مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ الصَّلَاةَ نُورًا لِقَلبِ العَبدِ، وَزَكَاةً لِنَفسِهِ، وَسَبَبًا لِفَلَاحِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي بَلَّغَ الأُمَّةَ مَا يُقَرِّبُهَا مِن رَبِّهَا، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ عُنوَانَ الصِّدقِ وَمِيزَانَ الإِيمَانِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ لَهَا مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ عِندَ اللهِ تَعَالَى، وَهِيَ عَمُودُ الإِسلَامِ، وَأَوَّلُ مَا يُسأَلُ عَنهُ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ، وَهِيَ السِّرُّ الَّذِي يَحمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَعَانِي النَّجَاةِ، وَمَعَالِمَ النَّجَاحِ، وَبِهَا تَستَقِيمُ الحَيَاةُ، وَتَسعَدُ النُّفُوسُ، وَتَزكُو الأَعمَالُ.
أَوَّلًا: مَكَانَةُ الصَّلَاةِ فِي الإِسلَامِ
لِيُعلَم أَنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ لَهَا مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ عِندَ اللهِ، وَهِيَ عَمُودُ الإِسلَامِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَأسُ الأَمرِ الإِسلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ»، وَقَد أَخرَجَهُ أَحمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فَالصَّلَاةُ أَفضَلُ الأَعمَالِ بَعدَ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَهِيَ أَوَّلُ شَيءٍ يُسأَلُ عَنهُ المُؤمِنُ يَومَ القِيَامَةِ، وَهِيَ نُورٌ وَفَلَاحٌ، فَكَيفَ يَنشَغِلُ عَنهَا مُسلِمٌ؟ وَكَيفَ يَتَعَاطَى مَا يَصُدُّهُ عَنهَا وَيُبعِدُهُ عَن مَوَاقِيتِهَا؟
ثَانِيًا: وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَآخِرُ مَا تَرَكَهُ لِلأُمَّةِ
وَمِن أَعظَمِ دَلَالَاتِ مَكَانَتِهَا أَنَّهَا كَانَت وَصِيَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمَّتِهِ عِندَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنيَا، فَعَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ آخِرُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابنُ مَاجَه.
فَإِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ آخِرَ وَصِيَّةٍ يَختِمُ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ لِأُمَّتِهِ، فَحَقُّهَا أَن تَكُونَ أَوَّلَ مَا يَتَفَقَّدُهُ المُؤمِنُ فِي نَفسِهِ، وَأَعظَمَ مَا يَحفَظُهُ فِي يَومِهِ وَلَيلِهِ.
ثَالِثًا: الصَّلَاةُ قُرَّةُ عَينِ النَّبِيِّ ﷺ
وَمِن عَظِيمِ مَكَانَتِهَا أَنَّهَا كَانَت قُرَّةَ عَينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، فَقَد أَخرَجَ أَحمَدُ فِي «مُسنَدِهِ» وَالنَّسَائِيُّ وَالبَيهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ»، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» وَغَيرُهُم أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِن دُنيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ».
وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّ مَيلَهُ إِلَى النِّسَاءِ وَالطِّيبِ مَيلٌ طَبِيعِيٌّ لَا تَعَلُّقَ فِيهِ يَشغَلُهُ عَن رَبِّهِ، أَمَّا الصَّلَاةُ فَهِيَ مَوضِعُ فَرَحِهِ الأَكبَرِ، وَسَعَادَتِهِ الأَعظَمِ، وَبِهَا تَقَرُّ عَينُهُ ﷺ أَكثَرَ مِن كُلِّ شَيءٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ، حَتَّى يُوقِظَهُ أَذَانُ الفَجرِ.
رَابِعًا: الصَّلَاةُ نَاهِيَةٌ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ
وَالصَّلَاةُ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ﴾ [سورة العنكبوت: 45].
وَمَعنَى ﴿وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ﴾ أَنَّ الذِّكرَ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ هُوَ أَكبَرُ أَعمَالِ الصَّلَاةِ، فَفِيهَا الشَّهَادَتَانِ: «أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، وَفِيهَا «الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ»، وَفِيهَا التَّسبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَالدُّعَاءُ، فَالصَّلَاةُ كُلُّهَا ذِكرٌ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ مُجَرَّدَ اشتِغَالِ المَرءِ بِالتَّسبِيحِ وَالتَّحمِيدِ بِلِسَانِهِ أَفضَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ، بَل الصَّلَاةُ هِيَ الأَصلُ وَالعَمُودُ.
خَامِسًا: لَا تَأتِي ثَمَرَةُ الصَّلَاةِ إِلَّا بِالمُحَافَظَةِ وَالإِتقَانِ
وَلَن يَنتَهِيَ المُسلِمُ بِصَلَاتِهِ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ إِلَّا إِذَا حَافَظَ عَلَيهَا، وَأَدَّاهَا بِحَقِّهَا، وَدَاوَمَ عَلَيهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة: 238].
فَمَن حَافَظَ عَلَيهَا بِتَعَلُّمِ أَحكَامِهَا، وَأَدَّاهَا عَلَى مَا يُوَافِقُ شَرعَ اللهِ، فَقَد فَازَ وَنَجَا، وَمَن ضَيَّعَهَا فَقَد خَابَ وَخَسِرَ، فَعَلَينَا أَن نُحَافِظَ عَلَيهَا فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ، وَفِي الضِّيقِ وَالسَّعَةِ، وَفِي حَالِ الأَمنِ وَالخَوفِ، فَهِيَ عَهدُ العُبُودِيَّةِ الَّذِي لَا يَسقُطُ مَعَ تَغَيُّرِ الأَحوَالِ.
سَادِسًا: الصَّلَاةُ مِفتَاحُ الفَلَاحِ وَعُنوَانُ الصِّدقِ
فَالصَّلَاةُ سِرُّ النَّجَاحِ وَالفَلَاحِ، فَإِن صَلَحَت صَلُحَت سَائِرُ الأَعمَالِ، وَإِن فَسَدَت فَسَدَت سَائِرُ الأَعمَالِ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَيهَا عُنوَانُ الصِّدقِ وَالإِيمَانِ، وَالتَّهَاوُنُ بِهَا عَلَامَةُ الخِزيِ وَالخُسرَانِ.
وَقَد جَاءَ فِي المَعنَى أَنَّ خَمسَ صَلَوَاتٍ مَن حَافَظَ عَلَيهِنَّ، فَأَحسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقتِهِنَّ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ أَن يَغفِرَ لَهُ، وَكَانَت لَهُ نُورًا وَبُرهَانًا وَنَجَاةً يَومَ القِيَامَةِ.
وَمَن لَم يُحَافِظ عَلَيهِنَّ لَم يَكُن لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ أَن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَم يَكُن لَهُ يَومَ القِيَامَةِ نُورٌ وَلَا بُرهَانٌ، وَحَشَرَهُ اللهُ مَعَ أَهلِ الخَيبَةِ وَالخُسرَانِ: فِرعَونَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ.
وَقَد قَالَ العُلَمَاءُ فِي وَجهِ ذَلِكَ: إِنَّهُ إِنِ انشَغَلَ عَنِ الصَّلَاةِ بِمُلكِهِ حُشِرَ مَعَ فِرعَونَ، وَإِنِ انشَغَلَ عَنهَا بِوِزَارَتِهِ حُشِرَ مَعَ هَامَانَ، وَإِنِ انشَغَلَ عَنهَا بِمَالِهِ حُشِرَ مَعَ قَارُونَ، وَإِنِ انشَغَلَ عَنهَا بِتِجَارَتِهِ وَبَيعِهِ وَشِرَائِهِ حُشِرَ مَعَ أُبَيِّ بنِ خَلَفٍ تَاجِرِ المُشرِكِينَ بِمَكَّةَ.
سَابِعًا: الصَّلَاةُ كِتَابٌ مَوقُوتٌ وَتَهدِيدُ المُفَرِّطِينَ
وَالصَّلَاةُ يُؤَدِّيهَا المُؤمِنُ فِي وَقتِهَا كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَت عَلَى المُؤمِنِينَ كِتَابًا مَوقُوتًا﴾ [سورة النساء: 103].
وَتَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى تَارِكَها وَالمُفَرِّطَ فِيهَا بِالوَيلِ الَّذِي هُوَ العَذَابُ الشَّدِيدُ، فَقَالَ: ﴿وَيلٌ لِلمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِهِم سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون: 4–5]، أَي: الوَيلُ لِمَن يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَن وَقتِهَا بِغَيرِ عُذرٍ حَتَّى يَدخُلَ وَقتُ الصَّلَاةِ الأُخرَى، وَهَذَا هُوَ السَّهوُ فِي مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَمَن أَرَادَ النَّجَاحَ وَالفَلَاحَ فَليَجعَل صَلَاتَهُ أَوَّلَ شُغلِهِ وَآخِرَ عَهدِهِ، وَليُعظِم أَمرَهَا كَمَا عَظَّمَهَا رَبُّهُ، وَليَتَعَلَّم أَحكَامَهَا وَيُحَافِظ عَلَى أَوقَاتِهَا، وَليَستَحضِر أَنَّهَا عَهدٌ بَينَهُ وَبَينَ اللهِ، وَأَنَّهَا جِسرُهُ إِلَى الرِّضَا، وَسَبِيلُهُ إِلَى السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلَامُ وَمِنكَ السَّلَامُ، تَبَارَكتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.