بسم الله الرحمن الرحيم
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)﴾
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]
هُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، أَيْ: القُرْآنَ. وَمِنْ هٰذَا الكِتَابِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ، أَيْ: مُتْقَنَاتُ العِبَارَةِ، مَصُونَاتٌ عَنِ الِاحْتِمَالِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الِاشْتِبَاهِ، فَهِيَ وَاضِحَةُ الدَّلَالَةِ، بَيِّنَةُ المَعْنَى. وَهٰذِهِ الآيَاتُ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ، أَيْ: أَصْلُهُ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ، فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ المُتَشَابِهَاتُ، وَتُرَدُّ إِلَيْهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ. وَفِيهِ أَيْضًا آيَاتٌ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، أَيْ: مُشْتَبِهَاتُ الدَّلَالَةِ، مُحْتَمِلَاتٌ لِأَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ. وَالْمُتَشَابِهَةُ هِيَ الَّتِي دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ غَيْرُ وَاضِحَةٍ وأَخبَر أنّ اتّباع ظاهِرها زَيغٌ، وَمِثَالُ ذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فَإِنَّ الِاسْتِوَاءَ فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَى الجُلُوسِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى القُدْرَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى المَعْنَى الأَوَّلِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ المُحْكَمَ يَرُدُّهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وَقِيلَ: إِنَّ المُحْكَمَ هُوَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وَأَنَّ المُتَشَابِهَ مَا وَرَاءَ ذٰلِكَ. وَقِيلَ: المُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ أَوْجُهًا. وَقِيلَ: المُحْكَمُ مَا يُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ، وَالمُتَشَابِهُ مَا لَا يُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ. وَقِيلَ: المُحْكَمُ هُوَ النَّاسِخُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَالمُتَشَابِهُ هُوَ المَنْسُوخُ الَّذِي لَا يُعْمَلُ بِهِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمًا؛ لِمَا فِي المُتَشَابِهِ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ، وَلِيَتَمَيَّزَ الثَّابِتُ عَلَى الحَقِّ مِنَ المُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وَلِمَا فِي تَدَبُّرِ العُلَمَاءِ لَهُ، وَإِتْعَابِهِمُ القَرَائِحَ فِي اسْتِخْرَاجِ مَعَانِيهِ، وَرَدِّهِ إِلَى المُحْكَمِ، مِنَ الفَوَائِدِ الجَلِيلَةِ، وَالعُلُومِ الجَمَّةِ، وَنَيْلِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، أَيْ: مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ وَانْحِرَافٌ عَنْهُ، وَهُمْ أَهْلُ البِدَعِ وَالأَهْوَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، أَيْ: يَتَعَلَّقُونَ بِالآيَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُ فِي الظَّاهِرِ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ المُحْكَمَ الَّذِي يَرُدُّ بَاطِلَهُمْ. وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذٰلِكَ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ، أَيْ: طَلَبًا لِإِضْلَالِ النَّاسِ وَصَرْفِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، أَيْ: طَلَبًا لِتَأْوِيلِهِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ وَيُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ. وقد ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَيِ الزَّيْعِ أَيِ ابْتِغَاءَ الإِيقَاعِ فِي الأَمْرِ الْمَحْظُورِ لِأَنَّ الْمُشَبِّهَةَ غَرَضُهُمْ فِي جِدَالِهِمْ أَنْ يُوقِعُوا السُّنِّيَّ فِي اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ أَهْلُ الأَهْوَاءِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ حَصَلَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغ كَانَ يَسْأَلُ عَنِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى وَجْهٍ يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَضَرَبَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ ثُمَّ نَفَاهُ وَأَمَرَ أَنْ لا يَخْتَلِطَ النَّاسُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، أَيْ: لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ تَأْوِيلِهِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ عِنْدَ الجُمْهُورِ ابْتِدَاءٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَالوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وَعَلَى هٰذَا فَالرَّاسِخُونَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا فِي العِلْمِ وَتَمَكَّنُوا فِيهِ وَاسْتَقَرُّوا، وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، أَيْ: آمَنَّا بِالمُحْكَمِ وَالمُتَشَابِهِ جَمِيعًا، وَاعْتَقَدْنَا أَنَّ الكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الحَكِيمِ، فَلَا تَنَاقُضَ فِي كَلَامِهِ. وَهٰذَا ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِالإِيمَانِ المَبْنِيِّ عَلَى التَّسْلِيمِ وَاعْتِقَادِ الحَقِّ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ.
وَفَائِدَةُ إِنْزَالِ المُتَشَابِهِ: الإِيمَانُ بِهِ، وَاعْتِقَادُ أَنَّ مَا أَرَادَهُ اللهُ بِهِ حَقٌّ، وَمَعْرِفَةُ قُصُورِ أَفْهَامِ البَشَرِ عَنْ إِدْرَاكِ مَا لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُمْ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وَيُؤَيِّدُ هٰذَا مَا رُوِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ»، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: «إِنْ تَأْوِيلَهُ إِلَّا عِنْدَ اللهِ». وَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ يَعْلَمُونَ المُتَشَابِهَ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا مُبَيِّنًا لِحَالِهِمْ، أَيْ: هٰؤُلَاءِ العَالِمُونَ بِالتَّأْوِيلِ يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، أَيْ: بِالمُتَشَابِهِ أَوْ بِالكِتَابِ كُلِّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أَيْ: وَمَا يَتَّعِظُ وَيَنْتَفِعُ إِلَّا أَصْحَابُ العُقُولِ الصَّافِيَةِ، وَفِي هٰذَا مَدْحٌ لِلرَّاسِخِينَ؛ لِحُسْنِ التَّأَمُّلِ، وَإِلْقَاءِ الذِّهْنِ، وَصِحَّةِ الِاعْتِبَارِ.
وَقِيلَ: ﴿يَقُولُونَ﴾ حَالٌ مِنَ الرَّاسِخِينَ.
مَعنَى الآيَاتِ المُحكَمَاتِ وَالآيَاتِ المُتَشَابِهَاتِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فَفِي القُرآنِ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ، وَهِيَ الأُصُولُ العَظِيمَةُ وَالمَرجِعُ المُعتَمَدُ فِي تَفسِيرِ سَائِرِ النُّصُوصِ، حَتَّى لَا يَخرُجَ المُسلِمُ عَنهَا فِي فَهمِ مَعنًى مِنَ المَعَانِي؛ وَمِن أَعظَمِهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، فَهَذِهِ الآيَةُ أَصلُ التَّنزِيهِ وَقَاعِدَتُهُ.
وَفِي القُرآنِ أَيضًا آيَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ، وَهِيَ الَّتِي يَحتَاجُ فَهمُهَا إِلَى رُجُوعٍ إِلَى أَهلِ العِلمِ، وَإِلَى القَوَاعِدِ المُحكَمَةِ، لِئَلَّا يُحمَلَ لَفظُهَا عَلَى ظَاهِرٍ يُوهِمُ مَا لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ. وَمِن ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحمٰنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، فَلَيسَ المُرَادُ مِنهَا الجُلُوسَ وَلَا القُعُودَ وَلَا الِاستِقرَارَ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ، بَل فَسَّرَهَا أَهلُ العِلمِ بِالقَهرِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا استَيقَظَ مِنَ اللَّيلِ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ». وَمِن هُنَا يُعلَمُ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ يُوهِمُ ظَاهِرُهُ مَا لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، بَل يُفَسَّرُ تَفسِيرًا يَتَوَافَقُ مَعَ أُصُولِ التَّنزِيهِ.
أَقسَامُ المُتَشَابِهِ فِي الوَحيِ
المُتَشَابِهُ عَلَى قِسمَينِ:
أَوَّلُهُمَا: مَا استَأثَرَ اللَّهُ بِعِلمِهِ، كَوَقتِ قِيَامِ السَّاعَةِ عَلَى التَّحدِيدِ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ عَلَى الوَقتِ المُعَيَّنِ؛ فَهَذَا لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَالثَّانِي: مَا يَعلَمُهُ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ، كَمَعنَى الِاستِوَاءِ، وَنَحوِهِ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا البَيَانُ لِصَونِ العَقِيدَةِ عَنِ الزَّيغِ.
تَفسِيرُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ…﴾ وَخَطَرُ اتِّبَاعِ المُتَشَابِهِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ…﴾. فَالزَّيغُ هُوَ الضَّلَالُ، وَأَهلُهُ هُمُ أَهلُ البِدَعِ فِي الِاعتِقَادِ، كَالمُشَبِّهَةِ وَغَيرِهِم؛ يَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ لِيُوقِعُوا المُؤمِنِينَ فِي فِتنَةِ التَّشبِيهِ أَوِ التَّحرِيفِ، وَيُحَاوِلُونَ أَن يَجعَلُوا المُتَشَابِهَ أَصلًا وَالمُحكَمَ فَرعًا، وَهَذَا مِن أَعظَمِ البَاطِلِ.
أَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ فَشَأنُهُم أَنَّهُم يَقُولُونَ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا﴾، فَيُؤمِنُونَ بِالمُحكَمِ وَالمُتَشَابِهِ، وَيَرُدُّونَ المُتَشَابِهَ إِلَى المُحكَمِ، وَيُسَلِّمُونَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَا استَأثَرَ بِعِلمِهِ.
مَسلَكُ السَّلَفِ فِي تَأوِيلِ المُتَشَابِهِ
السَّلَفُ هُم أَهلُ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى: قَرنُ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ التَّابِعِينَ، ثُمَّ أَتبَاعِ التَّابِعِينَ. وَمَسلَكُ أَكثَرِهِم فِي المُتَشَابِهِ هُوَ التَّأوِيلُ الإِجمَالِيُّ؛ أَي يُؤمِنُونَ بِالنَّصِّ وَيُثبِتُونَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ، مِن غَيرِ تَعيِينِ مَعنًى مُحَدَّدٍ، فَيَقُولُونَ: «استَوَى بِلا كَيفٍ»، أَو «عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ». وَمِن أَجمَلِ مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ قَولُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «آمَنتُ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ، وَبِمَا جَاءَ عَن رَسُولِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ».
إِثبَاتُ أَنَّ السَّلَفَ عَرَفُوا التَّأوِيلَ التَّفصِيلِيَّ وَاستَعمَلُوهُ عِندَ الحَاجَةِ
لَيسَ صَحِيحًا أَن يُقَالَ إِنَّ السَّلَفَ لَم يَعرِفُوا التَّأوِيلَ التَّفصِيلِيَّ؛ فَقَد وَرَدَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ﴾ أَنَّ المُرَادَ: «إِلَّا مُلكَهُ»، وَيُقَالُ: «مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيهِ». وَأَوَّلَ البُخَارِيُّ الضَّحِكَ فِي مَوضِعٍ عَلَى مَعنَى الرَّحمَةِ، وَقِيلَ: عَلَى مَعنَى الرِّضَا. وَثَبَتَ عَن الإِمَامِ أَحمَدَ أَنَّهُ أَوَّلَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ بِأَنَّهَا «جَاءَت قُدرَتُهُ»، وَصَحَّحَ البَيهَقِيُّ سَنَدَ ذَلِكَ. فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ التَّأوِيلَ التَّفصِيلِيَّ وُجِدَ عِندَ الأَئِمَّةِ مِن أَهلِ الحَدِيثِ وَالفِقهِ.
مَسلَكُ الخَلَفِ فِي تَأوِيلِ المُتَشَابِهِ وَحِكمَتُهُ
الخَلَفُ هُم مَن جَاءُوا بَعدَ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى، وَمَسلَكُهُم فِي تَأوِيلِ المُتَشَابِهِ هُوَ التَّأوِيلُ التَّفصِيلِيُّ؛ أَي تَعيِينُ مَعنًى مُحَدَّدٍ يَلِيقُ بِاللَّهِ، دُونَ أَن تُحمَلَ الآيَةُ أَوِ الحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرٍ يُوهِمُ تَشبِيهًا. وَهَذَا مَسلَكٌ سَائِغٌ، لَا سِيَّمَا عِندَ خَوفِ تَزَلزُلِ عَقَائِدِ العَوَامِّ بِسَبَبِ الشُّبُهَاتِ، فَيُقَالُ مِثلًا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقتُ بِيَدَيَّ﴾ إِنَّ المُرَادَ بِـ«اليَدَينِ»: العِنَايَةُ وَالحِفظُ، أَي: خَلَقتُهُ بِتَشرِيفٍ وَإِكرَامٍ. وَيَتَأَكَّدُ التَّحذِيرُ مِن مَن يَدَّعُونَ أَنَّ التَّأوِيلَ تَعطِيلٌ، وَيَفتَحُونَ بِذَلِكَ بَابَ التَّجسِيمِ وَالتَّشبِيهِ.
ضَوَابِطُ فَهمِ أَلفَاظِ: الجَنبِ وَالإِصبَعِ وَالصُّورَةِ إِذَا أُضِيفَت إِلَى اللَّهِ
يَجِبُ أَن يُعلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيسَ جِسمًا مُؤَلَّفًا مِن أَجزَاءٍ، وَمُنَزَّهٌ عَنِ الشَّكلِ وَالصُّورَةِ وَالأَعضَاءِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَلِقَولِهِ: ﴿فَلَا تَضرِبُوا لِلَّهِ الأَمثَالَ﴾.
فَقَولُهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ الكَافِرِ: ﴿يَا حَسرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾، مَعنَاهُ: عَلَى مَا قَصَّرتُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَفِيمَا أَمَرَنِي بِهِ.
وَحَدِيثُ مُسلِمٍ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينَ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمٰنِ»، مَعنَاهُ: أَنَّ قُلُوبَ العِبَادِ تَحتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيفَ يَشَاءُ؛ لَا أَنَّ لِلَّهِ أَصَابِعَ كَأَصَابِعِ المَخلُوقِينَ.
وَحَدِيثُ البُخَارِيِّ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، فَإِضَافَتُهُ إِضَافَةُ مِلكٍ وَتَشرِيفٍ، كَمَا يُقَالُ: «بَيتُ اللَّهِ»، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لِلَّهِ شَكلًا أَو صُورَةً.
مَعنَى اليَدِ إِذَا أُضِيفَت إِلَى اللَّهِ فِي القُرآنِ
اليَدُ فِي لُغَةِ العَرَبِ لَهَا مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ؛ فَقَد تَأتِي بِمَعنَى القُوَّةِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾ أَي بِقُوَّةٍ، وَالقُوَّةُ هُنَا بِمَعنَى القُدرَةِ. وَتَأتِي بِمَعنَى العَهدِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيدِيهِم﴾ أَي عَهدُ اللَّهِ فَوقَ عُهُودِهِم. وَتَأتِي فِي مَوَاضِعَ تَدُلُّ عَلَى الكَرَمِ وَالإِنعَامِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ﴾ أَي وَاسِعُ الكَرَمِ.
وَأَمَّا مَن يَحمِلُ «اليَدَ» عَلَى الجَارِحَةِ وَالعُضوِ فَقَد شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلقِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَتَحَيَّزُ فِي مَكَانٍ وَلَا يَتَصِفُ بِصِفَاتِ الأَجسَامِ.
مَعنَى الوَجهِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ
الوَجهُ فِي اللُّغَةِ يَأتِي بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ: فَيَأتِي بِمَعنَى «الذَّاتِ»، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكرَامِ﴾، أَي: تَبقَى ذَاتُ اللَّهِ. وَيَأتِي بِمَعنَى «المُلكِ وَالسُّلطَانِ»، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ﴾، وَقَد قَالَ البُخَارِيُّ: «إِلَّا مُلكَهُ». وَيَأتِي بِمَعنَى «القِبلَةِ»، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾، وَقَد فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِالقِبلَةِ فِي صَلَاةِ النَّفلِ فِي السَّفَرِ. وَيَأتِي أَيضًا بِمَعنَى «الطَّاعَةِ»، كَمَا فِي حَدِيثِ ابنِ حِبَّانَ: «وَأَقرَبُ مَا تَكُونُ المَرأَةُ إِلَى وَجهِ اللَّهِ»، أَي: إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ مَن يَظُنُّ أَنَّ «الوَجهَ» عُضوٌ كَوُجُوهِ المَخلُوقِينَ فَقَد جَهِلَ التَّنزِيهَ، وَشَبَّهَ اللَّهَ بِخَلقِهِ.
مَوقِفُ العُلَمَاءِ مِن إِطلَاقِ هَذِهِ الأَلفَاظِ عَلَى اللَّهِ
قَالَ العُلَمَاءُ: نُؤمِنُ بِمَا وَرَدَ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ مِن أَلفَاظٍ كَالوَجهِ وَاليَدِ وَالعَينِ وَالرِّضَا وَالغَضَبِ، عَلَى أَنَّهَا صِفَاتٌ تَلِيقُ بِاللَّهِ يَعلَمُ حَقِيقَتَهَا، وَلَيسَت جَوَارِحَ وَلَا انفِعَالَاتٍ. فَالرِّضَا مَعنَاهُ: إِرَادَةُ الرَّحمَةِ، وَالغَضَبُ مَعنَاهُ: إِرَادَةُ الِانتِقَامِ، وَالمَحَبَّةُ مَعنَاهَا: الإِكرَامُ؛ لَا أَنَّهَا رِقَّةُ قَلبٍ أَو تَغَيُّرٌ فِي النَّفسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ.
تَأوِيلُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وَبَيَانُ أَنَّهُ لَيسَ مَجِيئَ حَرَكَةٍ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. فَلَيسَ المُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَجِيءُ مَجِيءَ الأَجسَامِ بِحَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَلَا يَتَّصِفُ بِشَيءٍ مِن صِفَاتِ الحَوَادِثِ. بَلِ المُرَادُ: «جَاءَت قُدرَتُهُ»، أَي ظَهَرَت آثَارُ قُدرَتِهِ فِي ذَلِكَ اليَومِ، مِنَ الأُمُورِ العِظَامِ. أَمَّا مَجِيءُ المَلَائِكَةِ فَهُوَ مَجِيءٌ مَحسُوسٌ؛ لِأَنَّهُم مَخلُوقُونَ.
مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ ضَوءٌ؛ لِأَنَّ الضَّوءَ مَخلُوقٌ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. بَلِ المُرَادُ أَنَّهُ «الهَادِي» لِأَهلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ، وَقِيلَ: «مُنِيرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ». فَمَن اعتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ نُورٌ بِمَعنَى الضَّوءِ، فَقَد وَقَعَ فِي تَشبِيهٍ صَرِيحٍ.
مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَفَخنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ وَتَحقِيقُ الإِضَافَةِ فِي النُّصُوصِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَفَخنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾، وَمَعنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَنفُخَ فِي مَريَمَ الرُّوحَ الَّتِي هِيَ مِلكٌ لِلَّهِ وَمُشَرَّفَةٌ عِندَهُ؛ فَالإِضَافَةُ هُنَا إِضَافَةُ مِلكٍ وَتَشرِيفٍ، لَا إِضَافَةُ جُزئِيَّةٍ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَيسَ رُوحًا وَلَا جَسَدًا.
تَأوِيلُ أَحَادِيثِ: الغَيرَةِ، وَالدَّهرِ، وَاليَمِينِ، وَالجَمَالِ
مِنَ الأَحَادِيثِ المُتَشَابِهَةِ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ»، وَقَد فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ غَيرَةَ اللَّهِ بِأَن تُؤتَى مَحَارِمُهُ؛ أَي أَنَّهُ يَكرَهُ المَعَاصِي، لَا أَنَّهُ يَنفَعِلُ كَالمَخلُوقِ.
وَمِنهَا حَدِيثُ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهرَ فَإِنِّي أَنَا الدَّهرُ»، وَمَعنَاهُ: أَنَا خَالِقُ الدَّهرِ وَمُقَلِّبُ لَيلِهِ وَنَهَارِهِ، لَا أَنَّ الدَّهرَ هُوَ اللَّهُ.
وَمِنهَا حَدِيثُ مُسلِمٍ: «عَلَى يَمِينِ الرَّحمٰنِ، وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ»، فَالمُرَادُ: جِهَةٌ مُكَرَّمَةٌ عِندَ اللَّهِ، وَأَنَّ الجِهَتَينِ مُشَرَّفَتَانِ، لَا أَنَّهُ جَارِحَةٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ»، فَلَيسَ مَعنَاهُ جَمِيلَ الشَّكلِ، بَل جَمِيلُ الصِّفَاتِ، أَو مُحسِنٌ مُنعِمٌ، وَمَعنَى «يُحِبُّ الجَمَالَ»: يُحِبُّ حُسنَ الحَالِ وَحُسنَ الخُلُقِ وَالتَّقوَى.
تَفسِيرُ بَعضِ أَلفَاظِ القُرآنِ فِي مَعَانٍ تَلِيقُ بِاللَّهِ: (الِاستِهزَاءُ، وَالنِّسيَانُ، وَالمَكرُ)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَستَهزِئُ بِهِم﴾، وَالمُرَادُ: يُجَازِيهِم عَلَى استِهزَائِهِم، لَا أَنَّهُ يَستَخِفُّ كَاستِخفَافِ البَشَرِ. وَلِهَذَا لَا يُسَمَّى اللَّهُ «المُستَهزِئَ».
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾، مَعنَاهُ: تَرَكُوا طَاعَتَهُ فَتَرَكَهُم مِن رَحمَتِهِ. وَلَا يُسَمَّى اللَّهُ «النَّاسِي».
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، مَعنَاهُ: عَاقَبَهُم عَلَى مَكرِهِم، فَمَكرُ اللَّهِ لَيسَ كَمَكرِ العِبَادِ، وَلَا يُسَمَّى اللَّهُ «مَاكِرًا».
مَعنَى الصُّعُودِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وَقَاعِدَةُ رَدِّ المُتَشَابِهِ إِلَى المُحكَمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرفَعُهُ﴾، وَالمُرَادُ: أَنَّ كَلِمَةَ التَّوحِيدِ تَصِلُ إِلَى مَحَلِّ كَرَامَةِ اللَّهِ، وَهُوَ السَّمَاءُ الَّتِي هِيَ مَهبِطُ الرَّحمَةِ، وَأَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ يُرفَعُ بِهَا؛ فَالأَصلُ هُوَ التَّوحِيدُ، وَبِهِ تُقبَلُ الأَعمَالُ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَفسِيرَ المُتَشَابِهِ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ مُوَافِقًا لِلمُحكَمِ، وَأَوَّلُ المُحكَمِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾.
مَعنَى المَعِيَّةِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾ مَعنَاهُ: الإِحَاطَةُ بِالعِلمِ، لَا المَعِيَّةُ بِالمَكَانِ وَالجِهَةِ؛ فَاللَّهُ عَالِمٌ بِعِبَادِهِ أَينَمَا كَانُوا. وَتَأتِي المَعِيَّةُ أَيضًا بِمَعنَى النُّصرَةِ وَالحِفظِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾، أَي يُؤَيِّدُهُم وَيَحفَظُهُم. أَمَّا مَن يَعتَقِدُ الحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ بِالمَسَافَةِ فَقَد كَفَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِلتَّنزِيهِ.
مَعنَى الإِحَاطَةِ وَالفَوقِيَّةِ وَالعُلُوِّ وَالكِبَرِ فِي القُرآنِ
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ مُحِيطٌ﴾ مَعنَاهُ: إِحَاطَةُ العِلمِ وَالقُدرَةِ؛ أَي لَا يَخرُجُ شَيءٌ عَن عِلمِهِ وَلَا عَن قُدرَتِهِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِن فَوقِهِم﴾ مَعنَاهُ: فَوقِيَّةُ القَهرِ، لَا فَوقِيَّةُ المَكَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعنَاهُ: عُلُوُّ القَدرِ، وَكِبَرُ الشَّأنِ، لَا الكِبَرُ حَجمًا؛ فَإِنَّ الحَجمَ وَالمِقدَارَ وَالشَّكلَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ.
مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فِي شَأنٍ﴾ وَنَفيُ التَّغَيُّرِ عَنِ اللَّهِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فِي شَأنٍ﴾، وَلَيسَ المُرَادُ تَغَيُّرًا يَحدُثُ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَو صِفَاتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَلحَقُهُ حُدُوثٌ، بَلِ المُرَادُ: أَنَّهُ يُغَيِّرُ أَحوَالَ خَلقِهِ كُلَّ يَومٍ عَلَى مَا شَاءَ؛ يَكشِفُ كَربًا، وَيَغفِرُ ذَنبًا، وَيَرفَعُ قَومًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ.
مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ وَتَنَزُّهُ كَلَامِ اللَّهِ عَنِ الحُرُوفِ وَالأَصوَاتِ
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَنطِقُ بِحَرفَينِ وَصَوتٍ، بَل مَعنَاهُ: أَنَّهُ يُوجِدُ الأَشيَاءَ بِسُرعَةٍ مِن غَيرِ تَعَبٍ وَلَا مُمَانَعَةٍ، وَأَنَّ الإِيجَادَ يَقَعُ بِقُدرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا يُعجِزُهَا شَيءٌ.
تَأوِيلُ حَدِيثِ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيلَةَ» وَمَعنَى الضَّحِكِ فِي حَقِّ اللَّهِ
فِي حَدِيثِ الأَنصَارِيِّ الَّذِي آثَرَ ضَيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفسِهِ وَأَهلِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيلَةَ» أَو «عَجِبَ»، وَلَيسَ المُرَادُ ضَحِكَ الجَوَارِحِ، وَلَا تَعَجُّبَ الِانفِعَالِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ، بَل أَوَّلَهُ البُخَارِيُّ بِالرَّحمَةِ، وَقِيلَ: بِالرِّضَا، وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ: إِنَّ نِسبَةَ الضَّحِكِ وَالتَّعَجُّبِ إِلَى اللَّهِ مَجَازِيَّةٌ، وَالمُرَادُ بِهَا الرِّضَا بِصَنِيعِهِمَا.
مَعنَى حَدِيثِ الوَلِيِّ: «كُنتُ سَمعَهُ… وَبَصَرَهُ…» وَتَحقِيقُ القُربِ
جَاءَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي… حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ…»، وَهَذَا لَيسَ مَعنَاهُ حُلُولَ اللَّهِ فِي العَبدِ، وَلَا اتِّصَالًا بِالمَسَافَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُستَحِيلٌ، بَل مَعنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يَحفَظُ جَوَارِحَ عَبدِهِ وَيُقَوِّيهَا بِقُوَّةٍ غَرِيبَةٍ، وَيَصُونُهَا عَنِ المَعصِيَةِ، وَيَفتَحُ لَهُ مِن أَبوَابِ الخَيرِ مَا لَا يُفتَحُ لِغَيرِهِ، كَمَا وَقَعَ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ فِي قِصَّةِ «يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ»، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ فِي حَملِ بَابِ خَيبَرَ.
مَعنَى حَدِيثِ النُّزُولِ: «يَنزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيلَةٍ…» وَتَنزِيهُ اللَّهِ عَنِ الحَرَكَةِ وَالِانتِقَالِ
حَدِيثُ: «يَنزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا…» مِنَ المُتَشَابِهِ، وَلَا يُحمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِمَعنَى النُّزُولِ الحِسِّيِّ بِالحَرَكَةِ وَالِانتِقَالِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ تَشبِيهٌ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾. وَتَأوِيلُهُ: أَنَّ اللَّهَ يَأمُرُ مَلَكًا فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ أَن يَنزِلَ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى فَيُنَادِي: «إِنَّ رَبَّكُم يَقُولُ…». وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ: «أَمَرَ مُنَادِيًا فَيُنَادِي…». وَرُوِيَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «يَنزِلُ رَبُّنَا نُزُولَ رَحمَةٍ، لَا نُزُولَ نُقلَةٍ».
خَاتِمَةٌ: قَاعِدَةٌ جَامِعَةٌ فِي بَابِ الصِّفَاتِ وَمَفَاتِيحُ السَّلَامَةِ
وَخُلَاصَةُ القَولِ: أَنَّ المُحكَمَ هُوَ أَصلُ الدِّينِ وَمِيزَانُ التَّفسِيرِ، وَأَنَّ المُتَشَابِهَ لَا يُفهَمُ إِلَّا عَلَى ضَوءِ المُحكَمِ، وَأَنَّ أَعظَمَ مَا يُحَافَظُ عَلَيهِ فِي هَذَا البَابِ هُوَ تَنزِيهُ اللَّهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَإِثبَاتُ مَا وَرَدَ فِي الوَحيِ عَلَى وَجهٍ لَا يَجُرُّ إِلَى تَجسِيمٍ وَلَا تَشبِيهٍ، وَلَا يُفضِي إِلَى تَعطِيلٍ وَنَفيٍ. فَمَن جَعَلَ قَولَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ أُمَّ الكِتَابِ فِي هَذَا البَابِ، سَلِمَت لَهُ عَقِيدَتُهُ، وَاستَقَامَت لَهُ مَعرِفَتُهُ، وَاهتَدَى إِلَى سَبِيلِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]
هٰذَا مِنْ دُعَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ. وَالمَعْنَى: يَا رَبَّنَا، لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا، أَيْ: لَا تُمِلْهَا عَنِ الحَقِّ بِخَلْقِ المَيْلِ فِيهَا، بَعْدَ أَنْ هَدَيْتَنَا إِلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَوَفَّقْتَنَا لِلْعَمَلِ بِالمُحْكَمِ، وَالتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشَابِهِ. وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، أَيْ: أَعْطِنَا مِنْ عِنْدِكَ نِعْمَةً خَاصَّةً، هِيَ رَحْمَةُ التَّوْفِيقِ وَالتَّثْبِيتِ وَالعِصْمَةِ مِنَ الزَّيْغِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، أَيْ: الكَثِيرُ العَطَاءِ، الوَاسِعُ المَوْهِبَةِ، الَّذِي يَهَبُ العِبَادَ مِنْ فَضْلِهِ مَا لَا يَبْلُغُونَهُ بِحَوْلِهِمْ وَلَا بِقُوَّتِهِمْ. وَالآيَةُ عَلَى هٰذَا مِنْ مَقُولِ الرَّاسِخِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، أَيْ: قُولُوا هٰذَا الدُّعَاءَ، وَكَذٰلِكَ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]
أَيْ: يَا رَبَّنَا، إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، أَيْ: لِحِسَابِ يَوْمٍ وَلِجَزَاءِ يَوْمٍ، لَا شَكَّ فِي وُقُوعِهِ وَلَا ارْتِيَابَ فِي مَجِيئِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، أَيْ: لَا يُخْلِفُ مَا وَعَدَ بِهِ عِبَادَهُ مِنَ البَعْثِ وَالحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالعِقَابِ. وَالمِيعَادُ بِمَعْنَى المَوْعِدِ. وَالمَعْنَى: أَنَّ الإِلٰهِيَّةَ الحَقَّةَ تُنَافِي خُلْفَ الوَعْدِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الجَوَادَ لَا يُخَيِّبُ سَائِلَهُ؛ أَيْ: لَا يُخْلِفُ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِهِ. فَكَذٰلِكَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَا يُخْلِفُ مَا وَعَدَ بِهِ المُسْلِمِينَ وَالكَافِرِينَ مِنَ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾
[آل عمران: 10]
أَيْ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ، أَيْ: لَنْ تَنْفَعَهُمْ وَلَنْ تَدْفَعَ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَلَا أَوْلَادُهُمْ، مِنَ اللهِ، أَيْ: مِنْ عَذَابِهِ وَسَخَطِهِ، شَيْئًا مِنَ الإِغْنَاءِ أَوِ الدَّفْعِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، أَيْ: هُمْ حَطَبُهَا الَّذِي تُسْعَرُ بِهِ، وَفِي هٰذَا أَبْلَغُ التَّهْدِيدِ وَأَشَدُّ الوَعِيدِ.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[آل عمران: 11]
الدَّأْبُ مَصْدَرُ «دَأَبَ» فِي العَمَلِ إِذَا جَدَّ فِيهِ وَكَدَحَ، ثُمَّ وُضِعَ هُنَا مَوْضِعَ الشَّأْنِ وَالحَالِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ. وَالمَعْنَى: أَنَّ شَأْنَ هٰؤُلَاءِ الكُفَّارِ فِي تَكْذِيبِ الحَقِّ كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الكَافِ رَفْعًا، وَالتَّقْدِيرُ: دَأْبُ هٰؤُلَاءِ الكَفَرَةِ كَدَأْبِ مَنْ قَبْلَهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهَا نَصْبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾، أَيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ إِغْنَاءً مِثْلَ مَا لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولٰئِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ، أَيْ: هٰذِهِ طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي سَلَكُوهَا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ حَالِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، أَيْ: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فِي حَالِ إِصْرَارِهِمْ عَلَى التَّكْذِيبِ. فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، أَيْ: جَازَاهُمْ عَلَيْهَا وَعَاقَبَهُمْ بِسَبَبِهَا، يُقَالُ: أَخَذَهُ بِكَذَا، أَيْ: جَازَاهُ عَلَيْهِ.
وَخَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أَيْ: شَدِيدُ عِقَابِهِ، فَالإِضَافَةُ هُنَا غَيْرُ مَحْضَةٍ، وَفِي ذٰلِكَ تَوْكِيدٌ لِعِظَمِ نِقْمَتِهِ عَلَى مَنْ عَانَدَ وَكَذَّبَ.