{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (22٥) لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)}
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الأَيمَانِ
كَانَ الرَّجُلُ يَحلِفُ عَلَى تَركِ بَعضِ الخَيرَاتِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ أَو إِصلَاحِ ذَاتِ بَينٍ أَو إِحسَانٍ إِلَى أَحَدٍ أَو عِبَادَةٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَخَافُ اللهَ أَن أَحنَثَ فِي يَمِينِي، فَيَترُكُ الخَيرَ المَحلُوفَ عَلَى تَركِهِ إِرَادَةَ أَن يَبَرَّ يَمِينَهُ، فَقِيلَ لَهُم:
{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ}
أَيِ الحَلِفَ بِهِ.
{عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ}
أَي حَاجِزًا وَمَانِعًا عَنِ الخَيرِ بِسَبَبِ حَلِفِكُم فَيُؤَدِّي إِلَى.
{أَن}
لَا.
{تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ}
أَي لَا تَمتَنِعُوا مِن فِعلِ مَا ذُكِرَ مِنَ البِرِّ وَنَحوِهِ إِذَا حَلَفتُم عَلَى تَركِهِ، بَلِ ائتُوهُ وَكَفِّرُوا، قَالَ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنهَا فَليُكَفِّر عَن يَمِينِهِ»([1]).
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ}
سَامِعٌ لِأَيمَانِكُم وَأَقوَالِكُم.
{عَلِيمٌ}
بِنِيَّاتِكُم وَأَحوَالِكُم([2]).
وَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَيهِم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذَا وَكَانَت أَلسِنَتُهُم قَد مُرِّنَت عَلَى الأَيمَانِ مِن غَيرِ قَصدٍ بِحَيثُ صَارُوا لَا يَقدِرُونَ عَلَى تَركِ ذَلِكَ إِلَّا بِرِيَاضَةٍ كَبِيرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ طَوِيلَةٍ وَكَانَ مِمَّا رَحِمَ اللهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ العَفوُ عَمَّا أَخطَأَت بِهِ وَلَم تَتَعَمَّدهُ قَالَ فِي جَوَابِ مَن كَأَنَّهُ سَأَلَ عَن ذَلِكَ:
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ}
اللَّغوُ السَّاقِطُ الَّذِي لَا يُعتَدُّ بِهِ مِن كَلَامٍ وَغَيرِهِ.
{فِي أَيْمَانِكُمْ}
الأَيمَانُ جَمعُ يَمِينٍ وَهُوَ القَسَمُ، وَلَغوُ اليَمِينِ السَّاقِطُ الَّذِي لَا يُعتَدُّ بِهِ فِي الأَيمَانِ، وَهُوَ مَا يَجرِي عَلَى لِسَانِهِ مِن غَيرِ قَصدٍ لِلحَلِفِ، نَحوُ: «لَا وَاللهِ»، وَ«بَلَى وَاللهِ»، هَذَا يُسَمَّى يَمِينَ اللَّغوِ، فَلَا يُكتَبُ عَلَيهِ ذَنبٌ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ([3])، وَالمَعنَى: لَا يُعَاقِبُكُم بِلَغوِ اليَمِينِ الَّذِي يَحلِفُهُ أَحَدُكُم.
{وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم}
يُعَاقِبُكُم.
{بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ}
بِمَا اقتَرَفَتهُ مِن إِثمِ القَصدِ إِلَى الكَذِبِ فِي اليَمِينِ، وَهُوَ أَن يَحلِفَ عَلَى مَا يَعلَمُ أَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقُولُهُ، وَهُوَ اليَمِينُ الغَمُوسُ.
{وَاللَّهُ غَفُورٌ}
لِمَا كَانَ مِنَ اللَّغوِ.
{حَلِيمٌ}
بِتَأخِيرِ العُقُوبَةِ عَن مُستَحِقِّهَا وَعَدَمِ مُؤَاخَذَتِكُم بِاللَّغوِ فِي أَيمَانِكُم.
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الإِيلَاءِ
بَعدَ بَيَانِ حُكمِ مُطلَقِ اليَمِينِ جَاءَ بَيَانُ حُكمِ الإِيلَاءِ([4]) وَهُوَ قَسَمٌ مُقَيَّدٌ، وَقَد كَانَ الإِيلَاءُ ضِرَارَ أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنهُم لَا يُرِيدُ المَرأَةَ وَلَا يُحِبُّ أَن يَتَزَوَّجَهَا غَيرُهُ يَحلِفُ أَلَّا يَقرَبَهَا أَبَدًا، فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى الأَجَلَ الَّذِي يُعلَمُ بِهِ مَا عِندَ الرَّجُلِ فِي المَرأَةِ أَربَعَةَ أَشهُرٍ، فَقَالَ:
{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ}
يُقسِمُونَ، أَي لِلمُؤلِينَ.
{مِن نِّسَائِهِمْ}
أَي يَحلِفُونَ عَلَى تَركِ وَطئِهِنَّ.
{تَرَبُّصُ}
تَرَقُّبُ وَانتِظَارُ.
{أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا}
رَجَعُوا فِي الأَشهُرِ أَو بَعدَهَا عَنِ اليَمِينِ إِلَى الوَطءِ.
{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}
لَهُم مَا أَتَوهُ مِن ضَرَرِ المَرأَةِ بِالحَلِفِ وَلِإِثمِ اليَمِينِ.
{رَّحِيمٌ}
بِهِم حَيثُ شَرَعَ الكَفَّارَةَ.
ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الأَربَعَةِ الأَشهُرِ، بَل إِمَّا أَن يَفِيءَ أَو يُطَلِّقَ، فَإِن أَبَى طَلَّقَ عَلَيهِ الحَاكِمُ:
{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
{وَإِنْ عَزَمُوا}
أَي فَإِن لَم يَفِيؤوا بَل عَزَمُوا.
{الطَّلَاقَ}
بَعدَ مُضِيِّ المُدَّةِ بِتَركِ الفَيءِ فَليُوقِعُوهُ.
{فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ}
لِإِيلَائِهِ.
{عَلِيمٌ}
بِنِيَّتِهِ، المَعنَى: لَيسَ لَهُم بَعدَ تَرَبُّصِ مَا ذُكِرَ إِلَّا الفَيأَةُ أَوِ الطَّلَاقُ، وَهُوَ وَعِيدٌ عَلَى إِصرَارِهِم وَتَركِهِمُ الفَيأَةَ.
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الطَّلَاقِ
كَانَتِ المَرأَةُ إِذَا طُلِّقَت وَهِيَ رَاغِبَةٌ فِي زَوجِهَا قَالَت: أَنَا حُبلَى، وَلَيسَت حُبلَى، لِكَي يُرَاجِعَهَا، وَإِن كَانَت حُبلَى وَهِيَ كَارِهَةٌ لَهُ قَالَت: لَستُ بِحُبلَى، لِكَي لَا يَقدِرَ عَلَى مُرَاجَعَتِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الإِسلَامُ ثَبَتُوا عَلَى هَذَا فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى:
{وَالْمُطَلَّقَاتُ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}([5])، ثُمَّ نَزَلَت: {وَالْمُطَلَّقَاتُ}
المَدخُولُ بِهِنَّ مِن ذَوَاتِ الأَقرَاءِ.
{يَتَرَبَّصْنَ}
أَي فَليَنتَظِرنَ.
{بِأَنفُسِهِنَّ}
حَثٌّ لَهُنَّ عَلَى التَّرَبُّصِ وَزِيَادَةُ بَعثٍ لِأَنَّ أَنفُسَ النِّسَاءِ طَوَامِحُ إِلَى الرِّجَالِ فَأُمِرنَ أَن يَقمَعنَ أَنفُسَهُنَّ وَيَغلِبنَهَا عَلَى الطُّمُوحِ وَيُجبِرنَهَا عَلَى التَّرَبُّصِ.
{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ}
أَي يَتَرَبَّصنَ مُضِيَّ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَهُوَ جَمعُ قَرءٍ أَو قُرءٍ وَهُوَ الطُّهرُ، فَلَفظُ القُرءِ بِضَمِّ القَافِ وَفَتحِهَا مُشتَرَكٌ بَينَ الحَيضِ وَالطُّهرِ لَكِنِ المُرَادُ بِهِ هُنَا عِندَ الشَّافِعِيَّةِ الطُّهرُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}([6])، أَي فِي زَمَنِهَا وَهُوَ زَمَنُ الطُّهرِ، وَغَيرُ المَدخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ لَهَا، وَعِدَّةُ الآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَم تَحِض بَعدُ ثَلَاثَةُ أَشهُرٍ، وَعِدَّةُ الحَوَامِلِ أَن يَضَعنَ حَملَهُنَّ، وَعِدَّةُ الإِمَاءِ قُرءَانِ أَي طُهرَانِ.
{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}
مِنَ الوَلَدِ وَالحَيضِ، وَذَلِكَ إِذَا أَرَادَتِ المَرأَةُ فِرَاقَ زَوجِهَا فَكَتَمَت حَملَهَا لِئَلَّا يَنتَظِرَ بِطَلَاقِهَا أَن تَضَعَ وَلِئَلَّا يُشفِقَ عَلَى الوَلَدِ فَيَترُكَ تَسرِيحَهَا، ثُمَّ عَظَّمَ فِعلَهُنَّ فَقَالَ:
{إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ}
لِأَنَّ مَن آمَنَ بِاللهِ وَبِعِقَابِهِ لَا يَجتَرِئُ عَلَى مِثلِهِ مِنَ العَظَائِمِ.
{وَبُعُولَتُهُنَّ}
أَي أَزوَاجُهُنَّ.
{أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}
أَولَى بِرَجعَتِهِنَّ.
{فِي}
مُدَّةِ.
{ذَٰلِكَ}
التَّرَبُّصِ، وَالمَعنَى أَنَّ الرَّجُلَ إِن أَرَادَ الرَّجعَةَ وَأَبَتهَا المَرأَةُ وَجَبَ إِيثَارُ قَولِهِ عَلَى قَولِهَا وَكَانَ هُوَ أَحَقَّ مِنهَا.
{إِنْ أَرَادُوا}
بِالرَّجعَةِ.
{إِصْلَاحًا ۚ}
لِمَا بَينَهُم وَبَينَهُنَّ وَإِحسَانًا إِلَيهِنَّ وَلَم يُرِيدُوا مُضَارَّتَهُنَّ، وَهُوَ تَحرِيضٌ عَلَى قَصدِهِ لَا شَرطٌ لِجَوَازِ الرَّجعَةِ وَهَذَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجعِيِّ.
{وَلَهُنَّ}
وَيَجِبُ لَهُنَّ مِنَ الحَقِّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ المَهرِ وَالنَّفَقَةِ وَحُسنِ العِشرَةِ وَتَركِ المُضَارَّةِ.
{مِثْلُ الَّذِي}
يَجِبُ لِلرِّجَالِ.
{عَلَيْهِنَّ}
مِنَ الأَمرِ وَالنَّهيِ.
{بِالْمَعْرُوفِ ۚ}
بِالوَجهِ الَّذِي لَا يُنكَرُ فِي الشَّرعِ وَعَادَاتِ النَّاسِ، فَلَا يُكَلِّفُ أَحَدُ الزَّوجَينِ صَاحِبَهُ مَا لَيسَ لَهُ.
{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ}
زِيَادَةٌ فِي الحَقِّ وَفَضِيلَةٌ بِالقِيَامِ بِأَمرِهَا وَإِنِ اشتَرَكَا فِي اللَّذَّةِ وَالِاستِمتَاعِ، أَو بِالإِنفَاقِ وَمِلكِ النِّكَاحِ، فَالزَّوجُ مُكَلَّفٌ بِهَذَا لِأَنَّهُ يَملِكُ السَّيطَرَةَ عَلَيهَا، لِهَذَا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَتَهَا فَصَارَ عَلَى النِّسَاءِ التَّقَيُّدُ بِأُمُورِ الزَّوجِ.
{وَاللَّهُ عَزِيزٌ}
فِي مُلكِهِ لَا يُعتَرَضُ عَلَيهِ فِي أُمُورِهِ.
{حَكِيمٌ}
فِيمَا دَبَّرَهُ لِخَلقِهِ لَا يَأمُرُ إِلَّا بِمَا هُوَ صَوَابٌ وَحَسَنٌ وَلَا يَجُوزُ الِاعتِرَاضُ عَلَيهِ، اللهُ خَلَقَنَا وَهُوَ مَالِكُنَا وَلَهُ أَن يَأمُرَنَا بِمَا شَاءَ وَأَن يَنهَانَا عَمَّا شَاءَ، وَلَيسَ لَنَا إِلَّا أَن نُسَلِّمَ للهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الرَّجعَةَ وَلَم يُبَيِّن لَهَا غَايَةً تَنتَهِي بِهَا فَكَانَتِ الآيَةُ كَالمُجمَلِ عَرَضَ سُؤَالٌ: هَل هِيَ مُمتَدَّةٌ كَمَا كَانُوا يَفعَلُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مَتَى رَاجَعَهَا فِي العِدَّةِ لَهُ أَن يُطَلِّقَهَا مَا دَامَ يَفعَلُ ذَلِكَ وَلَو أَلفَ مَرَّةٍ؟ أَو مُنقَطِعَةٌ؟ وَقَالَت أَنصَارِيَّةٌ: قَالَ زَوجِي: لَا أَزَالُ أُطَلِّقُكِ وَأُرَاجِعُكِ، فَقَالَ تَعَالَى:
{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
{الطَّلَاقُ}
التَّطلِيقُ.
{مَرَّتَانِ ۖ}
أَيِ الطَّلَاقُ الَّذِي بَعدَهُ رَجعَةٌ مَرَّتَانِ، لِأَنَّهُ لَا رَجعَةَ بَعدَ الثَّالِثَةِ.
{فَإِمْسَاكٌ}
فَإِمَّا أَن يُمسِكَهَا بَعدَ التَّطلِيقَةِ الثَّانِيَةِ بِرَجعَةٍ.
{بِمَعْرُوفٍ}
مِن غَيرِ ضِرَارٍ.
{أَوْ تَسْرِيحٌ}
إِرسَالٌ.
{بِإِحْسَانٍ ۗ}
بِأَن لَا يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَبِينَ بِالعِدَّةِ.
{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ}
أَيُّهَا الأَزوَاجُ.
{أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ}
أَعطَيتُمُوهُنَّ مِنَ المُهُورِ.
{شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ}
إِلَّا أَن يَعلَمَ الزَّوجَانِ تَركَ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ وَعِصيَانِهِ فِيمَا يَلزَمُهُمَا مِن وَاجِبَاتِ الزَّوجِيَّةِ لِمَا يَحدُثُ مِن نُشُوزِ المَرأَةِ وَسُوءِ خُلُقِهَا.
{فَإِنْ خِفْتُمْ}
أَيُّهَا الوُلَاةُ وَالحُكَّامُ.
{أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}
لَا جُنَاحَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا أَخَذَ وَلَا عَلَيهَا فِيمَا أَعطَت.
{فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ}
نَفسَهَا فَاختَلَعَت بِهِ مِن بَذلِ مَا أُوتِيَت مِنَ المَهرِ، وَهَذَا نَزَلَ فِي جَمِيلَةَ وَزَوجِهَا ثَابِتِ بنِ قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وَكَانَت تُبغِضُهُ وَهُوَ يُحِبُّهَا، وَقَد أَعطَاهَا حَدِيقَةً فَاختَلَعَت مِنهُ بِهَا، وَهُوَ أَوَّلُ خُلعٍ كَانَ فِي الإِسلَامِ.
{فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ}
أَي مَا حَدَّ مِنَ النِّكَاحِ وَاليَمِينِ وَالإِيلَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالخُلعِ وَغَيرِ ذَلِكَ.
{فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ}
فَلَا تُجَاوِزُوهَا بِالمُخَالَفَةِ.
{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
الضَّارُّونَ أَنفُسَهُم.
وَلَمَّا بَيَّنَ قِسمَيِ الطَّلَاقِ فَرَّعَ عَلَيهِ فَقَالَ ذَامًّا لِمَا كَانُوا يَفعَلُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِن غَيرِ هَذِهِ الأَحكَامِ:
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
{فَإِن طَلَّقَهَا}
مَرَّةً ثَالِثَةً بَعدَ المَرَّتَينِ.
{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ}
أَي مِن بَعدِ التَّطلِيقَةِ الثَّالِثَةِ.
{حَتَّىٰ تَنكِحَ}
تَتَزَوَّجَ.
{زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ}
بَعدَ مُضِيِّ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، وَيُجَامِعَهَا الثَّانِي، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا، ثُمَّ تَمضِيَ عِدَّتُهَا مِنَ الثَّانِي، وَشُرِطَ الجِمَاعُ بِحَدِيثِ العُسَيلَةِ كَمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الفِقهِ، وَهُوَ قَولُهُ ﷺ: «أَتُرِيدِينَ أَن تَرجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا تَحِلِّينَ لَهُ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيلَتَكِ»([7])، أَي لَا يَحِلُّ لَكِ أَن تَرجِعِي لِلزَّوجِ الأَوَّلِ إِلَّا بَعدَ أَن يُجَامِعَكِ هَذَا الثَّانِي، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مَشهُورٌ رَوَاهُ البُخَارِيُّ([8]) .
{فَإِن طَلَّقَهَا}
الزَّوجُ الثَّانِي بَعدَ الوَطءِ.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}
عَلَيهَا وَعَلَى الزَّوجِ الأَوَّلِ.
{أَن يَتَرَاجَعَا}
أَن يَرجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ بِالزِّوَاجِ.
{إِن ظَنَّا}
إِن كَانَ فِي ظَنِّهِمَا.
{أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ}
أَنَّهُمَا يُقِيمَانِ حُقُوقَ الزَّوجِيَّةِ، وَلَم يَقُل: إِن عَلِمَا أَنَّهُمَا يُقِيمَانِ، لِأَنَّ اليَقِينَ مُغَيَّبٌ عَنهُمَا لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ.
{وَتِلْكَ}
المَذكُورَاتُ.
{حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
يَتَدَبَّرُونَ وَيَفهَمُونَ مَا بُيِّنَ لَهُم.
وَلَمَّا ذَكَرَ الطَّلَاقَ رَجعِيًّا وَبَائِنًا عَقَّبَهُ بِبَيَانِ وَصفِ الرَّجعَةِ مِنَ الحِلِّ وَالحُرمَةِ وَبَيَانِ وَقتِهَا وَتَحدِيدِهِ وَالإِشَارَةِ إِلَى تَصوِيرِ بَعضِ صُوَرِ المُضَارَّةِ تَرهِيبًا مِنهَا، وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ المَرأَةَ وَيَترُكُهَا حَتَّى يَقرُبَ انقِضَاءُ عِدَّتِهَا ثُمَّ يُرَاجِعُهَا، لَا عَن حَاجَةٍ وَلَكِن لِيُطَوِّلَ العِدَّةَ عَلَيهَا، فَهُوَ الإِمسَاكُ ضِرَارًا، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}
أَي آخِرَ عِدَّتِهِنَّ وَشَارَفنَ مُنتَهَاهَا.
{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}
أَي فَإِمَّا أَن يُرَاجِعَهَا مِن غَيرِ طَلَبِ ضِرَارٍ بِالمُرَاجَعَةِ.
{بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ}
وَإِمَّا أَن يُخَلِّيَهَا حَتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُهَا وَتَبِينَ مِن غَيرِ ضِرَارٍ.
{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا}
أَي لِأَجلِ الإِضرَارِ بِهِنَّ.
{لِّتَعْتَدُوا ۚ}
لِتَظلِمُوهُنَّ بِالإِلجَاءِ إِلَى الِافتِدَاءِ وَالتَّطلِيقِ وَتَطوِيلِ الحَبسِ.
{وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ}
يَعنِي الإِمسَاكَ لِلضِّرَارِ.
{فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ}
بِتَعرِيضِهَا لِعِقَابِ اللهِ.
{وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ}
أَي جِدُّوا بِالأَخذِ بِهَا وَالعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَارعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَإِلَّا فَقَدِ اتَّخَذتُمُوهَا هُزُوًا.
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}
بِالإِسلَامِ وَبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَذِكرُ نِعمَةِ اللهِ مُقَابَلَتُهَا بِالشُّكرِ وَالقِيَامِ بِحَقِّهَا.
{وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ}
مِنَ القُرآنِ.
{وَالْحِكْمَةِ}
السُّنَّةِ وَمَا فِيهَا مِن أَحكَامٍ.
{يَعِظُكُم بِهِ ۚ}
بِمَا أَنزَلَ عَلَيكُم.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ}
فِي مَا امتَحَنَكُم بِهِ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
لَا يَخفَى عَلَيهِ شَىءٌ مِنَ الذِّكرِ وَالِاتِّقَاءِ وَالِاتِّعَاظِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَبلَغُ وَعدٍ وَوَعِيدٍ.
وَلَمَّا نَهَى عَنِ الضِّرَارِ فِي العِصمَةِ وَفِي أَثَرِهَا الَّذِي هُوَ العِدَّةُ أَتبَعَهُ النَّهيَ عَمَّا كَانَ مِنهُ بَعدَ انقِضَائِهَا بِالعَضلِ مِن كُلِّ مَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَضلٌ، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}
أَيِ انقَضَت عِدَّتُهُنَّ.
{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ}
أَي فَلَا تُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ فَتَمنَعُوهُنَّ مِن.
{أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}
الَّذِينَ يَرغَبنَ فِيهِم وَيَصلُحُونَ لَهُنَّ، وَالخِطَابُ لِلأَزوَاجِ الَّذِينَ يَعضُلُونَ نِسَاءَهُم بَعدَ انقِضَاءِ العِدَّةِ ظُلمًا وَلَا يَترُكُونَهُنَّ يَتَزَوَّجنَ مَن شِئنَ مِنَ الأَزوَاجِ، أَو لِلأَولِيَاءِ فِي عَضلِهِنَّ أَن يَرجِعنَ إِلَى أَزوَاجِهِنَّ الَّذِينَ كَانُوا أَزوَاجًا لَهُنَّ، نَزَلَت فِي مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ حِينَ عَضَلَ أَي مَنَعَ أُختَهُ مِن أَن تَرجِعَ إِلَى الزَّوجِ الأَوَّلِ.
{إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم}
إِذَا تَرَاضَى الخُطَّابُ وَالنِّسَاءُ.
{بِالْمَعْرُوفِ ۗ}
بِمَا يَحسُنُ فِي الدِّينِ وَالمُرُوءَةِ مِنَ الشَّرَائِطِ، أَو بِمَهرِ المِثلِ وَالكَفَاءَةِ.
{ذَٰلِكَ}
النَّهيُ عَنِ العَضلِ.
{يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ}
فَالمَوعِظَةُ إِنَّمَا تَنفَعُ فِيهِم.
{ذَٰلِكُمْ}
أَي تَركُ العَضلِ وَالضِّرَارِ.
{أَزْكَىٰ}
خَيرٌ.
{لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ}
لَكُم مِن أَدنَاسِ الآثَامِ وَلَهُم لِمَا يُخشَى عَلَى الزَّوجَينِ مِنَ الرِّيبَةِ بِسَبَبِ العَلَاقَةِ بَينَهُمَا.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ}
مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الزَّكَاءِ وَالطُّهرِ وَالمَصلَحَةِ.
{وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
ذَلِكَ فَاتَّبِعُوا أَوَامِرَهُ.
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الرَّضَاعِ
لَمَّا كَانَ النِّكَاحُ قَد يَكُونُ عَنهُ وِلَادَةٌ فَيَكُونُ عَنهَا رَضَاعٌ، وَقَد تَكُونُ المُرضِعَةُ زَوجَةً وَقَد تَكُونُ أَجنَبِيَّةً، وَالزَّوجَةُ قَد تَكُونُ مُتَّصِلَةً وَقَد تَكُونُ مُنفَصِلَةً، وَكَانَ الفِرَاقُ بِالطَّلَاقِ أَكثَرَ مِنهُ بِالمَوتِ وَسَّطَهُ بَينَ عِدَّتَيِ الطَّلَاقِ وَالوَفَاةِ لِإِدلَائِهِ إِلَى كُلٍّ بِسَبَبٍ وَاهتِمَامًا بِشَأنِهِ وَحَثًّا عَلَى الشَّفَقَةِ عَلَى الصَّغِيرِ وَشِدَّةِ العِنَايَةِ بِأَمرِهِ لِأَنَّ الأُمَّ رُبَّمَا كَانَت مُطَلَّقَةً فَاستَهَانَت بِالوَلَدِ إِيذَاءً لِلزَّوجِ إِن كَانَ الطَّلَاقُ عَن شِقَاقٍ أَو رَغبَةٍ فِي زَوجٍ آخَرَ، وَكَذَا الأَبُ، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}
أَي لِيُرضِعنَ.
{أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ}
تَامَّينِ([9])، وَهُوَ خَبَرٌ فِي مَعنَى الأَمرِ المُؤَكَّدِ، وَهَذَا الأَمرُ عَلَى وَجهِ النَّدبِ.
{لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ}
بَيَانٌ لِمَن تَوَجَّهَ إِلَيهِ الحُكمُ، أَي هَذَا الحُكمُ لِمَن أَرَادَ إِتمَامَ الرَّضَاعَةِ، وَلَا زِيَادَةَ عَلَيهِ.
{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ}
أَيِ الَّذِي يُولَدُ لَهُ وَهُوَ الوَالِدُ.
{رِزْقُهُنَّ}
إِطعَامُ الوَالِدَاتِ.
{وَكِسْوَتُهُنَّ}
عَلَى الإِرضَاعِ إِذَا كُنَّ مُطَلَّقَاتٍ.
{بِالْمَعْرُوفِ ۚ}
بِقَدرِ طَاقَتِهِ بِلَا إِسرَافٍ وَلَا تَقتِيرٍ، وَتَفسِيرُهُ مَا يَعقُبُهُ، وَهُوَ أَن لَا يُكَلَّفَ وَاحِدٌ مِنهُمَا مَا لَيسَ فِي وُسعِهِ وَلَا يَتَضَارَّا.
{لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ}
قَدرَ إِمكَانِهَا وَطَاقَتِهَا.
{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ}
زَوجَهَا.
{بِوَلَدِهَا}
بِسَبَبِ وَلَدِهَا، أَي لَا تَضُرَّ الزَّوجَ بِأَن تُعَنِّفَ بِهِ وَتَطلُبَ مِنهُ مَا لَيسَ بِعَدلٍ مِنَ الرِّزقِ وَالكِسوَةِ، وَأَن تُشغِلَ قَلبَهُ بِالتَّفرِيطِ فِي شَأنِ الوَلَدِ وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ، أَو لَا يَضُرَّهَا الزَّوجُ بِأَن تُكرَهَ هِيَ عَلَى إِرضَاعِهِ إِذَا امتَنَعَت.
{وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ}
أَي وَلَا يُضَارَّ مَولُودٌ لَهُ امرَأَتَهُ.
{بِوَلَدِهِ ۚ}
بِسَبَبِ وَلَدِهِ، أَي لَا يَضُرَّ الزَّوجَةَ بِأَن يَمنَعَهَا شَيئًا مِمَّا وَجَبَ عَلَيهِ مِن رِزقِهَا وَكِسوَتِهَا، أَو يَأخُذَهُ مِنهَا وَهِيَ تُرِيدُ إِرضَاعَهُ، أَو لَا تَضُرَّهُ الزَّوجَةُ بِأَن يُكَلَّفَ هُوَ فَوقَ طَاقَتِهِ.
{وَعَلَى الْوَارِثِ}
أَي وَعَلَى وَارِثِ الصَّبِيِّ عِندَ عَدَمِ الأَبِ.
{مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ}
مِثلُ الَّذِي كَانَ عَلَى أَبِيهِ فِي حَيَاتِهِ مِنَ الرِّزقِ وَالكِسوَةِ وَعَدَمِ الضِّرَارِ.
{فَإِنْ أَرَادَا}
يَعنِي الأَبَوَينِ.
{فِصَالًا}
فِطَامًا صَابِرًا.
{عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ}
بَينَهُمَا.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ}
فِي ذَلِكَ زَادَا عَنِ الحَولَينِ أَو نَقَصَا، وَهَذِهِ تَوسِعَةٌ بَعدَ التَّحدِيدِ، وَذَكَرَهُ لِيَكُونَ التَّرَاضِي عَن تَفَكُّرٍ فَلَا يَضُرَّ الرَّضِيعَ، فَسُبحَانَ الَّذِي أَدَّبَ الكَبِيرَ وَلَم يُهمِلِ الصَّغِيرَ، وَاعتُبِرَ اتِّفَاقُهُمَا لِأَنَّ لِلأَبِ النِّسبَةَ وَالوِلَايَةَ، وَلِلأُمِّ الشَّفَقَةَ وَالعِنَايَةَ.
{وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا}
مِنَ المَرَاضِعِ غَيرَ الأُمِّ عِندَ إِبَائِهَا أَو عَجزِهَا.
{أَوْلَادَكُمْ}
أَي لِأَولَادِكُم.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}
فِيهِ.
{إِذَا سَلَّمْتُم}
إِلَى المَرَاضِعِ.
{مَّا آتَيْتُم}
مَا أَرَدتُم إِيتَاءَهُ مِنَ الأُجرَةِ.
{بِالْمَعْرُوفِ ۗ}
بِطِيبِ نَفسٍ وَسُرُورٍ.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
لَا تَخفَى عَلَيهِ أَعمَالُكُم فَهُوَ يُجَازِيكُم عَلَيهَا.
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ عِدَّةِ الوَفَاةِ
وَلَمَّا ذُكِرَ الرَّضَاعُ كَانَ مِن تَقَادِيرِهِ مَا إِذَا مَاتَ الأَبُ، فَذَكَرَ عِدَّةَ الوَفَاةِ، وَأَيضًا تَتمِيمًا لِأَنوَاعِ العِدَدِ، فَقَالَ:
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ}
أَي تُستَوفَى أَروَاحُهُم.
{وَيَذَرُونَ}
أَي وَيَترُكُونَ.
{أَزْوَاجًا}
زَوجَاتٍ.
{يَتَرَبَّصْنَ}
أَي لِيَتَرَبَّصنَ أَي يَنتَظِرنَ.
{بِأَنفُسِهِنَّ}
أَي يَعتَدِدنَ بَعدَ وَفَاةِ أَزوَاجِهِنَّ وَيَنتَظِرنَ عَنِ النِّكَاحِ.
{أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ}
أَي وَعَشرَ لَيَالٍ، وَالأَيَّامُ دَاخِلَةٌ مَعَهَا، وَوَجهُ الحِكمَةِ فِي زِيَادَةِ هَذِهِ العَشَرَةِ أَنَّهُ يُبَيِّنُ صِحَّةَ الحَملِ بِنَفخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَهَذَا فِي غَيرِ الحَوَامِلِ، أَمَّا الحَوَامِلُ فَعِدَّتُهُنَّ أَن يَضَعنَ حَملَهُنَّ، لِقَولِهِ تَعَالَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ}([10]) الآيَةَ، وَالأَمَةُ عَلَى النِّصفِ مِن ذَلِكَ بِالنِّسبَةِ.
{إِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}
انقَضَت عِدَّتُهُنَّ.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}
أَيُّهَا الأَئِمَّةُ وَالحُكَّامُ.
{فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ}
مِنَ التَّعَرُّضِ لِلخُطَّابِ.
{بِالْمَعْرُوفِ ۗ}
بِالوَجهِ الَّذِي لَا يُنكِرُهُ الشَّرعُ.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
عَالِمٌ بِالبَوَاطِنِ كَالظَّوَاهِرِ.
- ذِكرُ بَعضِ أَحكَامِ الخِطبَةِ
لَمَّا حَدَّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ المُدَّةَ لِمَنعِهِنَّ عَنِ الرِّجَالِ بَيَّنَ أَنَّ التَّعرِيضَ بِالخِطبَةِ لَيسَ دَاخِلًا فِي المَنعِ فَقَالَ:
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ}
الخِطبَةُ الِاستِنكَاحُ أَي طَلَبُ النِّكَاحِ.
{النِّسَاءِ}
المُتَوَفَّى عَنهُنَّ أَزوَاجُهُنَّ فِي العِدَّةِ، وَالتَّعرِيضُ كَقَولِ الإِنسَانِ مَثَلًا: إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، أَو صَالِحَةٌ، وَمَن يَجِدُ مِثلَكِ، وَرُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ، وَمِن غَرَضِي أَن أَتَزَوَّجَ، وَنَحوَ ذَلِكَ مِنَ الكَلَامِ المُوهِمِ أَنَّهُ يُرِيدُ نِكَاحَهَا حَتَّى تَحبِسَ نَفسَهَا عَلَيهِ إِن رَغِبَت فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُصَرِّحَ بِالرَّغبَةِ فِي النِّكَاحِ فِي العِدَّةِ، فَلَا يَقُولُ إِنِّي أُرِيدُ أَن أَتَزَوَّجَكِ.
{أَوْ أَكْنَنتُمْ}
أَو سَتَرتُم وَأَضمَرتُم.
{فِي أَنفُسِكُمْ ۚ}
فِي قُلُوبِكُم مِن قَصدِ نِكَاحِهِنَّ فَلَم تَذكُرُوهُ بِأَلسِنَتِكُم لَا مُعَرِّضِينَ وَلَا مُصَرِّحِينَ.
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ}
بِالخِطبَةِ لَا مَحَالَةَ وَلَا تَنفَكُّونَ عَنِ النُّطقِ بِرَغبَتِكُم فِيهِنَّ وَلَا تَصبِرُونَ عَنهُنَّ فَأَبَاحَ لَكُمُ التَّعرِيضَ، فَاذكُرُوهُنَّ.
{وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}
جِمَاعًا، لِأَنَّهُ مِمَّا يُسَرُّ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، أَي لَا تَقُولُوا: فيِ العِدَّةِ إِنِّي قَادِرٌ عَلَى هَذَا العَمَلِ.
{إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ}
وَهُوَ أَن تُعَرِّضُوا وَلَا تُصَرِّحُوا، أَي لَا تُوَاعِدُوهُنَّ مُوَاعَدَةً قَطُّ إِلَّا مُوَاعَدَةً مَعرُوفَةً غَيرَ مُنكَرَةٍ.
{وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ}
عَلَى عَقدِ عُقدَةِ.
{النِّكَاحِ}
وَذِكرُ العَزمِ مُبَالَغَةٌ فِي النَّهيِ عَن عَقدِ النِّكَاحِ لِأَنَّ العَزمَ عَلَى الفِعلِ يَتَقَدَّمُهُ، فَإِذَا نَهَى عَنهُ كَانَ عَنِ الفِعلِ أَنهَى.
{حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ}
أَي حَتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُهَا، سُمِّيَتِ العِدَّةُ كِتَابًا لِأَنَّهَا فُرِضَت بِالكِتَابِ، يَعنِي حَتَّى يَبلُغَ التَّرَبُّصُ المَكتُوبُ عَلَيهَا غَايَتَهُ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ}
مِنَ العَزمِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ.
{فَاحْذَرُوهُ ۚ}
أَن يُعَاقِبَكُم وَلَا تَعزِمُوا عَلَيهِ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}
لِمَن يَحذَرُهُ.
{حَلِيمٌ}
لَا يُعَاجِلُ بِالعُقُوبَةِ مَن يَستَحِقُّهَا.
([1]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الأَيمَانِ – بَابُ نَدبِ مَن حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنهَا أَن يَأتِيَ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَيُكَفِّرَ عَن يَمِينِهِ.
([2]) سَمعُ اللهِ صِفَتُهُ فِي الأَزَلِ لَيسَ كَسَمعِنَا، كَذَلِكَ عِلمُهُ صِفَتُهُ فِي الأَزَلِ لَيسَ كَعِلمِنَا، سَمعُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يَحتَاجُ إِلَى أُذُنٍ أَو نَحوِهَا، وَعِلمُهُ وَاحِدٌ لَا بِدَايَةَ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنقُصُ.
([3]) تَنبِيهٌ: مِن فَرطِ الجَهلِ المُؤَدِّى إِلَى الكُفرِ احتِجَاجُ بَعضِ الجهال بِقَولِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:225]، فَإِنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعنَاهَا أَنَّ الإِنسَانَ لَا يَكفُرُ إِذَا لَم يَقصِد بِكَلَامِ الكُفرِ الوُقُوعَ فِى الضَّلَالِ وَالخُرُوجَ مِنَ الإِسلَامِ، وَإنَّمَا مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ مَن حَلَفَ بِلَا إِرَادَةٍ فَقَالَ بِلَا قَصدٍ: لَا وَاللهِ وَبَلَى وَاللهِ لَا يُكتَبُ عَلَيهِ ذَلِكَ، وَفَرقٌ كبيرٌ بَينَ الأَيمَانِ الَّتِى هِىَ جَمعُ يَمِينٍ وَهُوَ القَسَمُ وَبَينَ التَّلَفُّظِ بِكَلامِ الكُفرِ، فَلَا مُنَاسَبَةَ بَينَ هَذِهِ الآيَةِ وَبَينَ مَسئَلَةِ مَن تَلَفَّظَ بِالكُفرِ وَهُوَ لا يَقصِدُ الكُفرَ، بَل لَا يُشتَرَطُ لِلوُقُوعِ فِي الكُفرِ مَعرِفَةُ الحُكمِ وَلَا انشِرَاحُ الصَّدرِ وَلَا اعتِقَادُ مَعنَى اللَّفظِ، إِنَّمَا يُشتَرَطُ لِلوُقُوعِ فِي الكُفرِ أَن يَقُولَ الكَلِمَةَ وَهُوَ يَفهَمُ مَعنَاهَا مُختَارًا غَيرَ مُكرَهٍ وَلَا قَالَهَا عَلَى وَجهِ سَبقِ اللِّسَانِ. وَأَمَّا الحَدِيثُ: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فَمَعنَاهُ أَنَّ الأَعمَالَ الَّتِى أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ بِهَا كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ عَنِ الحَدَثَينِ وَالحَجِّ وَالجِهَادِ لا تَكُونُ مُعتَبَرَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، ولَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الأَلفَاظَ الكُفرِيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ إِلَّا أَن تَكُونَ شَارِحًا صَدرَكَ بِهَا وَنَاوِيًا مَعنَاهَا وَمُعتَقِدًا لَهُ.
([4]) الإِيلَاءُ فِي مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ هُوَ أَن يَحلِفَ الرَّجُلُ عَلَى أَلَّا يُجَامِعَ امرَأَتَهُ أَكثَرَ مِن أَربَعَةِ أَشهُرٍ كَأَن يَقُولَ: وَاللهِ لَا أُجَامِعُكِ سَنَةً، أَو يُطلِقَ بِلَا تَحدِيدٍ كَأَن يَقُولَ: وَاللهِ لَا أُجَامِعُكِ، فَإِنَّهُ يُمهَلُ أَربَعَةَ أَشهُرٍ ثُمَّ يُخَيَّرُ بَينَ الفَيأَةِ أَيِ الرَّجعَةِ بِأَن يُولِجَ حَشَفَتَهُ فِي قُبُلِ زَوجَتِهِ وَالتَّكفِيرِ لِليَمِينِ إِن كَانَ حَلِفُهُ بِاللهِ تَعَالَى عَلَى تَركِ وَطئِهَا، وَبَينَ الطَّلَاقِ لِلمَحلُوفِ عَلَيهَا، فَإِنِ امتَنَعَ الزَّوجُ مِنَ الفَيأَةِ فَقَط أَمَرَهُ الحَاكِمُ بِالطَّلَاقِ، فَإِنِ امتَنَعَ مِنَ الفَيأَةِ وَالطَّلَاقِ طَلَّقَ عَلَيهِ الحَاكِمُ طَلقَةً وَاحِدَةً رَجعِيَّةً، فَإِن طَلَّقَ أَيِ الحَاكِمُ أَكثَرَ مِنهَا لَم يَقَعِ الزَّائِدُ، وَالإِيلَاءُ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِضرَارِ بِالزَّوجَةِ. مُلَخَّصًا مِن: فَتحِ الوَهَّابِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج2 ص109-113)، رَوضَةِ الطَّالِبِينَ، لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ (ج8 ص229-261)، أَسنَى المَطَالِبِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج3 ص347-357).
([7]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ الشَّهَادَاتِ – بَابُ شَهَادَةِ المُختَبِي، رَقمُ الحَدِيثِ: (2639).
([8]) فَالفَتوَى بِخِلَافِهِ لَا عِبرَةَ بِهَا، لِأَنَّ المُجتَهِدَ إِذَا خَالَفَ قَولُهُ نَصًّا قُرءَانِيًّا أَو حَدِيثِيًّا لَا يُقَلَّدُ فِي اجتِهَادِهِ، وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: «إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذهَبِي»، القَوَاعِدُ، لِتَقِيِّ الدِّينِ الحِصنِيِّ (ج3 ص360)، وَكُلُّ الأَئِمَّةِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُم يَأخُذُونَ الدَّلِيلَ أَوَّلًا مِنَ القُرآنِ وَمِن حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ. وَقَدِ اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَن طَلَّقَ زَوجَتَهُ طَلقَةً وَقَعَت، وَمَن طَلَّقَهَا ثِنتَينِ وَقَعَت ثِنتَانِ، وَمَن طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَو بِلَفظٍ وَاحِدٍ فِي مَجلِسٍ وَاحِدٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا بِالإِجمَاعِ، فَالطَّلاقُ إِن كَانَ ثَلاثًا بِلَفظٍ وَاحِدٍ أَو فِي أَوقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ حَتَّى لَو قَالَ أَنتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ الثَّلاثَ فَهُوَ طَلاقٌ ثَلاثٌ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَهُ بَعدَ عِدَّةٍ مِنهُ وَعِدَّةٍ مِنَ الزَّوجِ الآخَرِ، فَمَن قَالَ لِزَوجَتِهِ أَنتِ طَالِقٌ ثَلاثًا طَلَقَت ثَلاثًا، وَإِن قَالَ أَنتِ طَالِقٌ أَنتِ طَالِقٌ أَنتِ طَالِقٌ وَلَم يَنوِ بِهِ تَأكِيدَ الطَّلقَةِ الوَاحِدَةِ فَهُوَ طَلاقٌ ثَلاثٌ، وَإِن نَوَى بِهِ تَأكِيدَ الطَّلقَةِ الوَاحِدَةِ وَهِىَ الأُولَى فَلا يُعَدُّ طَلاقًا ثَلاثًا بَل يُعَدُّ طَلاقًا وَاحِدًا، وَلا فَرقَ بَينَ طَلاقِ الجِدِّ وَطَلاقِ المَزحِ لِقَولِهِ ﷺ: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجعَةُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ.
([9]) قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: «اختَلَفَ عُلَمَاءُ النَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ فِي هَذَا القَدرِ مِنَ الآيَةِ، فَقَالَ بَعضُهُم: هُوَ مُحكَمٌ، وَالمَقصُودُ مِنهُ بَيَانُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحكَامٌ مِنهَا أَنَّ كَمَالَ الرَّضَاعِ إِلَى حَولَينِ، وَمِنهَا أَنَّهُ يَلزَمُ الأَبَ نَفَقَةُ الرَّضَاعِ مُدَّةَ الحَولَينِ وَيُجبِرُهُ الحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنهَا أَنَّهُ يَثبُتُ تَحرِيمُ الرَّضَاعِ (أَي يَحرُمُ عَلَى الرَّضِيعِ التَّزوِيجُ إِلَى المُرضِعَةِ لِأَنَّهَا أُمُّهُ وَإِلَى كُلِّ مَنِ انتَسَبَ إِلَيهَا أَوِ انتَسَبَت هِيَ إِلَيهِ بِنَسَبٍ أَو رَضَاعٍ، وَيَحرُمُ عَلَى المُرضِعَةِ التَّزوِيجُ إِلَى الرَّضِيعِ وَوَلَدِهِ وَإِن سَفَلَ كَابنِهِ وَابنِ بِنتِهِ) فِي مُدَّةِ الحَولَينِ وَلَا يَثبُتُ فِيمَا زَادَ، وَنُقِلَ عَن قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بنِ أَنَسٍ فِي آخَرَينِ أَنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَولِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا}، قَالَ عَلِيُّ بنُ عُبَيدِ اللهِ: وَهَذَا قَولٌ بَعِيدٌ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِهَا: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}، فَلَمَّا قَالَ فِي الثَّانِي: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا} خُيِّرَ بَينَ الإِرَادَتَينِ، وَذَلِكَ لَا يُعَارِضُ المُدَّةَ المُقَدَّرَةَ فِي التَّمَامِ»، زَادُ المَسِيرِ فِي عِلمِ التَّفسِيرِ، لِأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوزِيِّ (ج1 ص207).