الحَمدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ، حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَهٰذِهِ مَسأَلَةٌ يَكثُرُ الوُقُوفُ عِندَهَا، وَيَتَكَرَّرُ السُّؤَالُ عَنهَا كُلَّمَا اجتَمَعَ العِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَومٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ مِنَ المَسَائِلِ الفِقهِيَّةِ الَّتِي تَنَوَّعَت فِيهَا أَنظَارُ الفُقَهَاءِ، وَتَعَدَّدَت فِيهَا المَأخَذَاتُ وَالاستِدلَالَاتُ.
حُكمُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ إِذَا وَافَقَت يَومَ العِيدِ
كَثُرَ السُّؤَالُ عَن هٰذِهِ المَسأَلَةِ، وَصُورَتُهَا: إِذَا وَافَقَ يَومُ العِيدِ يَومَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّينَا صَلَاةَ العِيدِ، فَهَل تَسقُطُ عَنَّا صَلَاةُ الجُمُعَةِ؟
وَالجَوَابُ: أَنَّ صَلَاةَ الجُمُعَةِ فَرضُ عَينٍ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ انطَبَقَت عَلَيهِ شُرُوطُ وُجُوبِهَا، وَلِذٰلِكَ فَإِذَا وَافَقَ أَوَّلُ أَيَّامِ عِيدِ الفِطرِ أَو عِيدِ الأَضحَى يَومَ الجُمُعَةِ، وَجَبَت إِقَامَةُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَلَا تَسقُطُ بِصَلَاةِ العِيدِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الجُمُعَةِ فَرضٌ، وَصَلَاةَ العِيدِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالسُّنَّةُ لَا تُسقِطُ الفَرِيضَةَ، وَلَا تُجزِئُ عَنهَا. وَذٰلِكَ لِقَولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيعَ ذَلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ (٩)﴾ [الجُمُعَة: ٩].
وَهٰذَا هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيهِ جُمهُورُ فُقَهَاءِ المُسلِمِينَ؛ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وَالمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عِندَ الحَنَابِلَةِ أَيضًا.
وَقَد ذَهَبَ الحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى إِلَى أَنَّ مَن صَلَّى العِيدَ لَا يُطَالَبُ بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ مُطلَقًا، وَإِنَّمَا يُصَلِّي الظُّهرَ.
وَقَد حَدَثَ فِي عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَن وَافَقَ يَومُ العِيدِ يَومَ الجُمُعَةِ، فَكَانَ هَديُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَاتَينِ، وَخَطَبَ الخُطبَتَينِ، وَلَم يَترُكِ الجُمُعَةَ وَلَا العِيدَ، وَذٰلِكَ أَمرٌ مَشهُورٌ مَعرُوفٌ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ جَمَاهِيرُ فُقَهَاءِ المُسلِمِينَ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وَالمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٍ عِندَ الحَنَابِلَةِ.
وَإِنَّمَا رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي تَركِ الجُمُعَةِ ذٰلِكَ اليَومَ لِأَهلِ العَوَالِي، الَّذِينَ بَعُدَت مَنَازِلُهُم عَنِ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ، وَيَشُقُّ عَلَيهِمُ الذَّهَابُ وَالإِيَابُ مَرَّتَينِ لِلصَّلَاتَينِ، فَرَخَّصَ لَهُم أَن يُصَلُّوا الظُّهرَ فِي أَحيَائِهِم، وَذٰلِكَ فِي قَولِهِ ﷺ: «قَدِ اجتَمَعَ فِي يَومِكُم هٰذَا عِيدَانِ؛ فَمَن شَاءَ أَجزَأَهُ مِنَ الجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ».
وَقَد حَمَلَ جُمهُورُ العُلَمَاءِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وَالمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ هٰذَا الحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ وَارِدٌ فِي حَقِّ مَن أَتَى لِصَلَاةِ العِيدِ مِن خَارِجِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، مِمَّن لَا تَجِبُ عَلَيهِمُ الجُمُعَةُ ابتِدَاءً؛ لِكُونِهِم قَاطِنِينَ خَارِجَ المُدُنِ وَالعُمرَانِ، فَهٰؤُلَاءِ إِنِ انتَظَرُوا حَتَّى يُصَلُّوا الجُمُعَةَ كَانَ فِي ذٰلِكَ مَشَقَّةٌ عَلَيهِم، وَكَذٰلِكَ لَو رَجَعُوا إِلَى أَهلِيهِم ثُمَّ جَاؤُوا لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ؛ فَرُخِّصَ لَهُم حِينَئِذٍ فِي تَركِ الجُمُعَةِ.
وَقَد جَاءَ فِي «مُغنِي المُحتَاجِ» (١/ ٥٣٩): «وَلَو وَافَقَ العِيدُ يَومَ جُمُعَةٍ فَحَضَرَ أَهلُ القَريَةِ الَّذِينَ يَبلُغُهُمُ النِّدَاءُ لِصَلَاةِ العِيدِ، وَلَو رَجَعُوا إِلَى أَهلِهِم فَاتَتهُمُ الجُمُعَةُ، فَلَهُمُ الرُّجُوعُ وَتَركُ الجُمُعَةِ يَومَئِذٍ عَلَى الأَصَحِّ، فَتُستَثنَى هٰذِهِ مِن إِطلَاقِ المُصَنِّفِ، نَعَم لَو دَخَلَ وَقتُهَا قَبلَ انصِرَافِهِم، كَأَن دَخَلَ عَقِبَ سَلَامِهِم مِنَ العِيدِ، فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيخُنَا أَنَّهُ لَيسَ لَهُم تَركُهَا».
وَجَاءَ فِي «البِنَايَةِ شَرحِ الهِدَايَةِ» (٣/ ٩٧): «ثُمَّ المُرَادُ مِنِ اجتِمَاعِ العِيدَينِ هَاهُنَا اتِّفَاقُ كَونِ يَومِ الفِطرِ أَو يَومِ الأَضحَى فِي يَومِ الجُمُعَةِ…، وَلَا يُترَكُ بِوَاحِدٍ مِنهُمَا: أَي مِنَ العِيدِ وَالجُمُعَةِ، أَمَّا الجُمُعَةُ فَلِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ، وَأَمَّا العِيدُ فَلِأَنَّ تَركَهَا بِدعَةٌ وَضَلَالٌ…، قَولُهُ: وَإِنَّمَا مُجَمِّعُونَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَركَهَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا أَطلَقَ لَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَيَّرَهُم عُثمَانُ؛ لِأَنَّهُم كَانُوا أَهلَ أَبعَدِ قُرَى المَدِينَةِ، وَإِذَا رَجَعَ أَهلُ القُرَى قَبلَ صَلَاةِ الجُمُعَةِ لَا بَأسَ بِهِ».
تَرخِيصُ الشَّرعِ لِأَهلِ القُرَى فِي تَركِ الجُمُعَةِ
وَإِنَّمَا رَخَّصَ الشَّرعُ الحَنِيفُ، عِندَ اتِّفَاقِ يَومِ العِيدِ وَيَومِ الجُمُعَةِ، لِأَهلِ السَّوَادِ – وَهُم أَهلُ القُرَى – إِذَا حَضَرُوا فَصَلَّوا العِيدَ، أَن يَنصَرِفُوا وَيَترُكُوا الجُمُعَةَ.
وَدَلِيلُ ذٰلِكَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَن عُثمَانَ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ فِي خُطبَتِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدِ اجتَمَعَ عِيدَانِ فِي يَومِكُم، فَمَن أَرَادَ مِن أَهلِ العَالِيَةِ أَن يُصَلِّيَ مَعَنَا الجُمُعَةَ فَليُصَلِّ، وَمَن أَرَادَ أَن يَنصَرِفَ فَليَنصَرِف».
وَلَم يُنكِر عَلَيهِ أَحَدٌ، وَلِأَنَّهُم إِن قَعَدُوا فِي البَلَدِ لَم يَتَهَيَّؤُوا بِالعِيدِ، فَإِن خَرَجُوا ثُمَّ رَجَعُوا لِلجُمُعَةِ كَانَ عَلَيهِم فِي ذٰلِكَ مَشَقَّةٌ، وَالجُمُعَةُ تَسقُطُ بِالمَشَقَّةِ.
وَالعَالِيَةُ – بِالعَينِ المُهمَلَةِ – هِيَ قَريَةٌ بِالمَدِينَةِ مِن جِهَةِ الشَّرقِ، وَأَهلُ السَّوَادِ هُم أَهلُ القُرَى، وَالمُرَادُ هُنَا: أَهلُ القُرَى الَّذِينَ يَبلُغُهُمُ النِّدَاءُ، وَيَلزَمُهُم حُضُورُ الجُمُعَةِ فِي البَلَدِ فِي غَيرِ العِيدِ.
قَولُ الشَّافِعِيِّ وَالأَصحَابِ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالأَصحَابُ: إِذَا اتَّفَقَ يَومُ الجُمُعَةِ يَومَ عِيدٍ، وَحَضَرَ أَهلُ القُرَى الَّذِينَ تَلزَمُهُمُ الجُمُعَةُ لِبُلُوغِ نِدَاءِ البَلَدِ، فَصَلَّوا العِيدَ، لَم تَسقُطِ الجُمُعَةُ بِلَا خِلَافٍ عَن أَهلِ البَلَدِ.
وَأَمَّا أَهلُ القُرَى، فَفِيهِم وَجهَانِ:
✦ الصَّحِيحُ المَنصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي «الأُمِّ» وَالقَدِيمِ: أَنَّهَا تَسقُطُ.
✦ وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَسقُطُ.
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ «الأُمِّ» فِي «بَابِ اجتِمَاعِ العِيدَينِ»: أَخبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: أَخبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخبَرَنَا إِبرَاهِيمُ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنَا إِبرَاهِيمُ بنُ عُقبَةَ، عَن عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ، قَالَ: «اجتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَن أَحَبَّ أَن يَجلِسَ مِن أَهلِ العَالِيَةِ فَليَجلِس، لَا حَرَجَ».
وَأَخبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: أَخبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبِي عُبَيدٍ مَولَى ابنِ أَزهَرَ، قَالَ: «شَهِدتُ العِيدَ مَعَ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انصَرَفَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدِ اجتَمَعَ لَكُم فِي يَومِكُم هٰذَا عِيدَانِ، فَمَن أَحَبَّ مِن أَهلِ العَالِيَةِ أَن يَنتَظِرَ الجُمُعَةَ فَليَنتَظِرهَا، وَمَن أَحَبَّ أَن يَرجِعَ فَليَرجِع، فَقَد أَذِنتُ لَهُ».
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «إِذَا كَانَ يَومُ الفِطرِ يَومَ الجُمُعَةِ، صَلَّى الإِمَامُ العِيدَ حِينَ تَحِلُّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ أَذِنَ لِمَن حَضَرَهُ مِن غَيرِ أَهلِ المِصرِ أَن يَنصَرِفُوا إِن شَاءُوا، وَلَا يَعُودُونَ لِلجُمُعَةِ، وَالاختِيَارُ لَهُم أَن يُقِيمُوا حَتَّى يُجَمِّعُوا، أَو يَعُودُوا بَعدَ انصِرَافِهِم إِن قَدَرُوا. وَإِن لَم يَفعَلُوا، فَلَا حَرَجَ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَلَا يَجُوزُ هٰذَا لِأَحَدٍ مِن أَهلِ المِصرِ أَن يَدَعُوا أَن يُجَمِّعُوا إِلَّا مِن عُذرٍ يَجُوزُ لَهُم بِهِ تَركُ الجُمُعَةِ، وَإِن كَانَ يَومَ عِيدٍ. وَهٰكَذَا إِن كَانَ يَومُ الأَضحَى، لَا يُختَلَفُ، إِذَا كَانَ بِبَلَدٍ يُجمَعُ فِيهِ الجُمُعَةُ وَتُصَلَّى فِيهِ العِيدُ. وَلَا يُصَلِّي أَهلُ مِنًى صَلَاةَ الأَضحَى وَلَا الجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهَا لَيسَت بِمِصرٍ». اهـ.
قَولُ الشَّافِعِيَّةِ:
قَالَ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي [المَجمُوعِ]: «قَد ذَكَرنَا أَنَّ مَذهَبَنَا وُجُوبُ الجُمُعَةِ عَلَى أَهلِ البَلَدِ، وَسُقُوطُهَا عَن أَهلِ القُرَى. وَبِهِ قَالَ: عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَعُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ، وَجُمهُورُ العُلَمَاءِ وَقَالَ أَحمَدُ: تَسقُطُ الجُمُعَةُ عَن أَهلِ القُرَى وَأَهلِ البَلَدِ، وَلٰكِن يَجِبُ عَلَيهِمُ الظُّهرُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَسقُطُ الجُمُعَةُ عَن أَهلِ البَلَدِ وَلَا أَهلِ القُرَى. وَاحتَجَّ الَّذِينَ أَسقَطُوا الجُمُعَةَ عَنِ الجَمِيعِ بِحَدِيثِ زَيدِ بنِ أَرقَمَ، قَالَ: «شَهِدتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عِيدَينِ اجتَمَعَا، فَصَلَّى العِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الجُمُعَةِ، وَقَالَ: مَن شَاءَ أَن يُصَلِّيَ فَليُصَلِّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابنُ مَاجَه، بِإِسنَادٍ جَيِّدٍ، وَلَم يُضَعِّفهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِ اجتَمَعَ فِي يَومِكُم هٰذَا عِيدَانِ، فَمَن شَاءَ أَخَّرَ أَمرَ الجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابنُ مَاجَه، بِإِسنَادٍ ضَعِيفٍ. وَاحتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الأَصلَ الوُجُوبُ، وَاحتَجَّ أَصحَابُنَا بِحَدِيثِ عُثمَانَ» اهـ.
وَقَالَ أَيضًا فِي [رَوضَةِ الطَّالِبِينَ]: «إِذَا وَافَقَ يَومُ العِيدِ يَومَ الجُمُعَةِ، وَحَضَرَ أَهلُ القُرَى الَّذِينَ يَبلُغُهُمُ النِّدَاءُ لِصَلَاةِ العِيدِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَوِ انصَرَفُوا لَفَاتَتهُمُ الجُمُعَةُ، فَلَهُم أَن يَنصَرِفُوا وَيَترُكُوا الجُمُعَةَ فِي هٰذَا اليَومِ، عَلَى الصَّحِيحِ المَنصُوصِ، فِي القَدِيمِ وَالجَدِيدِ».
وَقَالَ الرَّملِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي [نِهَايَةِ المُحتَاجِ]: «لَو وَافَقَ العِيدُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَحَضَرَ أَهلُ القَريَةِ الَّذِينَ بَلَغَهُمُ النِّدَاءُ لِصَلَاةِ العِيدِ، فَلَهُمُ الرُّجُوعُ قَبلَ صَلَاتِهَا، وَتَسقُطُ عَنهُم، وَإِن قَرُبُوا مِنهَا، وَسَمِعُوا النِّدَاءَ، وَأَمكَنَهُم إِدرَاكُهَا لَو عَادُوا إِلَيهَا؛ لِخَبَرِ: «مَن أَحَبَّ أَن يَشهَدَ مَعَنَا الجُمُعَةَ فَليَفعَل، وَمَن أَحَبَّ أَن يَنصَرِفَ فَليَفعَل» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّهُم لَو كُلِّفُوا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ، أَو بِالعَودِ إِلَى الجُمُعَةِ، لَشَقَّ عَلَيهِم، وَالجُمُعَةُ تَسقُطُ بِالمَشَاقِّ. وَمُقتَضَى التَّعلِيلِ: أَنَّهُ لَو لَم يَحضُرُوا، كَأَن صَلَّوا العِيدَ بِمَكَانِهِم، لَزِمَتهُمُ الجُمُعَةُ، وَهُوَ كَذٰلِكَ. وَمَحَلُّ مَا مَرَّ: مَا لَم يَدخُل وَقتُهَا قَبلَ انصِرَافِهِم، فَإِن دَخَلَ عَقِبَ سَلَامِهِم مِنَ العِيدِ، لَم يَكُن لَهُم تَركُهَا». اهـ.
قَولُ ابنِ المُنذِرِ وَالإِجمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الجُمُعَةِ:
قَالَ الإِمَامُ أَبُو بَكرٍ مُحَمَّدُ بنُ إِبرَاهِيمَ بنِ المُنذِرِ النَّيسَابُورِيُّ فِي كِتَابِهِ «الأَوسَطُ فِي السُّنَنِ وَالإِجمَاعِ وَالاختِلَافِ: «أَخبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: أَخبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبِي عُبَيدٍ، مَولَى ابنِ أَزهَرَ، قَالَ: «شَهِدتُ العِيدَ مَعَ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انصَرَفَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدِ اجتَمَعَ لَكُم فِي يَومِكُم هٰذَا عِيدَانِ، فَمَن أَحَبَّ مِن أَهلِ العَالِيَةِ أَن يَنتَظِرَ الجُمُعَةَ فَليَنتَظِرهَا، وَمَن أَحَبَّ أَن يَرجِعَ فَليَرجِع، فَقَد أَذِنتُ لَهُ».
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثلَهُ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ هٰذَا لِأَحَدٍ مِن أَهلِ المِصرِ أَن يَدَعُوا أَن يُجَمِّعُوا إِلَّا مِن عُذرٍ. وَقَالَ النُّعمَانُ: فِي العِيدَينِ إِذَا اجتَمَعَا فِي يَومٍ وَاحِدٍ: يَشهَدُهُمَا جَمِيعًا، الأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالآخَرُ فَرِيضَةٌ، وَلَا يُترَكُ وَاحِدٌ مِنهُمَا.
قَالَ أَبُو بَكرٍ: «أَجمَعَ أَهلُ العِلمِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ. وَدَلَّتِ الأَخبَارُ الثَّابِتَةُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ خَمسٌ. وَصَلَاةُ العِيدَينِ لَيسَت مِنَ الخَمسِ. فَإِذَا دَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الأَخبَارُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ العِيدِ تَطَوُّعٌ، لَم يَجُز تَركُ فَرضٍ بِتَطَوُّعٍ» اهـ.
أَقوَالُ الأَئِمَّةِ فِي اجتِمَاعِ العِيدِ وَالجُمُعَةِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ:
قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيبَانِيُّ فِي [الجَامِعِ الصَّغِيرِ]: «مُحَمَّدٌ عَن يَعقُوبَ عَن أَبِي حَنِيفَةَ: عِيدَانِ اجتَمَعَا فِي يَومٍ وَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالآخَرُ فَرِيضَةٌ، وَلَا يُترَكُ وَاحِدٌ مِنهُمَا»؛ يَعنِي: العِيدَ وَالجُمُعَةَ.
وَقَالَ مالكٌ أَيضًا فِي [المُوَطَّأِ]، عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، عَن مُحَمَّدِ بنِ شِهَابٍ الزُّهرِيِّ، عَن أَبِي عُبَيدٍ مَولَى ابنِ أَزهَرَ، أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: «شَهِدتُ العِيدَ مَعَ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه، فَصَلَّى ثُمَّ انصَرَفَ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدِ اجتَمَعَ لَكُم فِي يَومِكُم هٰذَا عِيدَانِ، فَمَن أَحَبَّ مِن أَهلِ العَالِيَةِ أَن يَرجِعَ، فَقَد أَذِنتُ لَهُ».
ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ: «وَبِهٰذَا كُلِّهِ نَأخُذُ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ عُثمَانُ فِي الجُمُعَةِ لِأَهلِ العَالِيَةِ؛ لِأَنَّهُم لَيسُوا مِن أَهلِ المِصرِ، وَهُوَ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ».
وَالعَالِيَةُ عَلَى أَميَالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ هٰذَا الحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ فِي الأَضَاحِي، كَمَا أَخرَجَهُ يَحيَى اللَّيثِيُّ فِي «المُوَطَّأِ».
قَولُ المَالِكِيَّةِ:
قَالَ أَبُو الوَلِيدِ البَاجِيُّ المَالِكِيُّ فِي شَرحِهِ: «رَوَى ابنُ وَهبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابنُ المَاجِشُونِ عَن مَالِكٍ أَنَّ ذٰلِكَ – أَيِ الإِذنَ لِأَهلِ العَوَالِي وَالقُرَى – جَائِزٌ، وَبِهٰذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ».
وَقَالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ، كَمَا نَقَلَ عَنهُ البَدرُ العَينِيُّ فِي «البِنَايَةِ شَرحِ الهِدَايَةِ»: «سُقُوطُ الجُمُعَةِ وَالظُّهرِ بِصَلَاةِ العِيدِ مَترُوكٌ مَهجُورٌ، لَا يُعَوَّلُ عَلَيهِ».
قَولُ الحَنَفِيَّةِ:
قَالَ ابنُ عَابِدِينَ الحَنَفِيُّ فِي [حَاشِيَتِهِ، فِي بَابِ العِيدَينِ]: «وَتَجِبُ عَلَى مَن تَجِبُ عَلَيهِ الجُمُعَةُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ فِي [الهِدَايَةِ]، نَاقِلًا عَن [الجَامِعِ الصَّغِيرِ]: «عِيدَانِ اجتَمَعَا فِي يَومٍ وَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي فَرِيضَةٌ، وَلَا يُترَكُ وَاحِدٌ مِنهُمَا». اهـ.
قَالَ فِي «المِعرَاجِ»: احتَرَزَ بِهِ عَن قَولِ عَطَاءٍ: تُجزِئُ صَلَاةُ العِيدِ عَنِ الجُمُعَةِ، وَمِثلُهُ عَن عَلِيٍّ وَابنِ الزُّبَيرِ. قَالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: سُقُوطُ الجُمُعَةِ بِالعِيدِ مَهجُورٌ. وَعَن عَلِيٍّ: أَنَّ ذٰلِكَ فِي أَهلِ البَادِيَةِ وَمَن لَا تَجِبُ عَلَيهِمُ الجُمُعَةُ. اهـ.
خُلَاصَةُ المَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ: الشَّافِعِيَّةِ، وَالمَالِكِيَّةِ، وَالحَنَفِيَّةِ
يَظهَرُ مِن خِلَالِ هٰذِهِ النُّقُولَاتِ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى وُجُوبَ الجُمُعَةِ عَلَى أَهلِ الأَمصَارِ وَالقُرَى، وَلَا تَسقُطُ عَن أَحَدٍ مِنهُم، وَيُؤَيِّدُهُ فِي ذٰلِكَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصلِ مَذهَبِهِ، وَابنُ عَبدِ البَرِّ، وَغَيرُهُم.
وَأَنَّ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ رضي الله عنه رَخَّصَ لِأَهلِ العَالِيَةِ خَاصَّةً دُونَ أَهلِ المَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُم مِنَ القُرَى لَا مِنَ المِصرِ.
وَأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ، وَالحَنَابِلَةَ، وَالمَالِكِيَّةَ فِي رِوَايَاتٍ أُخرَى، يُجَوِّزُونَ تَركَ الجُمُعَةِ لِأَهلِ القُرَى خَاصَّةً دُونَ أَهلِ الأَمصَارِ، إِذَا صَلَّوا العِيدَ.
وَأَنَّ مِنَ العُلَمَاءِ مَن نَقَلَ سُقُوطَ الجُمُعَةِ عَنِ الجَمِيعِ، وَمِنهُم مَن شَدَّدَ فِي أَنَّ الأَصلَ هُوَ الوُجُوبُ، وَلَا تُجزِئُ إِحدَاهُمَا عَنِ الأُخرَى.
وَعَلَيهِ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيهِ جُمهُورُ العُلَمَاءِ: أَنَّ الجُمُعَةَ لَا تَسقُطُ عَن أَهلِ الأَمصَارِ، وَمَن رُخِّصَ لَهُ فِي تَركِهَا فَلَهُ عُذرٌ، كَأَهلِ البَوَادِي وَالقُرَى البَعِيدَةِ، مَعَ التَّأكِيدِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الظُّهرِ لَا تَسقُطُ عَنهُم فِي هٰذِهِ الحَالِ.
أَقوَالُ الحَنَابِلَةِ فِي سُقُوطِ الجُمُعَةِ إِذَا وَافَقَهَا العِيدُ
قَولُ الحَنَابِلَةِ:
قَالَ ابنُ قُدَامَةَ فِي [المُغنِي]: «وَإِنِ اتَّفَقَ عِيدٌ فِي يَومِ الجُمُعَةِ، سَقَطَ حُضُورُ الجُمُعَةِ عَمَّن صَلَّى العِيدَ، إِلَّا الإِمَامَ؛ فَإِنَّهَا لَا تَسقُطُ عَنهُ، إِلَّا أَن يَجتَمِعَ لَهُ مَن يُصَلِّي بِهِ الجُمُعَةَ. وَقِيلَ: فِي وُجُوبِهَا عَلَى الإِمَامِ رِوَايَتَانِ. وَمِمَّن قَالَ بِسُقُوطِهَا: الشَّعبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالأَوزَاعِيُّ، وَقِيلَ: هٰذَا مَذهَبُ عُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعِيدٍ، وَابنِ عُمَرَ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَابنِ الزُّبَيرِ. وَقَالَ أَكثَرُ الفُقَهَاءِ: تَجِبُ الجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الآيَةِ وَالأَخبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا، وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ وَاجِبَتَانِ، فَلَم تَسقُط إِحدَاهُمَا بِالأُخرَى، كَالظُّهرِ مَعَ العِيدِ. وَلَنَا: مَا رَوَى إِيَاسُ بنُ أَبِي رَملَةَ الشَّامِيُّ، قَالَ: شَهِدتُ مُعَاوِيَةَ يَسأَلُ زَيدَ بنَ أَرقَمَ: هَل شَهِدتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِيدَينِ اجتَمَعَا فِي يَومٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَكَيفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى العِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَن شَاءَ أَن يُصَلِّيَ فَليُصَلِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالإِمَامُ أَحمَدُ، وَلَفظُهُ: «مَن شَاءَ أَن يُجَمِّعَ فَليُجَمِّع» وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «اجتَمَعَ فِي يَومِكُم هٰذَا عِيدَانِ، فَمَن شَاءَ أَجزَأَهُ مِنَ الجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» رَوَاهُ ابنُ مَاجَه» اهـ.
وَقَد ذَهَبَ بَعضُ فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ مَن صَلَّى العِيدَ لَا يُطَالَبُ بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ مُطلَقًا، وَإِنَّمَا يُصَلِّي الظُّهرَ، وَيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ إِقَامَةُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ.
فجَاءَ فِي كِتَابِ [الإِنصَافِ] لِلإِمَامِ المَردَاوِيِّ، مِن كُتُبِ المَذهَبِ الحَنبَلِيِّ، قَولُهُ: «وَإِذَا وَقَعَ العِيدُ يَومَ الجُمُعَةِ فَاجتَزَأَ بِالعِيدِ وَصَلَّى ظُهرًا جَازَ، قَالَ: هٰذَا هُوَ المَذهَبُ بِلَا رَيبٍ، وَعَلَيهِ أَكثَرُ الأَصحَابِ، وَهُوَ مِنَ المُفرَدَاتِ. وَرُوِيَ عَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ رِوَايَةٌ أُخرَى: لَا يَجُوزُ، وَلَا بُدَّ مِن صَلَاةِ الجُمُعَةِ. فَعَلَى المَذهَبِ المُعتَمَدِ: تَسقُطُ الجُمُعَةُ عَنِ المُصَلِّينَ لِلعِيدِ إِسقَاطَ حُضُورٍ لَا إِسقَاطَ وُجُوبٍ، فَيَكُونُ حُكمُهُم كَالمَرِيضِ، لَا كَالمُسَافِرِ أَوِ العَبدِ. فَإِن حَضَرُوا الجَامِعَ، لَزِمَتهُمُ الجُمُعَةُ كَمَا تَلزَمُ المَرِيضَ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُم فِيهَا، وَتَنعَقِدُ بِهِم؛ حَتَّى لَو صَلَّى أَهلُ البَلَدِ العِيدَ كُلُّهُم، فَإِنَّ لَهُم إِقَامَةَ الجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ. أَمَّا مَن لَم يُصَلِّ العِيدَ، فَتَجِبُ عَلَيهِ الجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ» اهـ.
وَقَالَ الإِمَامُ البُهُوتِيُّ فِي كِتَابِهِ [كَشَّافِ القِنَاعِ] مَا نَصُّهُ: «وَإِذَا وَقَعَ عِيدٌ يَومَ الجُمُعَةِ، فَصَلُّوا العِيدَ وَالظُّهرَ جَازَ، وَسَقَطَتِ الجُمُعَةُ عَمَّن حَضَرَ العِيدَ مَعَ الإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ قَد صَلَّى العِيدَ، وَقَد قَالَ ﷺ: «مَن شَاءَ أَن يُجَمِّعَ فَليُجَمِّع»، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ مِن حَدِيثِ زَيدِ بنِ أَرقَمَ. وَبِنَاءً عَلَى ذٰلِكَ، فَإِنَّ سُقُوطَ الجُمُعَةِ هُنَا هُوَ إِسقَاطُ حُضُورٍ لَا إِسقَاطُ وُجُوبٍ، فَيَكُونُ حُكمُهُ كَمَرِيضٍ وَنَحوِهِ مِمَّن لَهُ عُذرٌ يُبِيحُ تَركَ الجُمُعَةِ، لَا كَمَن سَقَطَ عَنهُ الوُجُوبُ بِالأَصلِ كَالمُسَافِرِ وَالعَبدِ. وَلِأَنَّ هٰذَا الإِسقَاطَ مَبنِيٌّ عَلَى التَّخفِيفِ، فَإِنَّ الجُمُعَةَ تَنعَقِدُ بِهِ، وَيَصِحُّ أَن يَؤُمَّ فِيهَا. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالأَفضَلُ حُضُورُهَا خُرُوجًا مِنَ الخِلَافِ، إِلَّا الإِمَامَ فَلَا يَسقُطُ عَنهُ حُضُورُ الجُمُعَةِ». اهـ.
وَجَاءَ فِي كِتَابِ [المُبدِعِ (٢/ ١٨٠)]، وَهُوَ مِن كُتُبِ الحَنَابِلَةِ: «وَإِذَا وَقَعَ العِيدُ يَومَ الجُمُعَةِ فَاجتَزَأَ بِالعِيدِ، وَصَلَّى ظُهرًا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَلَيهِ السَّلَامُ صَلَّى العِيدَ، وَقَالَ: مَن شَاءَ أَن يُجَمِّعَ فَليُجَمِّع، رَوَاهُ أَحمَدُ مِن حَدِيثِ زَيدِ بنِ أَرقَمَ، وَحِينَئِذٍ تَسقُطُ الجُمُعَةُ إِسقَاطَ حُضُورٍ لَا وُجُوبٍ، فَيَكُونُ حُكمُهُ كَمَرِيضٍ، لَا كَمُسَافِرٍ وَنَحوِهِ، عَمَّن حَضَرَ العِيدَ مَعَ الإِمَامِ عِندَ الاجتِمَاعِ، وَيُصَلِّي الظُّهرَ كَصَلَاةِ أَهلِ الأَعذَارِ، وَعَنهُ: لَا تَسقُطُ الجُمُعَةُ لِلعُمُومِ، كَالإِمَامِ… هٰذَا المَذهَبُ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابنُ مَاجَه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَدِ اجتَمَعَ فِي يَومِكُم هٰذَا عِيدَانِ، فَمَن شَاءَ أَجزَأَهُ مِنَ الجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ».
وَلٰكِنَّ المُسلِمَ يَحرِصُ عَلَى الأَخذِ بِالأَحوَطِ وَالأَبرَإِ لِلذِّمَّةِ فِي مَسَائِلِ العِبَادَاتِ.
مُرَاعَاةُ الاِحتِيَاطِ فِي أَدَاءِ الصَّلَاتَينِ
بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنَّ الاِحتِيَاطَ فِي الدِّينِ يَقتَضِي المُحَافَظَةَ عَلَى صَلَاتَيِ العِيدِ وَالجُمُعَةِ فِي ذٰلِكَ اليَومِ، وَهُوَ مَذهَبُ جُمهُورِ الفُقَهَاءِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ وَالمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ مُعتَمَدَةٌ فِي المَذهَبِ الحَنبَلِيِّ.
أَمَّا الرِّوَايَةُ الأُخرَى عِندَ الحَنَابِلَةِ، فَتَرَى أَنَّ مَن صَلَّى العِيدَ لَا يُطَالَبُ بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا يَكتَفِي بِأَدَاءِ صَلَاةِ الظُّهرِ.
رَدُّ القَولِ بِسُقُوطِ صَلَاةِ الظُّهرِ
وَأَمَّا القَولُ بِسُقُوطِ صَلَاةِ الظُّهرِ عَمَّن تَرَكَ الجُمُعَةَ بَعدَ العِيدِ، فَهٰذَا لَم يَقُل بِهِ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ المُوجِبَةِ لِلصَّلَوَاتِ الخَمسِ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ.
فالقَولُ بِسُقُوطِ صَلَاةِ الظُّهرِ عَمَّن صَلَّى العِيدَ إِذَا وَافَقَ يَومَ جُمُعَةٍ، فَلَا يُلتَفَتُ إِلَيهِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَذَاهِبِ أَهلِ السُّنَّةِ المُعتَبَرَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ المُوجِبَةِ لِلصَّلَوَاتِ الخَمسِ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، فَلَا يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ، وَلَا تَقلِيدُهُ، وَلَا الإِفتَاءُ بِهِ، وَلَا عِبرَةَ بِمَا وَرَدَ فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ مِن أَحَادِيثَ تُنسَبُ إِلَى بَعضِ الصَّحَابَةِ، ظَاهِرُهَا إِسقَاطُ الظُّهرِ إِذَا اجتَمَعَ العِيدَانِ؛ فَهٰذِهِ الآثَارُ لَا تَثبُتُ سَنَدًا، وَلَيسَ فِي مُتُونِهَا دَلَالَةٌ عَلَى هٰذَا القَولِ الغَرِيبِ، وَلَو ثَبَتَت فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِالأَدِلَّةِ القَطعِيَّةِ المَصحُوبَةِ بِإِجمَاعِ المُسلِمِينَ عَلَى وُجُوبِ الخَمسِ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، فَتُقَدَّمُ عَلَيهَا فِي نَظَرِ أَهلِ العِلمِ.
فَلَا فُسحَةَ لِلجَدَلِ وَالخِلَافِ الَّذِي يُفَرِّقُ صُفُوفَ المُسلِمِينَ، بَلِ الوَاجِبُ العَمَلُ بِالمُحكَمَاتِ، وَتَركُ المُتَشَابِهَاتِ، وَالتَّسلِيمُ بِمَا استَقَرَّت عَلَيهِ مَذَاهِبُ المُسلِمِينَ المَتبُوعَةُ.
وَقَد أَجمَعَ أَهلُ العِلمِ عَلَى عَدَمِ سُقُوطِ الفَرِيضَةِ فِي هٰذِهِ الحَالَةِ، فَلَا يَجُوزُ العَمَلُ بِهٰذَا القَولِ، وَلَا تَقلِيدُهُ، وَلَا الإِفتَاءُ بِمَضمُونِهِ.
الخُلَاصَةُ الخِتَامِيَّةُ
وَبَعدَ هٰذَا التَّتَبُّعِ وَالتَّحقيقِ فِي أَقوَالِ أَهلِ العِلمِ وَأَدِلَّتِهِم، يَتَبَيَّنُ أَنَّ هٰذِهِ المَسأَلَةَ مِن مَوَاضِعِ الخِلَافِ الفِقهِيِّ القَدِيمِ بَينَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ، وَلِكُلِّ فَرِيقٍ دَلِيلُهُ وَمُستَنَدُهُ مِنَ السُّنَّةِ وَالآثَارِ.
إِلَّا أَنَّ الأَرجَحَ – وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ – أَنَّ صَلَاةَ الجُمُعَةِ لَا تَسقُطُ بِحُضُورِ صَلَاةِ العِيدِ، بَل يَجِبُ أَدَاؤُهَا عَلَى مَن وَجَبَت عَلَيهِ؛ عَمَلًا بِالعُمُومَاتِ القُرآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ، وَاحتِيَاطًا لِلدِّينِ، وَمُرَاعَاةً لِهَديِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ الكِرَامِ بَعدَهُ.
وَأَمَّا مَن أَخَذَ بِالرُّخصَةِ فَصَلَّى العِيدَ وَتَرَكَ الجُمُعَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُعفَى مِن أَدَاءِ صَلَاةِ الظُّهرِ؛ إِذ لَا تَسقُطُ الفَرِيضَةُ بِإِجمَاعِ أَهلِ العِلمِ.
فَعَلَى الأَئِمَّةِ وَالجِهَاتِ المَسؤُولَةِ إِقَامَةُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذ قَالَ: «وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ»، وَهٰذَا هُوَ فِعلُ أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم، وَغَيرِهِم مِنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِه الطيبين.