مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِعِبادِهِ الصِّيامَ، وَجَعَلَهُ بابًا مِن أَبوابِ التَّزكِيَةِ، وَمَدرَسَةً لِلصَّبرِ، وَسَبَبًا لِرِفعَةِ الدَّرَجاتِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ صِيامَ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ، خَصَّها اللهُ تَعالَى بِخَصائِصَ جَلِيلَةٍ، تَفَرَّدَت بِها عَن سائِرِ العِباداتِ، فَكانَت عُنوانَ الإِخلاصِ، وَدَلِيلَ الصِّدقِ، وَمَظهَرَ التَّعَبُّدِ الخالِصِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الصِّيامُ عِبادَةٌ مُتَفَرِّدَةٌ فِي الثَّوابِ
وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الَّذِي أَخرَجَهُ البُخارِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ، قالَ اللهُ تَعالَى: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثالِها إِلى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنا أَجزِي بِهِ، يَدَعُ طَعامَهُ وَشَهوَتَهُ مِن أَجلِي، لِلصَّائِمِ فَرحَتانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وَفَرحَةٌ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ، وَالصَّومُ جُنَّةٌ».
وَمَعنَى ذلِكَ أَنَّ سائِرَ الأَعمالِ يُحَدَّدُ تَضعِيفُ أَجرِها بِعَدَدٍ مَعلُومٍ، أَمَّا الصِّيامُ فَإِنَّ ثَوابَهُ لا يَنحَصِرُ فِي عَدَدٍ، بَل يُضاعِفُهُ اللهُ تَعالَى بِغَيرِ حِسابٍ؛ لِأَنَّهُ مِن أَعظَمِ أَبوابِ الصَّبرِ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ﴾ [الزُّمَر: 10].
سِرُّ إِضافَةِ الصِّيامِ إِلى اللهِ تَعالَى
وَقِيلَ فِي الحِكمَةِ مِن قَولِ اللهِ تَعالَى: «إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي» أَنَّ الصِّيامَ هُوَ تَركُ حُظُوظِ النَّفسِ، وَمُفارَقَةُ شَهَواتِها الأَصلِيَّةِ الَّتِي جُبِلَ الإِنسانُ عَلَى المَيلِ إِلَيها، مِنَ الطَّعامِ، وَالشَّرابِ، وَالنِّكاحِ، وَذلِكَ لا يَتَحَقَّقُ بِهٰذِهِ الصِّفَةِ فِي غَيرِهِ مِنَ العِباداتِ.
وَلِهٰذا قالَ بَعضُ السَّلَفِ كَلِمَةً جامِعَةً لِمَعنَى الصِّيامِ وَفَضِيلَتِهِ: طُوبَى لِمَن تَرَكَ شَهوَةً حاضِرَةً لِمَوعِدٍ غَيبِيٍّ لَم يَرَهُ.
فَرحَتا الصّائِمِ بَينَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ
قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِلصَّائِمِ فَرحَتانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وَفَرحَةٌ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ».
فَأَمَّا الفَرحَةُ الأُولى فَتَكُونُ فِي الدُّنيا عِندَ الإِفطارِ، حِينَ تَعُودُ القُوَّةُ إِلَى البَدَنِ، وَيَجمَعُ الصّائِمُ بَينَ نِعمَتَينِ: نِعمَةِ تَوفِيقِ اللهِ لَهُ لِلصِّيامِ، وَنِعمَةِ الإِذنِ لَهُ بِالأَكلِ وَالشُّربِ بَعدَ الإِمساكِ.
وَأَمَّا الفَرحَةُ الثّانِيَةُ فَهِيَ فِي الآخِرَةِ عِندَ الحِسابِ، حِينَ يُسأَلُ العَبدُ عَن عَمَلِهِ، وَيَرَى ثَوابَ ما صَبَرَ عَلَيهِ مُدَّخَرًا لَهُ، وَيُقابِلُ تَركَ الشَّهوَةِ الحاضِرَةِ بِنَعِيمٍ مُقيمٍ لا يَنقَطِعُ.
وَلَيسَ الشَّأنُ أَن يَبلُغَ الصّائِمُ الغايَةَ فِي التَّقوى، بَلِ الشَّأنُ أَن يَكُونَ صَومُهُ صَحِيحًا، سالِمًا مِنَ المُبطِلاتِ، مُجتَنِبًا لِما يُذهِبُ ثَوابَهُ، مُحافِظًا عَلَى جَوارِحِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِعِبادَةِ الصِّيامِ.
خُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ وَمَنزِلَتُهُ
وَقَولُهُ ﷺ: «وَلَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ» دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ آثَارَ الطّاعَةِ مَحبُوبَةٌ عِندَ اللهِ، وَإِن كَرِهَها النّاسُ فِي عُرفِهِم.
وَالخُلُوفُ هُوَ تَغَيُّرُ رائِحَةِ الفَمِ بِسَبَبِ تَركِ الأَكلِ وَالشُّربِ، وَقَد يَزِيدُهُ عِندَ بَعضِ النّاسِ قِلَّةُ الكلامِ وَطُولُ السُّكوتِ، وَهُوَ وَإِن كانَ فِي حِسِّ النّاسِ مَكرُوهًا، فَإِنَّهُ عِندَ اللهِ مَحبُوبٌ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ طاعَةٍ، وَدَلِيلُ عُبُودِيَّةٍ، وَالسِّواكُ يُزِيلُ هٰذِهِ الرّائِحَةَ وَلا يُنقِصُ مِنَ الأَجرِ شَيئًا.
فَوائِدُ الصِّيامِ فِي تَزكِيَةِ النُّفُوسِ
وَفِي التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ بِالصِّيامِ فَوائِدُ جَلِيلَةٌ، مِنها:
كَسرُ النَّفسِ؛ فَإِنَّ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ يَحمِلانِ النَّفسَ عَلَى البَطَرِ وَالغَفلَةِ، وَيَفتَحانِ عَلَيها أَبوابًا مِنَ التَّساهُلِ وَاتِّباعِ الهَوى.
تَخلِيَةُ القَلبِ لِلفِكرِ وَالذِّكرِ؛ فَإِنَّ الإِكثارَ مِنَ الشَّهَواتِ يُقَسِّي القَلبَ، وَخُلُوَّ البَطنِ يُنَوِّرُهُ وَيُلَيِّنُهُ، وَيُعِينُهُ عَلَى حُضُورِ المَعانِي الإِيمانيَّةِ.
استِشعارُ نِعمَةِ اللهِ وَرَحمَةُ الخَلقِ؛ فَإِنَّ الغَنِيَّ إِذا امتَنَعَ عَنِ المُباحِ وَقتًا مَحدُودًا تَذَكَّرَ مَن حُرِمَهُ دَهرًا مَمدُودًا، فَيَدعُوهُ ذلِكَ إِلى الشُّكرِ وَالمُواساةِ وَالرِّقَّةِ عَلَى المُحتاجِينَ.
تَضيِيقُ مَجارِي الشَّيطانِ؛ فَإِنَّ الشَّيطانَ يَجرِي مِنَ الإِنسانِ مَجرَى الدَّمِ، وَبِالصِّيامِ تَضِيقُ مَجارِيهِ، وَتَنكَسِرُ حِدَّةُ الشَّهوَةِ وَالغَضَبِ، وَلِهٰذا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الصِّيامَ وِجاءً، أَي: وِقايةً وَسِترًا وَحِرزًا.
خاتِمَةٌ وَدُعاءٌ
فَيا مَن وَفَّقَهُ اللهُ لِتَركِ الشَّهَواتِ الحاضِرَةِ طاعَةً لَهُ، أَبشِر بِمَوعِدٍ غَيبِيٍّ عَظِيمٍ، وَبِفَرحَةٍ لا تُقاسُ بِفَرحٍ، يَومَ تَلقَى رَبَّكَ وَأَنتَ عَنهُ راضٍ، وَهُوَ عَنكَ راضٍ.
﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: 201].
اللَّهُمَّ اغفِر لَنا، وَارحَمنا، وَعافِنا، وَاعفُ عَنّا، وَاهدِنا سُبُلَ السَّلامِ، وَنَجِّنا مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ.