بسم الله الرحمن الر حيم
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)﴾
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤]
يَرجِعُ الضَّميرُ فِي قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَمَكَرُوا﴾ إِلَى أُولٰئِكَ الَّذينَ أَخبَرَ اللهُ عَنهُم قَبلُ بِالكُفرِ، فَهُم بَعدَ أَن رَأَوا إِحياءَ المَوتى، وَإِبراءَ الأَكمَهِ، وَشِفاءَ الأَبرَصِ بِإِذنِ اللهِ تَعالَى، لَم يَزدادوا إِلّا عِنادًا وَخُبثًا، وَتَآمَروا عَلَى قَتلِ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ. وَالمَكرُ مِنَ العِبادِ هُوَ الخُبثُ وَالخِداعُ وَالتَّدبيرُ السَّيِّئُ فِي الخَفاءِ، وَقَد صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ». فَهٰذا هُوَ مَكرُهُم: التَّآمُرُ عَلَى قَتلِ نَبِيِّ اللهِ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ بَعدَ ما قامَت عَلَيهِمُ الحُجَّةُ.
وَأَمّا قَولُهُ تَعالَى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾
فَمَعناهُ: أَنَّ اللهَ رَدَّ مَكرَهُم عَلَيهِم، وَجازاهُم عَلَى مَكرِهِم، وَأَبطَلَ كَيدَهُم. فَلَيسَ المَقصودُ إِثباتَ صِفَةِ المَكرِ لِلَّهِ عَلَى الوَجهِ الَّذي يَكونُ مِنَ العِبادِ، وَالعِياذُ بِاللهِ، بَل هٰذَا مِن بابِ المُقابَلَةِ وَالمُشاكَلَةِ فِي اللُّغَةِ؛ كَما فِي نَحوِ قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وَقَولِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، فَالمَعنى فِي جَميعِ ذٰلِكَ: أَنَّ اللهَ يُجازيهِم عَلَى فِعلِهِم، وَيَرُدُّ كَيدَهُم عَلَيهِم.
فَقَولُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
أَي: أَقدَرُهُم عَلَى رَدِّ المَكرِ، وَأَعظَمُهُم مُجازاةً لِلمَاكِرينَ عَلَى مَكرِهِم، لا أَنَّ المَكرَ صِفَةُ مَدحٍ تُطلَقُ عَلَى اللهِ مُطلَقًا.
وَيَنبَغي التَّنَبُّهُ هٰهُنا إِلَى أَنَّهُ لَيسَ كُلُّ ما أُضيفَ إِلَى اللهِ يَكونُ صِفَةً لَهُ. فَمِن ذٰلِكَ قَولُهُ تَعالَى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، فَهٰذِهِ إِضافَةُ تَشريفٍ، لا إِضافَةُ صِفَةٍ. وَكَذٰلِكَ قَولُهُ تَعالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فَإِضافَةُ البَيتِ إِلَى اللهِ إِضافَةُ تَشرِيفٍ، لا عَلَى مَعنى السُّكنى. وَكَذٰلِكَ قَولُهُ تَعالَى فِي شَأنِ سَيِّدِنا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، فَلَيسَ المَعنى أَنَّ عِيسى جُزءٌ مِنَ اللهِ، تَعالَى اللهُ عَن ذٰلِكَ، بَل هٰذِهِ إِضافَةُ مِلكٍ وَتَشرِيفٍ؛ أَيِ الرُّوحُ الَّتي شَرَّفَها اللهُ وَخَلَقَها. فَكَذٰلِكَ هٰهُنا فِي قَولِهِ: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، المَعنى: أَنَّهُ جازاهُم عَلَى مَكرِهِم، وَرَدَّ عَلَيهِم كَيدَهُم، وَهُوَ أَقدَرُ عَلَى إِبطالِ مَكرِ الماكِرينَ.
وَمِن أَمثِلَةِ ذٰلِكَ ما وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيلَةَ الهِجرَةِ، لَمّا اجتَمَعَ المُشرِكونَ حَولَ بَيتِهِ وَأَرادوا قَتلَهُ، فَخَرَجَ ﷺ مِن بَينِ أَيديهِم، وَأَخَذَ شَيئًا مِنَ التُّرابِ فَنَثَرَهُ عَلَيهِم، وَهُوَ يَقرَأُ سُورَةَ يس، فَلَم يَروهُ، وَما بَقِيَ واحِدٌ مِنهُم إِلّا وَعَلَى رَأسِهِ مِن ذٰلِكَ التُّرابِ، وَما عَلِموا بِخُروجِهِ إِلّا بَعدَ ذٰلِكَ. فَهٰذا مِن مَعاني قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾.
وَهٰؤُلَاءِ أَجمَعوا أَمرَهُم عَلَى قَتلِ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ، وَتَآمَروا عَلَيهِ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِم مَكرَهُم، وَأَلقى شَبَهَ عِيسى عَلَى واحِدٍ، فَجاؤوا فَأَخَذوهُ وَهُم يَظُنّونَ أَنَّهُ عِيسى. وَقَد ذُكِرَ أَنَّ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ قالَ: «أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ وَيَكُونُ مَعِي فِي الْجَنَّةِ؟»، فَقامَ واحِدٌ، ثُمَّ تَكَرَّرَ ذٰلِكَ، فَلَمّا أَصَرَّ قالَ لَهُ: أَنتَ هُوَ. فَأُلقِيَ الشَّبَهُ عَلَيهِ، فَظَنُّوهُ عِيسى، فَأَخَذوهُ، وَأَمّا سَيِّدُنا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ فَقَد رَفَعَهُ اللهُ إِلَى السَّماءِ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]
المَعنى: أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسرائِيلَ دَبَّرُوا الكَيدَ لِعِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَأَضمَرُوا لَهُ الشَّرَّ، وَسَعَوا فِي إِيقاعِهِ فِي القَتلِ وَالأَذَى، فَقابَلَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلا بِجَزائِهِم عَلَى مَكرِهِم، وَرَدَّ كَيدَهُم فِي نُحورِهِم، وَأَبطَلَ تَدبِيرَهُم، فَكانَ تَدبِيرُ اللَّهِ أَعلَى وَأَنفَذَ وَأَكمَلَ. وَمَعنى ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أَي: جازاهُم عَلَى مَكرِهِم، وَأَجرَى عَلَيهِم مِن تَدبِيرِهِ وَحِكمَتِهِ ما أَفسَدَ بِهِ مَقصِدَهُم. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أَي: أَقدَرُهُم عَلَى إِبطالِ كَيدِ أَهلِ الكَيدِ، وَأَعظَمُهُم جَزاءً لِمَن يَمكُرُ بِأَولِيائِهِ، فَلا يَغلِبُهُ أَحَدٌ، وَلا يَنفُذُ تَدبِيرٌ إِلَّا بِإِذنِهِ.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55]
المَعنى: اُذكُر حِينَ قالَ اللَّهُ لِعِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. وَقَد تَكَلَّمَ أَهلُ التَّفسيرِ فِي مَعنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ عَلَى أَوجُهٍ مَشهُورَةٍ؛ فَمِنهُم مَن قالَ: المَعنى أَنِّي قابِضُكَ وَآخِذُكَ مِنَ الأَرضِ، لا أَنَّ القَومَ يَقتُلونَكَ أَو يَصلُبونَكَ. وَمِنهُم مَن قالَ: إِنَّ التَّوَفِّيَ هُنا بِمَعنى الاِستِيفاءِ وَالقَبضِ، أَي أَنَّ اللَّهَ يَقبِضُهُ إِلَيهِ قَبضًا يَخصُّهُ. وَمِنهُم مَن قالَ: فِي الآيَةِ تَقدِيمٌ وَتَأخِيرٌ، وَالمُرادُ: إِنِّي رافِعُكَ إِلَيَّ، ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعدَ ذٰلِكَ فِي الوَقتِ الَّذِي يَشاءُهُ اللَّهُ. وَعَلى هٰذِهِ الأَوجُهِ كُلِّها فَلَيسَ فِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أَنَّ الكافِرِينَ ظَفِرُوا بِعِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ، بَلِ الَّذِي دَلَّت عَلَيهِ أَنَّ اللَّهَ نَجَّاهُ مِن كَيدِهِم، وَرَفَعَهُ إِلَيهِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فِيهِ تَشرِيفٌ عَظِيمٌ لِعِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَدَلالَةٌ عَلى أَنَّ اللَّهَ خَلَّصَهُ مِن أَعدائِهِ، وَأَعلى مَنزِلَتَهُ، وَصانَهُ مِن أَذى الَّذِينَ كَفَرُوا. و
َقَولُهُ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أَي: مُخَلِّصُكَ مِن خُبثِهِم، وَمِن سُوءِ جِوارِهِم، وَمِمَّا راموهُ لَكَ مِن قَتلٍ وَإِهانَةٍ.
وَقَولُهُ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
يَدُلُّ عَلى أَنَّ أَتباعَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ عَلى الحَقِّ لَهُم ظُهورٌ عَلَى المُخالِفِينَ، وَهٰذا الظُّهورُ يَكونُ بِالحُجَّةِ وَالبُرهانِ، وَقَد يَكونُ مَعَ ذٰلِكَ بِالقُوَّةِ وَالغَلَبَةِ حَسَبَ ما يَقضِي بِهِ اللَّهُ فِي عِبادِهِ. وَيَدخُلُ فِي أَتباعِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ كُلُّ مَن آمَنَ بِهِ عَلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، وَمِن أَكمَلِ ذٰلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأَنَّهَا آمَنَت بِعِيسَى نَبِيًّا كَرِيمًا وَعَبدًا لِلَّهِ، وَلَم تَغْلُ فِيهِ وَلَم تُكَذِّبْهُ.
ثُمَّ قالَ سُبحانَهُ: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾
أَي: مَصيرُكُم وَمَآلُكُم جَميعًا إِلَيَّ
﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
أَي: فَأَقضِي بَينَكُم بِالحَقِّ فِيمَا تَنازَعتُم فِيهِ مِن أَمرِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَمِن شَأنِ الإِيمانِ وَالكُفرِ، وَفِيمَا اخْتَلَفتُم فِيهِ مِن عَقائِدِكُم وَدَعاواكُم.
فَالآيَةُ تَجمَعُ بَينَ بَيانِ نَجاةِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَإِكرامِ اللَّهِ لَهُ، وَالوَعدِ بِنُصرَةِ أَهلِ الحَقِّ، وَالتَّذكيرِ بِأَنَّ الفَصلَ النِّهائِيَّ فِي كُلِّ خِلافٍ إِنَّما يَكونُ يَومَ القِيامَةِ بَينَ يَدَيِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلا.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [آل عمران: ٥٥]
فِي هٰذِهِ الآيَةِ تَقدِيمٌ وَتَأخيرٌ عَلَى ما تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ فَمَعنى قَولِهِ تَعالَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، أَي: إِنِّي رافِعُكَ إِلَيَّ، ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعدَ ذٰلِكَ. وَذٰلِكَ لِأَنَّ سَيِّدَنا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ لا يَزالُ حَيًّا، فَهُوَ مِمَّن لَم يَقتُلْهُم أَعداؤُهُ، وَلَم يَصلِبوهُ، كَما قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. فَقَد رَفَعَهُ اللهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إِلَى السَّماءِ الثّانِيَةِ، وَلا يَزالُ فِيها إِلَى الآنَ، يُصَلِّي مَعَ المَلائِكَةِ. وَقَد نَزَلَ لَيلَةَ الإِسراءِ وَالمِعراجِ، عِندَما صَلَّى نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ بِالأَنبِياءِ إِمامًا فِي المَسجِدِ الأَقصى، ثُمَّ رُفِعَ بَعدَ ذٰلِكَ مَرَّةً أُخرى، وَيَبقَى سَيِّدُنا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ فِي السَّماءِ الثّانِيَةِ مَعَ المَلائِكَةِ.
وَالسَّماءُ هِيَ قِبلَةُ الدُّعاءِ، وَهِيَ مَهبِطُ الرَّحَماتِ وَالبَرَكاتِ. وَقَد صَحَّ فِي الحَديثِ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ». وَأَعدادُ المَلائِكَةِ أَكثَرُ بِكَثيرٍ جِدًّا مِن أَعدادِ البَشَرِ كُلِّهِم، بَل لا يَبلُغُ البَشَرُ مَعشارَ مَعشارِهِم، وَقَد قالَ بَعضُ العُلَماءِ: إِنَّ عَدَدَ المَلائِكَةِ أَكثَرُ مِن عَدَدِ رِمالِ الصَّحراءِ، وَأَكثَرُ مِن عَدَدِ أَوراقِ الأَشجارِ. وَفِي سَماعِ هٰذا المعنى تَقوِيَةٌ لِليقينِ فِي القُلوبِ؛ فَإِنَّ المُسلِمَ إِذا نَظَرَ إِلَى ما حَولَهُ مِن كَثرَةِ الأَعداءِ، لا يَنبَغِي لَهُ أَن يَيأَسَ، بَل يَتَذَكَّرُ قَولَ اللهِ تَعالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، وَيَتَذَكَّرُ أَنَّ الواجِبَ عَلَيهِ هُوَ أَن يَنصُرَ دِينَ اللهِ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾. وَأَمّا كَيفِيَّةُ وُصولِ النَّصرِ وَالمَدَدِ، فَهِيَ إِلَى اللهِ، وَهُوَ القادِرُ عَلَى أَن يُغَيِّرَ المَوازينَ كُلَّها فِي لَحظَةٍ. فَمهما كَثُرَ مَن نَراهُ مِن أَعداءِ الدِّينِ، فَهُم شَيءٌ قَليلٌ بِالنِّسبَةِ إِلَى خَلقِ اللهِ، وَمِن هٰذا يَزدادُ المُؤمِنُ يَقينًا أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ، وَأَنَّهُ لا يَنبَغِي لَهُ أَن يَستَسلِمَ، وَلا أَن يَييأَسَ؛ فَالحَياةُ بِخَلقِ اللهِ، وَالمَوتُ بِخَلقِ اللهِ، وَمَتى نَموتُ فَإِنَّما نَموتُ بِما قَدَّرَ اللهُ تَعالَى.
وَهٰؤُلَاءِ الَّذينَ تَآمَروا عَلَى قَتلِ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ مِنَ اليَهودِ، هُوَ هٰذا شَأنُهُم؛ اجتَمَعوا وَأَرادوا قَتلَهُ، فَرَفَعَهُ اللهُ مِن رَوزَنَةٍ فِي البَيتِ إِلَى السَّماءِ، وَسَلَّمَهُ وَنَجّاهُ. وَكَما كانَ شَأنُهُم مَعَ الأَنبِياءِ فِيما مَضى، فَقَد وُصِفوا فِي كِتابِ اللهِ بِأَنَّهُم قَتَلَةُ الأَنبِياءِ؛ إِذ لَم يَعرِفِ التّاريخُ قَومًا كَما عُرِفَ بَنو إِسرائيلَ بِهٰذَا الجُرمِ العَظيمِ.
وَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ مَعناهُ: رافِعُكَ إِلَى السَّماءِ، ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعدَ ذٰلِكَ، فَفِيهِ تَقدِيمٌ وَتَأخيرٌ كَما ذُكِرَ. وَقَولُهُ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَي: مُنَجِّيكَ مِن سُوءِ جِوارِهِم، وَمِن خُبثِهِم، وَمِن أَذاهُم. وَفِي هٰذا إِشارَةٌ إِلَى أَنَّ الجارَ السَّيِّئَ، وَالعِشرَةَ السَّيِّئَةَ، لا مَصلَحَةَ لِلعَبدِ فِيهِما. فَإِذا عَلِمَ الإِنسانُ أَنَّ المَكانَ الَّذي يَذهَبُ إِلَيهِ، أَوِ الجَماعَةَ الَّتي يُخالِطُها، لَيسَت صالِحَةً، فَالخَيرُ لَهُ أَن يَجتَنِبَها. وَيُذَكِّرُنا هٰذا بِما وَرَدَ أَنَّ جِبريلَ عَلَيهِ السَّلامُ لَمّا سَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا خَيْرُ الْبِلَادِ؟» أَو: «مَا خَيْرُ الْبِقَاعِ، وَمَا شَرُّهَا؟» قالَ: لا أَدرِي، أَسأَلُ رَبَّ العِزَّةِ. فَأَوحَى اللهُ إِلَيهِ: خَيرُ البِقاعِ المَساجِدُ، وَشَرُّ البِقاعِ الأَسواقُ. فَلْيَنظُرِ المُسلِمُ إِلَى المَكانِ الَّذي يُريدُ أَن يَقصِدَهُ: أَيُريدُ مَجلِسَ عِلمٍ؟ أَم مَجلِسَ قِراءَةِ قُرآنٍ؟ أَم مَوضِعًا تَحصُلُ فِيهِ الرَّحمَةُ وَالمَغفِرَةُ وَالثَّوابُ؟ فَليَبحَث عَمّا يَنفَعُهُ، وَأَمّا الصّاحِبُ السَّيِّئُ، فَمهما ابْتَسَمَ فِي وَجهِهِ، فَلا خَيرَ لَهُ فِي صُحبَتِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
وَهٰذِهِ فِيها بِشارَةٌ عَظيمَةٌ جِدًّا. وَقَد ذَكَرَ أَهلُ التَّفسيرِ فِيها أَوجُهًا، وَمِن أَلطَفِ ما قِيلَ فِيهَا أَنَّها تَحمِلُ أَمَلًا كَبيرًا لِهٰذِهِ الأُمَّةِ بِأَنَّها أُمَّةٌ مَنصورَةٌ بِإِذنِ اللهِ. فَقَولُهُ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾، قَد يَقولُ قائِلٌ: هَل تَدخُلُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هٰذا، وَالكَلامُ عَن عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ؟ فَيُجابُ: نَعَم، لِأَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ صَدَّقَت بِعِيسى عَلَيهِ السَّلامُ، وَآمَنَت بِهِ عَلى وَجهِ الحَقِّ، بَل إِنَّ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ نَفسَهُ بَشَّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، كَما قالَ اللهُ عَنهُ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. فَمَنِ الَّذي اتَّبَعَ عِيسى عَلَى الحَقِّ؟ أَمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، أَم مَن كَفَرَ بِهِ؟ فَنَحنُ أَولى بِعِيسى، وَنَحنُ أَتباعُ الأَنبِياءِ؛ إِذ ما مِن نَبِيٍّ مِن آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ إِلَى سَيِّدِنا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ إِلّا وَبَشَّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. فَعَلى هٰذا تَدخُلُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هٰذِهِ الآيَةِ، وَفِي هٰذِهِ البِشارَةِ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وَقَد يَقولُ قائِلٌ: كَيفَ نَقولُ إِنَّنا فَوقَهُم، وَنَحنُ نَرى فِي بَعضِ الأَزْمِنَةِ ما يَقَعُ عَلَى المُسلِمينَ مِن قَتلٍ وَتَشرِيدٍ وَمَجازِرَ وَإِفسادٍ؟ وَالجَوابُ: أَنَّ الفَوقِيَّةَ لَيسَت مَحصورَةً فِي الغَلَبَةِ الحِسِّيَّةِ فَقَط، بَل مِنها الغَلَبَةُ المَعنَوِيَّةُ، وَهِيَ أَعظَمُ شَأنًا. فَنَحنُ فَوقَهُم بِالحُجَّةِ، وَفَوقَهُم بِأَنَّنا عَلَى الحَقِّ، وَهٰذِهِ فَوقِيَّةٌ مَعَنَوِيَّةٌ ثابِتَةٌ الآنَ، وَفِيما مَضى، وَفِيما سَيَأتِي. وَفِي بَعضِ الأَوقاتِ يُضافُ إِلَى هٰذِهِ الغَلَبَةِ المَعنَوِيَّةِ غَلَبَةٌ حِسِّيَّةٌ، حِينَ تَتَطَهَّرُ الأَرضُ مِنَ المُعتَدينَ، وَيُستَرَدُّ المَسجِدُ الأَقصى بِإِذنِ اللهِ. وَالَّذي يَقودُ إِلَى الغَلَبَةِ الحِسِّيَّةِ هُوَ الغَلَبَةُ المَعنَوِيَّةُ؛ لِأَنَّ النَّصرَ إِنَّما يَكونُ بِالإِسلامِ، لا بِمُجرَّدِ الحِساباتِ الحِسِّيَّةِ. فَلَو نَظَرَ الإِنسانُ إِلَى الفَوارِقِ المادِّيَّةِ لَرُبَّما قالَ: الفارِقُ كَبيرٌ، وَأَينَ نَحنُ مِنهُم؟ لٰكِن لا يَنبَغِي الِالتِفاتُ إِلَى هٰذا وَحدَهُ، لِأَنَّنا مَنصورونَ بِإِذنِ اللهِ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، أَي: الجَميعُ، مِن مُؤمِنينَ وَكَافِرينَ، يَرجِعونَ إِلَى اللهِ. ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، وَهُناكَ يَومُ الحُكمِ وَالفَصلِ وَالقَضاءِ. وَفِي هٰذا تَسلِيَةٌ عَظيمَةٌ لِلمُؤمِنينَ؛ فَكَم ظَلَمَهُمُ الكُفّارُ، وَكَم غَصَبوا مِن أَراضِيهِم، وَكَم سَفَكوا مِن دِمائِهِم، وَكَم شَرَّدوا مِن آبائِهِم وَإِخوانِهِم، وَكَمِ انتَهَكوا مِن أَعراضِهِم، وَكَم دَنَّسوا مِن مُقَدَّساتِهِم؛ وَلٰكِن هٰذا كُلَّهُ فِي الدُّنيا، وَسَيَأتِي وَقتُ الفَصلِ الَّذي يَحكُمُ فِيهِ اللهُ بَينَ عِبادِهِ.
وَمِن هُنَا يَنبَغي لِلعَبدِ أَن يَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتَعالَى لا يَظلِمُ أَحَدًا، وَأَنَّهُ حَكيمٌ فِي فِعلِهِ، وَأَنَّهُ لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ، وَهُم يُسأَلونَ. فَإِذا رَأى الإِنسانُ أَعداءَ الإِسلامِ فِي نَعيمٍ، وَرَأى بَعضَ المُسلِمينَ فِي بَلاءٍ، قَالَ: هٰذا ابتِلاءٌ مِنَ اللهِ. فَعِيسى عَلَيهِ السَّلامُ اتُّهِمَت أُمُّهُ، وَاتُّهِمَ هُوَ نَفسُهُ، وَتَآمَروا عَلَى قَتلِهِ. وَنَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ أَخرَجَهُ قَومُهُ مِن مَكَّةَ بَعدَ أَذًى شَديدٍ، وَلَقِيَ فِي المَدِينَةِ أَذًى مِنَ المُنافِقينَ وَاليَهودِ، وَقَد حاوَلوا قَتلَهُ غَيرَ مَرَّةٍ. وَمِن ذٰلِكَ ما وَقَعَ لَهُ ﷺ فِي خَيبَرَ، حِينَ قَدَّمَتِ امرَأَةٌ يَهودِيَّةٌ شاةً مَشوِيَّةً مَسمومَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِأَصحابِهِ، وَكانَ أَحَبُّ الشّاةِ إِلَيهِ الكَتِفَ، فَزَادَتِ السُّمَّ فِيهِ. فَلَمّا أَرادَ ﷺ الأَكلَ مَعَ أَصحابِهِ، وَضَعَ بَعضُهُم شَيئًا فِي فَمِهِ، وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ شَيئًا قَليلًا، أَنطَقَ اللهُ كَتِفَ الشّاةِ، فَقالَت: يا رَسولَ اللهِ، لا تَأكُلنِي، فَإِنِّي مَسمومَةٌ. فَأَمَرَ أَصحابَهُ أَن يَرفَعوا أَيدِيَهُم، وَقَد ماتَ بَعضُهُم مِن ساعَتِهِ. وَبَقِيَ أَثَرُ تِلكَ الأَكلَةِ فِي جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى وَفاتِهِ، حَتّى قالَ وَهُوَ عَلَى فِراشِ المَوتِ: «لَا تَزَالُ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، الْآنَ أَوَانُ قَطْعِ أَبْهَرِي». فَبَلاءُ الأَنبِياءِ عَظيمٌ جِدًّا، فَإِذا ابتُلِينَا نَحنُ، فَالخِيارُ أَمامَنا هُوَ الصَّبرُ، وَلا يَجوزُ لَنا أَن نَتَسَخَّطَ عَلَى اللهِ، بَل نُسَلِّمُ أَمرَنا لَهُ.
وَإِذا سَمِعَ العَبدُ قَولَ اللهِ تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، فَلْيَتَذَكَّرْ أَنَّ الحَياةَ الدُّنيا، مَهْما طالَت، فَهِيَ قَصيرَةٌ جِدًّا بِالنِّسبَةِ إِلَى الآخِرَةِ. وَيَومُ القِيامَةِ وَحدَهُ مِقدارُهُ خَمسونَ أَلفَ سَنَةٍ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، وَقَد ذُكِرَ أَنَّهُ خَمسونَ مَوقِفًا، كُلُّ مَوقِفٍ بِأَلفِ سَنَةٍ. فَلَو عاشَ الإِنسانُ مِئَةَ سَنَةٍ، وَهٰذا نادِرٌ، فَماذا تُمَثِّلُ هٰذِهِ المِئَةُ أَمامَ خَمسينَ أَلفَ سَنَةٍ فَقَط، فَضْلًا عَمّا بَعدَ ذٰلِكَ مِن خُلُودِ أَهلِ الجَنَّةِ فِي الجَنَّةِ، وَخُلُودِ أَهلِ النّارِ فِي النّارِ؟ فَما الحَياةُ الدُّنيا إِلّا شَيءٌ يَسيرٌ جِدًّا. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّها لَيسَت صافيةً، بَل كُلُّ يَومٍ فِيها مَرَضٌ، أَو هَمٌّ، أَو بَلاءٌ خاصٌّ أَو عامٌّ. فَإِذا صَبَرَ الإِنسانُ، وَسَلَّمَ أَمرَهُ لِلَّهِ، كانَ ذٰلِكَ خَيرًا لَهُ.
ثُمَّ إِنَّ المَوتَ حَقٌّ لا مَفَرَّ مِنهُ، فَلا يَنبَغي لِلعَبدِ أَن يَجزَعَ مِنهُ جَزَعًا يُفضِي بِهِ إِلَى التَّسَخُّطِ؛ فَالإِنسانُ يَموتُ بِمَرَضٍ، أَو بِزِلزالٍ، أَو غَرَقًا، أَو فِي سَيّارَةٍ، أَو فِي طائِرَةٍ، أَو وَهُوَ يَمشِي، أَو وَهُوَ يُصَلِّي، أَو وَهُوَ ساجِدٌ، أَو وَهُوَ نائِمٌ لا يَقومُ. وَلا شَيءَ يُغَيِّرُ الأَجَلَ، لا مِن جِهَةِ وَقتِهِ، وَلا مِن جِهَةِ كَيفِيَّتِهِ، وَلا مِن جِهَةِ الأَرضِ الَّتي يَقَعُ فِيها. فَقَد رُفِعَتِ الأَقلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ. فَالواجِبُ عَلَى العَبدِ أَلّا يَتَسَخَّطَ عَلَى اللهِ، وَأَلّا يَعتَرِضَ عَلَيهِ، بَل يُسَلِّمَ لَهُ فِي جَميعِ أَحوالِهِ؛ فَالَّذي يَحكُمُ هُوَ اللهُ، لا فُلانٌ وَلا ابنُ فُلانٍ، وَلا مَن يَعرِفُ أَحَدًا يُدَبِّرُ لَهُ الأَمرَ. بَلِ اللهُ خَيرُ الحاكِمينَ، وَهُوَ العَدلُ فِي حُكمِهِ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.