مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي امتَنَّ عَلَى عِبادِهِ بِمَواِسِمِ الطّاعاتِ، وَجَعَلَ لَهُم مِن سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُعِينُهُم عَلَى العِبادَةِ وَيُقَوِّيهِم عَلَيها، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ السُّحُورَ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ وَهَبَها اللهُ تَعالَى لِعِبادِهِ المُسلِمِينَ، وَهُوَ وَصِيَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَعَطِيَّةٌ ثَمِينَةٌ، مَن عَمِلَ بِها أُجِرَ، وَنالَ خَيرًا كَثِيرًا، وَمَن تَرَكَها حُرِمَ بَرَكاتٍ وافِرَةٍ.
وَهُوَ مَعَ ذلِكَ يُجَدِّدُ النَّشاطَ لِعِبادَةِ الصِّيامِ، وَيَزِيدُ عِنايَةَ الصّائِمِينَ بِإِتمامِ طاعَتِهِم، وَيَبعَثُ جَوارِحَهُم وَقُلُوبَهُم إِلى ما يُرضِي اللهَ تَعالَى، وَما فِيهِ الخَيرُ لَهُم فِي دِينِهِم وَدُنياهُم.
السُّحُورُ عَونٌ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيامِ
أَخرَجَ ابنُ ماجَهَ وَالحاكِمُ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «استَعِينُوا بِطَعامِ السَّحَرِ عَلَى صِيامِ النَّهارِ، وَبِقَيلُولَةِ النَّهارِ عَلَى قِيامِ اللَّيلِ».
فَالسُّحُورُ مِن أَعظَمِ الأَسبابِ الشَّرعِيَّةِ الَّتِي يُستَعانُ بِها عَلَى إِتمامِ الصِّيامِ وَسائِرِ الطّاعاتِ، وَهُوَ مِن أَوثَقِ العُرى الَّتِي تُقَوِّي صاحِبَها عَلَى تَركِ المَلَذّاتِ، وَتَزِيدُ فِي قُوَّتِهِ، وَفَوقَ ذلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ سُنَّةٌ مِن سُنَنِ الهُدى.
وَلِذلِكَ كانَ مِنَ المُهِمِّ تَربِيَةُ الأُمَّةِ – رِجالِها وَنِسائِها، صِغارِها وَكِبارِها – عَلَى هٰذِهِ الطّاعَةِ، وَتَنشِئَتُهُم عَلَى تَعظِيمِها وَالعَمَلِ بِها.
حُكمُ السُّحُورِ وَدَلِيلُ استِحبابِهِ
وَيُسَنُّ السُّحُورُ لِثُبُوتِ الخَبَرِ فِي «الصَّحِيحَينِ» مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً».
وَالسُّحُورُ يُطلَقُ عَلَى الفِعلِ – وَهُوَ الأَكلُ فِي وَقتِ السَّحَرِ – وَيُقالُ لِلطَّعامِ نَفسِهِ سُحُورٌ أَيضًا، غَيرَ أَنَّ الأَوَّلَ أَظهَرُ فِي الِاستِعمالِ.
وَفِي قَولِهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا» حَثٌّ وَتَرغِيبٌ، وَأَمرٌ يُرادُ بِهِ الِاستِحبابُ وَالنَّدبُ بِإِجماعِ العُلَماءِ، وَلَيسَ لِلوُجُوبِ، وَقَد نُقِلَ الإِجماعُ عَلَى ذلِكَ، كَما قالَ ابنُ المُلقِّنِ وَالإِمامُ النَّوَوِيُّ: «وَأَجمَعَ العُلَماءُ عَلَى استِحبابِهِ، وَأَنَّهُ لَيسَ بِواجِبٍ».
بَرَكَةُ السُّحُورِ تَشمَلُ القَلِيلَ وَالكَثِيرَ
وَيَحصُلُ السُّحُورُ بِكَثِيرِ المَأكُولِ وَقَلِيلِهِ، فَلا يُشتَرَطُ فِيهِ التَّوَسُّعُ وَلا التَّكَلُّفُ.
فَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «السُّحُورُ كُلُّهُ بَرَكَةٌ، فَلا تَدَعُوهُ وَلَو أَن يَجرَعَ أَحَدُكُم جَرعَةً مِن ماءٍ، فَإِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى المُتَسَحِّرِينَ». رَواهُ أَحمَدُ بِإِسنادٍ قَوِيٍّ.
وَيَدخُلُ وَقتُ السُّحُورِ بِنِصفِ اللَّيلِ.
وُجُوهُ البَرَكَةِ فِي السُّحُورِ
وَقَدِ اختَلَفَ العُلَماءُ فِي بَيانِ هٰذِهِ البَرَكَةِ، وَما المَقصُودُ مِنها، فَذَكَرَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي «فَتحِ البارِي» أَنَّ بَرَكَةَ السُّحُورِ تَحصُلُ بِجِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنها: اتِّباعُ السُّنَّةِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى العِبادَةِ، وَالزِّيادَةُ فِي النَّشاطِ، وَمُدافَعَةُ سُوءِ الخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَن يَسأَلُ فِي ذلِكَ الوَقتِ، أَو مُشارَكَةُ غَيرِهِ فِي الطَّعامِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكرِ وَالدُّعاءِ وَقتَ مَظِنَّةِ الإِجابَةِ، وَتَدارُكُ نِيَّةِ الصِّيامِ لِمَن أَغفَلَها قَبلَ النَّومِ.
وَقالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فِي «إِحكامِ الأَحكامِ شَرحِ عُمدَةِ الأَحكامِ»: إِنَّ هٰذِهِ البَرَكَةَ قَد تَعُودُ إِلى الأُمُورِ الأُخرَوِيَّةِ، فَإِنَّ إِقامَةَ السُّنَّةِ تُوجِبُ الأَجرَ وَزِيادَتَهُ، وَيَحتَمِلُ أَن تَعُودَ إِلى الأُمُورِ الدُّنيَوِيَّةِ لِقُوَّةِ البَدَنِ عَلَى الصِّيامِ وَتَيسِيرِهِ مِن غَيرِ إِجحافٍ بِهِ.
تَأخِيرُ السُّحُورِ وَضَبطُ وَقتِهِ
وَمِنَ السُّنَّةِ تَأخِيرُ السُّحُورِ ما لَم يَقَع شَكٌّ فِي طُلُوعِ الفَجرِ؛ لِأَنَّهُ أَقرَبُ إِلى التَّقَوِّي عَلَى العِبادَةِ.
وَقَد وَرَدَ فِي الخَبَرِ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيرٍ ما عَجَّلُوا الفِطرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ».
فَإِن شَكَّ الصّائِمُ فِي بَقاءِ اللَّيلِ – كَأَن يَتَرَدَّدَ فِي طُلُوعِ الفَجرِ – لَم يُسَنَّ التَّأخِيرُ، بَلِ الأَفضَلُ تَركُهُ؛ لِما ثَبَتَ فِي الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «دَع ما يُرِيبُكَ إِلى ما لا يُرِيبُكَ». رَواهُ النَّسائِيُّ وَالتِّرمِذِيُّ.
وَعَن زَيدِ بنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قالَ: تَسَحَّرنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قامَ إِلى الصَّلاةِ، قُلتُ: كَم كانَ بَينَ الأَذانِ وَالسُّحُورِ؟ قالَ: «قَدرُ خَمسِينَ آيَةً». أَخرَجَهُ البُخارِيُّ.
خاتِمَةٌ وَدُعاءٌ
فَاغتَنِمُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – سُنَّةَ السُّحُورِ، وَأَحيُوا هٰذِهِ الوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ، وَاطلُبُوا بِها البَرَكَةَ، وَتَقَرَّبُوا بِها إِلى اللهِ تَعالَى، وَاستَعِينُوا بِها عَلَى الصِّيامِ وَالقِيامِ؛ فَإِنَّها مِنحَةٌ رَبّانِيَّةٌ تُثمِرُ خَيرًا فِي الدُّنيا، وَأَجرًا عَظِيمًا فِي الآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ إِنّا دَعَوناكَ فَاستَجِب لَنا دُعاءَنا، فَاغفِرِ اللَّهُمَّ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسرافَنا فِي أَمرِنا، وَاغفِرِ اللَّهُمَّ لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِناتِ، الأَحياءَ مِنهُم وَالأَمواتِ.