بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ.
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، أَمَّا بَعدُ:
مُقَدِّمَةٌ
يَتَجَدَّدُ القِيلُ وَالقَالُ عِندَ اقتِرَابِ شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ، وَتَنتَشِرُ بَعضُ العِبَارَاتِ الَّتِي تُثِيرُ البَلبَلَةَ بَينَ النَّاسِ، وَمِن ذَلِكَ إِنكَارُ قَولِ: «رَمَضَانُ كَرِيمٌ»، وَالزَّعمُ أَنَّ رَمَضَانَ «لَا يُعطِي حَتَّى يُوصَفَ بِالكَرَمِ». وَهَذَا المَسلَكُ لَا يَنهَضُ عَلَى أَصلٍ شَرعِيٍّ صَحِيحٍ، وَلَا يَستَقِيمُ مَعَ دَلَالَاتِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، بَل يُفْضِي إِلَى التَّضييقِ فِي مَوْضِعِ السَّعَةِ، وَإِلَى التَّشويشِ فِي أَمرٍ جَرَى بِهِ العُرفُ المُستَقِرُّ بَينَ المُسلِمِينَ.
البَحثُ فِي الحَقِيقَةِ الشَّرعِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ
إِنَّ النَّاظِرَ فِي مَعنَى العِبَارَةِ يَجِدُ أَنَّ قَولَنَا: «رَمَضَانُ كَرِيمٌ» قَولٌ صَحِيحٌ لَا حَرَجَ فِيهِ شَرعًا، وَلَا مَأخَذَ عَلَى قَائِلِهِ، بَل هُوَ جَارٍ عَلَى أُسلُوبٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ. فَلَيسَ المُرَادُ أَنَّ الشَّهرَ ذَاتٌ مُستَقِلَّةٌ بِالعَطَاءِ، وَإِنَّمَا المُرَادُ أَنَّهُ شَهرٌ مُكَرَّمٌ عِندَ اللهِ، عَظِيمُ القَدرِ، جَلِيلُ الشَّأنِ، كَثِيرُ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ.
وَ«كَرِيمٌ» فِي اللُّغَةِ لَفظٌ وَاسِعُ الدَّلَالَةِ، لَا يَنحَصِرُ فِي مَعنَى السَّخَاءِ وَالإِعطَاءِ فَقَط، بَل يَدُلُّ أَيضًا عَلَى الشَّرَفِ، وَالرِّفعَةِ، وَالحُسنِ، وَالمَكَانَةِ العَالِيَةِ. فَنَقُولُ: «القُرآنُ الكَرِيمُ» أَي المُكَرَّمُ المُعَظَّمُ عِندَ اللهِ، وَنَقُولُ: «مَقَامٌ كَرِيمٌ» أَي شَرِيفٌ رَفِيعٌ، وَ«رِزقٌ كَرِيمٌ» أَي حَسَنٌ طَيِّبٌ مُبَارَكٌ.
وَقَد وَرَدَ هَذَا الوَصفُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ تَدُلُّ عَلَى سَعَةِ مَعنَاهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿العَرشِ الكَرِيمِ﴾، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. فَهَلِ المُرَادُ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ أَنَّ «الكَرِيمَ» هُوَ المُعطِي فَقَط؟ أَمِ المُرَادُ الشَّرَفُ وَالحُسنُ وَالرِّفعَةُ؟ لَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ المُرَادُ، وَهُوَ مِمَّا يُثبِتُ صِحَّةَ الاستِعمَالِ وَسَعَتَهُ.
تَوصِيفُ شَهرِ رَمَضَانَ بِالكَرَمِ
وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى شَهرِ رَمَضَانَ وَجَدْنَاهُ جَدِيرًا بِأَن يُوصَفَ بِالكَرَمِ؛ فَهُوَ شَهرُ المَغفِرَةِ، وَشَهرُ الرِّضوَانِ، وَشَهرُ العِتقِ مِنَ النِّيرَانِ، فِيهِ تُفَتَّحُ أَبوَابُ الجِنَانِ، وَتُغَلَّقُ أَبوَابُ النِّيرَانِ، وَتُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ، وَفِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ. فَأَيُّ وَصفٍ أَليَقُ بِهِ مِن أَن يُقَالَ عَنهُ: «كَرِيمٌ»؟
إِنَّ المُسلِمِينَ حِينَ يَقُولُونَ: «رَمَضَانُ كَرِيمٌ» إِنَّمَا يُعَبِّرُونَ عَن تَعظِيمِهِم لِهَذَا الشَّهرِ، وَإِقرَارِهِم بِفَضلِهِ، وَشُعُورِهِم بِمَا أَودَعَ اللهُ فِيهِ مِن خَيرٍ عَمِيمٍ، وَبَرَكَةٍ وَاسِعَةٍ، وَرَحمَةٍ مُتَنَزِّلَةٍ. فَهُوَ كَرِيمٌ بِمَا جَعَلَ اللهُ فِيهِ مِن فَضلٍ، وَكَرِيمٌ بِمَا خَصَّهُ اللهُ بِهِ مِن مَزِيَّةٍ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ.
رَدٌّ عَلَى دَعوَى التَّضييقِ
أَمَّا القَولُ بِأَنَّ الشَّهرَ «لَا يُعطِي» فَلَا يُوصَفُ بِالكَرَمِ، فَهُوَ تَعلِيلٌ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ اللَّفظَ عَلَى مَعنًى وَاحِدٍ، وَتَرَكَ سَائِرَ مَعَانِيهِ الثَّابِتَةِ فِي اللُّغَةِ. وَاللُّغَةُ أَوسَعُ مِن أَن تُحْصَرَ فِي دَلَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَلَا يَنبَغِي التَّضييقُ عَلَى النَّاسِ فِي أَمرٍ فِيهِ سَعَةٌ، وَلَا إِثَارَةُ الجَدَلِ فِي مَا لَا مَفسَدَةَ فِيهِ، بَل الأَولَى تَركُ التَّشَدُّدِ فِي مِثلِ هَذِهِ العِبَارَاتِ الَّتِي لَا تَحمِلُ إِلَّا مَعنًى حَسَنًا مُستَقِيمًا.
خَاتِمَةٌ
الخُلَاصَةُ أَنَّ قَولَ: «رَمَضَانُ كَرِيمٌ» قَولٌ جَائِزٌ صَحِيحٌ، لَا بَأسَ بِهِ، بَل هُوَ حَسَنٌ فِي مَعنَاهُ، مُعبِّرٌ عَن تَعظِيمِ شَأنِ هَذَا الشَّهرِ المُبَارَكِ، وَإِظهَارِ فَضلِهِ وَبَرَكَتِهِ.
نَسأَلُ اللهَ أَن يُبَلِّغَنَا رَمَضَانَ، وَأَن يَتَقَبَّلَ مِنَّا فِيهِ الصِّيَامَ وَالقِيَامَ وَصَالِحَ الأَعمَالِ، وَأَن يَجعَلَهُ شَهرَ خَيرٍ وَبَرَكَةٍ عَلَينَا وَعَلَى سَائِرِ المُسلِمِينَ. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ أَوَّلًا وَآخِرًا وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا.