مَقَالٌ عَقَدِيٌّ فِي أُصُولِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ
مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الوَاحِدِ الأَحَدِ، القَدِيمِ بِلَا ابتِدَاءٍ، البَاقِي بِلَا انتِهَاءٍ، المُنَزَّهِ عَن مُشَابَهَةِ الحَوَادِثِ، المُتَعَالِي عَن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالحُدُودِ وَالجِهَاتِ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشُّورَى: ١١)، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأَمِينِ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ أَصلَ بَابِ التَّوحِيدِ الَّذِي تَسلَمُ بِهِ العَقِيدَةُ، وَتَستَقِيمُ بِهِ مَعرِفَةُ العَبدِ بِرَبِّهِ، هُوَ تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَن صِفَاتِ الحُدُوثِ، وَنَفيُ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ عَنهُ؛ لِأَنَّ الإِلَهَ الحَقَّ لَا يَكُونُ مُشَابِهًا لِمَخلُوقَاتِهِ، وَلَا يَلحَقُهُ مَا يَلحَقُهَا مِن تَغَيُّرٍ وَتَطَوُّرٍ وَحَدٍّ وَمِقدَارٍ وَمَكَانٍ وَجِهَةٍ، لِذَلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ: «إِنَّ مِن عَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى وَكَمَالِهِ أَن لَا يُشبِهَ شَيئًا مِن خَلقِهِ».
وَهَذِهِ القَضَايَا لَيسَت تَرَفًا نَظَرِيًّا، بَل هِيَ أَسَاسُ الرَّدِّ عَلَى طَوَائِفَ وَقَعُوا فِي أَوهَامِ التَّشبِيهِ، فَجَعَلُوا صِفَاتَ الأَجسَامِ صِفَاتٍ لِلخَالِقِ سُبحَانَهُ؛ فَإِمَّا صَرَّحُوا بِذَلِكَ، وَإِمَّا انتَهَوا إِلَيهِ بِلَوَازِمِ كَلَامِهِم. وَمِن هُنَا جَاءَت ضَرُورَةُ تَحرِيرِ هَذِهِ القَوَاعِدِ، وَتَثبِيتِ مَعَانِيهَا فِي النَّفسِ؛ لِيَكُونَ المُؤمِنُ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيَعرِفَ كَيفَ يَزِنُ الأَقوَالَ بِمِيزَانِ العَقلِ الصَّرِيحِ وَالنَّقلِ الصَّحِيحِ.
أَوَّلًا: قَاعِدَةٌ كُبرَى لَا بُدَّ مِن حِفظِهَا «اللهُ يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ»
مِنَ العِبَارَاتِ المَشهُورَةِ المُتَدَاوَلَةِ الَّتِي تَختَصِرُ أَصلًا عَظِيمًا مِن أُصُولِ التَّوحِيدِ: «سُبحَانَ الَّذِي يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ».
وَمَعنَاهَا وَاضِحٌ قَرِيبٌ: أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَلقِهِ وَيُحدِثُ فِيهِم مَا يَشَاءُ؛ يُحيِي وَيُمِيتُ، وَيُعطِي وَيَمنَعُ، وَيُبَدِّلُ الأَحوَالَ، وَيُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، وَيُنزِلُ المَطَرَ، وَيَرفَعُ أَقوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ؛ فَهُوَ الفَاعِلُ المُختَارُ القَادِرُ الَّذِي لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ.
لَكِن مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ، بَل لِأَجلِ أَنَّهُ الخَالِقُ المُدَبِّرُ، فَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ، فاللهُ سُبحَانَهُ: يُوجِدُ بَعدَ العَدَمِ ويُحيِي وَيُمِيتُ ويَرفَعُ وَيَخفِضُ ويُعِزُّ وَيُذِلُّ فَهُوَ يُغَيِّرُ أَحوَالَ المَخلُوقَاتِ، أَمَّا ذَاتُهُ فَلَا يَدخُلُهَا تَغَيُّرٌ؛ لِأَنَّهُ خَالِقُ التَّغَيُّرِ، وَلَيسَ مَحَلًّا لَهُ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مِن أَقوَى عَلَامَاتِ الحُدُوثِ.
لِمَاذَا التَّغَيُّرُ عَلَامَةُ الحُدُوثِ؟
لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مَعنَاهُ: انتِقَالُ الشَّيءِ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَو حُصُولُ وَصفٍ جَدِيدٍ لَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن، أَو زَوَالُ وَصفٍ عَنهُ بَعدَ أَن كَانَ. وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُحدَثٍ مَخلُوقٍ؛ إِذ لَو كَانَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَمَا صَحَّ أَن تُضَافَ إِلَيهِ الحُدُوثَاتُ وَالِانقِلَابَاتُ وَالتَّبَدُّلَاتُ.
فهَذِهِ العِبَارَةُ تَتَحَدَّثُ عَن مَسأَلَةٍ عَقَدِيَّةٍ مُهِمَّةٍ، وَهِيَ: هَل يَجُوزُ التَّغَيُّرُ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَم لَا؟ وَتُثبِتُ بِالعَقلِ أَنَّ التَّغَيُّرَ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ اللهِ؛ لِأَنَّهُ يَلزَمُ مِنهُ النَّقصُ وَالِاحتِيَاجُ، وَكِلَاهُمَا مُمتَنِعٌ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ.
بَيَانُ عِبَارَةِ: «التَّغَيُّرُ دَلِيلُ الحُدُوثِ»:
- مَعنَى التَّغَيُّرِ وَلِمَاذَا يَدُلُّ عَلَى النَّقصِ: التَّغَيُّرُ مَعنَاهُ أَن يَنتَقِلَ الشَّيءُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ أُخرَى. وَأَيُّ شَيءٍ يَنتَقِلُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، لَا يَخلُو مِن أَحَدِ أَمرَينِ:
إِمَّا أَن يَنتَقِلَ مِن حَالٍ أَفضَلَ إِلَى حَالٍ أَدنَى، وَهَذَا نَقصٌ.
أَو أَن يَنتَقِلَ مِن حَالٍ أَدنَى إِلَى حَالٍ أَفضَلَ، وَهَذَا يَعنِي أَنَّهُ كَانَ نَاقِصًا قَبلَ ذَلِكَ.
وَفِي الحَالَتَينِ وُجِدَ النَّقصُ: إِمَّا فِي الحَالِ السَّابِقَةِ أَوِ اللَّاحِقَةِ. وَلِذَلِكَ فَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ لَا يَخلُو مِنَ النَّقصِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
- إِبطَالُ دَعوَى جَوَازِ التَّغَيُّرِ عَلَى اللهِ: إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَغَيَّرُ، وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ «لَائِقٌ بِهِ»، فَيُقَالُ لَهُ سُؤَالًا عَقلِيًّا وَاضِحًا: هَل هَذَا التَّغَيُّرُ كَانَ:
إِلَى صِفَةِ نَقصٍ؟ فَهَذَا تَصرِيحٌ بِنِسبَةِ النَّقصِ إِلَى اللهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
أَم إِلَى صِفَةِ كَمَالٍ؟ فَمَعنَاهُ أَنَّهُ لَم يَكُن مُتَّصِفًا بِهَذَا الكَمَالِ قَبلَ التَّغَيُّرِ، وَهَذَا أَيضًا نَقصٌ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّغَيُّرَ – بِأَيِّ صُورَةٍ كَانَ – يَلزَمُ مِنهُ النَّقصُ، وَالنَّقصُ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.
- لِمَاذَا التَّغَيُّرُ يَعنِي الِاحتِيَاجَ؟: عِندَمَا نَقُولُ: إِنَّ شَيئًا تَغَيَّرَ مِن صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، فَهَذَا يَعنِي أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَيسَت وَاجِبَةً، بَل مُمكِنَةٌ؛ أَي تَقبَلُ أَن تَكُونَ، وَتَقبَلُ أَن لَا تَكُونَ. وَكُلُّ شَيءٍ مُمكِنٍ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، أَي بِمُؤَثِّرٍ يُخرِجُهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، أَو يَرفَعُهُ مِنَ الوُجُودِ إِلَى العَدَمِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ البَابُ: فَالبَابُ لَا يَنفَتِحُ وَلَا يَنغَلِقُ مِن نَفسِهِ، بَل يَحتَاجُ إِلَى مَن يَفتَحُهُ أَو يُغلِقُهُ. فَكَذَلِكَ كُلُّ صِفَةٍ حَادِثَةٍ طَارِئَةٍ تَحتَاجُ إِلَى مُؤَثِّرٍ.
- لَازِمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الخَالِقِ: فَإِذَا قُلنَا: إِنَّ فِي ذَاتِ اللهِ صِفَةً تَحدُثُ أَو تَتَغَيَّرُ، لَزِمَ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن أَحدَثَهَا أَو غَيَّرَهَا. وَالمُحتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا؛ لِأَنَّ الإِلَهَ حَقًّا هُوَ الغَنِيُّ الَّذِي لَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ.
الخُلاصة: تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ التَّغَيُّرَ يَدُلُّ عَلَى النَّقصِ وَالِاحتِيَاجِ، وَكِلَاهُمَا مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى. وَلِذَلِكَ يَستَحِيلُ أَن يَطرَأَ تَغَيُّرٌ عَلَى ذَاتِ اللهِ أَو عَلَى شَيءٍ مِن صِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ المُتَغَيِّرَ مُحتَاجٌ، وَالمُحتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
وَلِهَذَا يُقَالُ:
أَعظَمُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّيءَ مَخلُوقٌ: كَونُهُ يَتَغَيَّرُ.
وَأَقوَى عَلَامَاتِ الحُدُوثِ: التَّغَيُّرُ.
وَالتَّغَيُّرُ يَظهَرُ فِي:
الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.
الزِّيَادَةِ وَالنُّقصَانِ.
الانتِقَالِ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.
اختِلَافِ الأَحوَالِ.
وَهٰذِهِ كُلُّهَا سِمَاتُ المَخلُوقَاتِ.
أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَهُوَ: مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَتَطَوَّرُ، وَلَا يَحدُثُ فِي ذَاتِهِ شَيءٌ؛ لِأَنَّهُ لَو قَبِلَ التَّغَيُّرَ لَكَانَ حَادِثًا، وَلَو كَانَ حَادِثًا لَكَانَ مَخلُوقًا، وَالمَخلُوقُ لَا يَكُونُ إِلٰهًا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، ظَهَرَ أَصلُ البَابِ كُلُّهُ: اللهُ تَعَالَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، لَا ابتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَلَا نِهَايَةَ؛ فَمُحَالٌ أَن يَلحَقَهُ تَغَيُّرٌ؛ لِأَنَّ المُتَغَيِّرَ حَادِثٌ، وَالحَادِثُ مَخلُوقٌ، وَالمَخلُوقُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
ثَانِيًا: خَلقُ اللهِ لِلمَخلُوقَاتِ لَا يَستَلزِمُ تَغَيُّرًا فِي ذَاتِهِ
مِنَ المَعلُومِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الخَلقَ كُلَّهُ، وَأَوجَدَ الأَشيَاءَ بَعدَ أَن لَم تَكُن. وَقَد وَرَدَ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ كَلَامٌ عَن تَرتِيبٍ فِي بَعضِ المَخلُوقَاتِ: كَذِكرِ المَاءِ، ثُمَّ العَرشِ، ثُمَّ القَلَمِ، ثُمَّ اللَّوحِ، ثُمَّ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَخَلقِ الأَنوَارِ وَالظُّلُمَاتِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِن تَفَاصِيلِ الخَلقِ.
وَالمَقصُودُ هُنَا لَيسَ الدُّخُولَ فِي تَرتِيبٍ تَارِيخِيٍّ دَقِيقٍ بِقَدرِ مَا هُوَ إِثبَاتُ مَعنًى عَظِيمٍ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَوجَدَ هَذِهِ المَخلُوقَاتِ كُلَّهَا لَم يَحدُث لَهُ تَغَيُّرٌ فِي ذَاتِهِ.
فَاللهُ تَعَالَى خَالِقٌ قَبلَ أَن يَخلُقَ، لَا بِمَعنَى أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ وَصفٌ جَدِيدٌ، بَل بِمَعنَى أَنَّهُ مَوصُوفٌ بِصِفَةِ القُدرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالعِلمِ أَزَلًا، وَأَنَّ إِيجَادَهُ لِلمَخلُوقَاتِ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّقُ قُدرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ بِمَا شَاءَ مِن خَلقِهِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي شَاءَ، لَا انتِقَالٌ فِي ذَاتِهِ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ.
إِذ لَو قِيلَ: إِنَّ اللهَ يَتَغَيَّرُ بِخَلقِ المَخلُوقَاتِ، لَلَزِمَ أَحَدُ أَمرَينِ كِلَاهُمَا بَاطِلٌ:
١. إِمَّا أَنَّهُ كَانَ قَبلَ الخَلقِ غَيرَ مُتَّصِفٍ بِشَيءٍ ثُمَّ اتَّصَفَ بِهِ، وَهَذَا تَغَيُّرٌ وَحُدُوثٌ.
٢. أَو أَنَّ الخَلقَ أَثَّرَ فِيهِ فَأَحدَثَ لَهُ وَصفًا، وَفِيهِ نِسبَةُ الِاحتِيَاجِ وَالِانفِعَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا مُحَالٌ.
فَإِذَا كَانَ اللهُ هُوَ الخَالِقَ، وَالخَالِقُ لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ مِثلَ المَخلُوقِ، ثَبَتَ قَطعًا أَنَّهُ لَيسَ مِثلَنَا، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ الَّذِي هُوَ سِمَةُ الحَوَادِثِ.
ثَالِثًا: ثَمَرَةُ القَاعِدَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى التَّجسِيمِ: بُطلَانُ القَولِ بِالقُعُودِ عَلَى العَرشِ
إِذَا حَفِظتَ القَاعِدَةَ السَّابِقَةَ، صَارَ رَدُّ كَثِيرٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ يَسِيرًا وَاضِحًا، لأنّّ الجِسمُ: لَهُ حَجمٌ ويَقبَلُ الانقِسَامَ ويَشغَلُ حَيِّزًا ويَحتَاجُ إِلَى مَن يُوجِدُهُ، فَمَن وَصَفَ اللهَ بِصِفَاتِ الأَجسَامِ فَقَد شَبَّهَهُ بِخَلقِهِ. وَاللهُ تَعَالَى خَالِقُ الأَجسَامِ، فَلَا يَكُونُ جِسمًا.
فَمَاذَا يَقُولُ المُشَبِّهَةُ وَالمُجَسِّمَةُ فِي بَابِ الصِّفَاتِ؟ مِن أَشهَرِ أَقوَالِهِم: إِنَّ اللهَ تَعَالَى، بِزَعمِهِم، قَاعِدٌ عَلَى العَرشِ، أَو جَالِسٌ، أَو مُستَقِرٌّ بِذَاتِهِ عَلَى العَرشِ، عَلَى مَعنَى الجُلُوسِ الحِسِّيِّ.
وَهُنَا يَأتِي الرَّدُّ مِن جِهَتَينِ مُتَلَازِمَتَينِ:
- العَرشُ مَخلُوقٌ حَادِثٌ: العَرشُ جِسمٌ مَخلُوقٌ خَلَقَهُ اللهُ، وَلَم يَكُن مَوجُودًا ثُمَّ وُجِدَ. فَإِذَا جَعَلُوا اللهَ «قَائِمًا بِهِ قِيَامَ الجَالِسِ بِالكُرسِيِّ»، فَقَد عَلَّقُوا ذَاتَ اللهِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، بِمَخلُوقٍ حَادِثٍ.
لأنَّ المَكَانُ مَخلُوقٌ والمَكَانُ لَم يَكُن فِي الأَزَلِ، ثُمَّ خَلَقَهُ اللهُ. فَلَو كَانَ اللهُ فِي مَكَانٍ لَلَزِمَ:
1. أَن يَكُونَ مُحتَاجًا إِلَيهِ
2. أَو حَلَّ فِيهِ بَعدَ أَن لَم يَكُن
3. فَيَلزَمُ التَّغَيُّرُ
وَهٰذَا كُلُّهُ مُحَالٌ، لِذٰلِكَ يُقَالُ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن مَكَانٌ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ».
(ب) القُعُودُ وَالجُلُوسُ تَغَيُّرٌ وَحُدُوثٌ: الَّذِي يَقعُدُ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ قَابِلًا لِلتَّحَوُّلِ وَالِانتِقَالِ: قَبلَ القُعُودِ وَبَعدَهُ، أَو عَلَى الأَقَلِّ قَابِلًا لِوَصفٍ هُوَ «الهَيئَةُ» الَّتِي يَلزَمُ مِنهَا التَّبَدُّلُ وَالحَدُّ وَالجِهَةُ. فَالقُعُودُ لَيسَ مَعنًى قَائِمًا بِذَاتِهِ مُنفَصِلًا عَنِ التَّغَيُّرَاتِ، بَل هُوَ هَيئَةٌ مِن هَيئَاتِ الأَجسَامِ.
فَإِن قَالُوا: «هُوَ قَاعِدٌ» عَلَى مَعنَى الجُلُوسِ المَعرُوفِ، لَزِمَهُم:
أَن يَكُونَ مُتَغَيِّرًا.
وَالمُتَغَيِّرُ حَادِثٌ.
وَالحَادِثُ مَخلُوقٌ.
وَالمَخلُوقُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
فَانظُر كَيفَ تُغلَقُ هَذِهِ القَاعِدَةُ بَابَ التَّجسِيمِ مِن أَصلِهِ: لَو كَانَ قَاعِدًا لَكَانَ مُتَغَيِّرًا، وَلَو كَانَ مُتَغَيِّرًا لَكَانَ حَادِثًا، وَلَو كَانَ حَادِثًا لَكَانَ مَخلُوقًا، وَالمَخلُوقُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَن رَزَقَهُ اللهُ فَهمًا صَحِيحًا لَم يَحتَج إِلَى تَعقِيدَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ فَالأَصلُ وَاضِحٌ: اللهُ لَا يَتَغَيَّرُ، وَكُلُّ مَا يَستَلزِمُ التَّغَيُّرَ مُحَالٌ عَلَيهِ.
رَابِعًا: قَاعِدَةٌ ثَانِيَةٌ فِي التَّنزِيهِ «حُدُوثُ الحَوَادِثِ فِي الشَّيءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَادِثٌ»
وَمِنَ القَوَاعِدِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ عَن قَاعِدَةِ «التَّغَيُّرُ دَلِيلُ الحُدُوثِ» قَولُ أَهلِ العِلمِ: «الشَّيءُ إِذَا حَدَثَ فِيهِ شَيءٌ فَهُوَ حَادِثٌ».
أَي: إِذَا كَانَ الشَّيءُ مَحَلًّا لِلحَوَادِثِ، تَتَوَالَى عَلَيهِ الصِّفَاتُ الجَدِيدَةُ وَالأَحوَالُ المُتَبَدِّلَةُ، فَهَذَا بِنَفسِهِ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَخلُوقٌ؛ إِذ لَو كَانَ قَدِيمًا لَمَا صَحَّ أَن تَكُونَ ذَاتُهُ «مَحَلًّا» لِأُمُورٍ تَحدُثُ فِيهَا بَعدَ أَن لَم تَكُن.
وَهَذِهِ القَاعِدَةُ مِن أَقوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى مَن يَزعُمُونَ أَنَّ اللهَ يَسكُنُ السَّمَاءَ، أَو يَحُلُّ فِي جِهَةٍ، أَو يَنتَقِلُ، أَو يَنزِلُ نُزُولًا حِسِّيًّا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّعَاوَى تُفضِي إِلَى جَعلِ ذَاتِ اللهِ مَحَلًّا لِحُدُوثَاتٍ وَتَغَيُّرَاتٍ، وَهَذَا مُحَالٌ.
فَاللهُ تَعَالَى ذَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ، وَصِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ: اكتَسَبَ صِفَةً بَعدَ أَن لَم يَكُن مُتَّصِفًا بِهَا، وَلَا أَن يُقَالَ: انتَقَلَ إِلَى حَالٍ بَعدَ أَن لَم يَكُن عَلَيهَا.
خَامِسًا: أُسلُوبٌ عِلمِيٌّ فِي إِلزَامِ المُجَسِّمَةِ «أَينَ كَانَ اللهُ قَبلَ خَلقِ السَّمَاءِ؟»
مِن أَشهَرِ الأَسَالِيبِ الَّتِي استَعمَلَهَا العُلَمَاءُ فِي مُحَاجَّةِ مَن أَثبَتَ المَكَانَ لِلهِ تَعَالَى: سُؤَالُهُم عَلَى وَجهِ الإِلزَامِ لَا عَلَى وَجهِ إِثبَاتِ المَكَانِ.
فَيُقَالُ لِمَن قَالَ: «اللهُ فِي السَّمَاءِ»: أَينَ كَانَ اللهُ قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاءَ؟ وَيُقَالُ لِمَن قَالَ: «يَجلِسُ عَلَى العَرشِ»: قَبلَ أَن يَخلُقَ العَرشَ أَينَ كَانَ؟
وَهَذَا السُّؤَالُ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لِلهِ مَكَانًا نَبحَثُ عَنهُ، حَاشَاهُ، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ: إِنَّكُم جَعَلتُمُ المَكَانَ شَرطًا لِلوُجُودِ؛ فَإِذَا التَزَمتُم بِذَلِكَ لَزِمَكُم أَحَدُ أَمرَينِ:
إِمَّا أَن تَقُولُوا: السَّمَاءُ أَوِ العَرشُ قَدِيمَانِ مَعَ اللهِ، فَتَقَعُوا فِي تَعَدُّدِ القُدَمَاءِ.
وَإِمَّا أَن تَقُولُوا: إِنَّ اللهَ لَم يَكُن مَوجُودًا قَبلَ المَكَانِ، فَتَقَعُوا فِي نَفيِ وُجُودِ اللهِ أَو جَعلِهِ حَادِثًا.
وَكِلَا الأَمرَينِ بَاطِلٌ قَطعًا.
فَالحَقُّ الَّذِي دَلَّت عَلَيهِ الأَدِلَّةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ مَوجُودًا قَبلَ المَكَانِ وَالجِهَاتِ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ. ثُمَّ لَمَّا خَلَقَ المَكَانَ وَالجِهَاتِ لَم يَتَبَدَّل وَلَم يَتَغَيَّر وَلَم يَكتَسِب وَصفًا جَدِيدًا، بَل هُوَ الآنَ كَمَا كَانَ قَبلَ خَلقِهَا: مُستَغنٍ عَنهَا.
سَادِسًا: مَعنَى «لَم يَكتَسِب صِفَةً جَدِيدَةً» وَلِمَاذَا هُوَ لَازِمٌ لِلتَّوحِيدِ؟
هَذِهِ عِبَارَةٌ دَقِيقَةٌ جِدًّا: «بَعدَ خَلقِ العَرشِ وَالسَّمَاءِ لَم يَزَل كَمَا كَانَ قَبلَ خَلقِهِمَا». وَمَعنَاهَا: أَنَّ الخَالِقَ لَا يَتَغَيَّرُ بِخَلقِهِ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الخَالِقِ يَعنِي احتِيَاجَهُ أَو قَابِلِيَّتَهُ لِلحَوَادِثِ. وَكُلُّ مَن يُثبِتُ لِلهِ صِفَةً حَادِثَةً مُكتَسَبَةً بَعدَ خَلقِ العَالَمِ، فَقَد أَثبَتَ لَهُ الحُدُوثَ مِن حَيثُ لَا يَشعُرُ.
فَإِن قِيلَ: «صَارَ فَوقَ بَعدَ أَن لَم يَكُن فَوقَ» عَلَى مَعنَى الفَوقِيَّةِ الحِسِّيَّةِ؛ فَهَذَا تَغَيُّرٌ. وَإِن قِيلَ: «صَارَ فِي جِهَةٍ بَعدَ أَن لَم يَكُن فِي جِهَةٍ»؛ فَهَذَا تَغَيُّرٌ. وَإِن قِيلَ: «استَقَرَّ بَعدَ أَن لَم يَكُن مُستَقِرًّا»؛ فَهَذَا تَغَيُّرٌ. وَكُلُّ ذَلِكَ يَرجِعُ إِلَى أَصلٍ وَاحِدٍ: التَّغَيُّرُ، وَالتَّغَيُّرُ، كَمَا مَرَّ، عَلَامَةُ الحُدُوثِ.
سَابِعًا: شُبهَةُ «التَّعطِيلِ» عِندَ المُجَسِّمَةِ وَالجَوَابُ عَنهَا
مِن أَسَالِيبِ المُشَبِّهَةِ أَنَّهُم إِذَا سَمِعُوا مَن يُنَزِّهُ اللهَ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ قَالُوا لَهُ: «أَنتَ مُعَطِّلٌ! أَنتَ نَفَيتَ صِفَةً مِن صِفَاتِ اللهِ!» ثُمَّ يُسَمُّونَ تِلكَ الصِّفَةَ: «العُلُوُّ الذَّاتِيُّ الحَقِيقِيُّ»، وَيَقصِدُونَ بِهِ العُلُوَّ الحِسِّيَّ المَكَانِيَّ.
وَهُنَا يَجِبُ تَحرِيرُ المَسأَلَةِ بِدِقَّةٍ:
(١) نَحنُ نُثبِتُ العُلُوَّ لِلهِ، وَلَكِن أَيَّ عُلُوٍّ؟ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يُثبِتُونَ لِلهِ تَعَالَى عُلُوَّ القَدرِ وَالقَهرِ وَالعَظَمَةِ؛ وَهُوَ عُلُوٌّ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لَا يَستَلزِمُ مَكَانًا وَلَا جِهَةً. أَمَّا هُم فَيُثبِتُونَ عُلُوًّا حِسِّيًّا مَكَانِيًّا يَستَلزِمُ أَن يَكُونَ فِي جِهَةٍ فَوقَ، وَيَستَلزِمُ الحَدَّ وَالمُقَابَلَةَ.
(٢) العُلُوُّ الحِسِّيُّ نَفسُهُ مَخلُوقٌ: إِذَا قَالُوا: «عُلُوٌّ حِسِّيٌّ حَقِيقِيٌّ» عَلَى مَعنَى جِهَةٍ فَوقَ، فَهَذِهِ الجِهَةُ حَادِثَةٌ مَخلُوقَةٌ. فَيُقَالُ لَهُم: قَبلَ أَن يُوجَدَ العُلُوُّ وَالسُّفلُ وَالجِهَاتُ، هَل كَانَ اللهُ مَوجُودًا؟ لَا بُدَّ أَن يَقُولُوا: نَعَم. فَإِذَا كَانَ مَوجُودًا قَبلَ خَلقِ الجِهَاتِ، ثَبَتَ أَنَّهُ مُستَغنٍ عَنهَا؛ فَلَو صَارَ بَعدَ خَلقِهَا مُحتَاجًا إِلَيهَا أَو مُختَصًّا بِإِحدَاهَا، لَزِمَ التَّغَيُّرُ وَالِافتِقَارُ، وَهَذَا مُحَالٌ.
(٣) لَيسَ الشَّأنُ فِي عُلُوِّ المَكَانِ بَل فِي عُلُوِّ القَدرِ: عُلُوُّ المَكَانِ لَا يَدُلُّ بِذَاتِهِ عَلَى كَمَالٍ؛ فَقَد يَكُونُ إِنسَانٌ فِي مَكَانٍ مُرتَفِعٍ، وَمَن هُوَ أَعظَمُ قَدرًا مِنهُ يَكُونُ فِي مَكَانٍ مُنخَفِضٍ. فَالكَمَالُ لَيسَ فِي جِهَةِ المَكَانِ، بَل فِي عُلُوِّ المَنزِلَةِ وَالقُدرَةِ وَالسُّلطَانِ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الأَعلَى قَدرًا وَقَهرًا وَعَظَمَةً بِلَا احتِيَاجٍ إِلَى «فَوقٍ» حِسِّيٍّ.
ثَامِنًا: أَدِلَّةٌ عَقلِيَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالحُدُودِ وَالجِهَاتِ
بَعدَ تَثبِيتِ القَوَاعِدِ السَّابِقَةِ، يُمكِنُ جَمعُ الأَدِلَّةِ العَقلِيَّةِ فِي مَحَاوِرَ وَاضِحَةٍ مُتَتَابِعَةٍ:
(١) دَلِيلُ الحُدُوثِ وَالإِمكَانِ: الجِسمُ لَا يَنفَكُّ عَن:
حَجمٍ وَشَكلٍ وَمِقدَارٍ.
مَوقِعٍ وَحَدٍّ وَنِهَايَةٍ.
قَابِلِيَّةٍ لِلتَّغَيُّرِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقصَانِ.
وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِن صِفَاتِ المُحدَثَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِمَا يَقبَلُ التَّبَدُّلَ وَيَحتَاجُ إِلَى مَن خَصَّهُ بِهَذِهِ المَقَادِيرِ دُونَ غَيرِهَا. فَلَو كَانَ اللهُ جِسمًا، وَحَاشَاهُ، لَلَزِمَ أَن يَكُونَ: مَحدُودًا مُقَدَّرًا، مُرَكَّبًا مِن أَجزَاءٍ، مُحتَاجًا إِلَى مَن خَصَّهُ بِهَذَا الحَدِّ دُونَ غَيرِهِ، وأَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَوَاجِبُ الوُجُودِ، أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، فَلَو كَانَ جِسمًا لَكَانَ: مُحدَثًا، مُحتَاجًا، مُرَكَبًا مِن أَجزَاءٍ؛ وَهَذَا يُنَاقِضُ الإِلَهِيَّةَ. فَثَبَتَ عَقلًا أَنَّهُ: لَيسَ بِجِسمٍ، وَلَا جَوهَرٍ، وَلَا عَرَضٍ عَلَى مَعَانِي الأَجسَامِ وَالصِّفَاتِ الحَادِثَةِ.
(٢) دَلِيلُ الِاحتِيَاجِ: الجِسمُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَكَانٍ أَو جِهَةٍ، وَالمَكَانُ وَالجِهَةُ مَخلُوقَانِ. فَلَوِ احتَاجَ اللهُ إِلَى مَكَانٍ لَكَانَ مُحتَاجًا إِلَى مَخلُوقٍ، وَالمُحتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا؛ لِأَنَّ الإِلَهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، وَالعَالَمُونَ مُحتَاجُونَ إِلَيهِ.
(٣) دَلِيلُ التَّركِيبِ: الجِسمُ مُرَكَّبٌ مِن أَجزَاءٍ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفتَقِرٌ إِلَى مُرَكِّبٍ، وَقَابِلٌ لِلِانفِصَالِ وَالتَّجَزُّؤِ. فَلَو كَانَ اللهُ جِسمًا لَكَانَ مُفتَقِرًا، قَابِلًا لِلِانقِسَامِ، مُمكِنَ الزَّوَالِ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ.
(٤) دَلِيلُ المُشَابَهَةِ: الأَجسَامُ تُشبِهُ الأَجسَامَ مِن حَيثُ الأَصلُ: الحَدُّ وَالمِقدَارُ وَالجِهَةُ. فَلَو كَانَ اللهُ جِسمًا لَكَانَ مِثلَ خَلقِهِ فِي الحَدِّ وَالمِقدَارِ، وَهَذَا يُكَذِّبُهُ النَّصُّ القَاطِعُ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ (الشُّورَى: ١١).
تَاسِعًا: آيَاتٌ قُرآنِيَّةٌ مُحكَمَةٌ فِي التَّنزِيهِ وَوَجهُ الدَّلَالَةِ مِنهَا
القُرآنُ الكَرِيمُ مَلِيءٌ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي تَقطَعُ مَادَّةَ التَّشبِيهِ:
(١) نَفيُ المِثلِيَّةِ مُطلَقًا: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ (الشُّورَى: ١١)، وَهَذِهِ أَوسَعُ آيَةٍ فِي التَّنزِيهِ: نَفَتِ المِثلَ، وَنَفَت شَبَهَ المِثلِ، فَسَدَّت بَابَ التَّمثِيلِ مِن أَسَاسِهِ.
(٢) نَفيُ الإِدرَاكِ الحِسِّيِّ: ﴿لَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ﴾ (الأَنعَامُ: ١٠٣)، فَلَو كَانَ جِسمًا لَكَانَ فِي جِهَةٍ وَمُقَابَلَةٍ، وَلَكَانَ مِمَّا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ إِدرَاكَ إِحَاطَةٍ أَو مُقَابَلَةٍ، وَالآيَةُ تَنفِي ذَلِكَ عَلَى وَجهِ التَّنزِيهِ.
(٣) نَفيُ الوِلَادَةِ وَالجُزئِيَّةِ: ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد﴾ (الإِخلَاصُ: ٣)، وَالجِسمُ يَقبَلُ الِانقِسَامَ وَالتَّوَلُّدَ وَالتَّركِيبَ، فَنَفَى القُرآنُ مَا يَقتَضِي الجُزئِيَّةَ وَالِاحتِيَاجَ.
(٤) نَفيُ المُكَافَأَةِ: ﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإِخلَاصُ: ٤)، وَالجِسمُ لَهُ نَظَائِرُ وَأَمثَالٌ مِن حَيثُ الجِنسُ وَالحُدُودُ، فَنَفَى ذَلِكَ كُلَّهُ.
(٥) الإِحَاطَةُ المُطلَقَةُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ مُحِيطٌ﴾ (فُصِّلَت: ٥٤)، فَالمُحِيطُ بِكُلِّ شَيءٍ لَا يَكُونُ مَحصُورًا فِي جِهَةٍ؛ لِأَنَّ المَحصُورَ فِي جِهَةٍ مَحدُودٌ، وَالحَدُّ يُنَاقِضُ الإِحَاطَةَ المُطلَقَةَ.
(٦) الأَوَّلِيَّةُ المُطلَقَةُ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ (الحَدِيدُ: ٣)، فَهُوَ الأَوَّلُ قَبلَ المَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَكَيفَ يَحتَاجُ إِلَيهِمَا؟ وَكَيفَ يُقَالُ: «كَانَ بِلَا جِهَةٍ ثُمَّ صَارَ فِي جِهَةٍ»؟ هَذَا قَلبٌ لِمَعنَى الأَوَّلِيَّةِ.
عَاشِرًا: النَّتِيجَةُ العَقَدِيَّةُ المُحكَمَةُ
إِذَا جَمَعنَا بَينَ العَقلِ الصَّرِيحِ وَالنَّقلِ الصَّحِيحِ خَرَجنَا بِنَتِيجَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَتَعَدَّدُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى:
قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ.
لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ.
مُنَزَّهٌ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدَارِ.
مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ.
غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ.
عُلُوُّهُ عُلُوُّ قَدرٍ وَقَهرٍ وَعَظَمَةٍ، لَا عُلُوَّ مَكَانٍ وَجِهَةٍ.
الخُلَاصَةُ الوَاضِحَةُ: اللهُ تَعَالَى: قَدِيمٌ بِلَا ابتِدَاءٍ وبَاقٍ بِلَا انتِهَاءٍ ولَا يَتَغَيَّرُ ولَا يُشبِهُ خَلقَهُ ولَا يَحتَاجُ إِلَى مَكَانٍ ولَا تَحوِيهِ جِهَةٌ ولَا يُوصَفُ بِكَيفِيَّةٍ، هٰذَا هُوَ التَّوحِيدُ الخَالِصُ، وَعَقِيدَةُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَسَبِيلُ السَّلَامَةِ فِي الدِّينِ.
وَبِذَلِكَ يَظهَرُ أَنَّ نِسبَةَ المَكَانِ وَالجِهَةِ إِلَى اللهِ لَيسَت «إِثبَاتًا لِلصِّفَاتِ»، بَل هِيَ إِدخَالٌ لِصِفَاتِ الحَوَادِثِ فِي حَقِّ الخَالِقِ، وَهَذَا عَينُ الخَلَلِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ المُجَسِّمَةُ؛ إِذ قَاسُوا الخَالِقَ عَلَى المَخلُوقِ، فَجَعَلُوا مَا هُوَ عَلَامَةُ النَّقصِ وَالحُدُوثِ «كَمَالًا»، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ عَينُ التَّشبِيهِ.
خَاتِمَةٌ
إِنَّ التَّوحِيدَ لَيسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَل هُوَ عِلمٌ بِمَعَانِي الجَلَالِ، وَتَنزِيهٌ لِلهِ تَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. فَمَن حَفِظَ قَاعِدَةَ: «اللهُ يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ»، وَعَرَفَ أَنَّ التَّغَيُّرَ عَلَامَةُ الحُدُوثِ، ثُمَّ فَهِمَ أَنَّ المَكَانَ وَالجِهَةَ مِن لَوَازِمِ الأَجسَامِ وَأَنَّهُمَا مَخلُوقَانِ، عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ. لِذٰلِكَ قَالَ أَئِمَّةُ أَهلِ السُّنَّةِ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن مَكَانٌ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ» أَي: لَم تَحدُث لَهُ صِفَةٌ جَدِيدَةٌ بَعدَ خَلقِ الأَمَاكِنِ.
وَبِهَذَا تَسقُطُ دَعوَى مَن يَتَّهِمُ أَهلَ السُّنَّةِ بِالتَّعطِيلِ؛ لِأَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ لَم يَنفُوا كَمَالًا، بَل نَفَوا نَقصًا وَحُدُوثًا وَتَشبِيهًا، وَأَثبَتُوا لِلهِ صِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةَ بِهِ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ بِغَيرِ تَشبِيهٍ وَلَا تَكيِيفٍ وَلَا تَجسِيمٍ، هٰذَا هُوَ التَّوحِيدُ الصَّافِي الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ، وَقَرَّرَهُ أَئِمَّةُ الهُدَى.
فَمَن حَفِظَ هٰذِهِ القَوَاعِدَ سَلِمَ مِنَ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، وَعَرَفَ رَبَّهُ عَلَى وَجهِ التَّنزِيهِ وَالتَّعظِيمِ، وَذٰلِكَ أَصلُ الدِّينِ، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ. وَالحَمدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ.