الحمدُ للهِ حمدًا يليقُ بجلالِهِ وكمالِهِ، نحمدُهُ على نِعَمِهِ الظاهرةِ والباطنةِ، ونشكرُهُ على آلائِهِ المتتابعةِ، ونستعينُهُ على طاعتِهِ ومرضاتِهِ. والصلاةُ والسلامُ الأتمَّانِ الأكملانِ على سيِّدِنا محمَّدٍ خاتمِ النبيينَ وإمامِ المتقينَ، وعلى آلِهِ الطيِّبينَ الطاهرينَ، وصحابتِهِ الغُرِّ الميامينَ، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ. أمَّا بعدُ:
مقدمةُ المسألةِ وبيانُ محلِّ النزاعِ:
يُثارُ في كلِّ عامٍ جدلٌ واسعٌ حولَ حكمِ إخراجِ زكاةِ الفِطرِ، وهل يجوزُ دفعُها نقدًا، أم لا بُدَّ من إخراجِها طعامًا من غالبِ قُوتِ البلدِ؟ وهذه المسألةُ ليست وليدةَ العصرِ الحاضرِ، بل هي من المسائلِ الفقهيةِ القديمةِ التي تداولَها العلماءُ بحثًا وتمحيصًا، وتناولوها في مصنَّفاتِهم استدلالًا وترجيحًا. وقد وقعَ الخلافُ فيها منذُ القرونِ الأولى، فذهبَ فريقٌ من العلماءِ إلى وجوبِ إخراجِها طعامًا، وذهبَ فريقٌ آخرُ إلى جوازِ إخراجِها بالقيمةِ النقديةِ.
والحقُّ أنَّ القولَ بجوازِ إخراجِ زكاةِ الفطرِ نقدًا قولٌ معتبرٌ في الفقهِ الإسلاميِّ، قالَ بهِ عددٌ من الصحابةِ والتابعينَ وكبارِ الأئمةِ، وهو مبنيٌّ على أدلَّةٍ شرعيةٍ معتبرةٍ ومقاصدَ ظاهرةٍ في التيسيرِ على الناسِ وتحقيقِ مصلحةِ الفقيرِ. وفي هذه المقالةِ نعرضُ جملةً من الأدلَّةِ التي استندَ إليها القائلونَ بجوازِ دفعِ القيمةِ، بيانًا للحقيقةِ، ودفعًا لما قد يقعُ من التشدُّدِ أو الإنكارِ في مسألةٍ وقعَ فيها الاجتهادُ بينَ أئمةِ الإسلامِ.
أوَّلًا: انتشارُ هذا القولِ بينَ الفقهاءِ وعدمُ اقتصارِهِ على الحنفيةِ:
ليس القولُ بجوازِ إخراجِ القيمةِ في زكاةِ الفطرِ مقصورًا على مذهبِ الحنفيةِ كما يظنُّ بعضُ الناسِ، بل قالَ بهِ جمعٌ من الصحابةِ والتابعينَ وكبارِ الفقهاءِ. والطعنُ في هذا القولِ أو التشدُّدُ في إنكارِه إنَّما يتضمَّنُ طعنًا في طائفةٍ من أئمةِ الإسلامِ وعلمائِهِ من السلفِ الصالحِ.
فقد قالَ بجوازِ إخراجِ القيمةِ جماعةٌ من الصحابةِ والتابعينَ، منهم: الحسنُ البصريُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وهو مذهبُ سفيانَ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ صاحبِهِ، واختارَهُ الفقيهُ أبو جعفرَ من الحنفيةِ، وهو المعمولُ بهِ عندَهم في الزكاةِ عمومًا، بل وفي الكفَّاراتِ والنذورِ والخراجِ وغيرِها.
كما قالَ بهذا القولِ إسحاقُ بنُ راهويه شيخُ الإمامِ البخاريِّ، وأبو ثورٍ، وإن كانا قد قيَّدا الجوازَ بحالِ الضرورةِ. ووافقَهم عليه أيضًا جماعةٌ من علماءِ المالكيةِ، منهم: ابنُ حبيبٍ، وأصبغُ، وابنُ أبي حازمٍ، وابنُ دينارٍ، وابنُ وهبٍ.
وقد أوردَ الإمامُ ابنُ أبي شيبةَ في كتابِهِ “المصنَّف” بابًا بعنوانِ «بابُ إعطاءِ الدراهمِ في زكاةِ الفطرِ»، وذكرَ فيه أنَّ الخليفةَ الراشدَ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتبَ إلى عاملِهِ في البصرةِ يأمرُهُ بأخذِ نصفِ درهمٍ عن كلِّ شخصٍ في زكاةِ الفطرِ، وهو دليلٌ ظاهرٌ على جوازِ إخراجِ القيمةِ.
كما نقلَ أنَّ الحسنَ البصريَّ قالَ: «لَا بَأسَ أَن تُعطَى الدَّرَاهِمُ فِي صَدَقَةِ الفِطرِ». وروى كذلك أنَّ أبا إسحاقَ السبيعيَّ قالَ: «أَدرَكتُهُم وَهُم يُعطُونَ فِي صَدَقَةِ الفِطرِ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ». قالَ المحدِّثُ أحمدُ الغُماريُّ: وأبو إسحاقَ هذا هو عمرو بنُ عبدِ اللهِ السبيعيُّ، من أوساطِ التابعينَ، وقد أدركَ عليًّا رضيَ اللهُ عنه وجماعةً من الصحابةِ، فهو يحكي عمَّا كانَ معمولًا بهِ في عصرِهم.
ثانيًا: الأصلُ في الزكاةِ المالُ والطعامُ جاءَ للتيسيرِ:
الأصلُ في الزكاةِ أنَّها تُؤخذُ من الأموالِ، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿خُذ مِن أَموَالِهِم صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103].
والمالُ في اللغةِ يشملُ الذهبَ والفضةَ، ويُطلقُ كذلك على ما يملكهُ الإنسانُ من الأعيانِ التي تُقتنى، كما كان يُطلقُ على الإبلِ لأنها كانت أعظمَ أموالِ العربِ. وعندما حدَّدَ النبيُّ ﷺ بعضَ الأصنافِ في الزكاةِ، لم يكن ذلكَ على سبيلِ الحصرِ والتقييدِ، وإنما كان من بابِ التيسيرِ على الناسِ ومراعاةِ أحوالِهم.
فأربابُ المواشي غالبًا ما تكونُ أموالُهم في الإبلِ والغنمِ، وأهلُ الزراعةِ في الحبوبِ والثمارِ، وأهلُ التجارةِ في النقودِ والعروضِ. ولذلكَ كان إخراجُ الزكاةِ من جنسِ ما يملكهُ الإنسانُ أيسرَ عليه وأقربَ إلى رفعِ الحرجِ عنه.
ومِن ثَمَّ فإنَّ المقصودَ الأسمى في الزكاةِ هو إيصالُ النفعِ إلى الفقيرِ وتحقيقُ الكفايةِ له، لا مجرَّدُ التقيُّدِ بنوعِ المُخرَجِ إذا تحقَّقَ المقصودُ بغيرِه.
ثالثًا: ثبوتُ أخذِ القيمةِ في الزكاةِ عن النبيِّ ﷺ والصحابةِ:
قد ثبتَ أخذُ القيمةِ في الزكاةِ عن الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم، بل وعن بعضِ الوقائعِ في عهدِ النبيِّ ﷺ. فمن ذلك ما وردَ عن معاذِ بنِ جبلٍ رضيَ اللهُ عنه حينما بعثَهُ النبيُّ ﷺ إلى اليمنِ، فقالَ لأهلِها: «اِئتُونِي بِعَرضِ ثِيَابٍ آخُذُهَا مِنكُم مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَهوَنُ عَلَيكُم وَخَيرٌ لِلمُهَاجِرِينَ بِالمَدِينَةِ». وكذلكَ روى ابنُ أبي شيبةَ في “المُصنَّفِ” عن طاووسٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَن يَأخُذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ، فَأَخَذَ العُرُوضَ وَالثِّيَابَ بَدَلًا عَنهُمَا».
وقد فهمَ معاذٌ رضيَ اللهُ عنه –وهوَ أعلمِ الصحابةِ بالحلالِ والحرامِ كما أخبرَ النبيُّ ﷺ – أنَّ العبرةَ ليست في تعيينِ الأصنافِ، وأنَّ المقصودَ من الشريعةِ تحقيقُ المصلحةِ وتيسيرُ الأمرِ على الناسِ، فقبلَ منهم العروضَ بدلًا من الطعامِ. ولو كان ذلكَ مخالفًا للشرعِ لأنكرَهُ النبيُّ ﷺ وأمرَهُ بالردِّ أو نهى عنه.
وقد بوَّبَ الإمامُ البخاريُّ في “صحيحِه” بابًا بعنوانِ: «بابُ العروضِ في الزكاةِ»، وساقَ فيهِ ما يدلُّ على جوازِ أخذِ القيمةِ. كما عقدَ الإمامُ البيهقيُّ في “السنن الكبرى” بابًا بعنوانِ: «بابُ مَن أجازَ أخذَ القيمِ في الزكاةِ».
ومن الآثارِ كذلك ما رُويَ عن عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه أنَّه كان يأخذُ العروضَ في الصدقةِ بدلًا من الدراهمِ والطعامِ. كما وردَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه أنَّه كان يقبلُ العروضَ في الجزيةِ.
رابعًا: دلالةُ السنَّةِ على اعتبارِ القيمةِ وتيسيرِ الزكاةِ:
تدلُّ جملةٌ من الأحاديثِ النبويةِ على اعتبارِ القيمةِ في بابِ الزكاةِ، ومنها قولُ النبيِّ ﷺ: «فِي خَمسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ» .ومعلومٌ أنَّ الشاةَ ليست من جنسِ الإبلِ، ومع ذلكَ جُعلت بدلًا عنها، مما يدلُّ على أنَّ المقصودَ مراعاةُ القيمةِ الماليةِ.
كما وردَ أنَّ النبيَّ ﷺ رأى في إبلِ الصدقةِ ناقةً عظيمةَ السنامِ، فغضبَ وقالَ: «أَلَم أَنهَكُم عَن أَخذِ كَرَائِمِ أَموَالِ النَّاسِ؟» فقالَ الساعي: «أَخَذتُهَا بِبَعِيرَينِ مِن إِبِلِ الصَّدَقَةِ»، فقالَ ﷺ: «نَعَم، إِذًا». وهذا يدلُّ على جوازِ دفعِ القيمةِ، لأنَّ أَخذَ بعيرينِ بدلًا من بعيرٍ واحدٍ لم يكن إلَّا باعتبارِ القيمةِ.
وكذلكَ قولُهُ ﷺ في زكاةِ الإبلِ: «مَن بَلَغَت صَدَقَتُهُ بِنتَ مَخَاضٍ وَلَيسَت عِندَهُ، وَعِندَهُ بِنتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقبَلُ مِنهُ، وَيُعطِيهِ المُصَدِّقُ عِشرِينَ دِرهَمًا أَو شَاتَينِ». وهذا نصٌّ صريحٌ في اعتبارِ القيمةِ الماليةِ في تقديرِ الزكاةِ.
وقد استدلَّ الإمامُ البخاريُّ وغيرهُ بهذهِ الأحاديثِ على مشروعيةِ إخراجِ القيمةِ في الزكاةِ، وقالَ الإمامُ العينيُّ في شرحِ البخاريِّ: «إِنَّ دَفعَ القِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ جَائِزٌ عِندَنَا، وَكَذَلِكَ الكَفَّارَةُ وَصَدَقَةُ الفِطرِ وَالعُشرُ وَالخَرَاجُ وَالنَّذرُ، وَهُوَ قَولُ عُمَرَ وَابنِهِ عَبدِ اللهِ وَابنِ مَسعُودٍ وَابنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ وَطَاوُوسٍ».
ثمَّ قالَ العينيُّ: «وَحَدِيثُ البَابِ حُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّ بِنتَ لَبُونٍ لَا مَدخَلَ لَهَا فِي الزَّكَاةِ إِلَّا بِطَرِيقِ القِيمَةِ، وَلِذَلِكَ احتَجَّ بِهِ البُخَارِيُّ أَيضًا فِي جَوَازِ إِخرَاجِ القِيمِ».
يتبيَّنُ مِن كلِّ ما سبقَ أنَّ جوازَ إخراجِ زكاةِ الفطرِ بالقيمةِ ثابتٌ بالسُّنَّةِ النبويةِ وأفعالِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم. كما أنَّ اعتبارَ القيمةِ في الزكاةِ عمومًا أمرٌ مقرَّرٌ عندَ عددٍ مِنَ الصحابةِ والفقهاءِ والمحدثينَ، ومنهم الإمامُ البخاريُّ والإمامُ البيهقيُّ وغيرُهما.
خامسًا: جوازُ أخذِ القيمةِ في زكاةِ الفطرِ:
إِذَا ثَبَتَ جَوَازُ أَخذِ القِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ المَفرُوضَةِ فِي الأَعيَانِ كالمواشي والحبوبِ، فَإِنَّ جَوَازَهَا فِي الزَّكَاةِ المَفرُوضَةِ عَلَى الرِّقَابِ (زكاةِ الفطرِ) أَولَى وَأَحَقُّ وأظهرُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرعَ أَوجَبَ الزَّكَاةَ فِي الحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالمَاشِيَةِ وَالنَّقدَينِ، وَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي أَعيَانِ هَذِهِ الأَشيَاءِ، أَمَّا زَكَاةُ الفِطرِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالرِّقَابِ وَتَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ، ذَكَرًا أَو أُنثَى، حُرًّا أَو عَبدًا، كَبِيرًا أَو صَغِيرًا.
وَلِحِكمَةٍ بَالِغَةٍ قد شرعَ النبيُّ ﷺ إخراجَ الطعامِ فيها تيسيرًا على الناسِ لِيَتَمَكَّنَ الجَمِيعُ مِن أَدَاءِ مَا فُرِضَ عَلَيهِم دُونَ مَشَقَّةٍ أَو عُسرٍ في زمانٍ كانت النقودُ فيه قليلةَ التداولِ، ولا سيما في البوادي والأريافِ، حيثُ كان كثيرٌ من الناسِ يملكونَ الطعامَ والمواشي ولا يملكونَ الدراهمَ. وَكَانَ كَثِيرٌ مِن أَغنِيَاءِ البَوَادِي لَا يَحتَاجُونَ إِلَى النُّقُودِ فِي مُعَامَلَاتِهِم، وَإِنَّمَا كَانُوا يَبِيعُونَ الطَّعَامَ أَوِ المَاشِيَةَ عِندَ حَاجَتِهِم إِلَى النَّقدِ.
وَلِذَلِكَ كَانَت مِن أَعظَمِ المَصَالِحِ وَأَبلَغِ الحِكَمِ أَن يَعدِلَ الشَّرعُ عَن النُّقُودِ النَّادِرَةِ وَالعَسِيرِ تَوفِيرُهَا، إِلَى الطَّعَامِ الَّذِي يَتَوَفَّرُ فِي كُلِّ بَيتٍ، فكان إخراجُ الطعامِ أيسرَ لهم في ذلكَ العصرِ، أمَّا إذا تغيَّرت الأحوالُ وصار المالُ أنفعَ للفقيرِ وأقربَ إلى تحقيقِ مصلحتِهِ، فإنَّ القولَ بجوازِ إخراجِ القيمةِ يصبحُ أقربَ إلى مقاصدِ الشريعةِ في تحقيقِ الكفايةِ ورفعِ الحرجِ.
سادسًا: اعتبارُ النبيِّ ﷺ القيمةَ في تقديرِ زكاةِ الفطرِ:
لم يُوحِّدِ النبيُّ ﷺ مقدارَ الزكاةِ في جميعِ الأصنافِ، بل جعلَ من التمرِ والشعيرِ صاعًا، وجعلَ من البرِّ نصفَ صاعٍ، وذلكَ لكونِ البرِّ أعلى قيمةً وأغلى ثمنًا وَأَقَلَّ وُجُودًا فِي المَدِينَةِ فِي عَصرِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ اعتَبَرَ القِيمَةَ وَلَم يَكُنِ اعتِبَارُهُ لِلأَعيَانِ بِذَوَاتِهَا، فَلَو كَانَتِ العِبرَةُ بِالأَعيَانِ لَسَوَّى بَينَهَا فِي المِقدَارِ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ الاعتبارَ كان للقيمةِ لا لمجرَّدِ العينِ، إذ لو كانت العبرةُ بالأعيانِ لكان المقدارُ واحدًا في جميعِها.
كما أنَّ الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم اجتهدوا في تقديرِ المقاديرِ بما يحقِّقُ العدلَ بينَ الأصنافِ المختلفةِ، فكان بعضُهم يجعلُ مُدَّينِ من نوعٍ مكانَ صاعٍ من نوعٍ آخرَ مراعاةً للقيمةِ. كَمَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّهُم تَصَرَّفُوا فِي القَدرِ الوَاجِبِ فِي الفِطرَةِ عَلَى سَبِيلِ الاجتِهَادِ، فَمِنهُم مَن جَعَلَ مُدَّينِ مِن صِنفٍ مَا مَكَانَ صَاعٍ، مُرَاعَاةً لِلقِيمَةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُم فَهِمُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اعتِبَارَ القِيمَةِ وَمُرَاعَاةَ المَصلَحَةِ. وَلَو لَم يَكُن ذَلِكَ جَائِزًا، لَمَا استَجَازَ الصَّحَابَةُ، خُصُوصًا عُمَرَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، مُخَالَفَةَ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَيءٍ مِن حَدِّهِ وَقَدرِهِ.
الخاتمةُ:
يتبيَّنُ من مجموعِ ما تقدَّمَ أنَّ القولَ بجوازِ إخراجِ زكاةِ الفطرِ بالقيمةِ قولٌ معتبرٌ في الفقهِ الإسلاميِّ، قالَ بهِ عددٌ من الصحابةِ والتابعينَ وكبارِ الأئمةِ المجتهدينَ. وقد استندَ هذا القولُ إلى جملةٍ من الأدلةِ الشرعيةِ، وإلى فهمٍ مقاصديٍّ يراعي مصلحةَ الفقيرِ ويُيسِّرُ على المكلَّفينَ.
ولذلكَ فلا يسوغُ إنكارُ هذا القولِ أو تبديعُ القائلينَ بهِ، ما دامَ صادرًا عن اجتهادٍ معتبرٍ لأئمةٍ من أهلِ العلمِ، وقد جرى عليه عملُ طوائفَ من الفقهاءِ عبرَ العصورِ.
وَقَد وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَإِقرَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي أَخذِ البَدَلِ، وَفِعلِ الصَّحَابَةِ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم، فَلَا عِبرَةَ بِمَن بَدَّعَ وَضَلَّلَ وَأَنكَرَ عَلَى مَن أَخَذَ بِهَذَا القَولِ مِنَ المُسلِمِينَ.
وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ تَحَكُّمٌ يَأبَاهُ العَقلُ، وَلَا يَرضَاهُ الدَّلِيلُ. وَنَحنُ مُكَلَّفُونَ بِاتِّبَاعِ الحَقِّ وَالدَّلِيلِ، لَا بِاستِحسَانِ النَّاسِ وَآرَائِهِم.
وبذلكَ، فإنَّ القولَ بجوازِ دفعِ زكاةِ الفطرِ نقدًا قولٌ قويٌّ مؤيَّدٌ بالأدلةِ الشرعيةِ، ولا ينبغي إنكارُهُ أو التشديدُ في النهيِ عنهُ، خاصَّةً إذا اقتضتِ الحاجةُ والمصلحةُ ذلكَ في زمانِنا، حيثُ قد يكونُ المالُ أنفعَ للفقيرِ منَ الطعامِ.
وعليهِ فإنَّ إخراجَ زكاةِ الفطرِ نقدًا قولٌ قويٌّ مؤيَّدٌ بالدليلِ، لا سيما في الأزمنةِ التي يكونُ المالُ فيها أنفعَ للفقراءِ وأقربَ إلى تحقيقِ مقصودِ الشرعِ في إغنائِهم يومَ العيدِ.
واللهُ تعالى أعلمُ وأحكمُ.