مُقَدِّمَةٌ فِي خَطَرِ تَشَوُّشِ المَعَايِيرِ
اَلحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ؛ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا ابتُلِيَت بِهِ الأُمَّةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ: تَشَوُّشَ المَعَايِيرِ، وَاختِلَاطَ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، وَالتِبَاسَ الصِّدقِ بِالزَّيفِ؛ حَتَّى لَم يَعُدِ التَّميِيزُ بَينَهُمَا مَيسُورًا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَيدَانِ الدَّعوَةِ، وَفِي أَبوَابِ الِانتِسَابِ إِلَى العِلمِ وَالمَشيَخَةِ.
وَإِنَّ هَذَا الِاختِلَاطَ لَم يَعُد مُجَرَّدَ تَشَوُّشٍ عَابِرٍ، بَل أَصبَحَ ظَاهِرَةً تُربِكُ العُقُولَ، وَتَصرِفُ القُلُوبَ عَن جَوهَرِ الدِّينِ إِلَى صُوَرِهِ، وَتَحمِلُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَلَى تَقدِيسِ الأَسمَاءِ وَالعُنوَانَاتِ، بَدَلَ تَعظِيمِ الحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ. فَتَرَى أَقوَامًا يُصَفِّقُونَ لِكُلِّ مَن رَفَعَ شِعَارًا دِينِيًّا، وَيَتَجَاوَزُونَ عَنِ المَضَامِينِ وَالمَقَاصِدِ، وَيُحَاسِبُونَ عَلَى القِشرِ دُونَ اللُّبِّ.
وَمِن هُنَا تَأتِي أَهَمِّيَّةُ مَعرِفَةِ الفِئَاتِ الَّتِي تُلَبِّسُ عَلَى النَّاسِ دِينَهُم، وَتُشَوِّهُ صُورَةَ الحَقِّ، وَتُطمِسُ مَعَالِمَهُ؛ فَهَذَا لَيسَ مِن ضُرُوبِ الجَدَلِ العَابِرِ، بَل هُوَ مِن أَخطَرِ أَبوَابِ الفِتنَةِ، وَمِن أَوجَبِ مَوَاضِعِ البَصِيرَةِ وَالذَّبِّ عَنِ الدِّينِ؛ لِيَبقَى صَرِيحًا بَيِّنًا كَمَا أُنزِلَ، لَا تَلوِيهِ الأَهوَاءُ، وَلَا تَعبَثُ بِهِ الشُّبُهَاتُ، وَلِيَبقَى صَافِيًا نَقِيًّا لَا تَشُوبُهُ المُدَاهَنَاتُ، وَلَا تُفسِدُهُ المُسَاوَمَاتُ.
أَسبَابُ تَشَوُّشِ المَعَايِيرِ فِي زَمَانِنَا
إِنَّ تَشَوُّشَ المَعَايِيرِ لَهُ أَسبَابٌ كَثِيرَةٌ، مِنهَا: ضَعفُ العِلمِ الشَّرعِيِّ عِندَ الجُمهُورِ، وَكَثرَةُ مَصَادِرِ التَّلَقِّي غَيرِ المُنضَبِطَةِ، وَانتِشَارُ المَنَابِرِ الإِلِكتُرُونِيَّةِ الَّتِي تُظهِرُ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ فِي مَظهَرِ المُفتِي، وَتَجعَلُ كُلَّ مُتَحَمِّسٍ فِي مَقَامِ المُرَبِّي.
وَمِنهَا: حُبُّ العَاجِلِ مِنَ الشُّهرَةِ، وَالبَحثُ عَنِ المُتَابَعَاتِ وَالثَّنَاءِ، فَيَتَحَوَّلُ الدِّينُ عِندَ بَعضِ النَّاسِ مِن رِسَالَةٍ تُقَامُ لِلَّهِ، إِلَى مَشرُوعٍ يُسَوَّقُ لِلنَّاسِ. وَمِنهَا أَيضًا: تَدَخُّلُ الهَوَى السِّيَاسِيِّ أَوِ الفِكرِيِّ فِي الخِطَابِ الدَّعَوِيِّ، فَيُصبِحُ المَقصَدُ هُوَ تَحقِيقَ الغَلَبَةِ وَالتَّأثِيرِ، لَا تَحقِيقَ الهِدَايَةِ وَالإِصلَاحِ.
اِحذَرُوا هَذِهِ الفِئَاتِ، وَاحتَرِسُوا مِنهَا
اِختَلَطَ فِي أَيَّامِنَا كَثِيرٌ مِنَ الصَّحِيحِ بِالفَاسِدِ، حَتَّى فِيمَا بَينَ مَن يَدَّعُونَ المَشيَخَةَ وَالدَّعوَةَ إِلَى الإِسلَامِ. فَلَا يَنبَغِي لِمُسلِمٍ أَن يُسَلِّمَ عَقلَهُ وَقَلبَهُ لِكُلِّ مَن تَزَيَّا بِزِيِّ العُلَمَاءِ، أَو تَحَدَّثَ بِاسمِ الدِّينِ؛ فَإِنَّ أَخطَرَ مَا يَهدِمُ الحَقَّ أَن يُهدَمَ مِن دَاخِلِهِ، وَأَن يُحَارَبَ بِاسمِهِ، وَأَن يُطعَنَ فِيهِ مِن أَهلِهِ ظَاهِرًا.
وَفِي هَذَا المَقَامِ نَعرِضُ أَربَعَ فِئَاتٍ تُعَدُّ مِن أَبلَغِ مَظَاهِرِ التَّلبِيسِ عَلَى النَّاسِ، وَلَكِن لِتَبصِيرِ النُّفُوسِ بِالمَنَاهِجِ وَالمَسَالِكِ الَّتِي تُفضِي إِلَى انحِرَافِ المَعَايِيرِ.
الفِئَةُ الأُولَى: نِفَاقُ الاِنتِسَابِ وَخُبثُ المَقَاصِدِ
فَمِنهُم مُنَافِقٌ يَكرَهُ الإِسلَامَ فِي بَاطِنِهِ، وَيُظهِرُ الِانتِسَابَ إِلَيهِ وَالدَّعوَةَ لَهُ؛ لِغَرَضٍ خَبِيثٍ، وَمَقصَدٍ دَنِيءٍ، يَتَّخِذُ الدِّينَ قِنَاعًا لِمَآرِبِهِ، وَالدَّعوَةَ جِسرًا لِمَصَالِحِهِ.
وَهَذَا الصِّنفُ لَا يَخدَعُ النَّاسَ لِأَنَّهُ أَعلَمُ مِنهُم بِالدِّينِ، بَل لِأَنَّهُ أَبلَغُ مِنهُم فِي فَنِّ التَّمثِيلِ وَتَغلِيفِ البَاطِلِ. تَرَاهُ يَتَكَلَّمُ بِعِبَارَاتٍ مُعَسلَةٍ، وَيَتَصَدَّرُ فِي مَوَاضِعِ الوَعظِ، وَيُظهِرُ الغَيرَةَ عَلَى الدِّينِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ يَستَدرِجُ النَّاسَ إِلَى تَضعِيفِ ثِقَتِهِم بِشَرعِ اللَّهِ، أَو إِلَى تَميِيعِ المَوَاقِفِ، أَو إِلَى جَعلِ الدِّينِ تَابِعًا لِلمَصَالِحِ وَالمَوَاقِعِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ أَعظَمُ خَطَرِهِ أَنَّهُ يُفسِدُ الدِّينَ وَيُوهِنُ الدَّعوَةَ وَهُوَ يَرفَعُ شِعَارَهَا، فَيُصبِحُ جُهدُهُ فِي التَّخرِيبِ أَشَدَّ مِن جُهدِ العَدُوِّ المُعلِنِ؛ لِأَنَّ العَدُوَّ المُعلِنَ تُحذَرُ سِهَامُهُ، أَمَّا العَدُوُّ المُتَخَفِّي فَيُؤتَى النَّاسُ مِن بَابِ الثِّقَةِ وَالأَمَانِ.
الفِئَةُ الثَّانِيَةُ: جَهلٌ مُتَلَبِّسٌ بِالحَمَاسَةِ
وَمِنهُم جَاهِلٌ لَا عِلمَ لَهُ، يَقبَلُ كُلَّ مَا يُلقَى إِلَيهِ دُونَ تَميِيزٍ، كَحَاطِبِ لَيلٍ يَجمَعُ مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ؛ فَيَكُونُ فِيمَا يَجمَعُ أَفعَى تَلسَعُهُ وَهُوَ عَنهَا غَافِلٌ، فَيُضِلُّ وَيُضَلُّ، وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ يُحسِنُ صُنعًا.
وَهَذَا النَّوعُ مِنَ النَّاسِ قَد يَكُونُ مُخلِصًا فِي بَادِئِ أَمرِهِ، وَلَكِنَّهُ يَفتَقِدُ أَدَاةَ الفَهمِ وَمِيزَانَ العِلمِ، فَيَتَحَوَّلُ إِخلَاصُهُ إِلَى وَقُودٍ لِلفِتنَةِ، وَتَصِيرُ حَمَاسَتُهُ سَبَبًا لِتَشوِيهِ الدِّينِ وَتَنفِيرِ النَّاسِ مِنهُ. فَيَتَشَدَّدُ فِيمَا لَا يَنبَغِي التَّشَدُّدُ فِيهِ، وَيُسَاهِلُ فِيمَا لَا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِيهِ، وَيَحكُمُ عَلَى النَّاسِ بِمَعَايِيرِ مَزَاجِهِ، لَا بِمَقَايِيسِ الشَّرعِ.
وَمِن خَطَرِهِ أَيضًا أَنَّهُ يَجعَلُ لِلدِّينِ صُورَةً صَاخِبَةً قَاسِيَةً، لَا تُمَثِّلُ رَحمَتَهُ وَلَا عَدلَهُ، فَيَتَصَوَّرُ النَّاسُ أَنَّ الإِسلَامَ غِلظَةٌ وَعُنفٌ وَصِدَامٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا دِينُ هُدًى وَرَحمَةٍ وَبَصِيرَةٍ وَحِكمَةٍ.
الفِئَةُ الثَّالِثَةُ: بَيعُ الدِّينِ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا
وَمِنهُم مَن بَاعَ دِينَهُ بِمَالٍ عَاجِلٍ، أَو جَاهٍ زَائِلٍ، فِي صَفقَةٍ خَاسِرَةٍ، ظَنَّهَا رِبحًا، وَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ عَينُ الخُسرَانِ، فَخَسِرَ دِينَهُ، وَضَيَّعَ أَمَانَتَهُ.
وَهَذَا الصِّنفُ قَد يَكُونُ عَلَى قَدرٍ مِنَ العِلمِ وَالفَهمِ، وَلَكِنَّهُ يَستَبدِلُ الَّذِي هُوَ أَدنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ، فَيَستَخدِمُ العِلمَ سُلَّمًا لِلمَكَاسِبِ، وَيَجعَلُ الدَّعوَةَ مِهنَةً تُقَاسُ بِالعَطَايَا وَالمَكَانَاتِ، لَا بِالأَثَرِ وَالإِخلَاصِ.
وَمِن آثَارِ هَذَا المَسلَكِ أَنَّهُ يَجعَلُ الفَتوَى تَابِعَةً لِلرِّضَا وَالسُّخطِ، وَيُحَوِّلُ المَوَاقِفَ مِن ثَوَابِتٍ تَنطِقُ بِالحَقِّ، إِلَى مُرُونَةٍ تُجَامِلُ كُلَّ ذِي سُلطَانٍ، فَيُفسِدُ بِذَلِكَ ثِقَةَ النَّاسِ بِأَهلِ العِلمِ، وَيُزَلزِلُ مِيزَانَ الهُدَى فِي القُلُوبِ.
الفِئَةُ الرَّابِعَةُ: التَّنَازُلُ بِاسمِ التَّسهِيلِ وَالتَّجدِيدِ
وَمِنهُم مَن تَعِبَ مِنَ الثَّبَاتِ، وَضَاقَ ذَرعًا بِالمُوَاجَهَةِ، فَسَوَّلَت لَهُ نَفسُهُ التَّخَلِّيَ عَن بَعضِ المَبَادِئِ الدِّينِيَّةِ تَحتَ سِتَارِ «التَّسهِيلِ»، وَبِدَعوَى «عَدَمِ التَّنفِيرِ»، فَيَجعَلُ الدِّينَ تَبَعًا لِمَا يَرضَاهُ النَّاسُ، لَا لِمَا يَرضَاهُ رَبُّ النَّاسِ.
فَاستَزَلَّهُ الشَّيطَانُ شَيئًا فَشَيئًا، مُزَيِّنًا لَهُ أَنَّ مَا يَفعَلُهُ مَصلَحَةٌ، أَوِ اجتِهَادٌ، أَو تَجدِيدٌ، حَتَّى أَصبَحَ ذَا مَبَادِئَ مُختَلِطَةٍ يَنسُبُهَا كُلَّهَا إِلَى الإِسلَامِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ قَد جَعَلَ الإِسلَامَ تَابِعًا لِحِسَابَاتِهِ وَتَصَوُّرَاتِهِ.
وَإِنَّ أَخطَرَ مَا فِي هَذَا المَسلَكِ أَنَّهُ يَستَعمِلُ أَلفَاظًا بَرَّاقَةً كَـ«التَّجدِيدِ» وَ«التَّيسِيرِ» وَ«وَاقِعِيَّةِ الدَّعوَةِ»؛ لِيُسَوِّغَ التَّفرِيطَ فِي الثَّوَابِتِ، وَلِيُصَوِّرَ الثَّابِتَ جُمُودًا، وَالوُضُوحَ تَطَرُّفًا، وَالاِلتِزَامَ تَشَدُّدًا؛ فَتَنقَلِبُ المَقَايِيسُ، وَيَضِيعُ المِيزَانُ.
مَآلُ التَّلَبُّسِ وَثَمَرَاتُ المُدَاهَنَةِ
وَهِيَ مَبَادِئُ تُخَالِفُ مَا تَعَلَّمَهُ فِي طَلَبِهِ لِلعِلمِ، وَلَكِنَّهَا تُسَهِّلُ لَهُ الطَّرِيقَ عِندَ أَعدَاءِ الدِّينِ، وَتَجعَلُهُ أَكثَرَ قَبُولًا لَدَيهِم؛ فَيَفتَحُونَ لَهُ الأَبوَابَ، وَيُفسِحُونَ لَهُ المَنَابِرَ، وَيُقَدِّمُونَهُ فِي مَجَالِسِهِم؛ لِيَكُونَ أَدَاةَ تَلطِيفٍ وَتَسوِيقٍ لِمَا يُرِيدُونَ.
فَيَرتَاحُ مِن عَنَاءِ المُوَاجَهَةِ، وَتَعَبِ المُنَاظَرَةِ، فَيَجعَلُ هَمَّهُ حِفظَ صُورَتِهِ لَا حِفظَ الحَقِّ، وَيَحمِلُ الدِّينَ زِينَةً عَلَى مَنَاكِبِهِ لِيُزَادَ فِي قَبُولِهِ وَحَظوَتِهِ.
وَإِذَا سَمِعَ مَن يَدعُو إِلَى الدِّينِ الصَّافِي الخَالِصِ، وَمَن يَكشِفُ تَلبِيسَهُ وَيُبَيِّنُ زَيفَ مَسلَكِهِ، انقَلَبَ عَدُوًّا لِلحَقِّ وَأَهلِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ المُتَمَسِّكِينَ بِالثَّوَابِتِ يَفضَحُ مَدَاهَنَتَهُ، وَيَكشِفُ مَوَاضِعَ انحِرَافِهِ.
مِيزَانُ الحَقِّ وَوَاجِبُ البَصِيرَةِ
الحَقُّ يُعرَفُ بِدَلِيلِهِ، لَا بِرِجَالِهِ، وَالوَاجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَزِنَ الأَقوَالَ وَالمَنَاهِجَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا بِالشُّهرَةِ وَلَا بِالمَنَاصِبِ. فَكَم مِن مَشهُورٍ ضَلَّ وَأَضَلَّ، وَكَم مِن مَجهُولٍ ثَبَتَ عَلَى الحَقِّ وَنَفَعَ.
وَمِن وَاجِبِ البَصِيرَةِ أَن نَتَعَلَّمَ قَوَاعِدَ التَّلَقِّي، وَأَن نَعرِفَ أَهلَ العِلمِ الرَّاسِخِينَ، وَأَن نَرُدَّ المُشتَبِهَ إِلَى المُحكَمِ، وَأَن نَتَأَنَّى فِي الحُكمِ عَلَى المَقُولَاتِ وَالمَنَاهِجِ. كَمَا يَجِبُ عَلَينَا أَن نَفهَمَ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ لَيسَ تَشَدُّدًا، وَأَنَّ الوُضُوحَ لَيسَ تَطَرُّفًا، وَأَنَّ تَعظِيمَ النُّصُوصِ لَيسَ جُمُودًا.
خَاتِمَةٌ: الثَّبَاتُ عَلَى الدِّينِ فِي زَمَنِ الِالتِبَاسِ
وَخِلَاصَةُ القَولِ: أَنَّ الدِّينَ أَمَانَةٌ، وَالدَّعوَةَ تَكلِيفٌ، لَا يَحمِلُهُمَا إِلَّا مَن صَدَقَ مَعَ اللَّهِ، وَثَبَتَ عَلَى الحَقِّ، وَعَرَفَ مَكَايِدَ النُّفُوسِ وَوَسَاوِسَ الشَّيطَانِ، فَلَا يَنخَدِعُ بِالشِّعَارَاتِ، وَلَا يَغتَرُّ بِالزَّخَارِفِ، وَلَا يُسَلِّمُ قِيَادَهُ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ.
وَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى الثَّبَاتِ: صُحبَةَ أَهلِ الحَقِّ، وَمُلَازَمَةَ العِلمِ، وَكَثرَةَ الدُّعَاءِ، وَتَذَكُّرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبتَلِي عِبَادَهُ؛ لِيَمِيزَ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ، وَالمُخلِصَ مِنَ المُرَائِي.
نَسأَلُ اللَّهَ أَن يُبَصِّرَنَا بِالحَقِّ، وَأَن يَرزُقَنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَن يَحفَظَ أُمَّتَنَا مِنَ الزَّيغِ وَالِانحِرَافِ، وَأَن يَجعَلَنَا مِن أَهلِ البَصِيرَةِ وَالثَّبَاتِ؛ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ.