بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)﴾
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19]
هٰذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَالمَعْنَى: إِنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللهِ، وَالدِّينَ الحَقَّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، هُوَ الإِسْلَامُ، أَيْ: الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ. وَقَدْ قُرِئَ: «أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ» عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فَيَكُونُ المَعْنَى: شَهِدَ اللهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ الإِسْلَامُ. مَعناهُ أنّه لا دِينَ مَقبولٌ عندَ اللهِ إلا الإسلام، لا دِينَ صَحِيحٌ إلا الإسلام، لا دِينَ مَرضِيٌّ عند اللهِ إلا الإسلام. معناهُ الدِّينُ المقبُولُ عندَ الله هو الإسلام، وكلُّ الأنبياءِ جَاؤوا بدِيْنٍ واحِد هوَ الإسلام، كُلُّهُم جاءوا بعبادةِ اللهِ وحْدَه وعَدَمِ الإشراكِ به وأنّهُ لا دِينَ صَحيحَ إلا الإسلام وأنّهُ لا يَدخُلُ الجنّةَ إلا نَفسٌ مؤمنةٌ، الدِّينُ الذي ارتَضاه اللهُ لعبادِه الملائكةِ أهلِ السّماواتِ وأهلِ الأرض هو الإسلام، الملائكةُ لم يَعبُدوا غيرَ اللهِ قَطّ لم يَعبُدوا إلّا اللهَ لأنّهم خُلِقوا لأنْ يَكُونوا كلُّهم طَائعِينَ لا يَعصُونَ الله، أمّا البشَرُ فاللهُ تبَارك وتَعالى خَلقَهم ليَأمُرهم بعبادَته ثم منهُم مَن أطاعَ أمْرَهُ فعبَد اللهَ ولم يَعبُد غَيرَه ومنهُم مَن لم يُطع اللهَ فعَبد غيرَ الله.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَمْ يَقَعِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَنْ جَهْلٍ، وَلَا عَنْ خَفَاءِ الحَقِّ، بَلْ وَقَعَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ الَّذِي يَدُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الحَقَّ وَاحِدٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ. وَالمُرَادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ: اليَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَاخْتِلَافُهُمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الإِسْلَامَ الَّذِي هُوَ التَّوْحِيدُ، فَقَالَتِ النَّصَارَى بِالتَّثْلِيثِ، وَقَالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ. وَقِيلَ: المُرَادُ بِاخْتِلَافِهِمِ اخْتِلَافُهُمْ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمْ. وَقِيلَ: المُرَادُ خُصُوصًا النَّصَارَى، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾
أَيْ: مَا حَمَلَهُمْ عَلَى هٰذَا الِاخْتِلَافِ إِلَّا الحَسَدُ، وَطَلَبُ الرِّيَاسَةِ، وَالتَّنَافُسُ عَلَى حُظُوظِ الدُّنْيَا، لَا الشُّبْهَةُ فِي الحَقِّ وَلَا غُمُوضُ الدَّلِيلِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾
أَيْ: بِحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ وَدَلَائِلِهِ الدَّالَّةِ عَلَى الحَقِّ
﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
أَيْ: سَرِيعُ المُجَازَاةِ وَالمُحَاسَبَةِ، فَلَا يَفُوتُهُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْءٌ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ جَزَاءُ مَنْ كَفَرَ وَعَانَدَ.
فِي بَيَانِ أَنَّ الإِسلامَ جَاءَ بِإِبطَالِ ما سِوَاهُ مِنَ الأَديانِ الباطِلَةِ
إِنَّ الإِسلامَ لَم يَأتِ لِيُقَرِّرَ أَنَّ النّاسَ أَحرارٌ فِي أَن يَنتَحِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهم ما شاءَ مِنَ الأَديانِ وَالمِلَلِ وَالنِّحَلِ، مِن غَيرِ حُكمٍ وَلا تَبِعَةٍ، بَل جَاءَ لِيُبطِلَ كُلَّ دِينٍ سِوى دِينِ الإِسلامِ، وَلِيَكُفَّ النّاسَ عَنِ الأَفكارِ الَّتي تُخالِفُ الوَحيَ وَتُناقِضُ الحَقَّ. وَلَو كانَ الأَمرُ كَما يَزعُمُ هٰؤُلاءِ، لَما كانَ لِبَعثِ الأَنبياءِ مَعنى، وَلَما كانَ لِدَعوتِهِم إِلى دِينٍ واحِدٍ وَصِراطٍ مُستَقيمٍ وَجهٌ، مَعَ ما لاقَوهُ مِن أَذًى وَمِحَنٍ فِي سَبيلِ الدَّعوةِ إِلَى اللَّهِ.
فَاللَّهُ تَعالى لَم يَترُكِ الخَلقَ سُدًى، بَل أَرسَلَ الرُّسُلَ يَدعونَ إِلى التَّوحيدِ، وَيُحَذِّرونَ مِنَ الشِّركِ وَالكُفرِ، وَقَد أُوذِيَ كَثيرٌ مِنَ الأَنبياءِ فِي هٰذا السَّبيلِ، وَقُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ، وَابتُلِيَ مِنهم مَنِ ابتُلِيَ؛ فَلَو كانَ النّاسُ مُخَيَّرينَ شَرعًا بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ عَلَى السَّواءِ، لَما كانَ لِهٰذِهِ الرِّسالَةِ العُظمى مَحلٌّ، وَلَا لِهٰذِهِ المِحَنِ وَالآلامِ مَعنًى. فَقَد ابتُلِيَ أَهلُ الحَقِّ فِي كُلِّ عَصرٍ؛ فَلَو كانَ الحَقُّ وَالباطِلُ سَواءً، لَما كانَ لِهٰذِهِ الرِّسالَةِ العُظمى مَحلٌّ، وَلَا لِهٰذِهِ التَّضَحياتِ مَعنى.
فِي بَيَانِ أَنَّ الإِلزامَ بِأَسبابِ السَّعادَةِ مِن مُقتَضَى الحِكمَةِ
إِنَّ النَّظَرَ فِي مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ يَقُودُ إِلَى تَحقِيقِ حَقِيقَةٍ جَلِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ هٰذِهِ الشَّرِيعَةَ قَائِمَةٌ عَلَى أُسُسِ الحِكمَةِ وَالرَّحمَةِ، وَأَنَّهَا تَهدِفُ إِلَى جَلبِ المَصَالِحِ وَدَرءِ المَفَاسِدِ عَن العِبَادِ، فَلَا تَشرِيعَ فِيهَا إِلَّا وَهُوَ مُنبَثِقٌ عَن عِلمٍ إِلَهِيٍّ مُحِيطٍ، وَحِكمَةٍ بَالِغَةٍ لَا يَبلُغُهَا فِكرُ البَشَرِ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الكُفرَ سَبَبُ الشَّقَاوَةِ الأَبَدِيَّةِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ سَبَبُ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ، عُلِمَ عِلمًا يَقِينِيًّا أَنَّ مِن مُقتَضَى الحِكمَةِ الشَّرعِيَّةِ أَن يُدعَى النَّاسُ إِلَى مَا فِيهِ نَجَاتُهُم، وَأَن يُنهَوا عَمَّا فِيهِ هَلَاكُهُم؛ فَالشَّرِيعَةُ لَم تَأتِ لِتُسَايِرَ أَهوَاءَ العِبَادِ، وَلَا لِتُقَرِّرَ مَا يُوَافِقُ مَيلَهُم، بَل جَاءَت لِهَدَايَتِهِم، وَإِخرَاجِهِم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَنَقلِهِم مِن مَهَاوِي الشَّقَاءِ إِلَى سُبُلِ السَّعَادَةِ.
وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ تُفهَمُ أَبوَابُ الأَمرِ وَالنَّهيِ، وَالحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ، وَسَائِرُ الأَحكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ؛ فَهِيَ لَيسَت تَضيِيقًا عَلَيهِم، وَلَا تَقيِيدًا لِحُرِّيَّاتِهِم، بَل هِيَ سِيَاجٌ حَافِظٌ لِدِينِهِم وَأَنفُسِهِم وَأَعرَاضِهِم وَأَموَالِهِم، وَمِيزَانٌ يَضبِطُ مَسَارَ الحَيَاةِ عَلَى وَفقِ مَا يُرضِي اللَّهَ وَيُصلِحُ شُؤُونَ العِبَادِ وهذا من مَظَاهِر الحِكمَةِ فِي التَّشرِيعِ.
وَلِتَقرِيبِ هٰذَا المَعنَى، مَثَالٌ يُوَضِّحُ مَعنَى الإِلزَامِ بِالحَقِّ، فَإِنَّهُ لَو أَرَادَ وَلَدُكَ أَن يُلقِيَ بِنَفسِهِ إِلَى التَّهلُكَةِ، أَو أَن يَقتُلَ غَيرَهُ، أَو أَن يَسرِقَ، أَو أَن يَرتَكِبَ فِعلًا مُحَرَّمًا يَستَوجِبُ العُقُوبَةَ؛ أَفَتَترُكُهُ لِهَوَاهُ، أَم تَمنَعُهُ وَتَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ مَا يُرِيدُ، وَلَوِ اقتَضَى ذٰلِكَ إِلزَامُهُ وَمَنعُهُ بِقُوَّةٍ؟ لَا شَكَّ أَنَّ الحِكمَةَ وَالرَّحمَةَ تَقتَضِي مَنعَهُ وَإِن كَرِهَ؛ صَونًا لِنَفسِهِ وَحِفظًا لِمَصلَحَتِهِ.
وَعَلَى هٰذَا القِيَاسِ يُفهَمُ أَنَّ إِلزَامَ النَّاسِ بِالدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَمَنعَهُم مِنَ الإِقَامَةِ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُم، هُوَ مِن مُقتَضَى الحِكمَةِ؛ حَتَّى وَإِنِ احتِيجَ فِي بَعضِ الأَحوَالِ إِلَى القِتَالِ، فَإِنَّ مَا يَنشَأُ عَن ذٰلِكَ مِن دُخُولِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي الإِسلَامِ، وَانقِطَاعِ مَوَادِّ الكُفرِ، وَانتِشَارِ الهِدَايَةِ، هُوَ مَصلَحَةٌ عُظمَى، وَحِكمَةٌ بَالِغَةٌ تَشهَدُ لِهَا نُصُوصُ الشَّرعِ وَوَقَائِعُ التَّارِيخِ.
وَخُلَاصَةُ الأَمرِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسلَامِيَّةَ مَبنِيَّةٌ عَلَى أَصلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ رِعَايَةُ مَصَالِحِ العِبَادِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنَّ مَا فِيهَا مِن أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، وَمِن إِلزَامٍ وَزَوَاجِرَ، إِنَّمَا هُوَ تَحقِيقٌ لِهٰذِهِ المَصَالِحِ، وَدَفعٌ لِمَا يُنَاقِضُهَا؛ فَمَن فَهِمَ ذٰلِكَ عَلِمَ أَنَّ الحِكمَةَ كُلَّهَا فِي اتِّبَاعِ الشَّرعِ، وَأَنَّ الرَّحمَةَ كُلَّهَا فِي الِانقِيَادِ لَهُ.
آيَاتٌ قُرآنِيَّةٌ فِيهَا الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُ بِحُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ
الغَايَةُ مِن خَلقِ الإِنسَانِ وُجُوبُ عِبَادَةِ اللَّهِ وقَد بَيَّنَ القُرآنُ الكَرِيمُ أَنَّ الغَايَةَ مِن خَلقِ الإِنسِ وَالجِنِّ هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. أَي: خَلَقَهُم لِيَأمُرَهُم بِعِبادَتِهِ وَيَنهاهُم عَن مَعصِيَتِهِ.
وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبحَانَهُ عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، أَي: أَمَرَ رَبُّكَ وَأَوجَبَ.
وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
وَلَو تُرِكَ الإِنسانُ حُرًّا فِي اِختيارِ الدِّينِ عَلَى السَّواءِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ، لَما أُرسِلَتِ الرُّسُلُ، وَلَما أُنزِلَتِ الكُتُبُ، وَلَما دُعِيَ النّاسُ إِلى تَوحيدِ اللَّهِ وَاتِّباعِ أَنبيائِهِ، وَلَما كانَ لِمَشَقَّةِ الرُّسُلِ وَصَبرِهِم عَلَى أَذَى أَقوامِهِم مَعنى.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالى جَعَلَ جَهَنَّمَ مَستَقَرًّا لِلكافِرينَ، فَقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُم سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 64-65]. وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
فَلَو كَانَ لِلإِنسَانِ أَن يَختَارَ مَا يَشَاءُ مِنَ الأَديَانِ لَمَا كَانَ لِإِرسَالِ الرُّسُلِ مَعنًى، وَلَمَا كَانَ لِلوَعِيدِ بِالنَّارِ عَلَى الكُفرِ مَحلٌّ، فَهٰذِهِ النُّصوصُ الصَّريحَةُ كُلُّها تَدُلُّ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أَنَّ الإِسلامَ جَاءَ بِإِبطالِ ما سِواهُ مِنَ الأَديانِ الباطِلَةِ، وَلَم يَأتِ لِيُقَرِّرَ أَنَّ النّاسَ أَحرارٌ فِي البَقاءِ عَلَى الباطِلِ عَلَى وَجهِ التَّسويَةِ بِالحَقِّ.
ومن أقوى الاستدلالات الاِستِدلالِ بِقَولِهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]. وَمَعنى ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ﴾: أَي حَتَّى لَا يَمنَعَ الكُفّارُ مَن أَرادَ الدُّخولَ فِي الإِسلامِ مِن دُخولِهِ وَاتِّباعِهِ الحَقَّ. وَمَعنى ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أَي حَتَّى يَظهَرَ دِينُ اللَّهِ، وَيَكونَ العُلوُّ لِلإِسلامِ، وَهٰذِهِ الآيَةُ واضِحَةُ الدَّلالَةِ عِندَ أُولِي البَصائِرِ فِي أَنَّ الإِسلامَ لَم يَجعَلِ الباطِلَ دِينًا مُعتَبَرًا كَالحَقِّ.
وَمَن رَدَّ هٰذَا المَعنى وَعانَدَ النَّصَّ الصَّريحَ، فَقَد وَقَعَ فِي مُخالَفَةٍ خَطيرَةٍ؛ لِأَنَّ رَدَّ نُصوصِ الوَحيِ لَيسَ مِن هَيِّنِ الأُمورِ، وَقَد قالَ الإِمامُ النَّسَفِيُّ فِي «العَقيدَةِ»: [وَرَدُّ النُّصوصِ كُفرٌ].
ومن الاِستِدلالِ بِالحَديثِ الصَّحيحِ
وَيَدُلُّ عَلى أَنَّ الإِسلامَ لَم يَجِئ بِتَسويغِ الكُفرِ وَتَقريرِهِ، ما رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذٰلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّ الإِسلَامِ». وَمَقصودُ الاِستِدلالِ بِهِ هٰهُنا أَنَّ نُصوصَ الشَّرعِ تُبَيِّنُ أَنَّ الحَقَّ الَّذي دَعَت إِلَيهِ الرِّسالَةُ هُوَ الإِسلامُ، وَأَنَّهُ لَا يَجوزُ جَعلُ الكُفرِ خِيارًا دِينِيًّا مُعتَرَفًا بِهِ عَلَى وَجهِ التَّسويَةِ بِالحَقِّ.
فِي ذِكرِ ما نَصَّ عَلَيهِ الفُقَهاءُ فِي كُتُبِهِم
وَقَد نَصَّ الفُقَهاءُ مِنَ المَذاهِبِ الأَربَعَةِ عَلى أَحكامٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالجِهادِ وَالعَلاقَةِ بِالكُفّارِ فِي أَبوابِ السِّيَرِ وَالأَحكامِ السُّلطانِيَّةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ مِن وَظائِفِ الإِمامِ، أَيِ الخَليفَةِ، أَن يَرعَى هٰذِهِ الأَبوابَ بِما تُقَرِّرُهُ الشَّريعَةُ، وَأَنَّ حُكمَ القِتالِ يَختَلِفُ بِاختِلافِ الأَحوالِ وَالقُدرَةِ وَالوُسعِ وَوُجودِ الإِمامِ وَغَيرِ ذٰلِكَ مِنَ الشُّروطِ.
وَالمَقصودُ مِن ذِكرِ هٰذَا هُنا بَيانُ أَنَّ الأَمرَ لَيسَ عِندَ أَهلِ الفِقهِ مَبنيًّا عَلى فِكرَةِ «التَّخييرِ المُطلَقِ» الَّتي يَتَصَوَّرُها بَعضُ المُعاصِرينَ، بَل هُوَ بابٌ شَرعِيٌّ لَهُ أُصولُهُ وَضَوابطُهُ وَمَقاصِدُهُ.
وَكَذٰلِكَ فَقَد نَبَّهَ أَهلِ العِلمِ إِلى أَنَّ الكَلامَ فِي هٰذِهِ الأَبوابِ لَا يُؤخَذُ مُجرَّدًا عَن القُدرَةِ وَالعَجزِ وَفِقهِ الوَاقِعِ وَوُجودِ السُّلطانِ الشَّرعِيِّ؛ فَلِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وَلِكُلِّ حُكمٍ شُروطُهُ وَمَوانِعُهُ.
إِنَّ مِن جُملَةِ مَن بُلِيَت بِهِم هذِهِ الأُمَّةُ فِي هذَا الزَّمانِ أُناسًا يَدَّعُونَ أَنَّ الإِسلامَ يَضمَنُ حُرِّيَّةَ المُعتَقَدِ، وَيَصونُها، وَيُجيزُ لِكُلِّ إِنسانٍ أَن يَعبُدَ ما يَشاءُ، وَأَن يَعتَنِقَ ما يُريدُ مِنَ الأَفكارِ وَالمِلَلِ، وَيُلبِسونَ ذٰلِكَ لِباسَ التَّسامُحِ وَالتَّنويرِ.
وَيَستَنِدُونَ فِي ذٰلِكَ إِلى أُمورٍ عِدَّةٍ، مِنها أَربَعَةُ أُصولٍ:
1. تَفسيرُهُم الباطِلُ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليكفُر﴾ [الكهف: 29].
2. تَفسيرُهُم الفاسِدُ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6].
3. تَمَسُّكُهُم بِآياتٍ مِثلِ: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، وَ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، وَ﴿لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، وَ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم﴾ [البقرة: 272]، وَحَملُها عَلَى غَيرِ وُجوهِها.
أَوَّلًا: بَيَانُ مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليكفُر﴾
لا يَجوزُ تَفسيرُ هذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِنسانَ لَهُ حُرِّيَّةُ الاِختيارِ مُطلَقًا دُونَ مُؤاخَذَةٍ؛ فَإِنَّ فِي ذٰلِكَ رَدًّا لِلنُّصوصِ، وَإِبطالًا لِما بَعدَها مِن قَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّا أَعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29].
وَفِي ذٰلِكَ أَيضًا إِبطالٌ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وَإِلغاءٌ لِوَظيفَةِ الرُّسُلِ، وَقَد قالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وَإِبطالٌ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]؛ فَعَلى أَيِّ شَيءٍ تَكونُ البُشرى وَالإِنذارُ إِذا كانَ الأَمرُ تَخييرًا مُطلَقًا؟!
وَقَد فَسَّرَ العُلَماءُ هذِهِ الآيَةَ تَفسيرًا صَحيحًا:
1. قالَ القُرطُبِيُّ: عَنِ ابنِ عَبّاسٍ: مَن شاءَ اللَّهُ لَهُ الإِيمانَ آمَنَ، وَمَن شاءَ لَهُ الكُفرَ كَفَرَ. وَقالَ ابنُ زَيدٍ: هذَا كُلُّهُ وَعيدٌ.
2. قالَ الزَّجّاجُ فِي «مَعاني القُرآنِ»: هذَا مِن أُسلوبِ التَّهديدِ، كَما يُقالُ: اِفعَل ما شِئتَ.
3. قالَ الثَّعلَبِيُّ فِي «الكَشفِ وَالبَيانِ»: لَيسَ تَخييرًا، بَل وَعيدٌ وَتَهديدٌ.
4. قالَ البَغَوِيُّ: هُوَ عَلَى طَريقِ التَّهديدِ، كَقَولِهِ تَعالى: ﴿اعمَلُوا مَا شِئتُم﴾ [فصلت: 40].
5. قالَ أَبو حَنيفَةَ فِي «الفِقهِ الأَبسَطِ»: هُوَ وَعيدٌ.
فَهُوَ عِندَ أَهلِ العِلمِ لِلتَّهديدِ وَالوَعيدِ، لَا لِلتَّرخِيصِ وَالتَّخييرِ. وَيُفهَمُ ذٰلِكَ مِن سِياقِ الآيَةِ؛ فَإِنَّ تَكمِلَتَها قَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّا أَعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءَت مُرتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. فَمَعنى الآيَةِ: مَن شاءَ أَن يَسلُكَ سَبيلَ الإِيمانِ فَذٰلِكَ سَبيلُ النَّجاةِ، وَمَن شاءَ أَن يَسلُكَ سَبيلَ الكُفرِ فَعَلَيهِ وَعيدُ اللَّهِ وَعَذابُهُ، فَلَيسَ فِيها إِعطاءُ مَشروعيَّةٍ لِلكُفرِ، بَل فِيها تَغليظٌ وَتَخويفٌ.
وَقَد بَيَّنَ أَهلُ العِلمِ مَعنى أَلفاظِ هٰذِهِ الآيَةِ، وَأَمَّا قَولُهُ تَعالى تَمامَ الآيَةِ: ﴿وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءَت مُرتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]، فَقَد بَيَّنَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ قَولَهُ: ﴿أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا﴾: أَي لِهٰذِهِ النّارِ غِشاوةٌ وَإِحاطَةٌ وَغِطاءٌ يَزيدُ فِي شِدَّةِ حَرِّها. وَقَولُهُ: ﴿وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ﴾: أَي إِنِ استَغاثُوا مِن شِدَّةِ العَطَشِ أُسقُوا ماءً بَالغًا فِي الحَرارَةِ، يُشوِي الوُجوهَ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ، فَأَيُّ تَرخِيصٍ فِي الكُفرِ بَعدَ هٰذَا الوَعيدِ؟
وَقَد كَذَّبُوا بِهٰذا الفَهمِ المخالف القُرآنَ وَالحَديثَ وَإِجماعَ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ وَغَيرِهِم؛ فَإِنَّ الإِسلامَ جَاءَ بِإِبطالِ كُلِّ دِينٍ سِوى الإِسلامِ، وَلَم يَأتِ لِيُثبِتَ لِلنّاسِ حُرِّيَّةَ الكُفرِ وَالاِنصِرافِ عَنِ الحَقِّ.
ثَانِيًا: بَيَانُ مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾
لا يَجوزُ حَملُ هذِهِ الآيَةِ عَلَى إِقرارِ الباطِلِ، بَل مَعنَاها المُفاصَلَةُ وَالتَّهديدُ.
وَقَد قالَ العُلَماءُ:
1. قالَ ابنُ فُورَكٍ: لَكُم جَزاءُ عِبادَةِ الأَوثانِ وَهُوَ النّارُ، وَلِيَ جَزاءُ عِبادَةِ رَبِّي وَهُوَ الجَنَّةُ.
2. قالَ الماوَردِيُّ: هُوَ تَهديدٌ، وَكَفى بِجَزاءِ العَمَلِ ثَوابًا.
3. قالَ ابنُ عَبّاسٍ: لَيسَ فِي القُرآنِ سُورَةٌ أَشَدُّ لِغَيظِ إِبليسَ مِن هذِهِ؛ لِأَنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّركِ.
4. قالَ الخازِنُ: لَكُم كُفرُكُم وَلِيَ تَوحِيدِي، وَهُوَ كَقَولِهِ تَعالى: ﴿اعمَلُوا مَا شِئتُم﴾ [فصلت: 40].
5. وقد بَيَّنَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ المَعنى: لَكُم دِينُكُم الَّذِي أَنتُم عَلَيهِ، وَلِيَ دِينِي، عَلَى وَجهِ المُفاصَلَةِ وَالبَراءَةِ، لَا عَلَى مَعنى الإِقرارِ وَالتَّصحيحِ، وَقالَ غَيرُ واحِدٍ مِن أَهلِ التَّفسيرِ: إِنَّها آيَةُ تَهديدٍ وَإِظهارٍ لِلمُبايَنَةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ.
وَقَد قالَ كَثيرٌ مِنَ المُفَسِّرينَ: إِنَّها مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ الجِهادِ، لا عَلَى أَنَّ الكُفرَ كانَ مُباحًا، بَل عَلَى أَنَّهُ بَعدَ ذٰلِكَ أُمِرَ بِأَحكامٍ أُخرَى فِي التَّعامُلِ مَعَ الكُفّارِ، وَبَقِيَ أَصلُ المُفاصَلَةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ واضِحًا فِيها.
فقَولُهُ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، لَيسَ تَخييرًا وَلا إِقرارًا لِلكُفّارِ عَلى باطِلِهِم، بَل هُوَ تَهديدٌ وَوَعيدٌ وَمُفاصَلَةٌ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ. وَمَعناهُ: لَكُم دِينُكُم الباطِلُ الَّذي أَنتُم عَلَيهِ، وَلِيَ دِينِي الحَقُّ الَّذي أَنا عَلَيهِ، فَلَيسَ بَينَنَا مُوافَقَةٌ وَلَا مُداهَنَةٌ فِي أَصلِ الدِّينِ.
ثَالِثًا: بَيَانُ مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وَ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ﴾
قَولُهُ تَعالى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، قَد نَزَلَت قَبلَ آياتِ الجِهادِ، وَقِيلَ: نُسِخَت بِها، وَقِيلَ: هِيَ خاصَّةٌ بِأَهلِ الكِتابِ إِذا دَفَعُوا الجِزيَةَ.
1. قالَ الطَّبَرِيُّ: ثُمَّ نُسِخَت بِقِتالِ أَهلِ الكِتابِ فِي سُورَةِ بَراءَةَ، وَقالَ آخَرونَ: بَل هِيَ فِي خُصوصٍ، وَلا نَسخَ فِيها. فَقَد حَمَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَلَى وُجوهٍ مَخصوصَةٍ، مِنها أَنَّهُ فِي قَومٍ بِأَعيانِهِم، أَو فِيمَن تُقبَلُ مِنهُ الجِزيَةُ، فَلَم يَجعَلهُ نَصًّا فِي تَصحيحِ جَميعِ الأَديانِ وَالمِلَلِ.
2. قالَ ابنُ عادلٍ الحَنبَلِيُّ: كانَ ذٰلِكَ فِي ابتِداءِ الإِسلامِ قَبلَ الأَمرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةٍ مِن آياتِ القِتالِ بِآيَةِ السَّيفِ: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المُشرِكِينَ حَيثُ وَجَدتُّمُوهُم وَخُذُوهُم وَاحصُرُوهُم وَاقعُدُوا لَهُم كُلَّ مَرصَدٍ﴾ [التوبة: 5]..
3. قالَ الآلوسِيُّ: مِثلُ هذِهِ الآياتِ مَنسوخٌ بِالقِتالِ.
فَقَد تَمَسَّكَ بِهِ هٰؤُلاءِ تَمَسُّكًا فاسِدًا، وَحَمَلُوهُ عَلى غَيرِ وَجهِهِ. وَالصَّوابُ أَنَّ أَهلَ التَّفسيرِ قَد ذَكَروا فِيهِ وُجوهًا مَعلُومَةً، مِنها أَنَّهُ نَزَلَ قَبلَ آياتِ الجِهادِ، ثُمَّ جاءَ بَعدَ ذٰلِكَ التَّشريعُ المُفَصَّلُ فِي القِتالِ. وَقالَ بَعضُ العُلَماءِ: إِنَّهُ خاصٌّ بِأَهلِ الكِتابِ الَّذينَ إِذا دَفَعُوا الجِزيَةَ وَالتَزَموا شُروطَها تُرِكَ قِتالُهُم. وَعَلى كِلَا القَولينِ، فَلَيسَ فِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَصحيحِ الكُفرِ، وَلَا عَلى أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَن يَعتَنِقَ ما شاءَ مِنَ الباطِلِ وَيُقالَ: هٰذَا مَشروعٌ فِي الإِسلامِ.
وَأَمّا قول اللَّهُ تَعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. أَي لَستَ – يا مُحَمَّدُ ﷺ – بِقادِرٍ عَلَى إِكراهِ قُلوبِ النَّاسِ عَلَى الإِيمانِ، وَإِنَّما غايَةُ ما يُتصوَّرُ إِكراهُ الأَجسادِ فِي الظَّاهِرِ، أَمّا القُلوبُ فَلَيسَت بِيَدِكَ، بَل هِيَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُقلِّبُها كَيفَ يَشاءُ.
فَلَو شاءَ اللهُ أَن يَهديَ جَميعَ النَّاسِ لَهَداهُم أَجمَعينَ، فَيَكونونَ كُلُّهُم مِن أَهلِ الإِيمانِ، وَلٰكِنَّهُ سُبحانَهُ لَم يَشَأ ذٰلِكَ، فَكانَ مِنهُم المُؤمِنُ وَمِنهُم الكافِرُ.
وَهو كقَولِهِ تَعالى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ فالمَقصودُ بِهِ أَنَّ العِبادَ لا يَملِكونَ إِيجادَ الهِدايةِ فِي القُلوبِ، فَلا يَقدِرونَ عَلَى خَلقِ الإِيمانِ فِيها، وَإِنَّما ذٰلِكَ إِلَى اللهِ وَحدَهُ، يَخلُقُ فِي القَلبِ القَبولَ وَالإِذعانَ لِلحَقِّ.
فهٰذا هو مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]؛ أَي لَيسَت هِدايةُ القُلوبِ إِلَيكَ، وَإِنَّما هِيَ إِلَى اللهِ تَعالى.
وَيفسره قوله سُبحانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وَقَد قالَ ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما: «يَحولُ بَينَ المُؤمِنِ وَالكُفرِ، وَبَينَ الكافِرِ وَالإِيمانِ»، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ القُلوبَ تَحتَ سُلطانِ اللهِ تَعالى.
وَلَيسَ مَعنَى هٰذِهِ الآياتِ أَنَّ اللهَ أَعطى النَّاسَ حُرِّيَّةَ الاِعتِقادِ عَلَى وَجهِ الإِطلاقِ، بَل هٰذا الفَهمُ يُخالِفُ القُرآنَ؛ كما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا يَرضَىٰ لِعِبَادِهِ الكُفرَ﴾ [الزمر: ٧]. وَلَو كانَ الأَمرُ كَذٰلِكَ لَما أَرسَلَ اللهُ الأَنبِياءَ، وَلا أَنزلَ الكُتُبَ، وَلٰكِنَّهُ أَرسَلَهُم لِهدايةِ العِبادِ وَإِقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهِم.
وَمِمَّن فَسَّرَ هٰذِهِ الآيَةَ: ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، كَما سَبَقَ بَيَانُهُ:
1. قالَ الإِلبيرِيُّ المالِكِيُّ: أَي: لَستَ تَستَطيعُ إِكراهَهُم، بَل الهِدايَةُ بِمَشيئَةِ اللَّهِ.
2. قالَ الرّازِيُّ: المَقصودُ بَيانُ أَنَّ القُدرَةَ وَالمَشيئَةَ لِلَّهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُكلَّفٌ بِالتَّبليغِ. ثم قال الرازي: وَالمَعنَى أَنَّكَ مَا أُمِرتَ إِلَّا بِالتَّذكِيرِ. وأتبَعَ الرازي قائلًا: «قَالُوا: ثُمَّ نَسَخَتهَا آيَةُ القِتَالِ، هَذَا قَولُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ».
رَابِعًا: فِي تَفسيرِ قَولِهِ تَعالى: ﴿لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ﴾ وَ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم﴾
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، وَمَعناهُ: لَستَ يا مُحَمَّدُ مالِكًا لِقُلوبِهِم، وَلَا قادِرًا عَلى تَحويلِها مِنَ الكُفرِ إِلَى الإِيمانِ بِمُجرَّدِ إِرادَتِكَ؛ فَالهِدايَةُ الَّتي هِيَ خَلقُ الإِيمانِ فِي القُلوبِ إِنَّما هِيَ بِيَدِ اللَّهِ وَحدَهُ. أَي فلَستَ يا مُحَمَّدُ ﷺ بِقادِرٍ عَلَى التَّسَلُّطِ عَلَى قُلوبِ الكافِرينَ، فَتُحوِّلَها مِنَ الكُفرِ إِلَى الإِيمانِ، وَإِنَّما الَّذِي يُقلِّبُ القُلوبَ كَيفَ يَشاءُ هُوَ اللهُ تَعالى وَحدَهُ.
وَعَلَى هٰذا يَدُلُّ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ فِي دُعائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّت قَلبِي عَلَى دِينِكَ»، وَفِي ذٰلِكَ تَعليمٌ لِأُمَّتِهِ ﷺ، وَإِلَّا فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعصُومٌ مِنَ الكُفرِ قَبلَ أَن يُوحَى إِلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَبَعدَ أَن أُوحِيَ إِلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسالَةِ ﷺ، فَلَا يَقَعُ الكُفرُ مِنَ الأَنبِياءِ أَلبَتَّةَ.
وَكَذٰلِكَ قَولُهُ تَعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم﴾ [البقرة: 272]، أَي لَيسَ عَلَيكَ خَلقُ الهِدايَةِ فِي قُلوبِهِم؛ لِأَنَّ الخَلقَ لِلَّهِ وَحدَهُ. فلستَ مُكَلَّفاً بِقَلبِ قلوبهم لأنَّ الذي يُقَلِّبُ القلوب هو الله، وَلَيسَ فِي هٰذِهِ الآياتِ أَدنى دَلالَةٍ عَلى أَنَّ الكُفرَ دِينٌ مَشروعٌ، أَو أَنَّ الإِنسانَ مُخَيَّرٌ شَرعًا بَينَ الإِيمانِ وَالكُفرِ عَلَى السَّواءِ.
وَمِن نَفائِسِ تَعالِيمِ الإِسلامِ أَن يُجابَ على أُولٰئِكَ الفاسِدونَ المُفسِدونَ بِأُسلوبِ التَّبكيتِ وَالإِلزامِ، فَيُقالُ لَهُم: لَو كانَ لِلإِنسَانِ أَن يَعتَقِدَ ما يَشاءُ عَلَى وَجهِ الإِطلاقِ، فَلِأَيِّ شَيءٍ خَلَقَ اللهُ جَهَنَّمَ؟!
وَبِهٰذا يَظهَرُ أَنَّ أَقوالَ أَئِمَّةِ التَّفسيرِ مُتَظاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ هٰذِهِ الآياتِ لَا تُحمَلُ عَلَى المَعنى الَّذِي يُرادُ اليَومَ مِن تَسويغِ الكُفرِ أَو تَصحيحِ التَّعَدُّدِ الدِّينِيِّ عَلَى وَجهِ التَّسويَةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ.
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20]
أَيْ: فَإِنْ جَادَلَكَ هٰؤُلَاءِ وَخَاصَمُوكَ فِي أَنَّ دِينَ اللهِ هُوَ الإِسْلَامُ، وَالمُرَادُ بِهِمْ -عِنْدَ الجُمْهُورِ- وَفْدُ بَنِي نَجْرَانَ، ف
َقُلْ لَهُمْ: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾
أَيْ: أَخْلَصْتُ نَفْسِي كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْهِ، وَلَمْ أَجْعَلْ لِغَيْرِهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِي وَلَا فِي قَصْدِي. فَالمَعْنَى: أَنَّ دِينِي هُوَ دِينُ التَّوْحِيدِ وَالإِخْلَاصِ، وَهُوَ الدِّينُ القَوِيمُ الَّذِي ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ عِنْدَكُمْ كَمَا ثَبَتَتْ عِنْدِي، فَلَسْتُ آتِيكُمْ بِشَيْءٍ مُبْتَدَعٍ حَتَّى تُجَادِلُونِي فِيهِ. وَهٰذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، فَفِي هٰذَا دَفْعٌ لِمُحَاجَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ هُوَ اليَقِينُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَاصَمَةِ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾
فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى التَّاءِ فِي ﴿أَسْلَمْتُ﴾، أَيْ: أَسْلَمْتُ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي. وَالثَّانِي أَنَّ الوَاوَ بِمَعْنَى «مَعَ»، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ مَعَ مَنِ اتَّبَعَنِي.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾
أَيْ: مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى
﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾
أَيْ: الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ:
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾
أَيْ: أَقَدِ اسْتَسْلَمْتُمْ لِلَّهِ وَدَخَلْتُمْ فِي دِينِهِ؟ وَهٰذَا الِاسْتِفْهَامُ، وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ اسْتِفْهَامًا، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ الأَمْرُ، أَيْ: أَسْلِمُوا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، أَيْ: انْتَهُوا. وَالمَعْنَى: أَنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ البَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ مَا يَقْتَضِي دُخُولَكُمْ فِي الإِسْلَامِ، فَهَلْ فَعَلْتُمْ ذٰلِكَ، أَمْ أَنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلَى كُفْرِكُمْ؟ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، أَيْ: أَصَابُوا الرُّشْدَ، وَخَرَجُوا مِنَ الضَّلَالِ إِلَى الهُدَى. وَإِنْ تَوَلَّوْا وَأَعْرَضُوا، فَلَا يَضُرُّونَكَ شَيْئًا، وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا البَلَاغُ، أَيْ: إِبْلَاغُ الرِّسَالَةِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى طَرِيقِ الهُدَى، وَأَمَّا هِدَايَةُ القُلُوبِ فَبِيَدِ اللهِ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
أَيْ: عَلِيمٌ بِأَحْوَالِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ، وَلَا كُفْرُ مَنْ تَوَلَّى، وَسَيُجَازِي كُلَّ أَحَدٍ عَلَى عَمَلِهِ.