مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ لِعِبادِهِ سَبِيلًا مُنِيرًا يَهدِي إِلَى رِضوانِهِ، وَجَعَلَ فِي اتِّباعِ خَيرِ خَلقِهِ سَبَبَ الفَوزِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، نِبراسِ الهُدَى، وَإِمامِ المُتَّقِينَ، وَقُدوَةِ المُحِبِّينَ، الَّذِي مَنِ استَضاءَ بِهَديِهِ أَشرَقَت لَهُ طُرُقُ الحَياةِ، وَانفَتَحَت لَهُ أَبوابُ السَّعادَةِ الأَبَدِيَّةِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ الأُمَّةَ اليَومَ أَحوَجُ ما تَكُونُ إِلَى الاقتِداءِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَهُوَ النُّورُ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ نَجا، وَالهَديُ الَّذِي مَن سارَ عَلَيهِ فازَ، وَالمِنهاجُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يَجمَعُ بَينَ صَلاحِ القَلبِ وَاستِقامَةِ العَمَلِ، وَبَينَ سَعادَةِ الدُّنيا وَنَعِيمِ الآخِرَةِ.
أَوَّلًا: مِيزانُ المَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ وَمِعيارُ الاتِّباعِ
يَقُولُ اللهُ تَعالَى فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورةُ آلِ عِمرانَ: ٣١].
فَهذِهِ الآيَةُ تَجعَلُ الاتِّباعَ مِيزانَ المَحَبَّةِ، وَتَجعَلُ صِدقَ الدَّعوَى مُتَوَقِّفًا عَلَى التَّحَقُّقِ بِآثارِها، فَلا يَكفِي أَن يَدَّعِيَ العَبدُ مَحَبَّةَ اللهِ، ثُمَّ يُعرِضَ عَن هَديِ رَسُولِهِ ﷺ، فَمَن صَدَقَت مَحَبَّتُهُ بانَت عَلَيهِ أَماراتُ الاتِّباعِ، وَتَجَلَّت فِيهِ آثَارُ الِانقِيادِ وَالِامتِثالِ.
وَمِن دَقائِقِ هذَا المَعنَى أَنَّ عَلامَةَ حُبِّ اللهِ حُبُّ كِتابِهِ، وَعَلامَةَ حُبِّ كِتابِهِ مَحَبَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ، وَعَلامَةَ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ سُنَّتِهِ، وَعَلامَةَ مَحَبَّةِ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ، وَعَلامَةَ حُبِّ الآخِرَةِ أَن يَتَّخِذَ العَبدُ مِنَ الدُّنيا زادًا وَبُلغَةً تُعِينُهُ عَلَى طاعَةِ رَبِّهِ، لا أَن يَستَغرِقَ فِيهَا استِغراقَ مَن نَسِيَ مَعادَهُ وَغَفَلَ عَن مَوعِدِ لِقائِهِ.
ثانِيًا: حَقِيقَةُ الاقتِداءِ وَمَعالِمُ الاتِّباعِ
إِنَّ الاقتِداءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَجِبُ أَن يَكُونَ فِي العُسرَةِ وَاليُسرَةِ، وَفِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَفِي الأَخلاقِ وَالعِباداتِ وَالمُعامَلاتِ؛ فَلا اتِّباعَ صَحِيحًا مَعَ انتِقاءٍ يَجعَلُ الدِّينَ أَشلاءً، وَلَا اقتِداءَ مُحكَمًا مَعَ تَقصِيرٍ يُفسِدُ المَعانِيَ وَيُضَيِّعُ الثِّمارَ.
وَمَعنَى الاتِّباعِ أَن نَتَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ ﷺ، وَنَتَعَلَّقَ بِأَقوالِهِ وَأَفعالِهِ، وَنَمتَثِلَ أَوَامِرَهُ، وَنَجتَنِبَ نَواهِيهِ، وَنَتَأَدَّبَ بِآدابِهِ، وَنَستَضِيءَ بِهَديِهِ فِي جَمِيعِ شُؤُونِنا؛ فَالمُتَّبِعُ يَسأَلُ عَن سُنَّتِهِ قَبلَ أَن يَتَكَلَّمَ، وَيَنظُرُ فِي هَديِهِ قَبلَ أَن يَعمَلَ، وَيَزِنُ أَحوالَهُ بِمِيزانِ الشَّرعِ قَبلَ أَن يَركَنَ إِلَى العادَةِ وَالهَوَى.
وَالاتِّباعُ لا يَستَقِيمُ إِلَّا بِالعَقِيدَةِ الحَقَّةِ الَّتِي جاءَ بِها النَّبِيُّ ﷺ؛ تَوحِيدًا لِلَّهِ تَعالَى وَتَنزِيهًا لَهُ عَن مُشابَهَةِ خَلقِهِ، وَتَسلِيمًا لِمَا أَمَرَ وَنَهَى، وَحِفظًا لِحُرُماتِ اللهِ وَحُدُودِهِ، فَإِنَّ مَن فَسَدَ أَصلُهُ فَسَدَ فَرعُهُ، وَمَن اضطَرَبَت عَقِيدَتُهُ اضطَرَبَت طاعَتُهُ وَقَصُرَت خُطاهُ.
وَقَد وَرَدَ فِي المَعنَى الجَامِعِ أَنَّ اللهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيَّعُ، وَحَرَّمَ مُحَرَّماتٍ فَلا تُنتَهَكُ، وَحَدَّ حُدودًا فَلا تُعتَدَى؛ فَالفَرائِضُ أَصلٌ لا قِوامَ لِلدِّينِ بِدُونِهِ، وَالمُحَرَّماتُ حُرُماتٌ لا تُستَباحُ، وَحُدودُ اللهِ مَعالِمُ يُصانُ بِها الدِّينُ وَتَستَقِيمُ بِها الحَياةُ.
وَلا تَقُومُ النَّوافِلُ مَقامَ الفَرائِضِ، فَمَن أَكثَرَ مِنَ التَّطَوُّعِ وَهُوَ يُضَيِّعُ الفَرضَ فَقَد عَكَسَ المِيزانَ، وَضَيَّعَ الأَصلَ وَتَعَلَّقَ بِالفَرعِ، وَمِن أَعظَمِ الفَرائِضِ قَدرٌ مِن عِلمِ الدِّينِ يَستَنِيرُ بِهِ القَلبُ، وَتَستَقِيمُ بِهِ الجَوارِحُ، وَيَعرِفُ بِهِ المُؤمِنُ ما يَحِلُّ لَهُ وَما يَحرُمُ عَلَيهِ، فَيَعبُدُ اللهَ عَلَى بَصِيرَةٍ، لا عَلَى عَمًى وَتَقلِيدٍ.
ثالِثًا: مِن دَعوَى المَحَبَّةِ إِلَى صِدقِها
فَلا يَكُونُ العَبدُ مُحِبًّا عَلَى الحَقِيقَةِ ما لَم يَكُن مُتَّبِعًا فِي العَقِيدَةِ وَالأَحكامِ، مُؤثِرًا لِمَرضاتِ اللهِ عَلَى هَوَاهُ، مُقَدِّمًا لِهَديِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَعرافِ النّاسِ وَأَذواقِهِم، ثُمَّ تَزدَادُ مَحَبَّتُهُ بِالشَّوقِ إِلَيهِ ﷺ، حَتَّى يَصِيرَ فِي القَلبِ أَحَبَّ مِن كُلِّ مَخلُوقٍ، وَيَكُونَ ذِكرُهُ أَلَذَّ مِن كُلِّ ذِكرٍ، وَهَديُهُ أَوضَحَ مِن كُلِّ طَرِيقٍ.
وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن والِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنّاسِ أَجمَعِينَ». فَهذَا بابٌ عَظِيمٌ فِي كَمالِ الإِيمانِ، إِذ يَرتَقِي فِيهِ المُؤمِنُ مِن مَحَبَّةِ الِانتِماءِ إِلَى مَحَبَّةِ الِاتِّباعِ، وَمِن مَحَبَّةِ الشِّعارِ إِلَى مَحَبَّةِ الِامتِثالِ وَالِانقِيادِ.
رابِعًا: التَّسلِيمُ مَنهَجُ المُتَّبِعِينَ وَطَرِيقُ الأَولِياءِ
إِنَّ اللهَ تَعالَى أَرسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ لِيُتَّبَعَ، وَجَعَلَ طَرِيقَ اتِّباعِهِ التَّسلِيمَ لِمَا جاءَ بِهِ، أَي القَبُولَ وَتَركَ الِاعتِراضِ، فَمَن سَلَّمَ استَراحَ قَلبُهُ، وَمَن اعتَرَضَ تَشَعَّبَت بِهِ السُّبُلُ وَتَفَرَّقَت بِهِ الرُّؤَى.
وَقَد قِيلَ: كُلُّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَحَقُّهُ التَّصدِيقُ وَالتَّسلِيمُ، فَهُوَ الصّادِقُ المَصدُوقُ، وَهَديُهُ هُدًى، وَسُنَّتُهُ نُورٌ، وَمَن تَرَكَها ضَلَّ وَخَسِرَ وَحُرِمَ.
خامِسًا: مِن أَخلاقِ القُدوَةِ سِرُّ السَّعادَةِ
عِبادَ اللهِ، إِنَّ مِن أَعظَمِ مَسَالِكِ الاقتِداءِ أَن يَتَخَلَّقَ المُؤمِنُ بِأَخلاقِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ فَالصِّدقُ فِي الاتِّباعِ يَظهَرُ فِي حِلمٍ عِندَ الغَضَبِ، وَفِي عَفوٍ عِندَ القُدرَةِ، وَفِي رِفقٍ عِندَ المُخالَفَةِ، وَفِي نُصحٍ خالِصٍ لِلخَلقِ، وَفِي رَحمَةٍ تُحيِي القُلُوبَ وَتَجمَعُ الشَّملَ.
وَمَن تَأَمَّلَ هَديَ النَّبِيِّ ﷺ وَجَدَ فِيهِ مِفتاحَ السَّعادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَربِطُ القَلبَ بِاللهِ، وَيُقَوِّمُ السُّلُوكَ عَلَى الشَّرعِ، وَيَجمَعُ بَينَ صَلاحِ الدُّنيا وَفَوزِ الآخِرَةِ، فَمَن أَخَذَ بِهَديِهِ انشَرَحَ صَدرُهُ، وَاستَقَامَت خُطاهُ، وَسَعِدَ فِي مَعاشِهِ وَمَعادِهِ.
خاتِمَةٌ
إِنَّ السَّعادَةَ الأَبَدِيَّةَ لَيسَت دَعوَى تُقَالُ، وَلَا شِعارًا يُرفَعُ، بَل هِيَ طَرِيقٌ يُسلَكُ، وَمِنهاجٌ يُتَّبَعُ، وَمَحَبَّةٌ تُثمِرُ طاعَةً، وَطاعَةٌ تُصَدِّقُ المَحَبَّةَ. فَمَن أَرادَ فَوزَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ فَليَجعَل قُدوَتَهُ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا ﷺ، وَليَتَسَلَّح بِالعِلمِ، وَليُقِمِ الفَرائِضَ، وَليَتَأَدَّب بِالسُّنَنِ، وَليُحاسِب نَفسَهُ قَبلَ أَن يُحاسَبَ.
اللَّهُمَّ ارزُقنا صِدقَ الاتِّباعِ لِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَارزُقنا مَحَبَّتَهُ وَمَحَبَّةَ سُنَّتِهِ، وَاجعَلنا مِنَ الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتنا عَلَى الحَقِّ حَتَّى نَلقاكَ، وَاغفِر لَنا وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِناتِ، الأَحياءُ مِنهُم وَالأَمواتُ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَواتِ.