مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي يَفضُلُ مَن يَشَاءُ بِمَحضِ كَرَمِهِ وَحِكمَتِهِ، لَا بِطُولِ العُمُرِ وَلَا بِكَثرَةِ العَمَلِ فَقَط، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، أَفضَلِ الخَلقِ عَلَى الإِطلَاقِ، وَسَيِّدِ الوَرَى، وَإِمَامِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مَعرِفَةَ مِيزَانِ الفَضلِ عِندَ اللهِ تَعَالَى مِن أَعظَمِ أَبوَابِ العِلمِ، لِأَنَّهَا تُصَحِّحُ نَظَرَ الإِنسَانِ إِلَى نَفسِهِ وَإِلَى غَيرِهِ، وَتُخرِجُهُ مِن وَهمِ التَّفَاضُلِ بِالأَعمَارِ وَالأَعمَالِ إِلَى حَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ بِالِاختِيَارِ الإِلَهِيِّ وَالتَّفضِيلِ الرَّبَّانِيِّ.
أَوَّلًا: فَضلُ يَومِ الجُمُعَةِ وَسَاعَةُ الإِجَابَةِ
رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي «المُوَطَّإِ» عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
«خَيرُ يَومٍ طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ يَومُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهبِطَ مِنَ الجَنَّةِ، وَفِيهِ تَابَ اللهُ عَلَيهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبدٌ مُسلِمٌ يُصَلِّي يَسأَلُ اللهَ شَيئًا إِلَّا أَعطَاهُ إِيَّاهُ».
وَقَد ذَهَبَ جُمهُورُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ سَاعَةَ الإِجَابَةِ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِن يَومِ الجُمُعَةِ قَبلَ الغُرُوبِ، فَحَرِيٌّ بِالمُسلِمِ أَن لَا يُفَوِّتَهَا، وَأَن يُقبِلَ فِيهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ وَالضَّرَاعَةِ وَسُؤَالِ الخَيرِ.
ثَانِيًا: خَلقُ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَسِرُّ تَفضِيلِهِ
أَمَّا خَلقُ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى أَصلِ التَّفضِيلِ، فَهُوَ أَوَّلُ النَّوعِ البَشَرِيِّ الَّذِي فَضَّلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ أَنوَاعِ المَخلُوقَاتِ، فَكَانَ النَّوعُ الإِنسَانِيُّ أَفضَلَ مِنَ النَّوعِ المَلَكِيِّ وَالجِنِّيِّ.
وَلِأَنَّ الأَنبِيَاءَ مِنَ البَشَرِ، كَانَ آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ -وَهُوَ أَوَّلُ فَردٍ مِن هَذَا النَّوعِ الكَرِيمِ – خُلِقَ فِي يَومِ الجُمُعَةِ، وَكَانَ تَمَامُ خَلقِهِ فِي الجَنَّةِ، فَجَمَعَ اللهُ لَهُ شَرَفَ الزَّمَانِ وَشَرَفَ المَكَانِ.
ثَالِثًا: مُدَّةُ مُكثِ آدَمَ فِي الجَنَّةِ وَحِكمَتُهَا
رَوَى الحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» أَنَّ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يَمكُث فِي الجَنَّةِ إِلَّا سَاعَةً مِنَ العَصرِ إِلَى الغُرُوبِ، وَقَد وَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ بِمِقدَارِ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا، لِأَنَّ الأَيَّامَ السِّتَّةَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ كُلُّ يَومٍ مِنهَا بِمِقدَارِ أَلفِ سَنَةٍ بِتَقدِيرِ أَيَّامِنَا.
فَكَانَ مُكثُ آدَمَ فِي الجَنَّةِ بَعدَ نَفخِ الرُّوحِ فِيهِ إِلَى أَن نَزَلَ إِلَى الأَرضِ مِائَةً وَثَلَاثِينَ عَامًا، وَهَذَا مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «فِيهِ خُلِقَ آدَمُ».
رَابِعًا: لِمَاذَا كَانَ آدَمُ آخِرَ المَخلُوقِينَ فِي الأَيَّامِ السِّتَّةِ؟
إِنَّمَا أُخِّرَ خَلقُ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى آخِرِ يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ السِّتَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَفوَةُ الخَلقِ، أَي: أَفضَلُ ممَن خُلِقَ قَبلَهُ، فَكَانَ مِنَ المُنَاسِبِ أَن يَكُونَ خِتَامَ الخَلقِ، كَمَا أَنَّ الخِتَامَ دَلِيلُ الكَمَالِ وَالتَّشرِيفِ.
وَهَذَا المَعنَى يَتَجَلَّى أَيضًا فِي خَلقِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُوَ سَيِّدُ الخَلقِ وَإِمَامُ العَالَمِينَ، وَقَد كَانَ آخِرَ الأَنبِيَاءِ بَعثًا، لَم يُبعَث إِلَّا بَعدَ أَن بُعِثَ جَمِيعُ الأَنبِيَاءِ، وَفِي ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ بَدِيعَةٌ مَعَ قَولِ اللهِ تَعَالَى فِي وَصفِ شَرَابِ أَهلِ الجَنَّةِ: ﴿خِتَامُهُ مِسكٌ﴾ [سورة المطففين: 26].
خَامِسًا: مِيزَانُ الفَضلِ عِندَ اللهِ تَعَالَى
لَيسَ الفَضلُ عِندَ اللهِ تَعَالَى بِطُولِ العُمُرِ، وَلَا بِكَثرَةِ السِّنِينَ، وَلَا بِمُجَرَّدِ كَثرَةِ الأَعمَالِ، إِنَّمَا الفَضلُ كُلُّهُ بِتَفضِيلِ اللهِ وَاختِيَارِهِ.
فَسَيِّدُنَا آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَاشَ أَلفَ سَنَةٍ، وَسَيِّدُنَا نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ عَاشَ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيسَا أَفضَلَ الأَنبِيَاءِ، بَل أَفضَلُهُم خَمسَةٌ كَمَا رَوَى الحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: خِيَارُ الأَنبِيَاءِ خَمسَةٌ: مُحَمَّدٌ، وَإِبرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَنُوحٌ، وَخَيرُ الخَمسَةِ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَكَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَقَلَّ الأَنبِيَاءِ عُمُرًا بَعدَ النُّبُوَّةِ، إِذ عَاشَ بَعدَ البعثَةِ ثَلَاثًا وَعِشرِينَ سَنَةً فَقَط، وَمَعَ ذَلِكَ فَضَّلَهُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ، فَعُلِمَ أَنَّ المِيزَانَ لَيسَ طُولَ العُمُرِ وَلَا كَثرَةَ الزَّمَانِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَالفَضلُ كُلُّهُ بِتَفضِيلِ اللهِ تَعَالَى، يَختَارُ مَن يَشَاءُ، وَيَرفَعُ مَن يَشَاءُ، لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ، فَحَرِيٌّ بِالعَبدِ أَن يَتَوَاضَعَ لِرَبِّهِ، وَأَن يَعلَمَ أَنَّ القَبُولَ وَالرِّفعَةَ وَالفَضلَ كُلَّهَا بِيَدِ اللهِ، فَيَسأَلَهُ الإِخلَاصَ وَحُسنَ الخَاتِمَةِ، لَا الِاغتِرَارَ بِالأَعمَالِ وَالأَعمَارِ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.