بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الم (1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَأَنزَلَ التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ (3) مِن قَبلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُم فِي الأَرحَامِ كَيفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (6)﴾ [آل عمران: 1-6]
سورة آل عمران وَهِيَ سُورَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وَآيَاتُهَا مِائَتَانِ. وَسَبَبُ نُزُولِهَا، فِيمَا ذَكَرَهُ الجُمهُورُ، أَنَّ وَفدَ نَصَارَى نَجرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، فِيهِم أَربَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أَشرَافِهِم، وَمِن بَينِهِم ثَلَاثَةٌ إِلَيهِم يَرجِعُ أَمرُهُم وَعَلَيهِم يَدُورُ تَدبِيرُهُم: أَمِيرُهُمُ العَاقِبُ، وَاسمُهُ عَبدُ المَسِيحِ، وَصَاحِبُ رَحلِهِمُ السَّيِّدُ، وَاسمُهُ الأَيهَمُ، وَعَالِمُهُم أَبُو حَارِثَةَ بنُ عَلقَمَةَ، أَخُو بَكرِ بنِ وَائِلٍ. وَأَقَامُوا بِالمَدِينَةِ أَيَّامًا يُنَاظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي شَأنِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَكَانُوا يَزعُمُونَ تَارَةً أَنَّهُ اللهُ، وَتَارَةً أَنَّهُ وَلَدُ الإِلٰهِ، وَتَارَةً أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذكُرُ لَهُم مِن صِفَاتِ البَارِي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَا يَنتَفِي عَن عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَهُم يُوَافِقُونَهُ عَلَى ذٰلِكَ، ثُمَّ لَم يَرضَوا إِلَّا بِالمُكَابَرَةِ وَالجُحُودِ. ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَلَستَ تَزعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ وَرُوحٌ مِنهُ؟ فَقَالَ: «بَلَى». فَقَالُوا: حَسبُنَا. فَأَنزَلَ اللهُ فِيهِم صَدرَ هٰذِهِ السُّورَةِ إِلَى نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنهَا، إِلَى أَن دَعَاهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الِابتِهَالِ.
﴿الم﴾ [آل عمران: 1]
اختَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى سِتَّةِ أَقوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مِنَ المُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا حُرُوفٌ مِن أَسمَاءِ اللهِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا حُرُوفٌ أَقسَمَ اللهُ بِهَا، وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ أَشَارَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الحُرُوفِ إِِلَى سَائِرِهَا، وَالمَعنَى: أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الحُرُوفُ أُصُولًا لِلكَلَامِ المُؤَلَّفِ أَخبَرَ أَنَّ هَذَا القُرآنَ إِنَّمَا هُوَ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، وَالخَامِسُ: أَنَّهَا أَسمَاءٌ لِلسُّوَرِ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهَا مِنَ الرَّمزِ الَّذِي تَستَعمِلُهُ العَرَبُ فِي كَلَامِهَا
أَمَّا قَولُهُ تَعالَى: ﴿الم﴾ روي عن ابن عباس أن معناها: «أنا الله أعلم» وقيل إنها مفاتيح لأسماء الله، فالألف من «الله»، واللام من «اللطيف»، والميم من «المجيد».
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]
لَفظُ الجَلَالَةِ «اللهُ» مُبتَدَأٌ، وهو عَلَمٌ للذِّاتِ المُقدسِ المُستحِقِ لِنهايةِ التَعظِيمِ وَغَايَةِ الخُضُوعِ وَمعناهُ مَن لهُ الإلهيَّةُ وَهِيَ القُدرَةُ عَلَى الاختِرَاعِ أَي إِبرَازِ المَعدُومِ إلى الوُجودِ. وَقَولُهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خَبَرُهُ. وَخَبَرُ «لَا» مَحذُوفٌ، وَالتَّقدِيرُ: لَا إِلٰهَ فِي الوُجُودِ إِلَّا هُوَ.
وَقَولُهُ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾
وَالحَيَاةُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيسَت كَحَيَاةِ غَيرِهِ بِرُوحٍ وَلَحمٍ وَدَمٍ، وَلَو لَم يَكُنِ اللَّهُ حَيًّا لَم يُوجَد شَىءٌ مِن هَذَا العَالَمِ لِأَنَّ مَن لَيسَ حَيًّا لا يَتَّصِفُ بِالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالعِلمِ وَلَو كَانَ اللَّهُ تَعَالَى غَيرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِالضِّدِّ وَذَلِكَ نَقصٌ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقصِ، وَمعنى القَيُّومِ الدَائمُ الذِّي لاَ يَزُولُ وَقَالَ بَعضُهُم: القَيُّومُ أَيِ القَائِمُ بِنَفسِهِ الَّذِي لا يَحتَاجُ إِلَى غَيرِهِ. وَقيل هُوَ القَائِمُ بِالقِسطِ، وَالقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت، فَهُوَ المُتَوَلِّي لِخَلقِهِ تَدبِيرًا وَحِفظًا وَرِعَايَةً وَجَزَاءً، قَالَ البَيهَقِيُّ فِي «الِاعتِقَادِ»: القَيُّومُ هُوَ القَائِمُ الدَّائِمُ بِلَا زَوَالٍ، فَيَرجِعُ مَعنَاهُ إِلَى صِفَةِ البَقَاءِ، اهـ.
﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَأَنزَلَ التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 3]
المَعنَى: هُوَ الَّذِي نَزَّلَ عَلَيكَ الكِتَابَ، أَي: القُرآنَ.
وَقَولُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾
حَالٌ، أَي: أَنزَلَهُ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، ثَابِتًا صِدقُهُ وَصِحَّتُهُ.
وَقَولُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾
أَي: مُوَافِقًا لِمَا سَبَقَهُ مِنَ الكُتُبِ، شَاهِدًا بِصِحَّةِ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنهَا فِي أَصلِهَا.
وَقَولُهُ: ﴿وَأَنزَلَ التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾
فَالتَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ اسمَانِ أَعجَمِيَّانِ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِي القُرآنِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الكِتَابَ﴾، وَفِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ: ﴿وَأَنزَلَ التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾؛ لِأَنَّ القُرآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، أَمَّا هَذَانِ الكِتَابَانِ فَقَد نَزَلَا جُملَةً وَاحِدَةً.
﴿مِن قَبلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4]
قَولُهُ: ﴿مِن قَبلُ﴾
أَي: مِن قَبلِ القُرآنِ.
وَقَولُهُ: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾
أَي: جُعِلَتِ التَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ هُدًى، وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ ذٰلِكَ لِقَومِ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ خَاصَّةً، وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ لِجَمِيعِ النَّاسِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَأَنزَلَ الفُرقَانَ﴾
يُمكِنُ أَن يُرَادَ بِهِ جِنسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأَنَّهَا جَمِيعًا تُفَرِّقُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَيُمكِنُ أَن يُرَادَ بِهِ الزَّبُورُ، وَيُمكِنُ أَن يَكُونَ ذِكرُهُ تَكرَارًا لِلقُرآنِ عَلَى وَجهِ التَّفخِيمِ لِشَأنِهِ بِهٰذَا الوَصفِ الجَلِيلِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ سُبحَانَهُ مَن كَفَرَ بِآيَاتِهِ.
فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
سَوَاءٌ أَكَانَت هٰذِهِ الآيَاتُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أَم مِن سَائِرِ دَلَائِلِهِ وَبَرَاهِينِهِ.
ثُمَّ خَتَمَ ذٰلِكَ بِقَولِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾
أَي: غَالِبٌ لَا يُغلَبُ، صَاحِبُ عُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ لَا يَقدِرُ أَحَدٌ عَلَى مِثلِهَا، يَنتَقِمُ مِمَّنِ استَحَقَّ العِقَابَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5]
أَي: إِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ كَائِنٌ فِي الأَرضِ، وَلَا شَيءٌ كَائِنٌ فِي السَّمَاءِ. وَالمُرَادُ بِذِكرِ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ العَالَمُ كُلُّهُ؛ إِذ عُبِّرَ بِهِمَا عَن جَمِيعِ المَوجُودَاتِ. فَهُوَ سُبحَانَهُ مُطَّلِعٌ عَلَى كُفرِ مَن كَفَرَ، وَإِيمَانِ مَن آمَنَ، وَلَا يَخفَى عَلَيهِ مِن أَحوَالِ العِبَادِ شَيءٌ، وَهُوَ مُجَازِيهِم عَلَى ذٰلِكَ كُلِّهِ.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُم فِي الأَرحَامِ كَيفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6]
أَي: هُوَ وَحدَهُ الَّذِي يَخلُقُكُم فِي الأَرحَامِ، وَيُصَوِّرُكُم عَلَى الصُّوَرِ المُختَلِفَةِ وَالأَشكَالِ المُتَبَايِنَةِ، كَيفَمَا شَاءَ وَأَرَادَ.
ثُمَّ أَكَّدَ وَحدَانِيَّتَهُ فَقَالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ثُمَّ وَصَفَ نَفسَهُ بِقَولِهِ: ﴿العَزِيزُ﴾، أَي: الغَالِبُ فِي سُلطَانِهِ، ﴿الحَكِيمُ﴾، أَي: المُتقِنُ لِتَدبِيرِهِ، الَّذِي يَضَعُ الأَشيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا عَلَى وَجهِ الحِكمَةِ.
وَقَد رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ وَفدُ بَنِي نَجرَانَ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، وَكَانَ أَمِيرُهُمُ العَاقِبَ، وَعُمدَتُهُمُ السَّيِّدَ، وَأُسقُفُهُم وَحَبرُهُم أَبُو حَارِثَةَ، خَاصَمُوا فِي شَأنِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَالُوا: إِن لَم يَكُن وَلَدًا لِلَّهِ، فَمَن أَبُوهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَستُم تَعلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشبِهُ أَبَاهُ؟». قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «أَلَم تَعلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَأَنَّ عِيسَى يَمُوتُ، وَأَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى العِبَادِ يَحفَظُهُم وَيَرزُقُهُم، وَعِيسَى لَا يَقدِرُ عَلَى ذٰلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَعِيسَى لَا يَعلَمُ إِلَّا مَا عُلِّمَ، وَإِنَّهُ صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِمِ كَيفَ شَاءَ، فَحَمَلَتهُ أُمُّهُ، وَوَضَعَتهُ، وَأَرضَعَتهُ، وَكَانَ يَأكُلُ وَيُحدِثُ، وَرَبُّنَا مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ». فَانقَطَعُوا، فَنَزَلَ فِيهِم صَدرُ سُورَةِ آلِ عِمرَانَ إِلَى بِضعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً.
تنبيهٌ مهم: تُعَدُّ قِصَّةُ وَفدِ نَجرَانَ مِنَ الوَقَائِعِ المَشهُورَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَد كَثُرَ حَولَهَا النَّقلُ وَالجِدَالُ، وَتَداوَلَ النَّاسُ فِيهَا رِوَايَاتٍ مُتَفَاوِتَةً صِحَّةً وَضَعفًا. وَمِن ثَمَّ كَانَ لِزامًا بَيَانُ الحَقِّ فِيهَا عَلَى وَفقِ مَا ثَبَتَ بِالأَدلَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَرَدِّ مَا لا يَصِحُّ إِسنَادُهُ أَو يَتَعَارَضُ مَعَ الأُصُولِ الشَّرعِيَّةِ.
وقد ثَبَتَ أَنَّ وَفدًا مِن نَصَارَى نَجرَانَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينَةِ، وَكَانُوا جَمَاعَةً مِن أَشرَافِهِم، فَدَعَاهُم إِلَى الإِسلَامِ وَبَيَّنَ لَهُم حَقِيقَةَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَأَبَوا وَجَادَلُوا، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَولَهُ: ﴿فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ (61)﴾. فَلَمَّا رَأَوا الجِدَّ فِي المُبَاهَلَةِ خَافُوا عَاقِبَتَهَا، وَآثَرُوا المُصَالَحَةَ وأَدَاءَ الجِزيَةِ، فَتُرِكُوا عَلَى ذَلِكَ، وَهٰذَا هُوَ الثَّابِتُ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ وَالسِّيرَةِ المُعتَمَدَةِ.
أما مَسأَلَةُ صَلَاتِهِم فِي المَسجِدِ فقد وَرَدَت رِوَايَاتٌ فِي بَعضِ كُتُبِ السِّيرَةِ تَذكُرُ أَنَّ وَفدَ نَجرَانَ صَلَّوا فِي مَسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى جِهَةِ المَشرِقِ، وَأَنَّهُ قِيلَ: أَنَّهُ ﷺ قالَ: دَعوهُم يُصَلُّونَ فِي مَسجِدِي!. وَهٰذِهِ الزِّيادَةُ مِمّا أَنكَرَها العلماء وهي كذبٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَرسَلَ نَبِيَّهُ ﷺ آمِرًا بِالمَعرُوفِ ناهِيًا عَنِ المُنكَرِ، وَقالَ تَعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
وَهٰذِهِ الرِّوَايَاتُ لَيسَت مِنها ما يَثبُتُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، بَل فِيهَا انقِطَاعٌ أَو ضَعفٌ، وَقَد تَكَلَّمَ العُلَمَاءُ فِيها، فَلَا يُبنَى عَلَيهَا حُكمٌ وَلَا يُعارَضُ بِهَا الأَصلُ المَعلُومُ مِن شَرعِ الإِسلَامِ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنزَّهٌ عن الإِقرار بِالبَاطِلِ أو الرِّضَا به وقد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمحُو اللَّهُ بِيَ الكُفرَ». فَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِسَالَتَهُ قَائِمَةٌ عَلَى إِزَالَةِ الشِّركِ وَالبَاطِلِ، وَإِظهَارِ الحَقِّ وَالتَّوحِيدِ، فَلَا يَتَصَوَّرُ مَعَ ذَلِكَ أَن يُقِرَّ الكُفرَ أَو يَرضَى بِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنزَّهٌ عَن إِقرَارِ الكُفرِ أَوِ الرِّضَا بِهِ.
وإِنَّ كُتُبَ السِّيرَةِ لَيسَت كُلُّ مَا فِيهَا صَحِيحًا، بَل فِيهَا الصَّحِيحُ وَالضَّعِيفُ وَالمُنكَرُ، وَقَد دَخَلَ فِي هٰذِهِ المَصنَّفَاتِ مَا يَحتاجُ إِلَى تَمحِيصٍ وَتَحرِيرٍ، وَلِذٰلِكَ كَانَ أَهلُ الحَدِيثِ يُمَيِّزُونَ بَينَ مَا يَثبُتُ وَمَا لَا يَثبُتُ، وَلَا يَقبَلُونَ كُلَّ مَا يُروَى دُونَ نَظَرٍ فِي إِسنَادِهِ.
وَخُلَاصَةُ الأَمرِ: أَنَّ قِصَّةَ وَفدِ نَجرَانَ وَالمُبَاهَلَةِ ثَابِتَةٌ، وَأَنَّهُم عَدَلُوا عَنِ المُبَاهَلَةِ إِلَى المُصَالَحَةِ وَدَفعِ الجِزيَةِ، وَأَمَّا مَا يُروَى مِن صَلَاتِهِم فِي المَسجِدِ فَلَيسَ مِمَّا يَثبُتُ إِسنَادُهُ، وَيَجِبُ فِي مِثلِ هٰذِهِ المَسَائِلِ الرُّجُوعُ إِلَى مِيزَانِ العِلمِ وَالتَّثَبُّتِ، وَتَركُ مَا لَا يَصحُّ أَو يُوهِمُ مَا لَا يَليقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ.
فَلا يَصحُّ أَن تُجعَلَ هٰذِهِ الرِّواياتُ المُضطَرِبَةُ أَصلًا فِي تَقريرِ «حُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ» بِالمَعنى الَّذي يَزعُمونَ. وَبِهذا يَظهَرُ الحَقُّ جَلِيًّا، وَيَتَبَيَّنُ بُطلانُ هذِهِ المَقالَةِ، وَأَنَّها قائِمَةٌ عَلَى تَحريفِ النُّصوصِ، وَسُوءِ الفَهمِ، وَاتِّباعِ الهَوى.
هؤلاءِ عَرَبٌ لَكِن تَبِعُوا الرُّومَ،كَانُوا يُسَاعِدُونَهم ويَهتَمُّونَ بِهم لأنَّهم لَيسُوا مِنَ الرُّومِ بَل عَرَبٌ فَرِحُوا بِدُخُولِهم في دِيْنِهِم فُتِنُوا لأنَّ الرُّومَ صَارَتْ تُسَاعِدُهُم وتُعَظِّمُهُم، ثم عَقِيدَةُ النّصَارَى دَخَلَتْ فِيهِم ،بَعضُ أَصحَابِ السِّيرَةِ يَقُولُونَ إنّهم صَلَّوا في مَسجِدِ الرّسُولِ مُستَقبِلِينَ الشَّرقَ فَهَمَّ بَعضُ الصّحَابَةِ بِهم فقَالَ لهمُ الرّسُولُ دَعُوهُم وهَذا كَذِبٌ مَا صَارَ.