حُكمُ شَهَادَةِ العَدلِ عِندَ مُخَالَفَةِ الحِسَابِ الفَلَكِيِّ لِإِمكَانِ الرُّؤيَةِ
مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى المَحَجَّةِ البَيضَاءِ، لَيلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنهَا إِلَّا هَالِكٌ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ، وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ إِثبَاتَ دُخُولِ الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا رَمَضَانَ وَشَوَّالَ وَذِي الحِجَّةِ، مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ المُنَاقَشَةُ فِيهَا كُلَّ عَامٍ؛ فَتَتَعَدَّدُ الآرَاءُ بَينَ مَن يَلتَزِمُ الطَّرِيقَ الشَّرعِيَّ المُقَرَّرَ فِي الإِثبَاتِ، وَبَينَ مَن يَدعُو إِلَى الاِعتِمَادِ عَلَى الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ بِحُجَّةِ أَنَّهَا أَدَقُّ، وَأَقرَبُ إِلَى تَوحِيدِ كَلِمَةِ النَّاسِ.
وَلِأَنَّ هٰذَا المَوضُوعَ يَتَعَلَّقُ بِعِبَادَاتٍ مَعلُومَةٍ وَشَعَائِرَ يَشتَرِكُ فِيهَا المُسلِمُونَ، فَإِنَّ مِنَ الضَّرُورِيِّ تَحدِيدَ نُقطَةِ الخِلَافِ فِيهِ بِوُضُوحٍ، وَبَيَانُ الضَّابِطِ الشَّرعِيِّ الَّذِي يَحكُمُهُ، وَتَوضِيحَ كَيفَ يُنظَرُ إِلَى المَعطَيَاتِ الفَلَكِيَّةِ دُونَ أَن تُزَاحِمَ الأَصلَ الشَّرعِيَّ.
وَتَزدَادُ الحَاجَةُ إِلَى هٰذَا البَيَانِ خَاصَّةً مَعَ كَثرَةِ اللَّبسِ عِندَ العَامَّةِ، وَتَجَدُّدِ الجِدَالِ فِي وَسَائِطِ الإِعلَامِ وَفِي مَجَالِسِ النَّاسِ.
بَدَايَةُ رَمَضَانَ وَالعِيدِ بَينَ الخِلَافِ وَدَعوَى «التَّوحِيدِ» بِالحِسَابِ
مَعَ اقتِرَابِ شَهرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ عَامٍ، تَكثُرُ فِي بَعضِ الصُّحُفِ وَالتَّقَارِيرِ إِعلَانَاتٌ عَن بَدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ، وَيَعتَمِدُ أَصحَابُهَا عَلَى الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، رَافِعِينَ شِعَارَ تَوحِيدِ كَلِمَةِ المُسلِمِينَ وَجَمعِهِم عَلَى «أُسُسٍ عِلمِيَّةٍ حَدِيثَةٍ». وَهُنَا يَظهَرُ سُؤَالٌ أَسَاسِيٌّ لَا بُدَّ مِن طَرحِهِ: هَلِ الاِعتِمَادُ عَلَى الحِسَابِ فِي أَمرٍ جَعَلَ الشَّرعُ أَسَاسَهُ الرُّؤيَةَ يُؤَدِّي فِعلًا إِلَى تَوحِيدِ الكَلِمَةِ؟ أَم أَنَّهُ يَزِيدُ الخِلَافَ وَيُوَسِّعُ دَائِرَةَ الاِختِلَافِ؟
وَعِندَ النَّظَرِ فِي التَّجرِبَةِ العَمَلِيَّةِ خِلَالَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ هٰذَا الأُسلُوبَ لَم يُفضِ إِلَى الإِجمَاعِ المَأمُولِ، بَل كَانَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ الاِضطِرَابِ وَالتَّشوِيشِ، خَاصَّةً عِندَ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَملِكُونَ وَسَائِلَ الرَّصدِ، وَلَا يُحسِنُونَ فَهمَ المُصطَلَحَاتِ الفَلَكِيَّةِ وَتَعقِيدَاتِهَا. وَمِن هُنَا يَتَأَكَّدُ مَعنًى مُهِمٌّ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرعَ إِذَا فَرَضَ عِبَادَةً تَعُمُّ جَمِيعَ المُسلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَربِطُهَا بِأَمرٍ وَاضَِحٍ مُشتَرَكٍ يَفهَمُهُ الجَمِيعُ، وَلَا يَجعَلُهَا مَوقُوفَةً عَلَى خُبَرَاءِ وَحِسَابَاتٍ وَمُعَادَلَاتٍ دَقِيقَةٍ.
وَيَتَّضِحُ ذٰلِكَ أَكثَرَ عِندَ التَّأَمُّلِ فِي أَنَّ الصِّيَامَ فَرضٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَينَمَا كَانَ؛ فَهُوَ مَطلُوبٌ مِمَّن يَعِيشُ فِي بِيئَةٍ بَسِيطَةٍ لَا تَقنِيَاتَ فِيهَا، كَمَا هُوَ مَطلُوبٌ مِمَّن يَعِيشُ فِي مُدُنٍ مُتَقَدِّمَةٍ تَستَعمِلُ أَحدَثَ الوَسَائِلِ. وَمِن ثَمَّ فَلَا بُدَّ أَن يَكُونَ المِعيَارُ الشَّرعِيُّ مِعيَارًا عَامًّا سَهلًا، لَا مِعيَارًا خَاصًّا يَزِيدُ الخِلَافَ وَيُوَلِّدُ الحَيرَةَ بَينَ النَّاسِ.
شَهَادَةُ العَدلِ حُجَّةٌ شَرعِيَّةٌ ثَابِتَةٌ
اِعلَم –وَفَّقَكَ اللَّهُ– أَنَّ الشَّهَادَةَ الشَّرعِيَّةَ الَّتِي يَصدُرُ بِهَا العَدلُ فِي رُؤيَةِ الهِلَالِ مَقبُولَةٌ شَرعًا، إِذَا تَحَقَّقَت شُرُوطُهَا وَاستَكمَلَت ضَوَابِطَهَا المُعتَبَرَةَ عِندَ أَهلِ الفِقهِ وَالقَضَاءِ، وَلَا يَضُرُّهَا أَن يَدَّعِيَ أَهلُ الحِسَابِ أَنَّ الرُّؤيَةَ فِي تِلكَ اللَّيلَةِ «غَيرُ مُمكِنَةٍ». فَالشَّرِيعَةُ لَم تَجعَلِ الحِسَابَ طَرِيقًا مِن طُرُقِ إِثبَاتِ دُخُولِ الشُّهُورِ، وَلَم تُقِم لَهُ وَزنًا فِي هٰذَا البَابِ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ حَاكِمًا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَا سَبَبًا لِرَدِّهَا مَتَى ثَبَتَت شَرعًا.
وَعَلَى هٰذَا، فَمَن يَجعَلُ الحِسَابَ الفَلَكِيَّ ذَرِيعَةً لِإِسقَاطِ شَهَادَةِ العَدلِ، فَقَد نَقَلَ مِيزَانَ الإِثبَاتِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّرعُ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ لَم يَأذَن بِهِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ، وَفِي ذٰلِكَ تَغيِيرٌ لِمَنَاطِ العِبَادَةِ وَتَبدِيلٌ لِمَا جَعَلَهُ الشَّرعُ مُعتَبَرًا. وَهٰذَا أَمرٌ خَطِيرٌ فِي بَابِ العِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ إِنَّمَا يُبنَى عَلَى الاِمتِثَالِ وَالاِتِّبَاعِ، لَا عَلَى تَحكِيمِ مَعَايِيرَ لَم يَجعَلهَا الشَّارِعُ أَصلًا فِي الإِثبَاتِ.
بَينَ وِلَادَةِ القَمَرِ وَرُؤيَتِهِ: فَرقٌ فَلَكِيٌّ وَحُكمٌ شَرعِيٌّ
تُبَيِّنُ الدِّرَاسَاتُ الفَلَكِيَّةُ المُعَاصِرَةُ، الصَّادِرَةُ عَن جِهَاتٍ عِلمِيَّةٍ مُعتَبَرَةٍ وَجَامِعَاتٍ عَالَمِيَّةٍ مَعرُوفَةٍ، أَنَّهُ يَلزَمُ التَّفرِيقُ بَينَ «وِلَادَةِ القَمَرِ الجَدِيدِ» وَبَينَ «إِمكَانِ رُؤيَتِهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ»؛ فَوِلَادَةُ القَمَرِ تَكُونُ حَدَثًا فَلَكِيًّا حِسَابِيًّا، أَمَّا رُؤيَتُهُ فَهِيَ أَمرٌ بَصَرِيٌّ يَختَلِفُ حَسَبَ الظُّرُوفِ، وَقَد يَتَأَخَّرُ إِمكَانُ الرُّؤيَةِ يَومًا أَو يَومَينِ بَعدَ الوِلَادَةِ، تَبَعًا لِعَوَامِلَ طَبِيعِيَّةٍ وَفَلَكِيَّةٍ مُختَلِفَةٍ.
غَيرَ أَنَّ هٰذَا التَّفرِيقَ –مَعَ أَهَمِّيَّتِهِ فِي المَجَالِ العِلمِيِّ– لَا يَجعَلُ الحِسَابَ الفَلَكِيَّ مِعيَارًا شَرعِيًّا لِإِثبَاتِ دُخُولِ الشَّهرِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسلَامِيَّةَ لَم تُعَلِّقِ الصِّيَامَ عَلَى وِلَادَةِ القَمَرِ حِسَابِيًّا، وَلَا عَلَى إِمكَانِ رُؤيَتِهِ نَظَرِيًّا، وَإِنَّمَا رَبَطَتِ الحُكمَ بِالرُّؤيَةِ الفِعلِيَّةِ المُشَاهَدَةِ.
فَإِذَا وُجِدَتِ الرُّؤيَةُ ثَبَتَ الشَّهرُ، وَإِذَا لَم تَثبُت وِلَادَةِ القَمَرِ، فَإِنَّ الشَّرعَ لَم يَترُكِ النَّاسَ فِي شَكٍّ وَحَيرَةٍ، بَل جَعَلَ المَرجِعَ الوَاضِحَ هُوَ استِكمَالُ عِدَّةِ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ يَومًا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ يَومًا».
وَبِهٰذَا يَتَضِحُ أَنَّ المَسأَلَةَ لَيسَت نِزَاعًا بَينَ العِلمِ وَالشَّرعِ، وَلَا مُعَارَضَةً بَينَ الوَاقِعِ الفَلَكِيِّ وَالحُكمِ الشَّرعِيِّ، وَإِنَّمَا هِيَ مُنَازَعَةٌ فِي مَوضِعِ رَبطِ الحُكمِ الشَّرعِيِّ: أَبِالرُّؤيَةِ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّارِعُ مَنَاطًا وَسَبَبًا لِلإِثبَاتِ؟ أَم بِالحِسَابِ الَّذِي لَم يَجعَلهُ الشَّرعُ أَصلًا مُعتَبَرًا فِي هٰذَا البَابِ؟
دَلَالَةُ النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ عَلَى عَدَمِ الِاعتِمَادِ عَلَى الحِسَابِ: حُجَّةٌ حَاسِمَةٌ
إِنَّ أَصلَ المَسأَلَةِ وَعُمدَتَهَا فِي الشَّرعِ تَرجِعُ إِلَى نُصُوصٍ نَبَوِيَّةٍ صَرِيحَةٍ، عَلَى رَأسِهَا قَولُهُ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. فَهٰذَا نَصٌّ يَجعَلُ الرُّؤيَةَ مَحلَّ الِاعتِبَارِ، وَيَجعَلُ الإِكمَالَ عِندَ عَدَمِ الرُّؤيَةِ هُوَ البَدَلَ الشَّرعِيَّ المُحكَمَ.
ويُبَيِّنُ هٰذَا الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ أَصلًا عَظِيمًا مِن أُصُولِ التَّشرِيعِ فِي بَابِ العِبَادَاتِ، وَيَكشِفُ عَن حِكمَةٍ بَالِغَةٍ فِي تَيسِيرِ التَّكلِيفِ وَرَفعِ الحَرَجِ عَنِ الأُمَّةِ.
فَقَولُهُ ﷺ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ» لَيسَ مَقصُودُهُ مَدحَ الأُمِّيَّةِ لِذَاتِهَا، وَلَا النَّهيَ عَنِ التَّعَلُّمِ وَالاِكتِسَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصفٌ لِلغَالِبِ عَلَى حَالِ الأُمَّةِ وَتَقرِيرٌ لِأَنَّ الشَّارِعَ بَنَى تَشرِيعَهُ فِي هٰذَا البَابِ عَلَى مَا يَستَطِيعُهُ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ، دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى مَهَارَاتٍ كِتَابِيَّةٍ أَو حِسَابِيَّةٍ خَاصَّةٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ مَعنَى ذٰلِكَ تَطبِيقًا وَعَمَلًا، فَقَالَ: «الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، وَأَشَارَ بِيَدَيهِ الكَرِيمَتَينِ، يُرِيدُ أَنَّ الشَّهرَ القَمَرِيَّ يَكُونُ تَارَةً تِسعًا وَعِشرِينَ يَومًا، وَتَارَةً ثَلَاثِينَ، وَأَنَّ مَعرِفَتَهُ مَبنِيَّةٌ عَلَى أَمرٍ مَحسُوسٍ ظَاهِرٍ، وَهُوَ رُؤيَةُ الهِلَالِ، لَا عَلَى حِسَابٍ دَقِيقٍ، وَلَا تَقدِيرٍ فَلَكِيٍّ مُعَقَّدٍ.
وَأَمَّا مَا يَذهَبُ إِلَيهِ بَعضُ النَّاسِ مِن أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ» إِنَّمَا هُوَ وَصفٌ لِحَالِ زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، وَأَنَّهُ إِذَا زَالَتِ الأُمِّيَّةُ وَتَقَدَّمَتِ العُلُومُ وَجَبَ العَمَلُ بِالحِسَابِ؛ فَهٰذَا زَعمٌ غَيرُ مُستَقِيمٍ، وَمَردُودٌ نَقلًا وَأُصُولًا.
فَإِنَّ السِّيَاقَ النَّبَوِيَّ لَا يُفِيدُ أَنَّ الأُمِّيَّةَ هِيَ سَبَبُ الحُكمِ، بَل يَذكُرُهَا وَصفًا لِحَالِ النَّاسِ؛ لِيَبقَى مِعيَارُ الإِثبَاتِ سَهلًا وَاضِحًا، يَشتَرِكُ فِيهِ الجَمِيعُ، وَيَصلُحُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، أَمَّا العِلَّةُ الحَقِيقِيَّةُ فَهِيَ أَنَّ الشَّارِعَ نَفَى أَصلَ تَعلِيقِ الحُكمِ بِالحِسَابِ، وَجَعَلَ مَنَاطَ الإِثبَاتِ أَمرًا ظَاهِرًا مَحسُوسًا، وَهُوَ الرُّؤيَةُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَقُل: لِأَنَّا أُمِّيُّونَ فَصُومُوا لِلرُّؤيَةِ، بَل قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»؛ فَذَكَرَ الوَصفَ، ثُمَّ بَيَّنَ الحُكمَ وَضَابِطَهُ، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الرُّؤيَةَ لَيسَت بَدَلًا عَن عَجزٍ، وَلَا حُكمًا مُؤَقَّتًا، بَل هِيَ جُزءٌ مِن بِنيَةِ التَّشرِيعِ نَفسِهِ.
وَعَلَى هٰذَا، فَتَعلِيقُ الحُكمِ بِالرُّؤيَةِ لَيسَ مَبنِيًّا عَلَى رَفعِ حَرَجٍ عَارِضٍ يُزَالُ بِتَقَدُّمِ العُلُومِ، بَل مَبنِيٌّ عَلَى مَقصِدٍ شَرعِيٍّ دَائِمٍ، وَهُوَ جَعلُ العِبَادَاتِ العَامَّةِ مُرتَبِطَةً بِمِعيَارٍ مُشتَرَكٍ يَستَوِي فِيهِ العَالِمُ وَالجَاهِلُ، وَيَصلُحُ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَلَو كَانَ الحُكمُ مُعَلَّقًا بِزَمَنِ الأُمِّيَّةِ فَقَط، لَبَيَّنَ الشَّارِعُ انتِقَالَهُ عِندَ زَوَالِهَا، أَو لَعَلَّقَ الحُكمَ صَرَاحَةً بِالعِلمِ وَالحِسَابِ، وَلَمَّا أَطلَقَ الحُكمَ، وَقَرَنَهُ بِبَيَانٍ تَطبِيقِيٍّ عَمَلِيٍّ مُستَمِرٍّ، عَلِمنَا أَنَّهُ تَشرِيعٌ مُطلَقٌ لَا وَصفٌ زَمَنِيٌّ عَارِضٌ.
فَيَتَبَيَّنُ مِن ذٰلِكَ أَنَّ الاِستِدلَالَ بِزَوَالِ الأُمِّيَّةِ عَلَى جَوَازِ تَقدِيمِ الحِسَابِ هُوَ فَهمٌ مُختَلٌّ لِلنَّصِّ، وَمُصَادَمَةٌ لِمَقصُودِ الشَّارِعِ، وَتَغيِيرٌ لِمَنَاطِ الحُكمِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ سُبحَانَهُ مُعَلَّقًا بِالرُّؤيَةِ، لَا بِالحِسَابِ فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ.
وَفِي هٰذَا أَبلَغُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ أَن يَكُونَ دُخُولُ الشُّهُورِ، وَخَاصَّةً شَهرَ الصِّيَامِ وَغَيرَهُ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ العِبَادَاتُ العَامَّةُ، مَرتَبِطًا بِمَا يَشتَرِكُ فِيهِ الخَاصَّةُ وَالعَامَّةُ، وَيَستَوِي فِيهِ العَالِمُ وَالجَاهِلُ، وَالقَرِيبُ وَالبَعِيدُ، دُونَ أَن يُكَلَّفَ النَّاسُ مَا لَا يُطِيقُونَ، أَو يُحَالَ بَينَهُم وَبَينَ عِبَادَاتِهِم بِحُجَّةِ عِلمٍ لَا يَبلُغُهُ إِلَّا القَلِيلُ.
وَأَمَّا تَأوِيلُ بَعضِ النَّاسِ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَاقدُرُوا لَهُ» عَلَى أَنَّهُ أَمرٌ بِالأَخذِ بِالحِسَابِ الفَلَكِي، فَهٰذَا تَأوِيلٌ غَيرُ سَدِيدٍ، وَمُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الفَهمِ الشَّرعِيِّ؛ لِأَنَّ الأَصلَ المُتَّفَقَ عَلَيهِ عِندَ أَهلِ العِلمِ أَنَّ السُّنَّةَ يُفَسِّرُ بَعضُهَا بَعضًا، وَلَا يُعدَلُ عَنِ الرِّوَايَاتِ الصَّرِيحَةِ إِلَى تَأوِيلٍ مُحتَمِلٍ، خَاصَّةً فِي بَابِ العِبَادَاتِ.
وَقَد جَاءَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تُبَيِّنُ المُرَادَ مِن قَولِهِ ﷺ: «فَاقدُرُوا لَهُ»، وَتُفَسِّرُهُ بِلَفظٍ لَا يَحتَمِلُ غَيرَهُ، وَهُوَ قَولُهُ ﷺ فِي غَيرِ مَا حَدِيثٍ: «فَأَكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ» فَهٰذَا نَصٌّ مُفَسِّرٌ، وَالمُفَسِّرُ مُقَدَّمٌ عَلَى المُجمَلِ، وَالصَّرِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى المُحتَمِلِ.
وَقَد قَرَّرَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ هٰذَا المَعنَى تَقرِيرًا جَلِيًّا فِي «فَتحِ البَارِي»، فَبَيَّنَ أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «فَاقدُرُوا لَهُ» يَحتَمِلُ فِي اللُّغَةِ مَعنَيَينِ، وَلٰكِنَّ الرِّوَايَاتِ الأُخرَى الَّتِي جَاءَت بِقَولِهِ ﷺ: «فَأَكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ» قَد عَيَّنَتِ المُرَادَ، وَرَفَعَتِ الِاحتِمَالَ، فَتَعَيَّنَ أَن يُحمَلَ «القَدرُ» عَلَى الإِكمَالِ، لَا عَلَى الحِسَابِ.
وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ حَملَ اللَّفظِ عَلَى الحِسَابِ الفَلَكِي تَركٌ لِلتَّفسِيرِ النَّبَوِيِّ الصَّرِيحِ، وَإِحدَاثٌ لِمَعنًى لَم تَدُلَّ عَلَيهِ السُّنَّةُ، وَلَم يَسلُكهُ الصَّحَابَةُ، وَلَا الأَئِمَّةُ المُتَقَدِّمُونَ.
وَزَادَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ تَنبِيهًا مُهِمًّا، فَقَرَّرَ أَنَّ مَن ذَهَبَ إِلَى التَّفرِيقِ بَينَ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ فِي وُجُوبِ الصِّيَامِ، فَجَعَلَ العَامَّةَ عَلَى الرُّؤيَةِ، وَالخَاصَّةَ عَلَى حِسَابِ الشَّمسِ وَالقَمَرِ، فَقَد بَعُدَ عَن مَنهَجِ أَهلِ العِلمِ، وَخَالَفَ مَقصُودَ الشَّرِيعَةِ فِي عُمُومِ التَّكلِيفِ وَوَحدَةِ المِعيَارِ.
فَخُلَاصَةُ المَسأَلَةِ: أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «فَاقدُرُوا لَهُ» لَا يَدُلُّ عَلَى الحِسَابِ بِحَالٍ، بَل هُوَ مُفَسَّرٌ نَبَوِيًّا بِالإِكمَالِ، وَأَيُّ تَأوِيلٍ يُخَالِفُ هٰذَا التَّفسِيرَ الصَّرِيحَ فَهُوَ مَردُودٌ نَقلًا وَأُصُولًا.
فَالحَدِيثُ ـ بِذٰلِكَ ـ تَقرِيرٌ لِمَنهَجِ التَّيسِيرِ، وَتَأكِيدٌ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَت صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، تَعمَلُ فِي البَوَادِي وَالحَوَاضِرِ، وَعِندَ تَقَدُّمِ العُلُومِ أَو بَسَطَتِهَا، دُونَ أَن يَختَلَّ نِظَامُ العِبَادَةِ أَو يَضِيقَ سَبِيلُهَا عَلَى النَّاسِ.
وَفِي هٰذَا الحَدِيثِ تَقرِيرٌ لِقَاعِدَةٍ مَنهَجِيَّةٍ فِي بَابِ العِبَادَاتِ؛ وَهِيَ أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ طُرُقَ الإِثبَاتِ فِي الأَهِلَّةِ مِمَّا يَستَطِيعُهُ عَامَّةُ المُكَلَّفِينَ، وَمِن ثَمَّ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَن يَأتِيَ بَعضُ النَّاسِ فَيُبدِلُ هٰذَا المِنهَاجَ بِمِنهَاجٍ آخَرَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالتَّخَصُّصِ وَالتَّعَقِيدِ؛ إِذ لَيسَ مِمَّا يَتَّفِقُ مَعَ حِكمَةِ التَّشرِيعِ أَن يُعَلَّقَ أَمرٌ عَامٌّ تَتَعَلَّقُ بِهِ عِبَادَاتُ المُسلِمِينَ عَلَى مَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا لِمَنِ احتَاجَ إِلَى دِرَاسَةِ سِنِينَ طَوِيلَةٍ حَتَّى يَتَخَصَّصَ فِي عِلمِ الفَلَكِ؛ لِيَعرِفَ كَيفَ يُرَاقِبُ الهِلَالَ، أَو لِيَضبُطَ الحِسَابَ وَيُحَقِّقَ النَّتَائِجَ.
وَلِهٰذَا جَعَلَ الشَّارِعُ سَبِيلَ إِثبَاتِهَا وَاضِحًا، يَتَعَلَّمُهُ كَافَّةُ عَوَامِّ النَّاسِ بِغَيرِ جُهدٍ يُذكَرُ، وَلَا تَكلِيفٍ يُثقِلُهُم، وَلَا تَعقِيدَ فِيهِ وَلَا اصطِلَاحَاتٍ خَاصَّةٍ؛ فَلَا يُطَالَبُ أَحَدٌ بِأَن يَحفَظَ البُرُوجَ، وَلَا مَنَازِلَ الشَّمسِ وَالقَمَرِ وَالكَوَاكِبِ، وَلَا مَا يَتَفَرَّعُ عَن ذٰلِكَ مِن دَقَائِقِ الفَنِّ وَمَسَائِلِهِ؛ بَلِ الطَّرِيقُ فِي هٰذَا مَبذُولٌ لِلعَامَّةِ، قَرِيبُ المَأخَذِ، جَلِيُّ الدَّلَالَةِ، يَنهَضُ بِهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ عَلَى قَدرِ طَاقَتِهِ.
فَائِدَةٌ: تَميِيزُ رُؤيَةِ الهِلَالِ عَن وُجُودِهِ وَوِلَادَتِهِ
مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُبَيِّنُ بِوُضُوحٍ أَنَّ الشَّرعَ لَم يَجعَلِ الحِسَابَ طَرِيقًا لِإِثبَاتِ دُخُولِ الشَّهرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ سَبَبَ وُجُوبِ الصِّيَامِ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ»، وَلَم يَقُل: صُومُوا لِوُجُودِهِ، وَلَا قَالَ: صُومُوا لِوِلَادَتِهِ.
وَالمَعنَى أَنَّ الشَّرعَ لَم يَربِطِ الحُكمَ بِأَنَّ القَمَرَ وُجِدَ فِي السَّمَاءِ فَقَط؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ قَد يَكُونُ حَاصِلًا وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ. وَلَم يَربِطهُ أَيضًا بِـ«وِلَادَتِهِ» فَلَكِيًّا؛ لِأَنَّ هٰذَا أَمرٌ دَقِيقٌ لَا يَعرِفُهُ إِلَّا المُتَخَصِّصُونَ، وَلَا يَدخُلُ فِي قُدرَةِ عَامَّةِ النَّاسِ.
وَإِنَّمَا رَبَطَهُ بِالرُّؤيَةِ؛ لِأَنَّهَا أَمرٌ ظَاهِرٌ يَستَطِيعُهُ الجَمِيعُ، وَيَشتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى حِسَابٍ وَمُصطَلَحَاتٍ وَتَعقِيدَاتٍ.
فَخُلَاصَةُ المَعنَى: أَنَّ دُخُولَ الشَّهرِ يُثبَتُ بِالرُّؤيَةِ البَصَرِيَّةِ الَّتِي تُحَقِّقُ المُشَاهَدَةَ فِعلًا، لَا بِمُجَرَّدِ بَيَانَاتٍ حِسَابِيَّةٍ تُخبِرُ عَن «وِلَادَةِ» الهِلَالِ وَلَا تَضمَنُ أَنَّ النَّاسَ سَيَرَونَهُ بِأَعيُنِهِم.
اضطِرَابُ المَعَايِيرِ وَتَعَارُضُ اللَّوَازِمِ: مِن مَخَاطِرِ الِاعتِمَادِ عَلَى الحِسَابِ الفَلَكِيِّ
ومِنَ المَعرُوفِ عِندَ المُتَخَصِّصِينَ أَنَّ وَقتَ وِلَادَةِ القَمَرِ لَا يَكُونُ وَاحِدًا فِي جَمِيعِ أَرجَاءِ الأَرضِ، بَل يَختَلِفُ بِاختِلَافِ المَوَاقِعِ الجُغرَافِيَّةِ. وَهٰذَا الِاختِلَافُ يُؤَدِّي إِلَى إِشكَالَاتٍ كَثِيرَةٍ إِذَا جُعِلَ الحِسَابُ الفَلَكِيُّ وَحدَهُ أَسَاسًا لِتَعلِيقِ الحُكمِ الشَّرعِيِّ.
فَمِن أَهَمِّ هٰذِهِ الإِشكَالَاتِ: أَنَّ أَهلَ الحِسَابِ أَنفُسَهُم قَد يَختَلِفُونَ فِي تَحدِيدِ لَحظَةِ وِلَادَةِ القَمَرِ، أَو فِي تَقدِيرِ إِمكَانِ رُؤيَتِهِ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الزَّعمَ بِأَنَّ الحِسَابَ يُوَحِّدُ الكَلِمَةَ دَائِمًا زَعمٌ غَيرُ دَقِيقٍ؛ لِأَنَّ الِاختِلَافَ قَد يَقَعُ بَينَ أَهلِ الحِسَابِ أَنفُسِهِم، فَكَيفَ يُجعَلُ مِعيَارًا رَافِعًا لِلخِلَافِ؟
وَمِن تِلكَ الإِشكَالَاتِ أَيضًا: أَن تَقَعَ وِلَادَةُ القَمَرِ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ فِي اليَومِ التَّاسِعِ وَالعِشرِينَ مِن رَمَضَانَ، وَقَبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ. فَعَلَى هٰذَا التَّقدِيرِ، يَلزَمُ مَن يَجعَلُ الوِلَادَةَ مِعيَارًا أَن يَقُولَ إِنَّ اليَومَ الوَاحِدَ مُنقَسِمٌ بَينَ شَهرَينِ: بَعضُهُ مِن رَمَضَانَ وَبَعضُهُ مِن شَوَّالَ، وَهٰذَا قَولٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِن أَهلِ الفِقهِ، وَلَا جَرَى عَلَيهِ العَمَلُ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَمِن هُنَا تَتَبَيَّنُ قُوَّةُ القَاعِدَةِ الفِقهِيَّةِ المَعرُوفَةِ: «مَا دَخَلَهُ الِاحتِمَالُ سَقَطَ بِهِ الِاستِدلَالُ»؛ لِأَنَّ جَعلَ الحِسَابِ مِعيَارًا فِي هٰذَا البَابِ يَفتَحُ مَجَالًا وَاسِعًا لِلِاحتِمَالِ وَالِاختِلَافِ، فَيُضعِفُ الِاستِدلَالَ بِهِ، فِي مَسأَلَةٍ شَرعِيَّةٍ مَقصُودُهَا الوُضُوحُ وَاليَقِينُ وَرَفعُ الشَّكِّ عَنِ النَّاسِ.
الحِسَابُ لَا يَحسِمُ الرُّؤيَةَ: بِشَهَادَةِ أَهلِ الِاختِصَاصِ
وعَلَى الرَّغمِ مِمَّا وَصَلَت إِلَيهِ العُلُومُ الحَدِيثَةُ مِن تَقَدُّمٍ، فَإِنَّ الفَلَكِيِّينَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ حِسَابَ وَقتِ وِلَادَةِ القَمَرِ أَمرٌ مُمكِنٌ بِدِقَّةٍ عَالِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ فَلَكِيٌّ يَخضَعُ لِقَوَانِينِ حِسَابِيَّةٍ ثَابِتَةٍ. وَلٰكِنَّهُم، فِي المُقَابِلِ، يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ تَحدِيدَ وَقتِ رُؤيَتِهِ الأُولَى لِلعَينِ المُجَرَّدَةِ أَمرٌ لَا يُمكِنُ الجَزمُ بِهِ يَقِينًا.
وَالسَّبَبُ فِي ذٰلِكَ أَنَّ الرُّؤيَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالحِسَابِ وَحدَهُ، بَل تَتَأَثَّرُ بِعَوَامِلَ طَبِيعِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَغَيِّرَةٍ، لَا يَستَطِيعُ الحِسَابُ أَن يُحِيطَ بِهَا إِحَاطَةً قَاطِعَةً، مِثلَ الظُّرُوفِ الجَوِّيَّةِ، وَدَرَجَةِ شَفَافِيَّةِ الغِلَافِ الجَوِّيِّ، وَزَاوِيَةِ انعِكَاسِ ضَوءِ القَمَرِ، وَحَالِ الرَّاصِدِ وَمَوقِعِهِ، وَمُستَوَى الإِضَاءَةِ فِي الأُفُقِ، وَغَيرِ ذٰلِكَ مِمَّا يَتَعَذَّرُ ضَبطُهُ ضَبطًا يَقِينِيًّا.
وَلِهٰذَا جَاءَ فِي تَقرِيرِ مَرصَدِ البَحرِيَّةِ الأَمرِيكِيَّةِ مَا يُؤَكِّدُ هٰذَا المَعنَى، إِذ نُقِلَ فِيهِ: «إِنَّ مَوعِدَ وِلَادَةِ القَمَرِ يُمكِنُ حِسَابُهُ بِدِقَّةٍ، لَكِن وَقتُ ظُهُورِهِ الأَوَّلِ لِلعَينِ المُجَرَّدَةِ يَعتَمِدُ عَلَى عَوَامِلَ كَثِيرَةٍ، وَلَا يُمكِنُ التَّنَبُّؤُ بِهِ عَلَى وَجهِ اليَقِينِ».
وَيُفضِي هٰذَا إِلَى نَتِيجَةٍ وَاضِحَةٍ: وَهِيَ أَنَّ الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةَ –مَعَ مَا لَهَا مِن قوة عِلمِيَّةٍ– لَا تَصلُحُ أَن تَكُونَ وَحدَهَا مِعيَارًا شَرعِيًّا قَاطِعًا فِي إِثبَاتِ دُخُولِ الأَشهُرِ القَمَرِيَّةِ، خَاصَّةً فِي العِبَادَاتِ الَّتِي يَبنِيهَا الشَّرعُ عَلَى اليَقِينِ، وَيَحرِصُ فِيهَا عَلَى رَفعِ الشَّكِّ وَدَفعِ الِاضطِرَابِ عَنِ النَّاسِ.
طُولُ الأَشهُرِ يَختَلِفُ: كَيفَ ضَبَطَهُ الشَّرعُ بِدِقَّةٍ وَيُسرٍ
مِنَ المَعلُومِ شَرعًا وَحِسًّا أَنَّ أَشهُرَ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ لَيسَت دَائِمًا ثَلَاثِينَ يَومًا، بَل تَكُونُ تَارَةً تِسعَةً وَعِشرِينَ، وَتَارَةً ثَلَاثِينَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. وَهٰذَا الضَّابِطُ الشَّرعِيُّ مَزِيَّتُهُ أَنَّهُ يُعَلِّقُ المُكَلَّفَ بِأَمرٍ وَاضِحٍ مَحسُوسٍ يَستَطِيعُهُ الجَمِيعُ.
أَمَّا «الشَّهرُ القَمَرِيُّ» بِالمَعنَى الفَلَكِيِّ، فَإِنَّهُ يُقَالُ إِنَّهُ يَبلُغُ فِي المُتَوَسِّطِ نَحوَ تِسعَةٍ وَعِشرِينَ يَومًا وَنِصفَ يَومٍ. وَهٰذَا الفَارِقُ اليَسِيرُ –مَعَ أَنَّهُ يَبدُو صَغِيرًا– يُمكِنُ أَن يُوَلِّدَ اِضطِرَابًا عِندَ مَن يَجعَلُ الحِسَابَ وَحدَهُ مَرجِعًا فِي تَحدِيدِ البِدَايَاتِ وَالنِّهَايَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَفتَحُ بَابًا لِتَفسِيرَاتٍ وَتَقدِيرَاتٍ تُخرِجُ النَّاسَ عَن البَسَاطَةِ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّارِعُ فِي هٰذَا البَابِ.
وَلِهٰذَا لَم يَربِطِ الإِسلَامُ الصِّيَامَ بِوِلَادَةِ القَمَرِ فَلَكِيًّا، وَلَا بِإِمكَانِ رُؤيَتِهِ نَظَرِيًّا، وَإِنَّمَا رَبَطَهُ بِرُؤيَةِ الهِلَالِ رُؤيَةً عَيَانِيَّةً؛ تَحقِيقًا لِليَقِينِ وَدَفعًا لِلشَّكِّ وَرَفعًا لِلاِضطِرَابِ عَنِ النَّاسِ.
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَنهَجَ الفُقَهَاءِ فِي هٰذَا المَوضُوعِ مَا نَقَلَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ إِدرِيسَ القَرَافِيُّ (ت 684هـ) فِي كِتَابِهِ «الفُرُوقِ» (ج 1، ص 178، ط. عَالَمُ الكُتُبِ)، إِذ قَالَ: «إِذَا دَلَّ حِسَابُ تَسيِيرِ الكَوَاكِبِ عَلَى خُرُوجِ الهِلَالِ مِنَ الشُّعَاعِ مِن جِهَةِ عِلمِ الهَيئَةِ، لَا يَجِبُ الصَّومُ». وَنَقَلَ عَن سَنَدٍ (ت 541هـ) مِن أَصحَابِهِ: «فَلَو كَانَ الإِمَامُ يَرَى الحِسَابَ فَأَثبَتَ الهِلَالَ بِهِ، لَم يُتَّبَع، لِإِجمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ». ثُمَّ قَالَ فِي الصَّفحَةِ التَّالِيَةِ: «وَإِن كَانَ الحِسَابُ مُنضَبِطًا، لَكِنَّهُ لَم يُنَصِّبهُ صَاحِبُ الشَّرعِ سَبَبًا، فَلَم يَجِب بِهِ الصَّومُ».
وَخُلَاصَةُ مَا تَدُلُّ عَلَيهِ هٰذِهِ النُّقُولُ: أَنَّ الحِسَابَ –مَهمَا بَلَغَ مِنَ الدِّقَّةِ وَالاِنضِبَاطِ– لَا يَقُومُ مَقَامَ السَّبَبِ الشَّرعِيِّ فِي الإِثبَاتِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَم يَجعَلهُ سَبَبًا. وَالإِجمَاعُ الَّذِي نُقِلَ فِي هٰذَا السِّيَاقِ يُفِيدُ أَنَّ هٰذَا المَسلَكَ لَيسَ رَأيًا فَردِيًّا، بَل هُوَ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَعَلَى مَا عَلَيهِ جُمهُورُ الأُمَّةِ.
تَنَاقُضُ دَعوَى «التَّوحِيدِ»: الأَهِلَّةُ وَمَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ
يَذهَبُ بَعضُ الدَّاعِينَ إِلَى الاِعتِمَادِ عَلَى الحِسَابِ الفَلَكِيِّ إِلَى أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَوحِيدِ كَلِمَةِ المُسلِمِينَ فِي بَدءِ الصِّيَامِ وَالإِفطَارِ. غَيرَ أَنَّ هٰذَا التَّعلِيلَ يَحتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَمُنَاقَشَةٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ المَقصُودُ مِنَ التَّوحِيدِ هُوَ الاِلتِزَامُ بِمِعيَارٍ فَلَكِيٍّ وَاحِدٍ عَلَى مُستَوَى العَالَمِ، فَلِمَاذَا لَا يُطَالَبُ بِتَوحِيدِ أَوقَاتِ الصَّلَوَاتِ، أَو صَلَاةِ الجُمُعَةِ، بَينَ جَمِيعِ البِلَادِ؟
فَإِن قِيلَ: إِنَّ ذٰلِكَ غَيرُ مُمكِنٍ؛ لِاختِلَافِ مَوَاقِعِ الشَّمسِ فِي السَّمَاءِ، وَتَبَايُنِ الآفَاقِ بَينَ الأَقطَارِ، قِيلَ: وَهٰذَا السَّبَبُ نَفسُهُ قَائِمٌ فِي شَأنِ القَمَرِ؛ فَإِنَّ مَوَاقِعَهُ وَمَطَالِعَهُ تَختَلِفُ لَيلًا مِن بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، وَبِسَبَبِ هٰذَا الاِختِلَافِ تَتَبَايَنُ رُؤيَةُ الهِلَالِ بَينَ النَّاسِ. فَالتَّعلِيلُ الَّذِي يُسَوِّغُ عَدَمَ تَوحِيدِ الصَّلَاةِ هُوَ بِعَينِهِ الَّذِي يَقَعُ فِي مَسأَلَةِ الأَهِلَّةِ.
وَمِن هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمَّا أَمَرَت بِمُرَاقَبَةِ الأَهِلَّةِ، لَم تَقصِد فَرضَ تَوحِيدٍ عَالَمِيٍّ مُجَرَّدٍ، وَإِنَّمَا جَعَلَت ذٰلِكَ فِي إِطَارِ فَرضِ الكِفَايَةِ، الَّذِي يُشرِكُ المُجتَمَعَ فِي إِثبَاتِ دُخُولِ الشَّهرِ، وَيَربِطُ النَّاسَ بِشَعِيرَةٍ ظَاهِرَةٍ مَحسُوسَةٍ يَشهَدُونَهَا وَيَتَعَامَلُونَ مَعَهَا.
وَبِهٰذَا يَكُونُ مَقصُودُ الشَّرعِ هُوَ تَحقِيقُ اليَقِينِ وَالوُضُوحِ، لَا تَعلِيقَ العِبَادَاتِ بِحِسَابَاتٍ مُجَرَّدَةٍ قَد تَختَلِفُ فِيهَا التَّقدِيرَاتُ، أَو تَقَعُ فِيهَا الأَخطَاءُ، أَو تَزِيدُ مَجَالَ الاِختِلَافِ بَدَلًا مِن أَن تَرفَعَهُ.
مُفَارَقَةُ عِيدِ الأَضحَى: تَنَاقُضٌ عَمَلِيٌّ فِي دَعوَى الِاعتِمَادِ عَلَى الحِسَابِ
مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُثِيرُ التَّعَجُّبَ أَنَّ بَعضَ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِإِثبَاتِ دُخُولِ رَمَضَانَ وَعِيدِ الفِطرِ بِالحِسَابِ الفَلَكِيِّ، نَجِدُهُم فِي الوَاقِعِ العَمَلِيِّ يَقبَلُونَ إِثبَاتَ عِيدِ الأَضحَى بِالرُّؤيَةِ الشَّرعِيَّةِ، وَيَتَّبِعُونَ فِي ذٰلِكَ مَا تُعلِنُهُ الدُّوَلُ الإِسلَامِيَّةُ. وَهُنَا يَبرُزُ سُؤَالٌ مَشرُوعٌ: لِمَاذَا هٰذَا الاِختِلَافُ فِي المَنهَجِ؟ أَوَفِي الشَّرِيعَةِ طَرِيقَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ: إِحدَاهُمَا فِي رَمَضَانَ وَالفِطرِ تُبنَى عَلَى الحِسَابِ، وَالأُخرَى فِي الأَضحَى تُبنَى عَلَى الرُّؤيَةِ؟
وَزِيَادَةً عَلَى ذٰلِكَ، فَإِنَّ الوَاقِعَ وَالتَّارِيخَ يَشهَدَانِ بِأَنَّ أَهلَ الحِسَابِ أَنفُسَهُم لَم يَتَّفِقُوا دَائِمًا عَلَى تَحدِيدِ بَدَايَاتِ رَمَضَانَ؛ فَقَد يَقُولُ بَعضُهُم فِي سَنَةٍ مَا إِنَّ أَوَّلَ رَمَضَانَ يَومُ الأَربِعَاءِ، وَيَرَى آخَرُونَ أَنَّهُ يَومُ الخَمِيسِ، وَيَذهَبُ فَرِيقٌ ثَالِثٌ إِلَى أَنَّهُ يَومُ الجُمُعَةِ. وَهٰذَا الاِختِلَافُ مَا زَالَ قَائِمًا إِلَى اليَومِ؛ فَكَيفَ يُدَّعَى أَنَّ الحِسَابَ وَسِيلَةٌ قَاطِعَةٌ لِتَوحِيدِ الكَلِمَةِ، وَأَصحَابُهُ يَختَلِفُونَ فِي نَفسِ الأُسُسِ الَّتِي يَعتَمِدُونَهَا؟
ثُمَّ إِنَّ تَقدِيمَ الحِسَابِ عَلَى النَّصِّ النَّبَوِيِّ فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ يُعَدُّ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن قَولِهِ: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ». فَهٰذَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَاضِحٌ، لَم يَترُك طَرِيقَ الإِثبَاتِ مُطلَقًا، بَل حَدَّدَهُ وَعَيَّنَهُ، فَلَا يَسُوغُ تَركُهُ أَوِ العُدُولُ عَنهُ بِدَعوَى التَّطَوُّرِ العِلمِيِّ، أَو بِحُجَّةِ تَوحِيدِ الكَلِمَةِ.
فَخُلَاصَةُ الأَمرِ: أَنَّ الوَحدَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تُطلَبُ بِتَركِ النُّصُوصِ، وَلَا بِتَغيِيرِ مَنَاهِجِ الإِثبَاتِ الشَّرعِيَّةِ، وَإِنَّمَا تُحَقَّقُ بِالاِمتِثَالِ لِمَا جَاءَ بِهِ الوَحيُ، وَالسَّيرِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي سَارَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَالأُمَّةُ مِن بَعدِهِ.
أَقوَالُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ فِي نَفيِ الِاعتِبَارِ بِقَولِ المُنَجِّمِ وَأَهلِ الحِسَابِ
أَوَّلًا: مَذهَبُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ
نَصَّ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي «أَسنَى المَطَالِبِ شَرحِ رَوضِ الطَّالِبِ» عَلَى أَنَّهُ لَا عِبرَةَ بِقَولِ المُنَجِّمِ، فَلَا يَجِبُ بِقَولِهِ صَومٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّعلِيقُ عَلَيهِ فِي الإِثبَاتِ. وَبَيَّنَ أَنَّ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجمِ هُم يَهتَدُونَ﴾ [النَّحل: ١٦] إِنَّمَا هُوَ الِاهتِدَاءُ فِي أَدِلَّةِ القِبلَةِ وَفِي السَّفَرِ، لَا فِي إِثبَاتِ رَمَضَانَ وَشَعبَانَ وَغَيرِهِمَا. ويَتَبَيَّنُ مِن هٰذَا أَنَّ مَحَلَّ الِاستِدلَالِ بِالآيَةِ لَيسَ فِي بَابِ الأَهِلَّةِ، بَل فِي دَلَالَاتِ الاهتِدَاءِ العَامَّةِ كَالقِبلَةِ وَالسَّفَرِ، وَأَنَّ إِلحَاقَ إِثبَاتِ رَمَضَانَ بِذٰلِكَ لَا يَستَقِيمُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فُقَهَاءُ المَذهَبِ.
ثَانِيًا: مَذهَبُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ
نَقَلَ ابنُ عَابِدِينَ فِي «رَدِّ المُحتَارِ عَلَى الدُّرِّ المُختَارِ» أَنَّهُ لَا عِبرَةَ بِقَولِ المُوَقِّتِينَ فِي وُجُوبِ الصَّومِ عَلَى النَّاسِ، وَأَنَّهُ لَا يُعتَبَرُ قَولُهُم فِي هٰذَا البَابِ بِالإِجمَاعِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلمُنَجِّمِ أَن يَعمَلَ بِحِسَابِ نَفسِهِ فِي إِلزَامِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَلغَى الحِسَابَ بِالكُلِّيَّةِ بِقَولِهِ ﷺ: «نَحنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. ويُفِيدُ هٰذَا النَّقلُ أَنَّ بَابَ الإِلزَامِ العَامِّ فِي الصِّيَامِ لَا يُربَطُ بِحِسَابِ خَاصٍّ وَلَا بِقَولِ طَائِفَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ، بَل بِمَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ مِعيَارًا ظَاهِرًا تَشتَرِكُ فِيهِ الأُمَّةُ.
ثَالِثًا: مَذهَبُ الإِمَامِ مَالِكٍ
جَاءَ فِي «الشَّرحِ الكَبِيرِ» أَنَّ رَمَضَانَ لَا يَثبُتُ بِمُنَجِّمٍ، لَا فِي حَقِّ غَيرِهِ وَلَا فِي حَقِّ نَفسِهِ. وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ عَرَفَةَ أَنَّ المُنَجِّمَ هُوَ الَّذِي يَحسِبُ قَوسَ الهِلَالِ: هَل يَظهَرُ تِلكَ اللَّيلَةَ أَم لَا، وَأَنَّ ظَاهِرَ المَذهَبِ أَنَّهُ لَا يَثبُتُ بِقَولِهِ وَلَو وَقَعَ فِي القَلبِ صِدقُهُ. ويَتَضِحُ مِن هٰذَا أَنَّ المَذهَبَ لَا يَجعَلُ مَجَرَّدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَوِ انشِرَاحِ الصَّدرِ لِقَولِ المُنَجِّمِ مُسَوِّغًا لِلإِثبَاتِ، بَل يَشتَرِطُ سَبَبًا شَرعِيًّا مُعتَبَرًا، وَهٰذَا مِن أَجلِ سَدِّ أَبوَابِ الِاضطِرَابِ فِي شَعِيرَةٍ عَامَّةٍ.
رَابِعًا: مَذهَبُ الإِمَامِ أَحمَدَ
ذَكَرَ أَصحَابُ الإِمَامِ أَحمَدَ فِي «كَشَّافِ القِنَاعِ عَن مَتنِ الإِقنَاعِ» أَنَّ مَن صَامَ اليَومَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعبَانَ بِغَيرِ مُستَنَدٍ شَرعِيٍّ مِن رُؤيَةٍ أَو إِكمَالٍ أَو غَيمٍ وَنَحوِهِ، وَإِنَّمَا صَامَهُ لِحِسَابٍ وَنُجُومٍ وَلَو كَثُرَت إِصَابَتُهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يُجزِئُهُ؛ لِعَدَمِ استِنَادِهِ إِلَى مَا يُعَوَّلُ عَلَيهِ شَرعًا. ويَدُلُّ هٰذَا عَلَى أَنَّ صِحَّةَ العِبَادَةِ لَا تُبنَى عَلَى مُجَرَّدِ التَّوَقُّعِ الحِسَابِيِّ وَلَو كَثُرَت إِصَابَتُهُ، بَل عَلَى سَبَبٍ شَرعِيٍّ مُعتَبَرٍ، لِأَنَّ التَّعَبُّدَ مَبنِيٌّ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَالِامتِثَالِ.
رَدُّ القَولِ المُخَالِفِ وَبَيَانُ عَدَمِ اعتِبَارِهِ
نُسِبَ إِلَى التَّقِيِّ السُّبكِيِّ القَولُ بِرَدِّ شَهَادَةِ العَدلِ إِذَا خَالَفَت قَولَ أَهلِ الحِسَابِ، غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ النِّسبَةَ –عَلَى فَرضِ ثُبُوتِهَا– لَا تُنشِئُ حُجِّيَّةً تُعَارِضُ مَا استَقَرَّ عَلَيهِ مَذهَبُ جُمهُورِ الفُقَهَاءِ، وَلَا تُقَدَّمُ عَلَى النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ الصَّرِيحَةِ وَالإِجمَاعِ المُنعَقِدِ فِي هٰذَا البَابِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إِذَا كَانَ قَطعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَالإِجمَاعُ إِذَا تَحَقَّقَ، كَانَا مَانِعَينِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالِانفِرَادِ، وَلَا يُلتَفَتُ مَعَهُمَا إِلَى قَولٍ مُخَالِفٍ وَلَو نُسِبَ إِلَى إِمَامٍ.
وَلَم يَكُنِ الرَّدُّ عَلَى هٰذَا المَسلَكِ صَادِرًا عَن رَأيٍ فَردِيٍّ أَوِ اجتِهَادٍ مَعزُولٍ، بَل هُوَ مَنهَجٌ قَرَّرَهُ فُقَهَاءُ المَذَاهِبِ، فَقَد رَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالحَنَفِيَّةِ وَغَيرِهِم، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الإِجمَاعَ مُنعَقِدٌ عَلَى عَدَمِ اعتِبَارِ حِسَابِ المُنَجِّمِينَ فِي إِثبَاتِ دُخُولِ الشُّهُورِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعلُهُ حَاكِمًا عَلَى الشَّهَادَةِ الشَّرعِيَّةِ وَلَا مُقَدَّمًا عَلَيهَا. وَمِمَّن نَصَّ عَلَى رَدِّ هٰذَا المَنهَجِ وَقَرَّرَ بُطلَانَهُ: البَاجِيُّ، وَابنُ رُشدٍ الحَفِيدُ، وَالجَصَّاصُ، وَالحَطَّابُ الرُّعَينِيُّ، وَغَيرُهُم مِن أَئِمَّةِ العِلمِ، مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ المَسلَكَ المُعتَمَدَ عِندَ الأُمَّةِ هُوَ إِلغَاءُ الحِسَابِ فِي بَابِ الإِثبَاتِ، وَحَصرُهُ فِي مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ مُعتَبَرًا.
وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ، فَإِنَّ التَّسوِيَةَ بَينَ مَن خَرَجَ لِمُرَاقَبَةِ الهِلَالِ عَلَى وَجهِ التَّعَبُّدِ وَالِامتِثَالِ، وَبَينَ مَن يَطلُبُ الشَّمسَ فِي مُنتَصَفِ اللَّيلِ، تَسوِيَةٌ فَاسِدَةٌ فِي التَّمثِيلِ؛ لِأَنَّ مُرَاقَبَةَ الهِلَالِ مَأمُورٌ بِهَا شَرعًا فِي الجُملَةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ يَصِحُّ فِيهِ الإِدرَاكُ وَالتَّحَرِّي، أَمَّا طَلَبُ الشَّمسِ لَيلًا فَهُوَ طَلَبُ مُحَالٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكلِيفٌ وَلَا تَعَبُّدٌ، فَلا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ أَحَدُهُمَا قِيَاسًا عَلَى الآخَرِ.
وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّفرِيقَ بَينَ إِلغَاءِ الحِسَابِ فِي «إِثبَاتِ» دُخُولِ الشَّهرِ وَبَينَ عَدَمِ إِلغَائِهِ فِي «نَفيِ» الشَّهَادَةِ تَفرِيقٌ لَا يَقُومُ عَلَى دَلِيلٍ مُعتَبَرٍ؛ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ إِلغَاءَ الحِسَابِ فِي هٰذَا البَابِ إِلغَاءٌ عَامٌّ، يَشمَلُ أَمرَينِ جَمِيعًا: فَلَا يُجعَلُ الحِسَابُ طَرِيقًا مُستَقِلًّا لِإِثبَاتِ الشَّهرِ، كَمَا لَا يُجعَلُ مِعيَارًا مُقَدَّمًا لِرَدِّ شَهَادَةِ العَدلِ إِذَا ثَبَتَت وَاستَوفَت شُرُوطَهَا الشَّرعِيَّةَ.
آرَاءُ العُلَمَاءِ حَولَ الاِعتِمَادِ عَلَى الحِسَابِ الفَلَكِيِّ
نَقَلَ أَئِمَّةُ الفِقهِ فِي مَسأَلَةِ إِثبَاتِ دُخُولِ الأَشهُرِ القَمَرِيَّةِ نُصُوصًا مُحكَمَةً، تَكشِفُ بِيَانًا عَمَلِيًّا وَأُصُولِيًّا عَن مَوقِفِ الشَّرِيعَةِ مِن تَقدِيمِ الحِسَابِ عَلَى الرُّؤيَةِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ هٰذَا البَابَ قَدِ انعَقَدَ فِيهِ عَمَلُ الأُمَّةِ عَلَى الرُّؤيَةِ وَالشَّهَادَةِ، لَا عَلَى الحِسَابِ وَالتَّقدِيرِ. وَمِن أَبرَزِ هٰذِهِ النُّصُوصِ مَا يَأتِي:
أَوَّلًا: نَصُّ الشَّيخِ أَحمَدَ بنِ عَبدِ الرَّزَّاقِ المَغرِبِيِّ الرَّشِيدِيِّ (ت 1096هـ)
قَالَ الشَّيخُ أَحمَدُ بنُ عَبدِ الرَّزَّاقِ المَغرِبِيُّ الرَّشِيدِيُّ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى الرَّملِيِّ]، فِي رَدِّهِ عَلَى مَن قَالَ بِالاِعتِمَادِ عَلَى الحِسَابِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الشَّهرِ وَإِن دَلَّ عَلَى عَدَمِ إِمكَانِ الرُّؤيَةِ: «الشَّارِعُ إِنَّمَا أَوجَبَ عَلَينَا الصَّومَ بِالرُّؤيَةِ لَا بِوُجُودِ الشَّهرِ، وَيَلزَمُ عَلَيهِ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الشَّهرُ فِي أَثنَاءِ النَّهَارِ، أَنَّهُ يَجِبُ الإِمسَاكُ مِن وَقتِ دُخُولِهِ، وَلَا أَظُنُّ الأَصحَابَ يُوَافِقُونَ عَلَى ذٰلِكَ» [حاشية المغربي على الرملي، ج 3، ص 150]
ويُقَرِّرُ هٰذَا النَّصُّ أَصلًا فِقهِيًّا دَقِيقًا، وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ وُجُوبَ الصِّيَامِ عَلَى الرُّؤيَةِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ وُجُودِ الشَّهرِ فَلَكِيًّا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الاِعتِمَادَ عَلَى «الوُجُودِ» يَلزَمُ مِنهُ لَوَازِمُ فِقهِيَّةٌ شَاذَّةٌ، كَوُجُوبِ الإِمسَاكِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَهُوَ مَا لَم يَقُل بِهِ أَحَدٌ، فَيَدُلُّ ذٰلِكَ عَلَى وَهَنِ الأَصلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيهِ هٰذَا القَولُ.
ثَانِيًا: نَصُّ شَمسِ الدِّينِ الرَّملِيِّ (ت 1004هـ)
قَالَ شَمسُ الدِّينِ الرَّملِيُّ فِي [نِهَايَةِ المُحتَاجِ]: «وَشَمِلَ كَلَامُ المُصَنِّفِ ثُبُوتَهُ بِالشَّهَادَةِ، مَا لَو دَلَّ الحِسَابُ عَلَى عَدَمِ إِمكَانِيَّةِ الرُّؤيَةِ، وَانضَمَّ إِلَى ذٰلِكَ أَنَّ القَمَرَ غَابَ لَيلَةَ الثَّالِثِ عَلَى مُقتَضَى تِلكَ الرُّؤيَةِ قَبلَ دُخُولِ وَقتِ العِشَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَم يَعتَمِدِ الحِسَابَ بَل أَلغَاهُ بِالكُلِّيَّةِ» [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج 3، ص 173]
ويَصرُحُ الرَّملِيُّ أَنَّ دَلَالَةَ الحِسَابِ عَلَى عَدَمِ إِمكَانِ الرُّؤيَةِ لَا تُسقِطُ الشَّهَادَةَ، وَلَا تُقَدَّمُ عَلَيهَا، لِأَنَّ الشَّارِعَ أَلغَى الحِسَابَ فِي هٰذَا البَابِ إِلغَاءً كُلِّيًّا. وَفِي ذٰلِكَ تَقرِيرٌ صَرِيحٌ لِأَنَّ الحِسَابَ لَا يَصلُحُ مَسلَكًا لِرَدِّ الشَّهَادَاتِ.
ثَالِثًا: نَصُّ ابنِ عَابِدِينَ الحَنَفِيِّ (ت 1252هـ)
قَالَ ابنُ عَابِدِينَ فِي [الدُّرِّ المُختَارِ]: «مَا قَالَهُ السُّبكِيُّ مِنَ الاِعتِمَادِ عَلَى قَولِ الحِسَابِ مَردُودٌ، فَقَد رَدَّهُ مُتَأَخِّرُو أَهلِ مَذهَبِهِ، مِنهُمُ ابنُ حَجَرٍ وَالرَّملِيُّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَم يَعتَمِدِ الحِسَابَ، بَل أَلغَاهُ بِالكُلِّيَّةِ». [رد المحتار على الدر المختار، ج 2، ص 393]
ويَجمَعُ هٰذَا النَّصُّ بَينَ الرَّدِّ الفِقهِيِّ وَالتَّعلِيلِ الأُصُولِيِّ؛ فَابنُ عَابِدِينَ يَقطَعُ بِرَدِّ قَولِ السُّبكِيِّ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الرَّدَّ لَيسَ فَردِيًّا، بَل صَادِرٌ عَن مُتَأَخِّرِي مَذهَبِهِ، وَأَنَّ عِلَّتَهُ هِيَ أَنَّ الشَّارِعَ أَلغَى الحِسَابَ فِي هٰذَا البَابِ.
رَابِعًا: نَصُّ الجَردَانِيِّ (ت 1197هـ)
قَالَ الجَردَانِيُّ فِي [فَتحِ العَلَّامِ]: «وَالمُعتَمَدُ عِندَنَا: أَنَّ شَهَادَةَ العَدلِ تُقبَلُ، وَإِن قَالَ المُنَجِّمُونَ إِنَّ الحِسَابَ القَطعِيَّ قَد دَلَّ عَلَى عَدَمِ إِمكَانِهَا». [فتح العلام بشرح الإرشاد، ج 3، ص 332].
ويُصَرِّحُ الجَردَانِيُّ أَنَّ دَعوَى «قَطعِيَّةِ» الحِسَابِ عِندَ المُنَجِّمِينَ لَا تُنَزَّلُ شَرعًا مَنزِلَةَ الدَّلِيلِ، وَلَا تُقَدَّمُ عَلَى شَهَادَةِ العَدلِ، فَيَكُونُ المِعيَارُ هُوَ مَا اعتَبَرَهُ الشَّرعُ، لَا مَا يَدَّعِيهِ أَهلُ الفَنِّ.
خَامِسًا: النَّقلُ المُوَسَّعُ عَن ابنِ عَابِدِينَ
وَقَالَ ابنُ عَابِدِينَ فِي [الدُّرِّ المُختَارِ] فِي مَوضِعٍ آخَرَ مُوَسَّعٍ: «مَطلَبٌ مَا قَالَهُ السُّبكِيُّ مِنَ الِاعتِمَادِ عَلَى قَولِ الحِسَابِ مَردُودٌ: قُلتُ مَا قَالَهُ السُّبكِيُّ رَدَّهُ مُتَأَخِّرُو أَهلِ مَذهَبِهِ مِنهُم ابنُ حَجَرٍ وَالرَّملِيُّ فِي شَرحَي المِنهَاجِ، وَفِي فَتَاوَى الشِّهَابِ الرَّملِيِّ الكَبِيرِ الشَّافِعِيِّ: «سُئِلَ عَن قَولِ السُّبكِيِّ لَو شَهِدَت بَيِّنَةٌ بِرُؤيَةِ الهِلَالِ لَيلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن الشَّهرِ وَقَالَ الحِسَابُ بِعَدَمِ إِمكَانِ الرُّؤيَةِ تِلكَ اللَّيلَةَ عُمِلَ بِقَولِ أَهلِ الحِسَابِ؛ لِأَنَّ الحِسَابَ قَطعِيٌّ وَالشَّهَادَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَأَطَالَ فِي ذٰلِكَ فَهَل يُعمَلُ بِمَا قَالَهُ أَم لَا؟ وَفِيمَا إِذَا رُئِيَ الهِلَالُ نَهَارًا قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ يَومَ التَّاسِعِ وَالعِشرِينَ مِن الشَّهرِ، وَشَهِدَت بَيِّنَةٌ بِرُؤيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَيلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعبَانَ، فَهَل تُقبَلُ الشَّهَادَةُ أَم لَا؟ لِأَنَّ الهِلَالَ إِذَا كَانَ الشَّهرُ كَامِلًا يَغِيبُ لَيلَتَينِ أَو نَاقِصًا يَغِيبُ لَيلَةً أَو غَابَ الهِلَالُ اللَّيلَةَ الثَّالِثَةَ قَبلَ دُخُولِ وَقتِ العِشَاءِ «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العِشَاءَ لِسُقُوطِ القَمَرِ الثَّالِثَةَ» هَل يُعمَلُ بِالشَّهَادَةِ أَم لَا؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ المَعمُولَ بِهِ فِي المَسَائِلِ الثَّلَاثِ مَا شَهِدَت بِهِ البَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ نَزَّلَهَا الشَّارِعُ مَنزِلَةَ اليَقِينِ «وَمَا قَالَهُ السُّبكِيُّ مَردُودٌ رَدَّهُ عَلَيهِ جَمَاعَةٌ مِن المُتَأَخِّرِينَ»، وَلَيسَ فِي العَمَلِ بِالبَيِّنَةِ مُخَالَفَةٌ لِصَلَاتِهِ ﷺ، وَوَجهُ مَا قُلنَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَم يَعتَمِد الحِسَابَ، بَل أَلغَاهُ بِالكُلِّيَّةِ بِقَولِهِ: «نَحنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، وَقَالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: الحِسَابُ لَا يَجُوزُ الِاعتِمَادُ عَلَيهِ فِي الصَّلَاةِ انتَهَى. وَالِاحتِمَالَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّبكِيُّ بِقَولِهِ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ قَد يَشتَبِهُ عَلَيهِ.. إلَخ لَا أَثَرَ لَهَا شَرعًا لِإِمكَانِ وُجُودِهَا فِي غَيرِهَا مِن الشَّهَادَاتِ» انتَهَى». [رد المحتار على الدر المختار، ج 2، ص 394–396].
ويَتَضَمَّنُ هٰذَا النَّقلُ جُملَةً مِنَ الأُصُولِ المُحكَمَةِ: أَنَّ الشَّهَادَةَ نَزَّلَهَا الشَّارِعُ مَنزِلَةَ اليَقِينِ، وَأَنَّ قَولَ السُّبكِيِّ قَد رُدَّ عَلَيهِ، وَأَنَّ الحِسَابَ لَم يُنَصِّبهُ الشَّارِعُ سَبَبًا، وَأَنَّ الاِحتِمَالَاتِ فِي اِشتِبَاهِ الشَّاهِدِ لَا تَختَصُّ بِبَابِ الأَهِلَّةِ.
وتَجتَمِعُ هٰذِهِ النُّصُوصُ كُلُّهَا عَلَى مَنهَجٍ وَاحِدٍ مُحكَمٍ، وَهُوَ أَنَّ إِثبَاتَ الأَهِلَّةِ مَبنِيٌّ عَلَى الرُّؤيَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَنَّ الحِسَابَ –مَهمَا بَلَغَ مِنَ الدِّقَّةِ– لَا يَقُومُ مَقَامَ السَّبَبِ الشَّرعِيِّ، وَأَنَّ هٰذَا المَسلَكَ هُوَ مَسلَكَ السَّلَفِ وَجُمهُورِ الأُمَّةِ.
الخُلَاصَةُ العِلمِيَّةُ وَالنَّتَائِجُ المُحكَمَةُ
ويَتَبَيَّنُ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَحرِيرُهُ، وَبِنَاءً عَلَى الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَالمُعطَيَاتِ العِلمِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِوَاقِعِ الرُّؤيَةِ، أَنَّ الشَّرعَ الحَكِيمَ قَد جَعَلَ مِعيَارَ ثُبُوتِ الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ أَمرًا ظَاهِرًا مُشَاعًا بَينَ النَّاسِ، وَهُوَ رُؤيَةُ الهِلَالِ عَيَانًا، أَو إِكمَالُ العِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَومًا عِندَ تَعَذُّرِ الرُّؤيَةِ، دُونَ تَعلِيقِ الحُكمِ بِالحِسَابِ الفَلَكِيِّ أَصلًا.
وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الحِسَابَ الفَلَكِيَّ وَإِن بَلَغَ غَايَةَ الدِّقَّةِ فِي تَحدِيدِ وَقتِ وِلَادَةِ القَمَرِ، فَإِنَّهُ لَا يَقطَعُ بِتَحَقُّقِ إِمكَانِ الرُّؤيَةِ العَيَانِيَّةِ؛ لِارتِبَاطِهَا بِعَوَامِلَ جَوِّيَّةٍ وَبَصَرِيَّةٍ وَظُرُوفٍ طَبِيعِيَّةٍ مُتَغَيِّرَةٍ، تَختَلِفُ بِاختِلَافِ الأَمكِنَةِ وَالأَزمِنَةِ، فَلَا يَصلُحُ أَن يُجعَلَ بَدِيلًا عَن الرُّؤيَةِ الَّتِي عَلَّقَ الشَّارِعُ الحُكمَ عَلَيهَا.
وَيَثبُتُ كَذٰلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ العَدلِ بِرُؤيَةِ الهِلَالِ مَقبُولَةٌ شَرعًا مَتَى استَوفَت شُرُوطَهَا وَضَوَابِطَهَا، وَأَنَّهَا لَا تُرَدُّ بِدَعوَى عَدَمِ الإِمكَانِ حِسَابًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَد أَلغَى الحِسَابَ فِي هٰذَا البَابِ إِلغَاءً كُلِّيًّا، وَنَزَّلَ الشَّهَادَةَ مَنزِلَةَ اليَقِينِ فِي مَجَالِ الإِثبَاتِ وَالقَضَاءِ وَالإِفتَاءِ.
وَيَتَأَكَّدُ لُزومٌ التَّفرِيقِ بَينَ وِلَادَةِ القَمَرِ وَوُجُودِهِ فَلَكِيًّا، وَبَينَ إِمكَانِ رُؤيَتِهِ عَيَانًا؛ فَلَيسَ كُلُّ مَولُودٍ مَرئِيًّا فِي اللَّيلَةِ نَفسِهَا، وَهٰذَا فَرقٌ حَقِيقِيٌّ أَقَرَّهُ العِلمُ وَاعتَبَرَهُ الشَّرعُ.
وَيَتَقَرَّرُ بِالإِجمَاعِ الفِقهِيِّ المُنقُولِ أَنَّ الحِسَابَ لَا يَكُونُ بَدِيلًا عَنِ الرُّؤيَةِ، وَلَا يُجعَلُ مِعيَارًا مُستَقِلًّا لِإِثبَاتِ دُخُولِ الشَّهرِ، كَمَا لَا يُجعَلُ مُقَدَّمًا لِرَدِّ شَهَادَةِ العَدلِ؛ فَالتَّفرِيقُ بَينَ إِلغَاءِ الحِسَابِ فِي الإِثبَاتِ دُونَ النَّفيِ تَفرِيقٌ لَا دَلِيلَ عَلَيهِ، بَل الإِلغَاءُ عَامٌّ يَشمَلُ الأَمرَينِ جَمِيعًا.
وَيَظهَرُ أَنَّ الاعتِمَادَ عَلَى الحِسَابِ وَحدَهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى تَوحِيدِ الكَلِمَةِ كَمَا يُدَّعَى، بَل يُفضِي إِلَى الِاضطِرَابِ، وَتَعَارُضِ التَّقدِيرَاتِ، وَازدِوَاجِيَّةِ المَعَايِيرِ، وَاتِّسَاعِ دَائِرَةِ الخِلَافِ، بَدَلَ أَن يَرفَعَهَا.
الخَاتِمَةُ
وَبَعدَ هٰذَا كُلِّهِ، فَإِنَّ مِمَّا يَتَعَيَّنُ التَّمَسُّكُ بِهِ شَرعًا: التَّقَيُّدُ بِمَا دَلَّت عَلَيهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ مِن تَعلِيقِ الصِّيَامِ وَالفِطرِ عَلَى الرُّؤيَةِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى إِكمَالِ العِدَّةِ ثَلَاثِينَ عِندَ تَعَذُّرِهَا، مَعَ حِفظِ مَقَامِ الشَّهَادَةِ الشَّرعِيَّةِ وَحُرمَةِ رَدِّهَا بِمَا لَم يَجعَلهُ الشَّارِعُ حُجَّةً.
وَمَن أَرَادَ وَحدَةَ الكَلِمَةِ عَلَى هُدًى، فَليَجعَل مَرجِعَهُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجمَاعَ الأُمَّةِ، لَا الدَّعَاوَى الَّتِي تُوهِمُ القَطعَ وَهِيَ فِي حَقِيقَتِهَا مَعرُوضَةٌ لِلخِلَافِ وَالِاضطِرَابِ.
نَسأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا الفِقهَ فِي دِينِهِ، وَأَن يَهدِيَ القُلُوبَ إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، وَأَن يَجعَلَ العَمَلَ خَالِصًا لِوَجهِهِ الكَرِيمِ.