بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، أَمَّا بَعدُ:
مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾ [البَقَرَةِ: 185].
هَذَا شَهرٌ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِيقَاتًا لِلهُدَى، وَمَحَطًّا لِلنُّورِ، وَمَوسِمًا يَتَفَتَّحُ فِيهِ قَلبُ المُؤمِنِ عَلَى مَعَانِي القُربِ وَالإِنَابَةِ، وَإِنَّ رَمَضَانَ لَا يَقِفُ فَضلُهُ عِندَ صُورَةِ العِبَادَةِ فَقَط، بَل يَتَجَلَّى فِيهِ تَارِيخُ الأُمَّةِ، وَتَتَأَلَّقُ فِيهِ آثَارُ الوَحيِ، وَتَتَتَالَى فِيهِ أَيَّامُ النَّصرِ وَالعِزِّ وَالفُتُوحَاتِ.
وَقَد جَاءَ فِي الأَثَرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ارتَقَى دَرَجَةً مِن دَرَجَاتِ المِنبَرِ فَقَالَ: «آمِينَ»، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ الصَّحَابَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَد سَمِعنَا مِنكَ اليَومَ شَيئًا مَا كُنَّا نَسمَعُهُ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بُعدًا لِمَن أَدرَكَ رَمَضَانَ فَلَم يُغفَر لَهُ، قُلتُ: آمِينَ».
وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّنيَا مَزرَعَةً لِلآخِرَةِ، وَمَيدَانًا لِلتَّنَافُسِ فِي الصَّالِحَاتِ، فَمَن عَرَفَ مَوَاقِعَ الفَضلِ فِي الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، وَفَّقَهُ اللهُ لِاغتِنَامِهَا، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَن تَلحَقَهُ نَفحَةٌ تُنجِيهِ مِنَ النَّارِ وَتُقَرِّبُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَمِن أَعظَمِ هَذِهِ المَوَاسِمِ شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ.
رَمَضَانُ عَبرَ التَّارِيخِ
عَرَفَ المُسلِمُونَ رَمَضَانَ عَبرَ التَّارِيخِ زَمَانًا يَفِيضُ فِيهِ الخَيرُ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهِ البَرَكَاتُ، وَتَتَجَدَّدُ فِيهِ عُهُودُ الوَحيِ وَآثَارُهُ فِي القُلُوبِ وَالحَيَاةِ.
وَمِن أَشرَفِ مَعَالِمِ رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهرُ نُزُولِ الكُتُبِ وَالوَحيِ، وَشَهرُ نُزُولِ أَعظَمِ كِتَابٍ عَلَى الإِطلَاقِ: القُرآنِ الكَرِيمِ، فَفِي لَيلَةِ القَدرِ تَنَزَّلَ القُرآنُ مِنَ اللَّوحِ المَحفُوظِ إِلَى بَيتِ العِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا، ثُمَّ نَزَلَ بَعدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا عَلَى قَلبِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ حَسَبَ الحَوَادِثِ وَالوَقَائِعِ.
وَفِي رَمَضَانَ أَيَّدَ اللهُ المُؤمِنِينَ فِي مَعرَكَةِ بَدرٍ الكُبرَى، فَكَانَ ذَلِكَ دَرسًا فِي أَنَّ العِزَّ لَا يُوزَنُ بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ، بَل بِصِدقِ التَّوَكُّلِ وَثَبَاتِ القَلبِ وَصِحَّةِ النِّيَّةِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ [آلِ عِمرَانَ: 123].
وَفِي رَمَضَانَ فُتِحَت مَكَّةُ، وَطُهِّرَ البَيتُ الحَرَامُ مِنَ الأَوثَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ فَتحًا لِلقُلُوبِ قَبلَ أَن يَكُونَ فَتحًا لِلبِلَادِ، وَمَعلَمًا يُرَبِّي الأُمَّةَ عَلَى أَنَّ التَّوحِيدَ هُوَ أَصلُ النُّصرَةِ وَمِنبَعُ العِزِّ.
وَتَتَتَالَى فِي رَمَضَانَ فُتُوحَاتٌ وَمَوَاقِعُ عِزٍّ فِي تَارِيخِ الأُمَّةِ، تُشهِدُ أَنَّ رَمَضَانَ لَم يَكُن شَهرَ فُتُورٍ، بَل شَهرَ عَزِيمَةٍ وَمُجَاهَدَةٍ، يُنتَصَرُ فِيهِ عَلَى العَدُوِّ وَيُنتَصَرُ فِيهِ عَلَى النَّفسِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
فَضَائِلُ شَهرِ رَمَضَانَ وَمَكَانَتُهُ
رَمَضَانُ شَهرُ الرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ، شَهرُ تَفتِيحِ أَبوَابِ الجِنَانِ وَغَلقِ أَبوَابِ النِّيرَانِ، شَهرُ تَصفِيدِ الشَّيَاطِينِ وَتَيسِيرِ سُبُلِ الطَّاعَةِ، وَفِيهِ نِدَاءٌ يَستَنهَضُ القُلُوبَ وَيُحَرِّكُ الهِمَمَ: «يَا بَاغِيَ الخَيرِ أَقبِل، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقصِر».
وَإِنَّ أَعظَمَ مَا يُنَبِّهُ عَلَى جَلَالِ رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهرٌ يَستَحيِي فِيهِ المُؤمِنُ مِن رَبِّهِ أَن يَخرُجَ بِصَحِيفَةٍ مُلَوَّثَةٍ، وَهُوَ فِي مَوسِمِ تَطهِيرٍ وَتَزكِيَةٍ وَمُضَاعَفَةٍ لِلأُجُورِ.
وَمِن أَعظَمِ مَا يُرَغِّبُ فِي اغتِنَامِهِ أَنَّ مَن أَدرَكَهُ فَلَم يُغفَر لَهُ فَقَد حُرِمَ خَيرًا عَظِيمًا، وَبَعُدَ عَن رَحمَةٍ وَاسِعَةٍ فُتِحَت أَبوَابُهَا لِمَن صَدَقَ وَأَخلَصَ وَأَقبَلَ.
لَيلَةُ القَدرِ: دُرَّةُ رَمَضَانَ وَسِرُّ فَضلِهِ
وَلِرَمَضَانَ لَيلَةٌ هِيَ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، لَيلَةٌ تُرَجَّحُ فِيهَا طَاعَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى عُمُرٍ طَوِيلٍ مِنَ العِبَادَةِ، وَهِيَ لَيلَةُ القَدرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ وَمَا أَدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ﴾ [القَدرِ: 1-3].
وَفِيهَا تَتَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ بِإِذنِ رَبِّهِم بِكُلِّ أَمرٍ، فَيَشهَدُ المُؤمِنُ فِيهَا مَعنَى السَّلَامِ وَالرَّحمَةِ، وَيَتَفَتَّحُ قَلبُهُ عَلَى صِدقِ الِالتِجَاءِ إِلَى اللهِ، وَحُسنِ التَّعَلُّقِ بِعَفوِهِ وَإِحسَانِهِ.
وَمِن أَعظَمِ الوَصَايَا فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ أَن يَكُونَ لِلسَّائِلِ فِيهَا دُعَاءٌ جَامِعٌ، وَمِن أَجمَعِ مَا يُقَالُ فِيهَا: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنَّا»، فَإِنَّ العَفوَ مَطلَبُ القُلُوبِ، وَفِيهِ سَترُ العُيُوبِ وَمَحوُ الذُّنُوبِ وَرَفعُ الدَّرَجَاتِ.
الدُّعَاءُ فِي رَمَضَانَ وَمَوَاقِعُ الإِجَابَةِ
الدُّعَاءُ فِي رَمَضَانَ رُوحُ العِبَادَةِ، وَمَعقِدُ الِافتِقَارِ الصَّادِقِ، وَمَظهَرُ التَّوحِيدِ وَالذُّلِّ لِلرَّبِّ الجَلِيلِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البَقَرَةِ: 186].
وَمِن أَعظَمِ مَوَاقِعِ الدُّعَاءِ فِي رَمَضَانَ: سَاعَةُ الإِفطَارِ، فَإِنَّهَا سَاعَةُ انكِسَارٍ وَقُربٍ وَرَجَاءٍ، وَالمُؤمِنُ يَجمَعُ فِيهَا بَينَ فَرَحَةِ إِتمَامِ طَاعَةٍ، وَفَرَحَةِ رَجَاءِ قَبُولٍ وَمَغفِرَةٍ وَعِتقٍ.
وَمَن عَرَفَ قِيمَةَ الدُّعَاءِ، لَم يَجعَلهُ فَضلَ وَقتٍ، بَل جَعَلَهُ قَلبَ وَقتِهِ، يَتَقَلَّبُ فِي لَحَظَاتِ رَمَضَانَ بَينَ التَّسبِيحِ وَالِاستِغفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسُؤَالِ العَفوِ وَالرِّضوَانِ وَالجَنَّةِ.
فُرَصُ العِتقِ مِنَ النَّارِ: مِفتَاحُ رَمَضَانَ وَغَايَتُهُ
إِنَّ أَعظَمَ مَا يَتَمَنَّاهُ المُؤمِنُ فِي رَمَضَانَ أَن يَكُونَ مِنَ المُعتَقِينَ مِنَ النَّارِ، وَأَن يَخرُجَ مِنَ الشَّهرِ وَقَد طُوِيَت صَحِيفَتُهُ عَلَى عَفوٍ وَمَغفِرَةٍ وَرِضَا.
وَالعِتقُ لَا يُنَالُ بِالأَمَانِيِّ، وَلَا بِصُورِ الأَعمَالِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، بَل يُنَالُ بِصِدقِ التَّوبَةِ، وَحِفظِ الجَوَارِحِ، وَتَطهِيرِ القَلبِ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالرِّيَاءِ، وَتَعظِيمِ الشَّهرِ بِمَا يَلِيقُ بِقَدرِهِ، فَيَصُومُ اللِّسَانُ عَنِ الغِيبَةِ، وَتَصُومُ العَينُ عَنِ الحَرَامِ، وَتَصُومُ الجَوَارِحُ عَنِ المَعَاصِي، حَتَّى يَكُونَ الصَّومُ جُنَّةً وَسِترًا وَنُورًا.
وَمَن أَرَادَ العِتقَ فَليَطرُق أَبوَابَهُ فِي كُلِّ لَيلَةٍ، وَليُكثِر مِنَ الِاستِغفَارِ، وَليَتَعَاهَد قَلبَهُ بِالتَّزكِيَةِ، وَليَتَحَرَّ لَيلَةَ القَدرِ، فَإِنَّ فِيهَا فَتحًا وَسَعَةً وَنُورًا، وَمَن قَامَهَا إِيمَانًا وَاحتِسَابًا رَجَا مَغفِرَةً تَمحُو مَا تَقَدَّمَ، وَتَكُونُ سَبَبًا لِلعِتقِ وَالرِّضوَانِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
إِنَّ رَمَضَانَ يَمضِي سَرِيعًا، وَالأَيَّامُ مَعدُودَاتٌ، وَالسَّعِيدُ مَن خَرَجَ مِنهُ وَقَد رَبِحَ قَلبًا أَنقَى، وَنَفسًا أَزكَى، وَعَهدًا أَصدَقَ، وَصَحِيفَةً أَبيَضَ، وَمَن فَاتَتهُ فُرصَتُهُ فِي رَمَضَانَ خَشِيَ عَلَى نَفسِهِ أَن يَكُونَ مِمَّن قِيلَ فِيهِ: بُعدًا لِمَن أَدرَكَ رَمَضَانَ فَلَم يُغفَر لَهُ.
فَتُوبُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى تَوبَةً صَادِقَةً، وَأَحيُوا لَيَالِيَكُم بِالقُرآنِ وَالقِيَامِ وَالدُّعَاءِ، وَاجعَلُوا لِأَنفُسِكُم نَصِيبًا مِنَ لَيلَةِ القَدرِ، وَاسأَلُوا رَبَّكُم العَفوَ وَالعَافِيَةَ وَالعِتقَ مِنَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ بَلِّغنَا رَمَضَانَ وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ، وَاجعَلنَا فِيهِ مِن عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ، وَارزُقنَا فِيهِ صِدقَ الدُّعَاءِ وَحُسنَ الرَّجَاءِ، وَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا، مَا عَلِمنَا مِنهَا وَمَا لَم نَعلَم، إِنَّكَ أَنتَ العَفُوُّ الكَرِيمُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.