مقدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِعِبادِهِ العِباداتِ، وَجَعَلَها سُبُلًا لِلهِدايَةِ، وَأَسبابًا لِلفَلاحِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ شَهرَ رَمَضَانَ شَهرٌ عَظِيمُ القَدرِ، جَلِيلُ الشَّأنِ، خَصَّهُ اللهُ بِفَضائِلَ جَمَّةٍ، وَجَعَلَ فِيهِ عِبادَةَ الصِّيامِ الَّتِي تُزَكِّي النُّفُوسَ، وَتُهَذِّبُ الأَخلاقَ، وَتُقَرِّبُ العَبدَ مِن رَبِّهِ جَلَّ وَعَلا.
فَرضِيَّةُ الصِّيَامِ وَعِظَمُ ثَوَابِهِ
إِنَّ الصِّيامَ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ فَرَضَها اللهُ تَعالَى عَلَى المُسلِمِينَ لِيُؤَدُّوها فِي شَهرِ رَمَضَانَ مِن كُلِّ عامٍ، وَجَعَلَ فِيهَا الأَجرَ الجَزِيلَ، وَالثَّوابَ العَظِيمَ.
قالَ اللهُ تَعالَى فِي كِتابِهِ الكَرِيمِ: ﴿شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَىٰ وَالفُرقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
دَلَالَاتُ الآيَةِ عَلَى فَضلِ رَمَضَانَ
بَيَّنَت هذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فَضلَ شَهرِ رَمَضَانَ، وَنَوَّهَت بِعَظِيمِ مَكانَةِ القُرآنِ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ، وَأَشَادَت بِمَا يَحمِلُهُ مِنَ الهِدايَةِ وَالنُّورِ وَالفُرقَانِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ.
وَكَما بَشَّرَت أُمَّةَ القُرآنِ بِعِنايَةِ اللهِ تَعالَى بِها، وَتَهيِئَتِهِم لِشُكرِ نِعَمِهِ، وَما فِي ذلِكَ مِنَ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ الَّتِي لا يَعلَمُ مَداها إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
نُزُولُ القُرآنِ فِي شَهرِ رَمَضَانَ
﴿شَهرُ رَمَضَانَ﴾ هُوَ الشَّهرُ التَّاسِعُ مِن شُهُورِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ.
﴿الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ﴾ أَي: أُنزِلَ القُرآنُ جُملَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوحِ المَحفُوظِ إِلَى بَيتِ العِزَّةِ فِي السَّماءِ الدُّنيا، وَذلِكَ فِي لَيلَةِ القَدرِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ﴾ [القدر: ١].
ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نُجُومًا نُجُومًا، أَي: مُفَرَّقًا، بِحَسَبِ الوَقائِعِ وَالأَحداثِ، تَثبِيتًا لِلفُؤادِ، وَتَعلِيمًا لِلأُمَّةِ.
القُرآنُ هُدًى وَفُرقَانٌ
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أَي: دَلالَةٌ لَهُم مِنَ الضَّلالَةِ إِلَى الرَّشادِ، وَمِنَ الغَيِّ إِلَى الِاستِقامَةِ، لِما فِيهِ مِن صَلاحِهِم وَسَعَادَتِهِم فِي الدَّارَينِ.
﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَىٰ وَالفُرقَانِ﴾ أَي: آياتٍ واضِحاتٍ تُبَيِّنُ سَبِيلَ الحَقِّ، وَتَفصِلُ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ، وَتُقِيمُ مِيزانَ العَدلِ فِي جَمِيعِ شُؤُونِ الحَيَاةِ.
فَرضُ الصِّيَامِ وَالتَّيسِيرُ فِي التَّشرِيعِ
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾ أَي: مَن أَدرَكَ شَهرَ رَمَضَانَ حَيًّا، وَكانَ أَهلًا لِلتَّكلِيفِ، وَجَبَ عَلَيهِ الصِّيامُ فَرضًا.
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ رُخصَةٌ مِنَ اللهِ تَعالَى لِعِبادِهِ، وَرَحمَةٌ بِهِم؛ إِذ أَباحَ الفِطرَ لِلمَرِيضِ وَالمُسافِرِ، وَأَوجَبَ القَضاءَ بِعَدَدِ ما أُفطِرَ.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ﴾ فَالتَّشرِيعُ الإِلَهِيُّ قائِمٌ عَلَى الرَّحمَةِ وَالرِّفقِ، لا عَلَى المَشَقَّةِ وَالعَنَتِ، فَلَهُ الحَمدُ وَالمِنَّةُ.
إِكمَالُ العِدَّةِ وَشِعَارُ التَّكبِيرِ
﴿وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ﴾ أَي: لِتَقضُوا ما فاتَكُم حَتَّى يَكتَمِلَ عَدَدُ أَيَّامِ الشَّهرِ تِسعَةً وَعِشرِينَ أَو ثَلاثِينَ يَومًا.
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُم﴾ أَي: لِتُعَظِّمُوا اللهَ تَعالَى وَتُظهِرُوا شُكرَهُ عِندَ إِتمامِ صِيامِ رَمَضَانَ، مِن رُؤيَةِ الهِلالِ إِلَى خُرُوجِ الإِمامِ لِصَلاةِ العِيدِ، فَالتَّكبِيرُ مِن أَجَلِّ الأَذكارِ، وَأَعظَمِ القُرُباتِ.
وَكَلِمَةُ «اللهُ أَكبَرُ» دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ أَعظَمُ مِن كُلِّ عَظِيمٍ، وَأَقدَرُ مِن كُلِّ قادِرٍ، وَأَعلَمُ مِن كُلِّ عالِمٍ، وَهِيَ كِنايَةٌ عَن تَوحِيدِهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى.
الشُّكرُ حَقِيقَتُهُ وَآثَارُهُ
﴿وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ أَي: لِتَكُونُوا مِنَ الشَّاكِرِينَ للهِ تَعالَى عَلَى نِعَمِهِ، وَمِن أَعظَمِ الشُّكرِ أَن يَستَعمِلَ العَبدُ جَوارِحَهُ فِيمَا يُرضِي اللهَ.
فَإِنَّ هذِهِ الجَوارِحَ نِعَمٌ يَأتِي يَومٌ يَعجِزُ الإِنسانُ عَن اِستِعمالِها، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عِندَ الِاحتِضارِ لا يَستَطِيعُونَ الكَلامَ، فَتَتَقَيَّدُ أَلسِنَتُهُم مِن شِدَّةِ الأَلَمِ، فَيَندَمُونَ وَيَقُولُونَ: يا لَيتَنا استَعمَلنا أَلسِنَتَنا فِيمَا يُرضِي اللهَ، وَحَفِظناها عَمَّا حَرَّمَ.
فَالعاقِلُ هُوَ الَّذِي يَحفَظُ لِسانَهُ، وَيَدَهُ، وَسَمعَهُ، وَبَصَرَهُ، وَجَمِيعَ جَوارِحِهِ عَن مَعاصِي اللهِ، وَهُوَ فِي حالِ الصِّحَّةِ وَالقُدرَةِ.
خاتِمَةٌ وَدُعاءٌ
نَسأَلُ اللهَ تَعالَى أَن يُبارِكَ لَنا فِي شَهرِ رَمَضَانَ، وَأَن يُعِينَنَا فِيهِ عَلَى ذِكرِهِ، وَشُكرِهِ، وَحُسنِ عِبادَتِهِ، وَأَن يَتَقَبَّلَ مِنَّا صالِحَ الأَعمالِ.
قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].