بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)﴾
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15]
ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ أَنْ زَهَّدَ فِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّهَوَاتِ
قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ: أَأُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ هٰذِهِ الشَّهَوَاتِ وَالمَتَاعِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؟ ثُمَّ بَيَّنَ هٰذَا الخَيْرَ فَقَالَ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾. وَهٰذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ بَيَانُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذٰلِكُمْ.
فَقَوْلُهُ: ﴿جَنَّاتٌ﴾ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ خَبَرُهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بِخَيْرٍ﴾، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ المُتَّقُونَ بِذٰلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ﴿جَنَّاتٌ﴾ مَرْفُوعَةً عَلَى تَقْدِيرِ: هُوَ جَنَّاتٌ، وَيُقَوِّي هٰذَا مَا قُرِئَ بِجَرِّ «جَنَّاتٍ» عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ «خَيْرٍ».
وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّاتِ، أَيْ: تَجْرِي الأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِ قُصُورِهَا وَأَشْجَارِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾
أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا مَكْثًا دَائِمًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ وَلَا زَوَالَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
أَيْ: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُنَزَّهَاتٌ عَنِ الأَقْذَارِ الحِسِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ. أي مُطَهَّرَاتٌ مِن دَرَنِ الدُّنيا وأنجَاسِها والدَّرَنُ الوَسَخُ، وقيلَ مِنَ الأخلاقِ السّيّئَة يعني مهَذّبَة في الخُلُق، ويقالُ مُطَهَّرَةٌ في الخَلْقِ والخُلُقِ، فأمّا الخَلْقُ فَإنّهنّ لا يَحِضْنَ ولا يَبُلْنَ ولا يتَمَخَّطْنَ ولا يَأتِينَ الخَلاءَ ،وأمّا الخُلُق فهُنَّ لا يَحسُدْنَ ولا يَغَرْنَ ولا يَنظُرْنَ إلى غَيرِ أزوَاجِهنّ وأزواجٌ مطَهَّرَةٌ أي مما في نِسَاءِ الدّنيا منَ الأحوال المستَقذَرة كالحيض والدَّرَن ودَنَسِ الطَّبْع وسُوءِ الخُلُق فإنّ التّطَهُّرَ يُستَعمَلُ في الأجسَام والأخلاقِ والأفعَال.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾
أَيْ: وَفَوْقَ ذٰلِكَ كُلِّهِ رِضًا مِنَ اللهِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، فَيُجَازِي كُلَّ أَحَدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ، أَوْ هُوَ بَصِيرٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا وَبِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ صِدْقِ العُبُودِيَّةِ، فَلِذٰلِكَ أَعَدَّ لَهُمْ هٰذِهِ الجَنَّاتِ.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 16]
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ يَجُوزُ فِيهِ أَوْجُهٌ: فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى المَدْحِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أَوْ صِفَةٌ لِلْعِبَادِ. وَالمَعْنَى: أَنَّ هٰؤُلَاءِ المُتَّقِينَ هُمْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فَيَقُولُونَ:
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾
أَيْ: آمَنَّا بِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَاسْتَجَبْنَا لِدَعْوَتِكَ.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾
أَيْ: اسْتُرْهَا وَامْحُهَا وَتَجَاوَزْ عَنَّا فِيهَا، إِنْجَازًا لِوَعْدِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
أَيْ: ادْفَعْ عَنَّا عَذَابَهَا بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ.
﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]
هٰذِهِ أَوْصَافٌ جَلِيلَةٌ لِهٰؤُلَاءِ المُتَّقِينَ، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى المَدْحِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿الصَّابِرِينَ﴾
أَيْ: الصَّابِرِينَ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَعَنِ المَعَاصِي، وَعَلَى المَصَائِبِ وَالمَكَارِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾
أَيْ: الصَّادِقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ بِإِخْبَارِ الحَقِّ، وَفِي أَفْعَالِهِمْ بِإِحْكَامِ العَمَلِ، وَفِي نِيَّاتِهِمْ بِإِمْضَاءِ العَزْمِ وَالإِخْلَاصِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾
أَيْ: الدَّاعِينَ، أَوِ المُطِيعِينَ الخَاضِعِينَ لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾
أَيْ: البَاذِلِينَ أَمْوَالَهُمْ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ، وَالمُتَصَدِّقِينَ بِهَا فِي طَاعَةِ اللهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
أَيْ: الطَّالِبِينَ المَغْفِرَةَ فِي وَقْتِ السَّحَرِ، وَقِيلَ: هُمُ المُصَلُّونَ فِي هٰذَا الوَقْتِ الشَّرِيفِ. وَإِنَّمَا خُصَّتِ الأَسْحَارُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُ خُلْوَةٍ وَإِجَابَةِ دُعَاءٍ، وَفِيهَا يَصْفُو القَلْبُ وَيَكْمُلُ الإِخْلَاصُ. وَقَدْ قِيلَ فِي الحِكْمَةِ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، لَا يَكُنِ الدِّيكُ أَكْيَسَ مِنْكَ، يُنَادِي بِالأَسْحَارِ وَأَنْتَ نَائِمٌ». وَالوَاوُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ هٰذِهِ الصِّفَاتِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِهِمْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَلِلإِشْعَارِ بِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِالمَدْحِ.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]
أَيْ: بَيَّنَ اللهُ وَأَعْلَمَ وَحَكَمَ أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا هُوَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾
أَيْ: وَشَهِدَتِ المَلَائِكَةُ بِذٰلِكَ أَيْضًا بِمَا عَايَنَتْ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَجَلَالِ سُلْطَانِهِ.
﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾
أَيْ: وَشَهِدَ بِوَحْدَانِيَّتِهِ أَيْضًا الأَنْبِيَاءُ وَالعُلَمَاءُ الَّذِينَ عَرَفُوا اللهَ بِدَلَائِلِهِ وَبَرَاهِينِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾
أَيْ: مُقِيمًا لِلْعَدْلِ فِي خَلْقِهِ، فِيمَا يَقْسِمُ مِنَ الأَرْزَاقِ وَالآجَالِ، وَفِيمَا يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ، وَفِيمَا يَأْمُرُ بِهِ عِبَادَهُ مِنَ الإِنْصَافِ وَالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ. وَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ اسْمِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «هُوَ». وَإِنَّمَا جَازَ إِفْرَادُ الحَالِ مَعَ كَوْنِهَا بَعْدَ مَعْطُوفٍ وَمَعْطُوفٍ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ اللَّبْسِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى المَدْحِ.
ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
تَوْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِمَعْنَى التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَيْ: هُوَ العَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ، الحَكِيمُ الَّذِي لَا يَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ، وَلَيْسَ وَصْفًا لِلضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُوصَفُ.