَ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِن زَلُّوا.
{وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}
بِالمَاءِ، أَوِ المُتَنَزِّهِينَ مِن أَدبَارِ النِّسَاءِ، أَو مِنَ الجِمَاعِ فِي الحَيضِ، أَو مِنَ الفَوَاحِشِ.
وَلَمَّا بَيَّنَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى المَأتِيَّ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ نَوعَ بَيَانٍ أَوضَحَهُ مُشِيرًا إِلَى ثَمَرَةِ النِّكَاحِ النَّاهِيَةِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ عَنِ السِّفَاحِ فَقَالَ:
{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}
{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}
مَوَاضِعُ حَرثٍ لَكُم، وَزَرعُكُمُ الوَلَدُ، وَهَذَا مَجَازٌ، شُبِّهنَ بِالمَحَارِثِ تَشبِيهًا لِمَا يُلقَى فِي أَرحَامِهِنَّ مِنَ النُّطَفِ الَّتِي مِنهَا النَّسلُ بِالبُذُورِ وَتَشبِيهًا لِلوَلَدِ بِالنَّبَاتِ، وَوَقَعَ قَولُهُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} بَيَانًا وَتَوضِيحًا لِقَولِهِ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}، أَي إِنَّ المَأتِيَّ الَّذِي أَمَرَكُمُ اللهُ بِهِ هُوَ مَكَانُ الحَرثِ لَا مَكَانُ الفَرثِ أَيِ الغَائِطِ، تَنبِيهًا عَلَى أَنَّ المَطلُوبَ الأَصلِيَّ فِي الإِتيَانِ هُوَ طَلَبُ النَّسلِ لَا قَضَاءُ الشَّهوَةِ، فَلَا تَأتُوهُنَّ إِلَّا مِنَ المَأتِيَّ الَّذِي نِيطَ بِهِ هَذَا المَطلُوبُ، وَكَانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهلَهُ بَارِكَةً أَتَى الوَلَدُ أَحوَلَ، فَقَالَ:
{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ}
جَامِعُوهُنَّ.
{أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ}
مَتَى شِئتُم أَو كَيفَ شِئتُم، بَعدَ أَن يَكُونَ المَأتِيُّ وَاحِدًا وَهُوَ مَوضِعُ الحَرثِ، وَهُوَ تَمثِيلٌ، أَي فَأتُوهُنَّ كَمَا تَأتُونَ أَرَاضِيكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أَن تَحرُثُوهَا مِن أَيِّ جِهَةٍ شِئتُم لَا يُحظَرُ عَلَيكُم جِهَةٌ دُونَ جِهَةٍ([11]).
{وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ}
مَا يَجِبُ تَقدِيمُهُ مِنَ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَمَا هُوَ خِلَافُ مَا نُهِيتُم عَنهُ، أَو سَمُّوا عِندَ الجِمَاعِ.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ}
فَلَا تَجتَرِئُوا عَلَى مَا نَهَاكُم عَنهُ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ}
صَائِرُونَ إِلَيهِ بِالبَعثِ فَيُجَازِيكُم عَلَى أَعمَالِكُم فَاستَعِدُّوا لِلمَوتِ.
{وَبَشِّرِ}
يَا مُحَمَّدُ.
{الْمُؤْمِنِينَ}
الَّذِينَ اتَّقَوهُ بِالثَّوَابِ وَالجَنَّةِ.
([1]) تَنبِيهٌ: قَالَ الرَّازِيُّ: «أَجمَعَ المُعتَبَرُونَ مِنَ العُقَلَاءِ عَلَى أَنَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَجِيءِ وَالذَّهَابِ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: مَا ثَبَتَ فِي عِلمِ الأُصُولِ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ عَلَيهِ المَجِيءُ وَالذَّهَابُ لَا يَنفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا مُحدَثَانِ، وَمَا لَا يَنفَكُّ عَنِ المُحدَثِ فَهُوَ مُحدَثٌ، فَيَلزَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ عَلَيهِ المَجِيءُ وَالذَّهَابُ يَجِبُ أَن يَكُونَ مُحدَثًا مَخلُوقًا وَالإِلَهُ القَدِيمُ يَستَحِيلُ أَن يَكُونَ كَذَلِكَ».اهـ التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج5 ص356).
([2]) الدِّينُ الصَّحِيحُ الَّذِي ارتَضَاهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ البَشَرِ وَالجِنِّ وَالمَلائِكَةِ الإِسلامُ لا غَيرُ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ البَشَرُ، ءَادَمُ وَأَولادُهُ مَا كَانُوا يَدِينُونَ إِلَّا بِالإِسلامِ، إِنَّمَا نَشَأَ الكُفرُ بَعدَ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}، [سُورَةُ البَقَرَة:213]، أَي كُلُّهُم عَلَى الإِسلامِ، ثُمَّ اختَلَفَ البَشَرُ فَبَقِيَ بَعضُهُم عَلَى الإِسلامِ وَكَفَرَ بَعضٌ فَدَانَ بِغَيرِ الإِسلامِ، ثُمَّ لَمَّا اختَلَفُوا بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ لِيُبَشِّرُوا مَن أَسلَمَ بِالجَنَّةِ وَيُنذِرُوا مَن كَفَرَ بِالعَذَابِ فِي الآخِرَةِ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}، أَي كُلُّهُم عَلَى الإِسلامِ فَاختَلَفُوا: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:213].اهـ فَالإِسلامُ هُوَ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ أَيِ الَّذِي أَحَبَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، فَالبَشَرُ فِي زَمَنِ ءَادَمَ كَانُوا كُلُّهُم عَلَى الإِسلامِ لَم يَكُن بَينَهُم كَافِرٌ، هُوَ عَلَّمَ أَولادَهُ الدِّينَ كَمَا عَلَّمَهُم أُصُولَ المَعِيشَةِ وَعَمِلَ لَهُمُ الدِّينَارَ وَالدِّرهَمَ وَغَيرَ ذَلِكَ مِن أُصُولِ المَعِيشَةِ. وَبَعدَ وَفَاةِ إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلامُ حَصَلَ الشِّركُ بَينَ النَّاسِ وَاستَمَرُّوا عَلَى هَذَا زَمَانًا إِلَى أَن بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا يَدعُوهُم إِلَى الإِسلامِ. فَبَينَ إِدرِيسَ وَنُوحٍ عَلَيهِمَا السَّلامُ أَلفُ سَنَةٍ وَتِلكَ الفَترَةُ تُسَمَّى الجَاهِلِيَّةَ الأُولَى، فَبِهَذَا يَكُونُ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ أَوَّلَ نَبِيٍّ أُرسِلَ إِلَى الكُفَّارِ يَدعُوهُم إِلَى الإِسلامِ.
([3]) تَنبِيهٌ: قَولُهُ تَعَالَى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الإِيقَاعَ بَينَ اثنَينِ أَشَدُّ مِنَ القَتلِ، لَا، أَشَدُّ الذُّنُوبِ الكُفرُ ثُمَّ قَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ ثُمَّ الزِّنَا، بَعدَ ذَلِكَ تَركُ الصَّلَاةِ وَأَكلُ الرِّبَا، فَهَذِهِ الآيَةُ مَعنَاهَا: الفِتنَةُ فِي الدِّينِ أَكبَرُ مِنَ القَتلِ، أَيِ الشِّركُ أَكبَرُ مِنَ القَتلِ.
([4]) الشَّخصُ إِذَا كَانَ مُسلِمًا ثُمَّ صَدَرَ مِنهُ كُفرٌ فَإِنَّ أَعمَالَهُ الصَّالِحَةَ تَحبَطُ كُلُّهَا، فَيَخسَرُ حَسَنَاتِهِ السَّابِقَةَ كُلَّهَا مِن صَلاةٍ أَو صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيرِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}، [سُورَةُ المَائِدَةِ:5]، فَإِن رَجَعَ إِلَى الإِسلامِ لَم تَرجِع إِلَيهِ حَسَنَاتُهُ الَّتِي خَسِرَهَا، وَأَمَّا ذُنُوبُهُ الَّتِي عَمِلَهَا فِي أَثنَاءِ الرِّدَّةِ وَقَبلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لا تُمحَى عَنهُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الإِسلامِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُغفَرُ لَهُ بِذَلِكَ هُوَ الكُفرُ لا غَيرُ، بِخِلَافِ الكَافِرِ الأَصلِيِّ فَإِنَّ ذُنُوبَهُ تُمحَى بِإِسلامِهِ لِقَولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «الإِسلامُ يَهدِمُ مَا قَبلَهُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، أَمَّا حَسَنَاتُهُ الَّتِي كَانَ عَمِلَهَا قَبلَ إِسلامِهِ فَلا تُكتَبُ لَهُ بَعدَ أَن يُسلِمَ، وَهَذَا هُوَ القَولُ الصَّحِيحُ، وَمَن قَالَ بِأَنَّ حَسَنَاتِهِ تَعُودُ لَهُ فَهُوَ غَالِطٌ، لَكِن لا يُكَفَّرُ إِن كَانَ مِمَّن يَخفَى عَلَيهِ الحُكمُ.
([5]) أَي مَن رَجَا الثَّوَابَ طَلَبَ الرَّحمَةَ بِالعَمَلِ، وَمَن خَافَ العِقَابَ هَرَبَ مِنَ الذُّنُوبِ.
([6]) وَمَا يَزعُمُ بَعضُهُم مِن أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى قَالَ: قَلِيلٌ مِنَ الخَمرِ يُفَرِّحُ قَلبَ الإِنسَانِ، فَهُوَ كَذِبٌ عَلَيهِ، فَالنَّبِيُّ لَا يَحُثُّ أُمَّتَهُ عَلَى شُربِ الخَمرِ، إِنَّمَا يَحُثُّهُم عَلَى مَا يَنفَعُهُم وَلَا يَضُرُّهُم.
([7]) قَالَ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ فِي تَفسِيرِهِ عِندَ قَولِهِ تَعَالَى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:219]، مَا نَصُّهُ: «وَفِي إِثمِ المَيسِرِ قَولَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَشغَلُ عَن ذِكرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ وَيُوقِعُ العَدَاوَةَ، قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، وَالثَّانِي: يَدعُو إِلَى الظُّلمِ وَمَنعِ الحَقِّ، رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَن أَشيَاخِهِ، وَجَائِزٌ أَن يُرَادَ جَمِيعُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنَافِعُ الخَمرِ فَمِن وَجهَينِ: أَحَدُهُمَا: الرِّبحُ فِي بَيعِهَا، وَالثَّانِي: انتِفَاعُ الأَبدَانِ مَعَ التِذَاذِ النُّفُوسِ، وَأَمَّا مَنَافِعُ المَيسِرِ: فَإِصَابَةُ الرَّجُلِ المَالَ مِن غَيرِ تَعَبٍ».اهـ
([8]) [سُورَةُ النِّسَاءِ:43].
([9]). قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91)}، [سُورَةُ المَائِدَةِ:90-91]، وَبَعضُ الَّذِينَ استَدَلُّوا بِهَا عَلَى التَّحرِيمِ قَالُوا: يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:33]. وَكَمَا يَحرُمُ شُربُ الخَمرِ يَحرُمُ بَيعُهَا وَلَو لِغَيرِ شُربِهَا، لِحَدِيثِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيعَ الخَمرِ وَالمَيتَةِ وَالخِنزِيرِ وَالأَصنَامِ»، وَالخَمرُ قَد يَكُونُ مِنَ العِنَبِ أَوِ التَّمرِ أَوِ العَسَلِ أَوِ الحِنطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوِ الذُّرَةِ أَوِ البَصَلِ أَوِ البَطَاطَا أَوِ التُّفَّاحِ أَو غَيرِ ذَلِكَ، رَوَى مُسلِمٌ مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وَكُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ»، وَفِي لَفظٍ: «وَكُلُّ خَمرٍ حَرَامٌ». فَكُلُّ شَرَابٍ غَيَّرَ العَقلَ مَعَ الطَّرَبِ أَي مَعَ النَّشوَةِ وَالفَرَحِ فَهُوَ خَمرٌ، إِن كَانَ مِن عِنَبٍ أَو عَسَلٍ أَو ذُرَةٍ أَو شَعِيرٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الأَشيَاءُ إِنَّمَا تَصِيرُ خَمرًا إِذَا حَصَلَ الغَلَيَانُ، عِندَمَا تَغلِي وَتَرتَفِعُ ثُمَّ تَنزِلُ عِندَئِذٍ الَّذِينَ يَشرَبُونَ الخَمرَ يَعتَبِرُونَهَا صَافِيَةً، أَمَّا قَبلَ الغَلَيَانِ فَهُوَ حَلَالٌ، يُقَالُ لَهُ نَبِيذٌ حَلَالٌ، فَمَا يُنقَعُ بِالمَاءِ إِن وَصَلَ إِلَى حَدِّ الإِسكَارِ أَو لَم يَصِل يُقَالُ لَهُ نَبِيذٌ، لَكِن إِن لَم يَصِل إِلَى حَدِّ الإِسكَارِ فَهُوَ نَبِيذٌ حَلَالٌ. أَمَّا عَصِيرُ العِنَبِ فَيَصِيرُ خَمرًا بَعدَ الغَلَيَانِ مِن دُونِ أَن يُخلَطَ بِهِ شَىءٌ، أَمَّا العَسَلُ وَالعِنَبُ وَالشَّعِيرُ وَالذُّرَةُ وَالزَّبِيبُ وَالتَّمرُ إِنَّمَا يَصِيرُ خَمرًا عِندَمَا يُوضَعُ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ يَمكُثَ مُدَّةً ثُمَّ يَغلِيَ أَي يَرتَفِعَ وَيَطلَعَ مِنهُ صَوتٌ يُقَالُ لَهُ: نَشِيشٌ، عِندَئذٍ يَصِيرُ خَمرًا، وَفِي النَّسَائِيِّ عَنِ ابنِ عُمَرَ: «اجتَنِب كُلَّ شَرَابٍ يَنِشُّ»، يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: نَشَّ الشَّرَابُ يَنِشُّ نَشِيشًا: مَعنَاهُ طَلَعَ لَهُ صَوتٌ، هَذَا النَّشِيشُ أَوَّلُ الخَمرِ، بَعدَ ذَلِكَ يَصِيرُ يَصفُو، عِندَئِذٍ يُحِبُّهُ شَرَبَةُ الخُمُورِ وَيَبقَى هَذَا الشَّرَابُ خَمرًا إِلَى أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ بَعدَ مُدَّةِ نَحوِ أَربَعِينَ يَومًا فِي بَعضِ البِلَادِ يَتَغَيَّرُ طَعمُهُ فَيَصِيرُ خَلًّا حَامِضًا فَلَا يُسكِرُ بَعدَ ذَلِكَ مَهمَا شُرِبَ مِنهُ. ثُمَّ إِنَّ بَعضَ النَّاسِ يُسكِرُهُم قَلِيلُ الخَمرِ وَكَثِيرُهُ، وَبَعضُ النَّاسِ لَا يُسكِرُهُم إِلَّا كَثِيرُهُ، وَكُلٌّ حَرَامٌ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحمَدُ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَسكَرَ كَثِيرُهُ فقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، وَقَالَ حِينَ سُئلَ عَنِ البِتعِ -وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ إِذَا صَارَ خَمرًا-: «كُلُّ شَرَابٍ أَسكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ عَائشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا. فَالخَمرُ هُوَ الشَّرَابُ الَّذِي إِذَا شُرِبَ يُسكِرُ، أَي يُغَيِّرُ العَقلَ مَعَ نَشوَةٍ وَطَرَبٍ وَسُوءِ الخُلُقِ، سَوَاءٌ كَانَ مِن عَصِيرِ العِنَبِ أَو مِنَ الذُّرَةِ أَو مِنَ الشَّعِيرِ أَو مِنَ الحِنطَةِ أَيِ القَمحِ أَو مِنَ العَسَلِ.
([10]) سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج5 ص140)، السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ النَّسَائِيِّ (ج5 ص61)، فَلَم يَفهَم سَيِّدُنَا عُمَرُ وَلَا غَيرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ التَّحرِيمَ مِن هَاتَينِ الآيَتَينِ، وَانقَطَعُوا عَن شُربِهَا لَمَّا نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوهُ}، مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، لِأَنَّهُم فَهِمُوا مِنهُ التَّحرِيمَ القَطعِيَّ، وَاللهُ تَعَالَى أَنزَلَ التَّحرِيمَ شَيئًا فَشَيئًا تَسهِيلًا عَلَيهِم حَتَّى لَا يَكُونَ عَلَيهِم مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ فِي الإِقلَاعِ عَن شُربِ الخَمرِ، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوهُ}، مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ: «انتَهَينَا انتَهَينَا»، وَأَرَاقُوا الخَمرَ حَتَّى جَرَت فِي السِّكَكِ، وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}، [سُورَةُ النَّحلِ:67]، فَقَد قَالَ بَعضُهُم: السَّكَرُ هُوَ الخَلُّ، وَقَالَ بَعضُهُم: هَذِهِ الآيَةُ نُسِخَت لَمَّا نَزَلَت ءَايَةُ التَّحرِيمِ.
([11]) وَقَولُهُ تَعَالَى: {هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:222]، {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}، [سُورَةُ البَقَرَة 22٢]، {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:223]، مِنَ الكِنَايَاتِ اللَّطِيفَةِ وَالتَّعرِيضَاتِ المُستَحسَنَةِ، فَعَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَتَأَدَّبَ بِهَا وَيَتَكَلَّفَ مِثلَهَا فِي المُحَاوَرَاتِ وَالمُكَاتَبَاتِ.