مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ أَشرَفَ مَا يَتَزَوَّدُ بِهِ طَالِبُ العِلمِ: صِدقُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالعِلمُ عِبَادَةٌ، وَالعِبَادَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِإِخلَاصٍ. وَمِن أَجَلِّ مِيرَاثِ الأَنبِيَاءِ: العِلمُ الَّذِي يَهدِي إِلَى مَعرِفَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى وَجهِ التَّنزِيهِ وَالتَّوقِيرِ، دُونَ تَشبِيهٍ وَلَا تَجسِيمٍ. وَمِن أَثبَتِ مَا نَقَلَتهُ الأُمَّةُ فِي هَذَا البَابِ: كَلَامُ الإِمَامِ أَبِي جَعفَرٍ الطَّحَاوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي عَقِيدَتِهِ المَشهُورَةِ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
نَصُّ الإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ فِي التَّنزِيهِ
قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ سَلَامَةَ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ (ت ٣٢١هـ) فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي هِيَ عَقِيدَةُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: «تَعَالَى عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ، لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ». وَهَذِهِ الكَلِمَاتُ القَلِيلَةُ تَجمَعُ قَاعِدَةً كُبرَى فِي تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى: تَنزِيهُهُ سُبحَانَهُ عَمَّا يَختَصُّ بِهِ المَخلُوقُ مِن مَقَادِيرَ وَأَجزَاءَ وَجِهَاتٍ وَمَكَانٍ.
مَعنَى «تَعَالَى» وَنَفيُ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ
مَعنَى قَولِهِ: «تَعَالَى» أَي: تَنَزَّهَ اللهُ تَعَالَى تَنَزُّهًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ. وَقَولُهُ: «عَنِ الحُدُودِ» مَعنَاهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَيسَ لَهُ حَجمٌ وَلَا كَمِّيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ خَالِقُ الأَحجَامِ وَالمَقَادِيرِ، وَالمَحدُودُ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَالشَّرعِ: مَا كَانَ لَهُ قَدرٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ، كَبُرَ أَو صَغُرَ. وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ كُلَّ مَخلُوقٍ—دَقِيقًا كَانَ أَو جَلِيلًا—مَحدُودٌ، وَأَمَّا الخَالِقُ سُبحَانَهُ فَمُنَزَّهٌ عَنِ الحَدِّ. وَقَولُهُ: «وَالغَايَاتِ» أَي: النِّهَايَاتِ، وَالنِّهَايَةُ مِن شَأنِ الأَجسَامِ؛ فَمَن كَانَ لَهُ نِهَايَةٌ فَهُوَ مُتَنَاهٍ، وَالمُتَنَاهِي مَخلُوقٌ، وَاللهُ تَعَالَى لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ.
نَفيُ الأَركَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ
ثُمَّ قَالَ: «وَالأَركَانِ» وَالأَركَانُ جَمعُ رُكنٍ، وَهُوَ الجَانِبُ، وَالجَوَانِبُ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ. اللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأَركَانِ؛ وَهِيَ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ.
وَقَالَ: «وَالأَعضَاءِ» وَهِيَ الأَجزَاءُ الكَبِيرَةُ، كَمَا يُقَالُ فِي الجَوَارِحِ كاليد والرأس. فاللهُ مُنَزَّهٌ أَيضًا عَنِ الأَعضَاءِ؛ وَالأَعضَاءُ جَمعُ عُضوٍ، كَاليَدِ وَالرِّجلِ فِي الإِنسَانِ. وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: «لِلَّهِ يَدٌ» أَو «عَينٌ» أَو «وَجهٌ»، فَإِنِ اعتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ تُرَادُ بِهَا الجَوَارِحُ وَالأَجسَامُ—فَذَلِكَ كُفرٌ؛ لِأَنَّهُ تَشبِيهٌ لِلخَالِقِ بِالمَخلُوقِ.
أَمَّا إِن نَطَقَ بِهَا مُقِرًّا بِأَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى جِسمٍ وَلَا صُورَةٍ، وَلَا تُفِيدُ مَعنَى الجَارِحَةِ، فَلَا يُكَفَّرُ؛ لِأَنَّ «اليَدَ» وَ«الوَجهَ» وَ«العَينَ» قَد وَرَدَت فِي القُرآنِ مُضَافَةً إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَيُجرِي المُؤمِنُ اللَّفظَ وَيُنَزِّهُ المَعنَى عَنِ الجِسمِيَّةِ. فَالَّذِي يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ هُوَ مَن يَعتَقِدُ فِي هَذِهِ الأَلفَاظِ مَعنَى الجِسمِ وَالجَارِحَةِ، لَا مَن جَرَى عَلَى لِسَانِهِ اللَّفظُ مُجَرَّدًا مِن هَذَا الاعتِقَادِ.
فالعلماء يَنفُونَ الجارحة، ويُثبِتون الصِّفة، قال بعض العلماء: «إِنَّ كُلًّا مِنَ اليَدِ وَالعَينِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ، لَا بِمَعنَى الجَارِحَةِ؛ فَالعَينُ صِفَةٌ لَا حَدَقَةَ، وَاليَدُ صِفَةٌ لَا جَارِحَةَ».وقالوا: «وَمُحكَمُ القُرآنِ هُوَ الأَصلُ الَّذِي يُرَدُّ إِلَيهِ المُتَشَابِهُ».
ثُمَّ قالوا: «وَبَعدَ صَرفِ المُتَشَابِهِ عَن ظَاهِرِهِ،
حمَلوا اللَّفظَ على معنًى صحيحٍ سائغٍ في اللُّغة»، مثل:
• «اليَدُ» = القُدرَةُ
• «العَينُ» = الحِفظُ والرِّعَاية
• «الوَجهُ» = الذَّاتُ
على شرطِ: أن يكون المعنى جائزًا لغةً، ومنزَّهًا عن صفاتِ المخلوقين.
وَقَالَ أَبُو جَعفَرٍ: «وَالأَدَوَاتِ»، وَالمُرَادُ بِالأَدَوَاتِ: الأَجزَاءُ الصَّغِيرَةُ كَاللِّسَانِ وَالأَضرَاسِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ. فالأَدَوَاتِ وَهِيَ الأَجزَاءُ الصَّغِيرَةُ.
وَمَعنَى ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن أَن يَكُونَ جِسمًا مُرَكَّبًا مِن أَجزَاءَ؛ لِأَنَّ التَّركِيبَ عَلاَمَةُ الحُدُوثِ وَالِافتِقَارِ، وَالإِلَهُ لَا يَكُونُ مُحتَاجًا وَلَا مُحدَثًا.
نَفيُ الجِهَاتِ وَإِثبَاتُ الوُجُودِ بِلَا مَكَانٍ
وَمِن أَبيَنِ مَا فِي عَقِيدَةِ الطَّحَاوِيِّ قَولُهُ: «لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ»، أَي: أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ؛ لِأَنَّ الجِهَاتِ: فَوقٌ وَتَحتٌ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ وَأَمَامٌ وَخَلفٌ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ. ثُمَّ أَتبَعَهَا بِقَولِهِ: «كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ»، فَصَرَّحَ أَنَّ الجِهَةَ وَالمَكَانَ حَادِثَانِ مَخلُوقَانِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن صِفَاتِ الحَوَادِثِ؛ فَهُوَ كَانَ قَبلَ أَن يُخلَقَ المَكَانُ وَالجِهَةُ، وَلَا يَزَالُ بَعدَ خَلقِهِمَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ، لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَحتَاجُ.
فقَوله: «وَلَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ»، أَي: لَا تُحِيطُ بِهِ الجِهَاتُ السِّتُّ، وَهِيَ مِن أَوصَافِ المَخلُوقَاتِ. ثُمَّ قَالَ: «كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ»، أَي: كَسَائِرِ المَخلُوقَاتِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ المَكَانَ مَخلُوقٌ مِن مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ جَمِيعَ الأَمكِنَةِ وُجِدَت بَعدَ أَن لَم تَكُن، عَلِمنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ الأَمكِنَةِ وَالأَزمِنَةِ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾، وَلَمَّا كَانَ المَكَانُ مَخلُوقًا، تَبَيَّنَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَحتَاجُ إِلَيهِ؛ لِأَنَّهُ سُبحَانَهُ مُستَغنٍ عَنِ الخَلقِ كُلِّهِ، لَا يَفتَقِرُ إِلَى شَيءٍ مِنهُم، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾، صَدَقَ اللهُ العَظِيمُ.
﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعلَى﴾: أَصلُ التَّنزِيهِ وَقَاعِدَتُهُ
وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعلَى﴾، أَي: لَهُ الوَصفُ الأَكمَلُ الَّذِي لَا يُشبِهُ وَصفَ غَيرِهِ. فَالتَّنزِيهُ لَيسَ دَعوًى ذِهنِيَّةً، بَل هُوَ تَحقِيقُ هَذَا الأَصلِ: أَن لَا نُجرِيَ عَلَى الخَالِقِ سُبحَانَهُ شَيئًا مِن خُصُوصِيَّاتِ المَخلُوقِ. فَالجِهَاتُ كُلُّهَا بِالنِّسبَةِ إِلَى ذَاتِ اللهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَينَهُ وَبَينَ شَيءٍ مِن خَلقِهِ، وَعَظَمَتُهُ سُبحَانَهُ أَنَّهُ لَا يُشبِهُ شَيئًا.
وَهمُ تَعظِيمِ اللهِ بِالجِهَةِ وَمَعنَى الكَمَالِ الأَزَلِيِّ
وَمِمَّا يَقَعُ فِيهِ بَعضُ النَّاسِ: أَن يَظُنُّوا أَنَّ إِثبَاتَ جِهَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى—كَالجِهَةِ الفَوقَانِيَّةِ—مِن بَابِ التَّعظِيمِ، وَهَذَا وَهمٌ؛ فَإِنَّ الجِهَةَ شَيءٌ مَخلُوقٌ حَادِثٌ، وَإِذَا جُعِلَ كَمَالُ اللهِ مُتَعَلِّقًا بِمَا حَدَثَ مِن خَلقِهِ لَزِمَ أَن يَكُونَ قَبلَ حُدُوثِهِ نَاقِصًا—وَهَذَا بَاطِلٌ. بَلِ الحَقُّ أَنَّ كَمَالَ اللهِ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، لَا يَزِيدُ وَلَا يَنقُصُ، وَلَا يَتَشَرَّفُ بِشَيءٍ مِن خَلقِهِ، وَلَا يَتَعَظَّمُ بِحَادِثٍ مِن مُبتَدَعَاتِهِ. فَجِهَةُ فَوقٍ كَجِهَةِ تَحتٍ، وَيَمِينٌ كَشِمَالٍ، وَأَمَامٌ كَخَلفٍ: كُلُّهَا مَخلُوقَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهَا، فَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ فِي شَيءٍ مِنهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَوجُودًا قَبلَهَا بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ.
عُلُوُّ القَدرِ لَا عُلُوُّ المَكَانِ
وَقَد نَبَّهَ العُلَمَاءُ إِلَى قَاعِدَةٍ مُهِمَّةٍ: أَنَّ الجِهَاتِ وَالأَمكِنَةَ لَا تَقتَضِي الكَمَالَ فِي ذَاتِهَا؛ فَلَيسَ الشَّأنُ فِي عُلُوِّ المَكَانِ، بَلِ الشَّأنُ فِي عُلُوِّ القَدرِ. وَقَد يَكُونُ الإِنسَانُ فِي مَكَانٍ مُرتَفِعٍ وَهُوَ دُونَ غَيرِهِ قَدرًا، كَمَا يُشَاهَدُ فِي أَحوَالِ المُلوكِ وَحُرَّاسِهِم. وَكَذَلِكَ الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ مُستَقَرُّهُم فِي الدُّنيَا الأَرضُ، وَفِي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وَهُم أَعلَى قَدرًا مِن كَثِيرٍ مِمَّن هُوَ فِي جِهَةٍ أَعلَى مِنهُم بِحِسَابِ المَكَانِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ «الفَوقِيَّةَ المَكَانِيَّةَ» لَيسَت مِيزَانَ الكَمَالِ.
فَهمُ النُّصُوصِ المُتَشَابِهَةِ وَمِيزَانُ «لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ»
وَمِن رَحمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَن جَعَلَ فِي الكِتَابِ مُحكَمًا يُرجَعُ إِلَيهِ، وَمُتَشَابِهًا يُفهَمُ عَلَى ضَوءِ المُحكَمِ؛ فَلا بُدَّ أَن يَكُونَ تَفسِيرُ مَا يُوهِمُ التَّشبِيهَ مُنسَجِمًا مَعَ الأُصُولِ القَاطِعَةِ فِي التَّنزِيهِ. وَمِمَّا يَدخُلُ فِي هَذَا: بَيَانُ مَعنَى «الكُرسِيِّ» فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ﴾؛ فَهُوَ مَخلُوقٌ عَظِيمٌ تَحتَ العَرشِ، خَلَقَهُ اللهُ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، لَا لِيَكُونَ مَكَانًا لِذَاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاحتِيَاجِ إِلَى مَكَانٍ. وَكَذَلِكَ العَرشُ مَخلُوقٌ عَظِيمٌ، وَقَد جَاءَ فِي مَعنَى مَا نُقِلَ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ اللهَ خَلَقَ العَرشَ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، وَلَم يَتَّخِذهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ.
وَفِي بَابِ الأَحَادِيثِ الَّتِي قَد يُسَاءُ فَهمُهَا: مَا جَاءَ فِي أَمرِ جَهَنَّمَ وَأَنَّهَا تَقُولُ: هَل مِن مَزِيدٍ، حَتَّى «يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ»؛ فَقَد بَيَّنَ العُلَمَاءُ أَنَّ مَعنَاهُ: مَا يُقَدِّمُهُ اللهُ لَهَا مِنَ الفَوجِ الآخِرِ الَّذِي تَمتَلِئُ بِهِ، وَلَيسَ المُرَادُ جَارِحَةً كَجَوَارِحِ المَخلُوقِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنَاقِضُ أُصُولَ التَّنزِيهِ.
وَتَظَلُّ القَاعِدَةُ الكُبرَى فِي تَفسِيرِ المُتَشَابِهَاتِ: أَن يُرَدَّ مُحتَمَلُهَا إِلَى المَعنَى اللَّائِقِ بِاللهِ تَعَالَى، وَأَن لَا يَتَصَادَمَ ذَلِكَ مَعَ المُحكَمَاتِ.
قَاعِدَةٌ فِي إِثبَاتِ الصِّفَاتِ
وَمِمَّا يَنبَغِي ضَبطُهُ فِي هَذَا البَابِ: أَنَّ الصِّفَاتِ لَا تُثبَتُ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِنَصٍّ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، أَو بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ ثَبَتَت رِوَايَتُهُ عِندَ أَهلِ الحَدِيثِ؛ لِأَنَّ العَقِيدَةَ تُبنَى عَلَى الدَّلِيلِ الثَّابِتِ، لَا عَلَى الظُّنُونِ وَالأَقوَالِ المُجَرَّدَةِ. وَمَعَ ثُبُوتِ النُّصُوصِ، فَإِنَّ الفَهمَ يَبقَى مُنضَبِطًا بِالأَصلِ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ: تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَن مُمَاثَلَةِ خَلقِهِ.
خَاتِمَةٌ
إِنَّ عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن الحُدُودِ وَالجِهَاتِ وَالأَجزَاءِ لَيسَت دَعوًى جَدَلِيَّةً، بَل هِيَ مِيرَاثُ النُّبُوَّةِ وَعَقِيدَةُ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا، يَحفَظُونَ بِهَا جَلَالَ الرَّبِّ سُبحَانَهُ، وَيَسلَمُونَ مِن وَهمِ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، وَيَفهَمُونَ النُّصُوصَ عَلَى ضَوءِ المُحكَمَاتِ.
فَاللَّهُمَّ ارزُقنَا إِخلَاصَ النِّيَّةِ لَكَ، وَنُورَ العِلمِ النَّافِعِ، وَثَبِّتنَا عَلَى عَقِيدَةِ التَّنزِيهِ وَالتَّوحِيدِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ.