مقدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنا مَواسِمَ الخَيراتِ، وَفَتَحَ لَنا أَبوابَ البِرِّ وَالبَرَكاتِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، الَّذِي كانَ يُبَشِّرُ أَصحابَهُ بِقُدُومِ شَهرِ رَمَضَانَ، وَيُوقِظُ فِي قُلُوبِهِم مَعانِيَ الشَّوقِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالرَّغبَةِ فِي الفَوزِ بِرِضوانِ اللهِ وَجَنَّاتِهِ.
إِنَّ شَهرَ رَمَضَانَ مِنحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَنِعمَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَمَوسِمٌ عَظِيمٌ يَتَكَرَّرُ فِي العَامِ مَرَّةً واحِدَةً، فَيَنبَغِي لِلعاقِلِ أَن يَستَعِدَّ لَهُ، وَأَن يَستَقبِلَهُ بِالخَيرِ وَالعَمَلِ، لا بِالغَفلَةِ وَالتَّقصِيرِ.
بِشارَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِقُدُومِ رَمَضَانَ
أَخرَجَ النَّسَائِيُّ فِي «سُنَنِهِ»، وَأَحمَدُ فِي «مُسنَدِهِ»، وَابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي «مُصَنَّفِهِ»، مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قالَ: لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَاكُم رَمَضَانُ، شَهرٌ مُبارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيكُم صِيامَهُ، تُفتَحُ فِيهِ أَبوابُ السَّماءِ، وَتُغلَقُ فِيهِ أَبوابُ الجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خَيرَها فَقَد حُرِمَ».
وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقصِدُ بِهذِهِ البِشارَةِ استِنهاضَ الهِمَمِ، وَشَرحَ الصُّدُورِ، وَتَحرِيكَ القُلُوبِ لِلإِقبالِ عَلَى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، وَتَرغِيبَ النُّفُوسِ فِيمَا عِندَ اللهِ مِنَ الفَضلِ العَظِيمِ وَالخَيرِ العَمِيمِ.
رَمَضَانُ مَوسِمُ الخَيراتِ وَالبَرَكاتِ
أَتاكُم رَمَضَانُ؛ شَهرُ الخَيراتِ وَالمَبَرَّاتِ، وَمَوسِمُ الطَّاعاتِ وَالرَّحماتِ، وَمِيدَانُ البَرَكاتِ، وَفُرصَةُ الفَوزِ وَالفَلاحِ؛ فِيهِ الصِّيامُ وَالقِيامُ، وَتِلاوَةُ القُرآنِ، وَالصَّدَقاتُ، وَالإِحسانُ إِلَى الخَلقِ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ تَعالَى بِأَنواعِ القُرُباتِ.
إِنَّهُ شَهرٌ عَزِيزٌ، وَضَيفٌ كَرِيمٌ، نَنتَظِرُهُ كُلَّ عامٍ بِشَوقٍ وَلَهفَةٍ وَحَنِينٍ، فَإِذا أَظَلَّنا وَجَبَ عَلَينا أَن نُكرِمَ وِفادَتَهُ، وَأَن نُحسِنَ استِقبالَهُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، لا بِاللَّهوِ وَالغَفلَةِ.
شُكرُ نِعمَةِ إِدراكِ رَمَضَانَ
فَليَحمَدِ اللهَ تَعالَى كُلُّ واحِدٍ مِنَّا أَن مَدَّ فِي عُمُرِهِ حَتَّى أَدرَكَ رَمَضَانَ هذَا العَامَ؛ فَكَم مِن أُناسٍ حالَت بَينَهُم وَبَينَهُ المَنِيَّةُ، وَسَبَقَهُم هادِمُ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقُ الجَماعاتِ.
إِنَّ رَمَضَانَ مَزرَعَةُ خَيرٍ لِلعِبادِ، وَتَطهِيرٌ لِلقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ مِن أَدرانِ الفَسادِ، وَزادُ تَقوًى لِيَومِ المَعادِ؛ فَها قَد جاءَ أَوانُ الحَصادِ، فَمَن زَرَعَ خَيرًا حَصَدَ فَلاحًا، وَمَن قَصَّرَ نَدِمَ يَومَ لا يَنفَعُ النَّدَمُ.
الاستِعدادُ الحَقِيقِيُّ لِشَهرِ الصِّيامِ
فَاعزِم فِي قَلبِكَ ـ يا أَخِيَ المُسلِمَ ـ إِذا وافيتَ رَمَضَانَ أَن تَغتَنِمَهُ كُلَّهُ بِالطَّاعاتِ، وَأَن تُشَمِّرَ فِيهِ بِهِمَّةٍ عالِيَةٍ، فَتُعَمِّرَ أَيَّامَهُ وَلَيالِيَهُ بِالصِّيامِ وَالقِيامِ، وَالذِّكرِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ، وَسائِرِ القُرُباتِ.
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِذا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَت أَبوابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَت أَبوابُ النَّارِ، وَسُلسِلَتِ الشَّياطِينُ»، وَفِي رِوايَةٍ: «وَيُنَادِي مُنَادٍ: يا باغِيَ الخَيرِ أَقبِل، وَيا باغِيَ الشَّرِّ أَقصِر، وَلِلَّهِ عُتَقاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ» رَواهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ ماجَهَ.
يا باغِيَ الخَيرِ أَقبِل
يا باغِيَ الخَيرِ، أَقبِل عَلَى اللهِ بِالطَّاعاتِ، وَأَقبِل عَلَيهِ بِالقُرُباتِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلَى الفَرائِضِ فِي أَوقاتِها، ثُمَّ الإِكثارُ مِنَ النَّوافِلِ وَسائِرِ الحَسَناتِ.
بادِر إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَاشغَل وَقتَكَ بِهِ؛ فَإِنَّكَ سَتَحتاجُ إِلَى الحَسَنَةِ الواحِدَةِ حِينَ يُحضِرُكَ الأَجَلُ، وَيُختَمُ لَكَ العَمَلُ، فَتَتَمَنَّى الرُّجُوعَ فَلا يُؤذَنُ لَكَ؛ فَأَنتَ اليَومَ فِي زَمَنِ الأُمنِيَةِ، وَقَد أَهَّلَكَ اللهُ لِرَمَضَانَ، فَلا تُفَوِّتِ الفُرصَةَ.
الاقتِداءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ
تَأَسَّوا بِنَبِيِّكُم ﷺ؛ فَقَد كانَ إِذا جاءَ رَمَضَانُ استَعَدَّ لَهُ لا بِالمَآكِلِ وَالمَشارِبِ، بَل بِالطَّاعَةِ وَالعِبادَةِ، وَالجُودِ وَالسَّخاءِ، وَبَذلِ المَعرُوفِ، وَمُضاعَفَةِ العَمَلِ الصَّالِحِ.
فَاتَّقُوا اللهَ تَعالَى، وَاشكُرُوهُ عَلَى ما مَنَّ بِهِ عَلَيكُم مِن إِدراكِ شَهرِ الصِّيامِ وَالقِيامِ، وَاعلَمُوا أَنَّ بُلُوغَ رَمَضَانَ نِعمَةٌ عُظمَى، وَمِنحَةٌ كُبرَى، لا يُوَفَّقُ لَها إِلَّا مَن أَرادَ اللهُ بِهِ خَيرًا.
خاتِمَةٌ وَدُعاءٌ
نَسأَلُ اللهَ تَعالَى أَن يُبَلِّغَنا رَمَضَانَ، وَأَن يُعِينَنَا فِيهِ عَلَى الصِّيامِ وَالقِيامِ، وَأَن يَجعَلَنا فِيهِ مِنَ المَقبُولِينَ الفائِزِينَ.
﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
﴿رَبَّنا لا تُزِغ قُلُوبَنا بَعدَ إِذ هَدَيتَنا وَهَب لَنا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [آلِ عِمرانَ: ٨].