مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ للهِ الَّذِي شَرَعَ الصِّيَامَ تَزكِيَةً لِلنُّفُوسِ، وَجَعَلَهُ مَدرَسَةً لِلأَخلَاقِ، وَمِعرَاجًا لِلعَبدِ إِلَى مَقَامَاتِ الحِلمِ وَالصَّفحِ وَكَظمِ الغَيظِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ شَهرَ رَمَضَانَ شَهرٌ تَنتَصِرُ فِيهِ المَعَانِي الفَاضِلَةُ عَلَى النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ، وَتَعلُو فِيهِ الأَخلَاقُ الحَسَنَةُ الحَمِيدَةُ بِصَاحِبِهَا إِلَى مُستَوَى التَّسَامُحِ وَكَظمِ الغَيظِ وَالتَّغَاضِي وَالعَفوِ، فَيَظهَرُ أَثَرُ الصِّيَامِ فِي اللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ قَبلَ أَن يَظهَرَ فِي الجُوعِ وَالعَطَشِ، وَهُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الصِّيَامَ لَيسَ حَرمَانًا جَسَدِيًّا مُجَرَّدًا، بَل هُوَ تَهذِيبٌ لِلنَّفسِ، وَتَربِيَةٌ لِلقَلبِ، وَتَصفِيَةٌ لِلسَّرِيرَةِ.
الصَّومُ جُنَّةٌ بِالنَّصِّ النَّبَوِيِّ
ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَينِ» مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الصَّومُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُم صَائِمًا فَلَا يَرفُث وَلَا يَجهَل، وَإِنِ امرُؤٌ قَاتَلَهُ أَو شَاتَمَهُ فَليَقُل: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ».
وَهَذَا الحَدِيثُ أَصلٌ عَظِيمٌ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الصِّيَامِ وَآثَارِهِ، وَأَنَّهُ لَيسَ إِمسَاكًا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَحَسبُ، بَل إِمسَاكٌ عَنِ الرَّفَثِ وَالجَهلِ وَسُوءِ الخُلُقِ، وَتَربِيَةٌ عَلَى ضَبطِ النَّفسِ عِندَ مُهَيِّجَاتِ الغَضَبِ، وَتَعوِيدٌ لِلقَلبِ عَلَى السَّكِينَةِ وَالوَقَارِ.
مَعنَى «جُنَّةٍ» وَمَجَالَاتُ وِقَايَتِهَا
قَولُهُ ﷺ: «إِنَّمَا الصَّومُ جُنَّةٌ»، أَي: وِقَايَةٌ وَحِصنٌ وَسِترٌ، يَقِي العَبدَ مِنَ المَعَاصِي وَالذُّنُوبِ فِي الدُّنيَا، وَيَكُونُ لَهُ حِجَابًا يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ شَرِّ نَفسِهِ وَمَكَايِدِ الشَّيطَانِ، ثُمَّ يَكُونُ لَهُ وِقَايَةً مِن عَذَابِ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ، فَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَجُنَّةٌ مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَجُنَّةٌ مِنَ الآثَامِ وَالسَّيِّئَاتِ.
وَقَد قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: إِنَّ الصِّيَامَ يُسَمَّى جُنَّةً؛ لِأَنَّهُ يَحجُزُ صَاحِبَهُ عَمَّا يَحرُمُ عَلَيهِ، وَيُضَعِّفُ مَدَاخِلَ الشَّرِّ إِلَى نَفسِهِ، وَيُقَوِّي فِيهِ مَلَكَةَ المُرَاقَبَةِ وَالخَوفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا تَحَقَّقَت هَذِهِ المَعَانِي كَانَ صَومُهُ حِصنًا لَهُ فِي دُنيَاهُ وَأُخرَاهُ.
ضَبطُ اللِّسَانِ وَتَربِيَةُ النَّفسِ عَلَى الحِلمِ
وَقَولُهُ ﷺ: «فَلَا يَرفُث»، أَي: لَا يَتَكَلَّم بِالكَلَامِ الفَاحِشِ الَّذِي يُدَنِّسُ الصِّيَامَ وَيُذهِبُ نُورَهُ وَيُفسِدُ مَقصُودَهُ، فَإِنَّ اللِّسَانَ بَابٌ عَظِيمٌ مِن أَبوَابِ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَمَن أَطلَقَهُ فِي الرَّفَثِ وَالفُحشِ أَضرَّ بِدِينِهِ وَأَذهَبَ أَجرَهُ.
وَقَولُهُ ﷺ: «وَلَا يَجهَل»، أَي: لَا يَأتِ أَفعَالَ السَّفَهِ وَالطَّيشِ، وَلَا يَستَسلِم لِأَسبَابِ الغَضَبِ وَالانفِعَالِ، بَل يَحفَظُ نَفسَهُ عَنِ القَولِ المَذمُومِ وَالفِعلِ المَذمُومِ، وَيَتَدَرَّبُ عَلَى الحِلمِ وَالأَنَاةِ وَتَجَاوُزِ الزَّلَلِ، فَهُنَا تَكمُنُ عَظَمَةُ الصِّيَامِ: أَن يَكُونَ صَائِمًا بِلِسَانِهِ كَمَا هُوَ صَائِمٌ بِبَطنِهِ.
مَوقِفُ الصَّائِمِ مِمَّن يُؤذِيهِ
وَقَولُهُ ﷺ: «وَإِنِ امرُؤٌ قَاتَلَهُ أَو شَاتَمَهُ فَليَقُل: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»، مَعنَاهُ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُقَابِلُ الجَاهِلَ بِجَهلِهِ، وَلَا يَرُدُّ السَّيِّئَةَ بِمِثلِهَا، بَل يَصبِرُ وَيَكظِمُ غَيظَهُ، وَيَتَذَكَّرُ حُرمَةَ صَومِهِ، فَيَتَكَلَّمُ بِمَا يَكُفُّ شَرَّهُ وَيَحفَظُ دِينَهُ، وَيَقُولُ لِنَفسِهِ قَبلَ أَن يَقُولَ لِغَيرِهِ: إِنِّي صَائِمٌ، فَلَا سَبِيلَ لِتَشَفِّي الغَيظِ بِالمُشَاتَمَةِ وَالمُخَاصَمَةِ.
وَفِي هَذَا تَعلِيمٌ بَلِيغٌ لِأُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ الصِّيَامَ يُرَبِّي عَلَى العَفوِ وَالصَّفحِ وَتَركِ المُقَابَلَةِ بِالمِثلِ، وَأَنَّ العِبَادَةَ الصَّادِقَةَ تَظهَرُ أَثَرُهَا فِي حَالِ الِاحتِكَاكِ وَالمُدَافَعَةِ، فَمَن كَانَ صَومُهُ صَحِيحًا رَأَيتَ فِي لِسَانِهِ وَجهًا مِنَ الوَقَارِ، وَفِي جَوَارِحِهِ مَنعًا مِنَ الأَذَى، وَفِي قَلبِهِ سَكِينَةً وَتَسلِيمًا.
الصَّومُ وِجَاءٌ وَعِلَاجٌ لِلشَّهوَةِ
وَيُؤَيِّدُ هَذَا المَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الصِّيَامَ عِلَاجًا لِمَن تَاقَت نَفسُهُ إِلَى الزِّوَاجِ وَلَم يَستَطِعِ البَاءَةَ؛ لِأَنَّهُ يَكسِرُ الشَّهوَةَ وَيُضَعِّفُهَا، وَيَحجُزُ النَّفسَ عَنِ الِانفِلَاتِ وَالِاتِّبَاعِ.
وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ استَطَاعَ البَاءَةَ فَليَتَزَوَّج، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحصَنُ لِلفَرجِ، وَمَن لَم يَستَطِع فَعَلَيهِ بِالصَّومِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
فَكَأَنَّ الصَّومَ سِترٌ بَينَ العَبدِ وَبَينَ شَهوَتِهِ، يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ سَوقِهَا إِلَى الحَرَامِ، وَيُعَلِّمُهُ أَن يَتَحَكَّمَ فِي نَفسِهِ لَا أَن تَتَحَكَّمَ نَفسُهُ فِيهِ.
وَمِن بَلَاغَةِ المَعنَى أَن نَعلَمَ أَنَّ النَّارَ مَحفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ، فَمَن كَفَّ نَفسَهُ عَنهَا فِي الدُّنيَا كَانَ ذَلِكَ سِترًا لَهُ مِنَ النَّارِ فِي الآخِرَةِ، وَمَن أَطلَقَ نَفسَهُ فِي الشَّهَوَاتِ بِلَا ضَابِطٍ وَرَدَعٍ كَانَ أَقرَبَ إِلَى مَظَانِّ الهَلَاكِ.
نِدَاءٌ لِمَن يَغلِبُهُ الغَضَبُ
فَيَا أَيُّهَا المُتَوَتِّرُ دَائِمًا، وَيَا مَن سَرِيعُ الغَضَبِ فِي كُلِّ حَالٍ، الصِّيَامُ فُرصَتُكَ لِلتَّدَرُّبِ عَلَى الحِلمِ وَالأَنَاةِ وَالصَّفحِ وَكَظمِ الغَيظِ وَالعَفوِ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّ مَن عَرَفَ قَدرَ صَومِهِ عَرَفَ كَيفَ يُحَافِظُ عَلَيهِ، وَمَن أَرَادَ ثَوَابَهُ لَم يَجعَلهُ عُرضَةً لِلنُّقصَانِ بِالسَّبِّ وَالخِصَامِ.
الصَّومُ جُنَّةٌ مِنَ المَعَاصِي لِيَكُونَ جُنَّةً بَعدَ ذَلِكَ مِنَ النَّارِ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا صُمتَ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالأَقوَالِ الآثِمَةِ فَلَا تَجعَل لِلشَّيطَانِ عَلَيكَ سَبِيلًا، وَاجعَلِ الجَوَارِحَ كُلَّهَا صَائِمَةً للهِ تَعَالَى: صَومَ العَينِ عَنِ الحَرَامِ، وَصَومَ الأُذُنِ عَنِ الغِيبَةِ وَاللَّغوِ، وَصَومَ اللِّسَانِ عَنِ الكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالفُحشِ، وَصَومَ القَلبِ عَنِ الحِقدِ وَالحَسَدِ وَسُوءِ الظَّنِّ.
هَلُمُّوا -أَحِبَّتِي فِي اللهِ- لِنَجعَل صِيَامَنَا فُرصَةً لِلتَّوبَةِ الصَّادِقَةِ، وَلِحِفظِ النَّفسِ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى، وَلِتَجدِيدِ العَهدِ مَعَ اللهِ بِأَنَّنَا نَصُومُ لَهُ جَوَارِحَنَا كَمَا نَصُومُ لَهُ بُطُونَنَا.
خَاتِمَةٌ وَدُعَاءٌ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: 201].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة الحشر: 10].
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.