مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي أَكرَمَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِكِتَابٍ هُدًى وَنُورٍ، وَجَعَلَ رَمَضَانَ مَوسِمًا لِنُزُولِ الرَّحمَاتِ، وَفَتحِ أَبوَابِ الخَيرَاتِ، وَتَعظِيمِ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي شَرَّفَهُ اللهُ بِالوَحيِ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِإِخرَاجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يَرتَفِعُ بِهِ قَدرُ شَهرِ رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهرُ القُرآنِ، وَفِيهِ لَيلَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ اللَّيَالِي، تَتَنَزَّلُ فِيهَا البَرَكَاتُ، وَتُفتَحُ فِيهَا أَبوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَفُوزُ فِيهَا مَن أَحيَاهَا إِيمَانًا وَاحتِسَابًا.
وَإِنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ أَن يَمُرَّ عَلَى بَعضِ النَّاسِ مِثلُ هَذِهِ اللَّيلَةِ العَظِيمَةِ وَهُم فِي نَومٍ أَو لَهوٍ، فَيَخرُجُونَ مَحرُومِينَ مِن فَضلِهَا، وَهَذَا مَعنَى القَولِ الَّذِي يَتَحَسَّرُ بِهِ المُتَحَسِّرُ: يَا أَسَفِي عَلَى مَن حُرِمَ ثَوَابَهَا.
أَوَّلًا: إِكرَامُ اللهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالوَحيِ وَبَدءُ الإِنزَالِ
لَمَّا أَرَادَ اللهُ إِكرَامَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِالإِرسَالِ، جَاءَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالوَحيِ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ فِي يَومِ الِاثنَينِ، وَفِي خَبَرِ مُسلِمٍ: «وَأُنزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»، فَكَانَ ذَلِكَ مِفتَاحًا لِأَعظَمِ مَا تُشرِفُ بِهِ الأَرضُ، إِذ يَتَنَزَّلُ عَلَيهَا كَلَامُ رَبِّهَا.
وَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحمَدُ وَالبَيهَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُنزِلَ القُرآنُ لَيلَةَ القَدرِ لَيلَةَ أَربَعٍ وَعِشرِينَ مِن رَمَضَانَ، وَأُنزِلَتِ التَّورَاةُ لِسِتٍّ لَيَالٍ مَضَينَ مِن رَمَضَانَ، وَأُنزِلَ الإِنجِيلُ لِثَمَانِ عَشرَةَ لَيلَةً خَلَت مِن رَمَضَانَ»، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شَهرَ رَمَضَانَ مَوسِمُ تَجَلِّي الهُدَى، وَمِنبَعُ نُزُولِ النُّورِ، وَمَحَطُّ عَطَاءِ اللهِ لِعِبَادِهِ.
ثَانِيًا: بَيتُ العِزَّةِ وَمَرَاحِلُ نُزُولِ القُرآنِ
دَلَّتِ الآثَارُ عَلَى أَنَّ جِبرِيلَ أَمِينُ الوَحيِ أُنزِلَ بِالقُرآنِ دُفعَةً وَاحِدَةً إِلَى بَيتِ العِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الأُولَى فِي شَهرِ رَمَضَانَ فِي لَيلَةِ القَدرِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ أَخَذَ جِبرِيلُ يُنَزِّلُهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيئًا فَشَيئًا حَسَبَ الأَمرِ الإِلَهِيِّ، حَتَّى تَكَامَلَ نُزُولُهُ فِي نَحوِ ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ سَنَةً.
وَقَد رَوَى النَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «أُنزِلَ القُرآنُ جُملَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا لَيلَةَ القَدرِ، ثُمَّ أُنزِلَ بَعدَ ذَلِكَ فِي عِشرِينَ سَنَةً»، فَكَانَ الإِنزَالُ الأَوَّلُ إِظهَارًا لِقَدرِ القُرآنِ وَتَشرِيفًا لِزَمَانِهِ، وَكَانَ الإِنزَالُ المُفَرَّقُ تَربِيَةً لِلأُمَّةِ، وَتَثبِيتًا لِقَلبِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمُوَاكَبَةً لِوَاقِعِ الدَّعوَةِ وَحَاجَاتِ النَّاسِ.
ثَالِثًا: بَدَايَةُ النُّورِ فِي غَارِ حِرَاءَ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ
وَأَوَّلُ مَا أُنزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ خَمسُ آيَاتٍ مِن أَوَّلِ سُورَةِ العَلَقِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ أُنزِلَ القُرآنُ نُجُومًا، أَي مُفَرَّقًا.
وَقَد جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: اقرَأ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، وَمَعنَاهُ أَنَّهُ لَم يَتَعَلَّمِ القِرَاءَةَ وَلا يَقرَأُ المَكتُوبَ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَنبِيهًا لِخَاطِرِهِ، وَتَهيِئَةً لِقَلبِهِ لِمَا سَيُلقَى إِلَيهِ مِن أَمرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ أَملَى عَلَيهِ إِملَاءً شَفَوِيًّا مِن غَيرِ كِتَابَةٍ.
ثُمَّ قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي فَقَالَ: اقرَأ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي فَقَالَ: اقرَأ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم﴾ [سورةُ العَلَقِ: 1–5]».
وَهَكَذَا نَزَلَت أَوَّلُ آيَاتِ هَذَا الكِتَابِ العَظِيمِ عَلَى النَّبِيِّ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ ﷺ فِي هَذَا الشَّهرِ العَظِيمِ، فَأَشرَقَتِ الأَرضُ بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ، وَانقَشَعَت ظُلُمَاتُ الجَاهِلِيَّةِ، وَتَحَوَّلَ التَّارِيخُ بِكَلِمَاتٍ خَمسٍ إِلَى مَسَارٍ جَدِيدٍ مِنَ الهُدَى وَالإِصلَاحِ.
رَابِعًا: لَيلَةُ القَدرِ نَفَحَاتٌ وَبَرَكَاتٌ وَحِرمَانُ المُغفَلِينَ
فَيَا لَهَا مِن لَيلَةٍ عَظِيمَةٍ، مَا أَبرَكَ نُورَهَا، وَمَا أَكثَرَ خَيرَهَا، وَمَا أَغزَرَ نَفَحَاتِهَا، فِيهَا تُفتَحُ أَبوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَتَتَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ بِالبَرَكَاتِ لِمَن أَحيَاهَا مِنَ الأَنَامِ، وَمَنَعَ جُفُونَهُ لَذِيذَ المَنَامِ، وَوَقَفَ بَينَ يَدَي رَبِّهِ يَرجُو عَفوَهُ وَرِضَاهُ.
وَمَن قَامَ لَيلَهَا مُتَعَرِّضًا لِفَضلِهَا فَقَد حَازَ الخَيرَ أَجمَعَهُ، وَيَا أَسَفِي عَلَى مَن حُرِمَ ثَوَابَهَا بِنَومٍ أَو لَهوٍ، فَقَد ضَيَّعَ مِن عُمُرِهِ مَا لَا يُدرَكُ مِثلُهُ إِلَّا بِفَضلِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ.
وَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحُثُّ أَصحَابَهُ عَلَى قِيَامِ لَيلَةِ القَدرِ، وَجَعَلَ ثَمَرَةَ ذَلِكَ القِيَامِ غُفرَانَ الذُّنُوبِ، فَقَالَ ﷺ: «مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ» رواهُ البُخَارِيُّ.
خَامِسًا: رَمَضَانُ شَهرُ القُرآنِ وَأَعظَمُ النِّعَمِ
مَا أَعظَمَهَا مِن نِعمَةٍ أَن يَكُونَ نُزُولُ القُرآنِ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، فَبِهِ صَارَ رَمَضَانُ شَهرَ القُرآنِ، وَشَهرَ الهُدَى وَالبَيِّنَاتِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرقَانِ﴾ [سورةُ البَقَرَةِ: 185].
فَمِن يَومِ ذَلِكَ صَارَ رَمَضَانُ مِحوَرَ تَجدِيدِ الصِّلَةِ بِالكِتَابِ، وَمِيزَانَ المُرَاجَعَةِ مَعَ النَّفسِ، وَمِفتَاحَ الِارتِقَاءِ فِي مَدَارِجِ الإِيمَانِ، فَمَن أَحسَنَ فِيهِ تِلَاوَتَهُ وَتَدَبُّرَهُ وَالعَمَلَ بِمَا فِيهِ، كَانَ مِن أَهلِ القُرآنِ الَّذِينَ هُم أَهلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ، وَمَن أَعرَضَ فَقَد حَرَمَ نَفسَهُ خَيرًا كَثِيرًا.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
إِنَّ لَيلَةَ القَدرِ مِحنَةُ صِدقٍ وَمَوسِمُ فَوزٍ، وَإِنَّ نُزُولَ القُرآنِ فِي رَمَضَانَ أَعظَمُ مَا يُحيِي القُلُوبَ وَيُجَدِّدُ الإِيمَانَ، فَطُوبَى لِمَن عَرَفَ قَدرَ الشَّهرِ فَأَقبَلَ عَلَى رَبِّهِ، وَطُوبَى لِمَن عَرَفَ قَدرَ اللَّيلَةِ فَأَحيَاهَا، وَوَيلٌ لِمَن تَرَكَهَا تَمُرُّ وَهُوَ غَافِلٌ، ثُمَّ يَندَمُ يَومًا لَا يَنفَعُ فِيهِ النَّدَمُ إِلَّا أَن يَتَدَارَكَهُ اللهُ بِرَحمَةٍ وَتَوفِيقٍ.
اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَجَلَاءَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا، وَنُورَ أَبصَارِنَا، وَهُدَانَا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ ذَكِّرنَا مِنهُ مَا نَسِينَا، وَعَلِّمنَا مِنهُ مَا جَهِلنَا، وَارزُقنَا تِلَاوَتَهُ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ.