مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الَّذِي شَرَّفَ خَلقَهُ بِأَفضَلِ رُسُلِهِ، وَرَفَعَ ذِكرَ نَبِيِّهِ المُصطَفَى، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيهِ مِن أَجَلِّ القُرُبَاتِ وَأَعظَمِ الطَّاعَاتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، صَاحِبِ المَقَامِ المَحمُودِ وَالحَوضِ المَورُودِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ العَبدُ إِلَى رَبِّهِ أَن يَعرِفَ مَقَامَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَن يَشتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَظَّمَ قَدرَهُ، وَأَجرَى ذِكرَهُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَشرِيفًا وَتَرفِيعًا، وَجَعَلَ تَعظِيمَ الرَّسُولِ ﷺ مِن تَعظِيمِ أَمرِ اللهِ، لِأَنَّا نُعَظِّمُهُ طَاعَةً لِلَّهِ وَامتِثَالًا لِأَمرِهِ.
أَوَّلًا: نَصٌّ قُرآنِيٌّ يَرفَعُ المَقَامَ وَيَأمُرُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]، فَهَذِهِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ جَمَعَت التَّشرِيفَ وَالأَمرَ، وَأَظهَرَت مَنزِلَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِندَ رَبِّهِ، وَنَادَتِ المُؤمِنِينَ لِيَكُونُوا مِن أَهلِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ.
وَصَلَاةُ اللهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ تَشرِيفٌ وَتَعظِيمٌ، وَأَمَّا صَلَاةُ المَلَائِكَةِ عَلَيهِ فَدُعَاءٌ لَهُ، وَإِذَا قَالَ المُسلِمُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» فَمَعنَاهُ: اللَّهُمَّ زِدهُ تَشرِيفًا وَتَعظِيمًا، وَإِذَا قَالَ: «وَسَلِّم» فَمَعنَاهُ: سَلِّم أُمَّتَهُ مِمَّا يَخَافُ عَلَيهَا، وَاجعَل سَلَامَهَا مَوصُولًا بِسَلَامِهِ.
ثَانِيًا: الصَّلَاةُ عَلَيهِ عِندَ ذِكرِهِ سُنَّةٌ مَحمُودَةٌ وَسَبَبٌ لِلرِّفعَةِ
وَمِمَّا يَحسُنُ لِمَن سَمِعَ اسمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَجلِسٍ أَن يُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ عَلَيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُسَنُّ وَيُطلَبُ، وَقَد وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَولُهُ ﷺ: «مَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ فَقَد أَخطَأَ طَرِيقَ الجَنَّةِ»، وَوَرَدَ أَيضًا قَولُهُ ﷺ: «البَخِيلُ مَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ»، وَهَذَا تَشدِيدٌ فِي الحَثِّ عَلَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ، وَتَنبِيهٌ عَلَى أَنَّ التَّفرِيطَ فِيهَا حِرمَانٌ لِخَيرٍ عَظِيمٍ.
ثَالِثًا: هَديُ السَّلَفِ فِي الإِكثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ
وَقَد كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ كَثِيرِي الِاشتِغَالِ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِمَّا يُذكَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ كَانَ يُرسِلُ البَرِيدَ مِنَ الشَّامِ إِلَى المَدِينَةِ لِلسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِم مِن تَعظِيمٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَعَلُّقٍ بِمَقَامِ النُّبُوَّةِ.
رَابِعًا: مِمَّا يُستَحسَنُ: الصَّلَاةُ عَلَى سَائِرِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
وَمِن كَمَالِ الأَدَبِ وَحُسنِ التَّأَسِّي أَن يَضُمَّ المُسلِمُ إِلَى صَلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَلَاتَهُ وَسَلَامَهُ عَلَى سَائِرِ أَنبِيَاءِ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَد وَرَدَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَلَّمتُم عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنبِيَاءِ اللهِ، فَإِنَّهُم بُعِثُوا كَمَا بُعِثتُ»، فَيُستَحَبُّ أَن يَقُولَ المُسلِمُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى جَمِيعِ أَنبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ»، وَهَذَا أَكمَلُ فِي الثَّوَابِ وَأَعظَمُ فِي التَّعظِيمِ الَّذِي أَذِنَ اللهُ بِهِ.
خَامِسًا: آدَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَحسِينُ اللَّفظِ وَالمَعنَى
وَالمُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَنبَغِي لَهُ أَن يَستَحضِرَ عَظَمَةَ قَدرِهِ وَرِفعَةَ مَقَامِهِ، وَأَن يَنتَقِيَ أَحسَنَ الأَلفَاظِ وَأَجمَلَهَا فِي الثَّنَاءِ عَلَيهِ، وَأَن يُرَاعِيَ سَلَامَةَ اللَّفظِ وَصِحَّةَ الأَدَاءِ، فَلَا يَلِيقُ أَن يُسرِعَ إِسرَاعًا يُفضِي إِلَى تَحرِيفِ الحُرُوفِ، وَلَا يَلِيقُ أَن يُتَعَامَلَ مَعَ هَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ بِكَسَلٍ وَفُتُورٍ.
وَمِن ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحسُنُ أَن يُكتَبَ بَعضُ الرُّمُوزِ بَدَلَ الصِّيغَةِ الكَامِلَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، فَإِنَّ الكَمَالَ فِي حُسنِ التَّعبِيرِ وَتَمَامِ الذِّكرِ، وَالتَّعظِيمُ يَقتَضِي كَمَالَ اللَّفظِ وَجَمَالَ الأَدَبِ.
سَادِسًا: تَعظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ تَعظِيمٌ مَأمُورٌ بِهِ وَلَيسَ عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ
وَإِذَا سَمِعَ المُسلِمُ اسمَ اللهِ تَعَالَى فَيُسَنُّ لَهُ أَن يَقُولَ: «تَبَارَكَ وَتَعَالَى»، أَو «عَزَّ وَجَلَّ»، أَو نَحوَ ذَلِكَ مِن كَلِمَاتِ التَّقدِيسِ وَالتَّعظِيمِ كَقَولِ: «تَقَدَّسَت أَسمَاؤُهُ»، وَ«جَلَّ شَأنُهُ»، وَ«جَلَّ ذِكرُهُ»، وَلَيسَ مَعنَى تَعظِيمِنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَولَى بِالتَّعظِيمِ مِنَ اللهِ، فَحَاشَا وَكَلَّا، بَل نُعَظِّمُ الرَّسُولَ ﷺ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، وَالرَّسُولُ ﷺ مَخلُوقٌ مُكَرَّمٌ لَا يَخلُقُ نَفعًا وَلَا ضَرًّا.
وَإِنَّمَا اللهُ تَعَالَى وَحدَهُ هُوَ خَالِقُ المَنَافِعِ وَالمَضَارِّ، وَخَالِقُ العَالَمِ بِأَسرِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَستَحِقُّ العِبَادَةَ لِذَاتِهِ، فَهُوَ المَعبُودُ حَقًّا، وَهُوَ الَّذِي يَستَحِقُّ التَّعظِيمَ لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ خَالِقُنَا وَخَالِقُ أَجسَامِنَا وَحَرَكَاتِنَا وَمَا يَجرِي عَلَينَا مِن شُؤُونٍ، وَلَا نَقدِرُ عَلَى حَرَكَةٍ وَلَا كَلِمَةٍ وَلَا خُطوَةٍ وَلَا نَظرَةٍ إِلَّا بِعَونِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهُوَ أَفضَلُ المَخلُوقَاتِ وَأَشرَفُهَا، وَتَعظِيمُنَا لَهُ يَنبَغِي أَن يَفُوقَ تَعظِيمَنَا لِغَيرِهِ مِنَ المَخلُوقَاتِ، عَلَى الحَدِّ الَّذِي يَلِيقُ بِمَقَامِ النُّبُوَّةِ، مِن غَيرِ غُلُوٍّ وَلَا تَجَاوُزٍ، فَلَا يُعَظَّمُ نَبِيٌّ كَتَعظِيمِ اللهِ، وَلَا يُرفَعُ مَخلُوقٌ إِلَى مَرتَبَةِ الخَالِقِ، فَذَلِكَ مِمَّا تَبَرَّأَت مِنهُ الرِّسَالَاتُ وَحَذَّرَت مِنهُ الشَّرَائِعُ.
سَابِعًا: اغتِنَامُ الوَقتِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَجلَبَةٌ لِلسُّرُورِ وَسَبَبٌ لِلرَّحمَةِ
فَاشغَل وَقتَكَ أَيُّهَا المُؤمِنُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى الرَّسُولِ الطَّاهِرِ الزَّكِيِّ الطَّيِّبِ الأَمِينِ، العَالِي القَدرِ، العَظِيمِ الجَاهِ، صَاحِبِ المَقَامِ المَحمُودِ وَالحَوضِ المَورُودِ، فَعَسَى اللهُ تَعَالَى أَن يَرحَمَنَا بِكَثرَةِ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ ﷺ، وَأَن يَجعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلانشِرَاحِ وَالسُّرُورِ وَحُسنِ الخَاتِمَةِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
وَمِن أَعظَمِ مَا يَتَزَوَّدُ بِهِ العَبدُ فِي دُنيَاهُ أَن يَحفَظَ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ حَقَّهُ فِي التَّعظِيمِ وَالمَحَبَّةِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَأَن يَكُونَ ذَلِكَ مَوصُولًا بِتَعظِيمِ اللهِ تَعَالَى وَتَوحِيدِهِ وَإِخلَاصِ العِبَادَةِ لَهُ، فَبِذَلِكَ تَستَقِيمُ القُلُوبُ، وَتَصلُحُ الأَعمَالُ، وَيَكثُرُ الخَيرُ، وَتَصِيرُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نُورًا فِي الدُّنيَا وَذُخرًا فِي الآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ، وَسَلِّم صَلَاةً وَسَلَامًا تَجعَلُنَا بِهِمَا مِنَ المَقبُولِينَ عِندَكَ.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِنَ الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ.
اللَّهُمَّ عَلِّمنَا مَا يَنفَعُنَا، وَزِدنَا عِلمًا، وَارزُقنَا أَعمَالًا مُتَقَبَّلَةً، وَاغفِر لَنَا وَلِلمُؤمِنِينَ.