بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ.
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، أَمَّا بَعدُ:
مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
شَهرُ رَمَضَانَ شَهرُ الخَيرِ وَالبَرَكَاتِ، وَمَوسِمُ الرَّحمَاتِ وَالتَّجَلِّيَاتِ، وَهُوَ لِلأُسرَةِ المُسلِمَةِ مَدرَسَةٌ تَربَوِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، تُعِيدُ صِيَاغَةَ القُلُوبِ عَلَى مَعَانِي الإِيمَانِ، وَتَغرِسُ فِي النُّفُوسِ صِدقَ الطَّاعَةِ، وَتُرَبِّي النَّاشِئَةَ عَلَى أَن يَكُونُوا أَهلًا لِلقُربِ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ.
وَفِي هَذَا الشَّهرِ يَتَعَلَّمُ المُسلِمُ جُملَةً مِنَ العِبَرِ وَالدُّرُوسِ النَّافِعَةِ؛ فَيَتَرَبَّى عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الصِّيَامِ طُولَ شَهرٍ كَامِلٍ، وَيَتَدَرَّبُ عَلَى البَذلِ وَالعَطَاءِ لِلأَهلِ وَالأَرحَامِ، وَيَتَجَمَّلُ بِخُلُقِ الإِحسَانِ وَالبِرِّ، وَيَتَعَلَّمُ مُوَاسَاةَ الفُقَرَاءِ وَأَصحَابِ الحَاجَةِ، وَيَجتَهِدُ فِي الطَّاعَاتِ مِن قِيَامِ اللَّيلِ وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَإِحيَاءِ لَيلَةِ القَدرِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَبوَابِ الخَيرِ.
وَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ مَدرَسَةً لِلكِبَارِ البَالِغِينَ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ مَدرَسَةٌ لِلصِّغَارِ؛ إِذ يَتَعَلَّمُونَ فِيهِ أَخلَاقًا تُصنَعُ بِهَا الشَّخصِيَّاتُ، وَتَتَكَوَّنُ بِهَا العَادَاتُ، وَتُبنَى بِهَا الحَيَاةُ عَلَى مَبدَإِ المُرَاقَبَةِ وَالتَّقوَى.
وَمِن هُنَا كَانَ عَلَى الوَالِدَينِ أَن يَعرِفَا سَبِيلَ الِانتِفَاعِ بِهَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ فِي تَربِيَةِ الأَبنَاءِ، وَأَن يُحسِنَا تَوجِيهَ طَاقَاتِهِم، وَتَنظِيمَ أَوقَاتِهِم، وَرَفعَ هِمَمِهِم؛ حَتَّى يَرَوا أَثَرَ رَمَضَانَ فِي سُلُوكِهِم وَأَخلَاقِهِم وَعِبَادَاتِهِم.
عَلِّم وَلَدَكَ خِصَالَ الخَيرِ فِي رَمَضَانَ
لَيسَ الصِّيَامُ تَكلِيفًا فَقَط، بَل هُوَ تَربِيَةٌ وَتَهذِيبٌ وَتَدرِيبٌ عَلَى ضَبطِ النَّفسِ وَكَفِّهَا عَنِ المَألُوفِ وَالمُبَاحِ طَلَبًا لِمَرضَاةِ اللهِ تَعَالَى.
فَإِذَا فَهِمَ الطِّفلُ هَذَا المَعنَى مِن بَدَايَةِ تَعَلُّمِهِ نَشَأَ وَهُوَ يَرَى الطَّاعَةَ شَرَفًا، وَيَرَى الصَّبرَ قُوَّةً، وَيَرَى التَّقوَى مَكَانَةً.
وَمَتَى أَحسَنَ الوَالِدَانِ إِدَارَةَ رَمَضَانَ فِي البَيتِ، وَجَعَلَا لَهُ هَيبَةً وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الأَولَادِ، تَحَوَّلَت أَيَّامُهُ إِلَى مَجَالِسَ تَعلِيمٍ وَتَربِيَةٍ، وَتَحَوَّلَت لَيَالِيهِ إِلَى مَوَاعِيدَ إِيمَانٍ وَسَمتٍ وَنُورٍ.
وَهَذَا الشَّهرُ فُرصَةٌ سَانِحَةٌ خَاصَّةً لِلأُمِّ؛ لِأَنَّهَا تُلَازِمُ أَطفَالَهَا مُعظَمَ الوَقتِ، وَتَتَوَلَّى قِسمًا كَبِيرًا مِن تَوجِيهِهِم وَتَشجِيعِهِم وَغَرسِ القِيَمِ فِي نُفُوسِهِم.
فَإِذَا أَحسَنَتِ الأُمُّ التَّوجِيهَ، وَجَمَعَت بَينَ الرِّفقِ وَالحَزمِ، وَبَينَ المُكَافَأَةِ وَالتَّحفِيزِ، رَأَت أَثَرًا طَيِّبًا فِي نُفُوسِ أَولَادِهَا يَبقَى بَعدَ انقِضَاءِ الشَّهرِ، وَيَتَجَدَّدُ مَعَ تَجَدُّدِ المَوَاسِمِ.
عَوِّدهُ عَلَى الِاستِيقَاظِ مُبَكِّرًا وَفَرَحِ السَّحُورِ
إِنَّ إِيقَاظَ الأَطفَالِ لِتَنَاوُلِ السَّحُورِ يَصنَعُ فِي قُلُوبِهِم فَرَحًا خَاصًّا، وَيُشعِرُهُم بِأَنَّ رَمَضَانَ مُختَلِفٌ عَن سَائِرِ الشُّهُورِ، وَأَنَّ لَهُ رِتمًا إِيمَانِيًّا وَنِظَامًا مُبَارَكًا.
وَهَذَا التَّغيِيرُ فِي العَادَةِ يُرَبِّي فِي الطِّفلِ مَلَكَةَ الِانضِبَاطِ وَتَنظِيمِ الوَقتِ.
وَإِذَا انضَمَّ إِلَى ذَلِكَ حُضُورُ صَلَاةِ الفَجرِ جَمَاعَةً مَعَ الأَهلِ، تَرَسَّخَ فِي نَفسِهِ مَعنَى صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وَعَلِمَ أَنَّ تَركَ النَّومِ عِندَ طُلُوعِ الفَجرِ لَيسَ خُسرَانًا، بَل هُوَ رِبحٌ وَمَغنَمٌ، وَأَنَّ البِدَايَاتِ المُبَارَكَةَ تَصنَعُ يَومًا مُبَارَكًا.
عَوِّدهُ عَلَى الكَرَمِ وَعَلِّمهُ حُبَّ الصَّدَقَةِ
إِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُغرَسُ فِي قَلبِ الطِّفلِ فِي رَمَضَانَ خُلُقُ البَذلِ وَالسَّخَاءِ، وَأَن يَتَعَلَّمَ أَنَّ مَا عِندَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ مِنَ الإِحسَانِ إِلَى خَلقِهِ.
وَمِنَ الأَسَالِيبِ النَّافِعَةِ أَن يَرَى الطِّفلُ أَهلَهُ يَتَصَدَّقُونَ، ثُمَّ يُشَارِكُهُم فِي ذَلِكَ مُشَارَكَةً عَمَلِيَّةً؛ فَيُعطَى طَعَامًا، وَيُذهَبُ بِهِ إِلَى المَسجِدِ أَو إِلَى مَوَاضِعِ الحَاجَةِ، لِيُقَدِّمَهُ بِيَدِهِ لِلفُقَرَاءِ، فَيَشعُرُ بِأَهَمِّيَّةِ الصَّدَقَةِ وَتَفطِيرِ الصَّائِمِينَ، وَيَتَرَبَّى عَلَى حُبِّ الخَيرِ وَالعَطَاءِ.
وَإِنَّ إِحسَاسَ الطِّفلِ بِالجُوعِ فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ يَفتَحُ لَهُ بَابًا مِنَ الفَهمِ وَالمُوَاسَاةِ؛ فَيَدرِي أَنَّ فِي النَّاسِ مَن يَجُوعُ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَا يَسُدُّ جُوعَهُ، فَيَتَحَوَّلُ الجُوعُ فِي حَقِّهِ مِن تَجرِبَةٍ شَخصِيَّةٍ إِلَى دَرسٍ أَخلَاقِيٍّ يُنبِتُ فِي القَلبِ رَحمَةً، وَفِي اليَدِ جُودًا.
عَلِّم وَلَدَكَ حُبَّ الطَّاعَاتِ وَمَعَانِي الأَجرِ وَالثَّوَابِ
يَنبَغِي لِلوَالِدَينِ أَن يَغرِسَا فِي نَفسِ الطِّفلِ المَفَاهِيمَ العَامَّةَ لِلصَّومِ؛ فَيُبَيِّنَا لَهُ أَنَّهُ عِبَادَةٌ يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبِيلٌ لِلتَّقوَى وَتَزكِيَةِ النَّفسِ.
وَيَشرَحَا لَهُ مَعنَى الأَجرِ وَالثَّوَابِ بِمَا يُنَاسِبُ سِنَّهُ وَفَهمَهُ؛ حَتَّى يَشعُرَ بِالحَمَاسَةِ لِأَدَاءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ، وَيُقَدِّرَ مَعنَى زَكَاةِ الفِطرِ، وَيَعرِفَ أَنَّهَا حَقٌّ لِلفَقِيرِ، وَمَظهَرٌ مِن مَظَاهِرِ الرَّحمَةِ وَالتَّكَافُلِ فِي الإِسلَامِ.
وَليَكُنِ التَّعلِيمُ تَدرِيجِيًّا؛ فَإِنَّ الطِّفلَ يُؤخَذُ إِلَى الخَيرِ رُوَيدًا رُوَيدًا، فَيُعَوَّدُ عَلَى الصِّيَامِ شَيئًا فَشَيئًا؛ ثُمَّ يَزِيدُهَا، ثُمَّ يَبلُغُ إِلَى مَا يَقدِرُ عَلَيهِ، فَيَتَرَبَّى فِي نَفسِهِ أَنَّ الطَّاعَةَ مَعَهَا صَبرٌ، وَأَنَّ الصَّبرَ مَعَهُ فَوزٌ وَفَضلٌ.
اِغرِس فِي نَفسِهِ حُبَّ المَسَاجِدِ وَمَعَانِي القُدوَةِ
مِن أَعظَمِ مَا يُرَبِّي الطِّفلَ عَلَى الخَيرِ أَن يَرَى أَبَاهُ قُدوَةً صَالِحَةً، وَأَن يُشَارِكَهُ فِي الطَّاعَةِ مُشَارَكَةً مُتَكَرِّرَةً؛ فَيَتَعَوَّدَ المَشيَ إِلَى المَسجِدِ، وَحُضُورَ مَجَالِسِ العِلمِ، وَأَدَاءَ الصَّلَوَاتِ، وَمُشَاهَدَةَ أَهلِ الخَيرِ وَالسَّمتِ.
وَإِنَّ اِعتِيَادَ الطِّفلِ لِلمَسجِدِ يُنشِئُ فِيهِ مَلَكَةَ المُرَاقَبَةِ وَالحَيَاءِ مِنَ اللهِ، وَيَغرِسُ فِيهِ حُبَّ الطَّاعَاتِ، وَيَجعَلُهُ يَربِطُ بَينَ لَذَّةِ العِبَادَةِ وَجَمَالِ الجَمَاعَةِ المُؤمِنَةِ.
عَوِّدهُ العَمَلَ الجَمَاعِيَّ الَّذِي هَدَفُهُ مَصلَحَةُ الجَمَاعَةِ
مِنَ المُهِمِّ أَن تَحرِصَ الأُمُّ عَلَى أَن تَفتَحَ لِأَولَادِهَا بَابَ المُشَارَكَةِ فِي أَعمَالِ البَيتِ، خَاصَّةً فِي رَمَضَانَ؛ فَتَسمَحَ لَهُم بِمُسَاعَدَتِهَا فِي إِعدَادِ الطَّعَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفَرِّحُهُم، وَيَشغَلُ أَوقَاتَهُم بِمَا يَنفَعُهُم.
وَيُعَلِّمُهُم مَعنَى العَمَلِ الجَمَاعِيِّ، وَأَنَّ خِدمَةَ الأَهلِ وَتَعَاوُنَ الأُسرَةِ عَلَى الخَيرِ مِن أَجمَلِ صُوَرِ الأُخُوَّةِ وَالمَحَبَّةِ.
وَهَكَذَا يَتَرَبَّى الطِّفلُ عَلَى أَنَّ يَدَهُ لَا تُشغَلُ بِاللَّعِبِ فَقَط، بَل تُشغَلُ أَيضًا بِالعَونِ وَالإِتقَانِ وَالتَّحَمُّلِ، وَتَتَكَوَّنُ فِيهِ عَادَةُ المُسَاهَمَةِ فِي مَصلَحَةِ الجَمَاعَةِ.
عَوِّدهُ تَحَمُّلَ الجُوعِ وَصَبِّرهُ عَلَيهِ تَدرِيجًا
إِنَّ تَعوِيدَ الطِّفلِ عَلَى الصِّيَامِ يَكُونُ بِالتَّدَرُّجِ وَالحِكمَةِ؛ فَلَا يُكَلَّفُ مَا لَا يُطِيقُ، وَلَا يُترَكُ بِلَا تَوجِيهٍ، بَل يُرَبَّى تَربِيَةً تُنَمِّي قُدرَتَهُ، وَتَرفَعُ هِمَّتَهُ، وَتُحَبِّبُ إِلَيهِ العِبَادَةَ.
وَمِن جَمِيلِ مَا رُوِيَ فِي عَمَلِ السَّلَفِ مَا رَوَتهُ الرَّبِيعُ بِنتُ مُعَوِّذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي تَعوِيدِ الصِّبيَانِ عَلَى الصِّيَامِ؛ إِذ قَالَت: «إِنَّهُ لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ كُنَّا نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبيَانَنَا، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُم عَلَى الطَّعَامِ أَعطَينَاهُ اللُّعبَةَ مِنَ العِهنِ حَتَّى يَكُونَ الإِفطَارُ».
فَهَذَا مَعلَمٌ تَربَوِيٌّ عَظِيمٌ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعوِيدَ عَلَى الطَّاعَةِ يَحتَاجُ إِلَى رِفقٍ وَحِيلَةٍ حَسَنَةٍ وَتَشجِيعٍ، وَأَن يُصحَبَ بِمَا يُلَطِّفُ عَلَى الطِّفلِ مَشَقَّةَ الجُوعِ، حَتَّى يَألَفَ العِبَادَةَ وَلَا يَنفِرَ مِنهَا.
فَيَنبَغِي إِذَا صَارَ الوَلَدُ قَادِرًا عَلَى الصِّيَامِ أَن يُعَلَّمَ الصِّيَامَ، ثُمَّ يُؤمَرَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَرُّجِ؛ فَإِن قَدَرَ صَامَ، وَإِن عَجَزَ بُدِئَ مَعَهُ بِأَقَلِّ مِمَّا يَستَطِيعُ، حَتَّى يَتَرَبَّى عَلَى مَعنَى المُجَاهَدَةِ وَالصَّبرِ.
دَورُ الجَدِّ وَالجَدَّةِ فِي غَرسِ القِيَمِ وَتَقوِيَةِ الهُوِيَّةِ
لِلجَدِّ وَالجَدَّةِ دَورٌ كَبِيرٌ فِي تَربِيَةِ الصِّغَارِ؛ فَهُمَا يَملِكَانِ رَصِيدًا مِنَ الحِكمَةِ وَالتَّجَارِبِ وَالحَنَانِ، وَيَستَطِيعَانِ أَن يَروِيَا لِلأَطفَالِ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ، وَقِصَصَ الأَنبِيَاءِ، وَسِيَرَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم.
فَتَنغَرِسُ فِي نُفُوسِ الصِّغَارِ المَبَادِئُ العَظِيمَةُ، وَالأَخلَاقُ الكَرِيمَةُ، وَمَعَانِي الشَّجَاعَةِ وَالتَّضحِيَةِ وَالإِيثَارِ، وَحُبُّ الصَّبرِ وَالثَّبَاتِ.
وَقَد صَدَقَ القَائِلُ:
وَيَنشَأُ نَاشِئُ الفِتيَانِ مِنَّا ~ عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ
فَالأَبنَاءُ مِرآةُ البَيتِ، وَصُورَةُ أَهلِهِ، وَأَخلَاقُهُم ثَمَرَةُ مَا يَرَونَ وَيَسمَعُونَ وَيُعَايِشُونَ.
عَلِّمهُ القُرآنَ وَحَبِّبهُ إِلَيهِ
شَهرُ رَمَضَانَ مُنَاسَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَعلِيمِ الصِّغَارِ قِرَاءَةَ القُرآنِ وَحِفظَهُ، وَتَرتِيلَهُ وَتَدَبُّرَهُ، وَإِعدَادِ جَوَائِزَ وَمُكَافَآتٍ تُشَجِّعُهُم وَتَرفَعُ هِمَمَهُم؛ حَتَّى يَرتَبِطَ القُرآنُ فِي قُلُوبِهِم بِالفَرَحِ وَالشَّوقِ وَالمَحَبَّةِ، لَا بِالثِّقَلِ وَالإِكرَاهِ.
وَإِذَا رَأَى الطِّفلُ أَهلَهُ يُعَظِّمُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَلَذَّذُونَ بِتِلَاوَتِهِ، وَيَجعَلُونَ لَهُ وَقتًا وَمَكَانًا، تَشَكَّلَت فِي نَفسِهِ هَيبَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ، وَنَشَأَ وَهُوَ يَعرِفُ عَظَمَةَ الخَالِقِ وَحَقَّهُ عَلَى العِبَادِ.
وَهَكَذَا نَغرِسُ فِي نَفسِ الوَلَدِ مَخَافَةَ اللهِ، وَهِيَ حَقِيقَةُ التَّقوَى، وَيَتَعَلَّمُ كَسرَ نَفسِهِ عَنِ المَلَذَّاتِ مِن مَأكَلٍ وَمَشرَبٍ؛ وَيَفهَمُ أَنَّ التَّركَ لِلهِ عَطَاءٌ، وَأَنَّ الصَّبرَ مِفتَاحُ الفَرَجِ، وَأَنَّ رَمَضَانَ فُرصَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَعلِيمِ أَولَادِنَا حُبَّ الخَيرِ وَالخِصَالِ الحَمِيدَةِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
إِنَّ تَعلِيمَ الأَولَادِ صَومَ رَمَضَانَ لَيسَ أَمرًا يَقَعُ فِي يَومٍ وَلَيلَةٍ، بَل هُوَ مَسِيرَةُ تَربِيَةٍ تُبنَى عَلَى القُدوَةِ وَالمُحَاوَرَةِ وَالتَّدَرُّجِ وَالتَّحفِيزِ، وَعَلَى جَعلِ رَمَضَانَ مَوسِمًا تُزهِرُ فِيهِ القِيَمُ فِي البَيتِ، وَتَتَجَدَّدُ فِيهِ رُوحُ الطَّاعَةِ، وَتَتَجَمَّلُ فِيهِ الأَخلَاقُ.
فَيَخرُجُ الطِّفلُ مِنَ الشَّهرِ وَقَد تَعَلَّمَ مَعَانِي الصَّبرِ وَالكَرَمِ وَالرَّحمَةِ وَالمُرَاقَبَةِ، وَحَفِظَ شَيئًا مِنَ القُرآنِ، وَأَلِفَ المَسجِدَ وَالجَمَاعَةَ، وَذَاقَ حَلَاوَةَ العِبَادَةِ فِي قَلبِهِ؛ فَيَكُونُ رَمَضَانُ لَهُ بِدَايَةَ خَيرٍ، لَا نِهَايَةَ مَوسِمٍ فَقَط.
اللَّهُمَّ اجعَل رَمَضَانَ عَلَينَا وَعَلَى أَولَادِنَا شَهرَ هُدًى وَتَقوَى، وَافتَح لَهُم فِيهِ أَبوَابَ الخَيرِ، وَحَبِّب إِلَيهِمُ الإِيمَانَ وَزَيِّنهُ فِي قُلُوبِهِم، وَكَرِّه إِلَيهِمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلهُم مِنَ الرَّاشِدِينَ، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.