بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)﴾
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾ [آل عمران: ٥٦]
أَمّا الَّذينَ كَفَروا، فَلَهُم عَذابٌ شَديدٌ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. فَلَيسَ كُلُّ مَن تَنَعَّمَ فِي ظاهِرِ الدُّنيا يَكونُ ناجِيًا مِن عَذابِ اللهِ، بَل قَد يُمهِلُهُ اللهُ، ثُمَّ يَأخُذُهُ أَخذَ عَزيزٍ مُقتَدِرٍ. فِرعَونُ، مَعَ ما يُذكَرُ أَنَّهُ عاشَ أَربَعَمِئَةَ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ لَم يُصَدَّعْ لَهُ رَأسٌ، وَلَم يَمرَضْ، وَلَم يَشتَكِ، لَم يَنفَعْهُ ذٰلِكَ عِندَما أَدرَكَهُ الغَرَقُ، وَأَصابَهُ العَذابُ. وَأَرادَ التَّوبَةَ عِندَ الغَرَقِ، وَلٰكِنَّهُ كانَ بَعدَ فَواتِ وَقتِها. وَالنَّمرودُ، الَّذي ادَّعَى الأُلُوهِيَّةَ، وَعاشَ أَكثَرَ مِن فِرعَونَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِ ذُبابَةً دَخَلَت فِي مَنخِرِهِ، وَبَقِيَ يَتَعَذَّبُ بِها، فِيما يَذكُرُ أَهلُ التّاريخِ، أَربَعَمِئَةَ سَنَةٍ، حَتّى كانَ يَطلُبُ مِمَّن حَولَهُ أَن يَضرِبوهُ عَلَى رَأسِهِ بِالأَحذِيَةِ وَالمَرازِبِ وَالشَّواكيشِ؛ لِيَخِفَّ عَنهُ الأَلَمُ. وَأَبو لَهَبٍ، لَعَنَهُ اللهُ، كَيفَ كانَ مُتَنَعِّمًا، وَكَيفَ كانَ يُؤذِي النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ كَيفَ ماتَ بِمَرَضِ العَدَسَةِ، وَهُوَ مَرَضٌ يَحصُلُ مَعَهُ نَتَنٌ شَديدٌ، حَتّى إِنَّهُ لَمّا أَرادوا دَفنَهُ، لَم يَقتَرِب مِنهُ أَحَدٌ، بَل أَلقَوهُ فِي مَكانٍ، وَصاروا يَرمونَ عَلَيهِ الحِجارَةَ. فَلَو تَتَبَّعتَ أَحوالَ الكُفّارِ وَالمُجرِمينَ، لَرَأَيتَ أَنَّ تَنَعُّمَهُمُ الظّاهِرَ لا يَدلُّ عَلَى نَجاتِهِم، بَل قَد يَكونُ بَعضُهُم فِي عَذابٍ فِي الدُّنيا قَبلَ الآخِرَةِ.
فَقَولُهُ تَعالَى: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾
يَجمَعُ بَينَ العَذابَينِ؛ أَمّا فِي الدُّنيا، فَبِما يَحلُّ بِهِم مِنَ القَتلِ، وَالذُّلِّ، وَالفَضحِ، وَأَنواعِ البَلاءِ، وَأَمّا فِي الآخِرَةِ، فَبِعَذابِ جَهَنَّمَ، وَالعِياذُ بِاللهِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
أَي: لا أَحَدَ يَدفَعُ عَنهُم عَذابَ اللهِ، وَلا مَن يَمْنَعُهُم مِن عُقوبَتِهِ، وَلا مَن يَقِفُ مَعَهُم إِذا أَرادَ اللهُ إِهلاكَهُم وَإِذلالَهُم. فَهُم فِي الدُّنيا مَهينونَ، وَفِي الآخِرَةِ أَشقِياءُ، إِلّا مَن تابَ قَبلَ أَن يُغرغِرَ، وَرَجَعَ إِلَى اللهِ رُجوعًا صادِقًا.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 56]
المَعنى: أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَعانَدُوا الحَقَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِدُّ لَهُم عَذابًا شَديدًا فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. فَلَهُم فِي الدُّنيا عُقوباتٌ عاجِلَةٌ، يَنتَقِمُ اللَّهُ بِها مِنهُم، فَقَد يُسَلِّطُ عَلَى أَحَدِهِم نَوعًا مِنَ المَرَضِ، أَو نَوعًا مِنَ البَلاءِ، أَو غَيرَ ذٰلِكَ مِمَّا يَكونُ فِيهِ عُقوبَةٌ وَإِهانَةٌ. وَأَمَّا عَذابُ الآخِرَةِ فَهُوَ أَشَدُّ وَأَعظَمُ وَأَدوَمُ، فَإِنَّهُ عَذابٌ لَا يُقارَنُ بِهِ شَيءٌ مِن عَذابِ الدُّنيا.
وَقَد وَرَدَ فِي الحَديثِ أَنَّ غَمسَةً واحِدَةً فِي نارِ جَهَنَّمَ تُنسِي أَكثَرَ أَهلِ الدُّنيا نَعيمًا كُلَّ ما كانَ فِيهِ مِن نَعيمٍ؛ فَكَيْفَ بِمَن كانَ عَذابُهُ مُقيمًا مُستَمِرًّا لَا يَنقَطِعُ؟ وَمَرَّةً أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَن رَجُلٍ هُوَ أَدنى أَهلِ النّارِ عَذابًا، فَقالَ: «تُوضَعُ جَمرَةٌ فِي أَخمَصِ قَدَمِهِ فَيَغلِي مِنها دِماغُهُ». فَهٰذا أَقَلُّ أَهلِ النّارِ عَذابًا، فَكَيفَ يَكونُ حالُ عُتاةِ المُشرِكينَ، وَالمُعانِدينَ، وَمَن عَظُمَ أَذاهُم لِأَنبِياءِ اللَّهِ وَأَولِيائِهِ؟ لَا رَيبَ أَنَّ عَذابَ اللَّهِ لَهُم شَديدٌ عَظِيمٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
أَي: لَيسَ لَهُم أَحَدٌ يَنصُرُهُم، أَو يَدفَعُ عَنهُم، أَو يُخَفِّفُ عَذابَهُم. فَقَد يَجِدُ الكافِرُ فِي الدُّنيا مَن يَنصُرُهُ مِن شَياطِينِ الإِنسِ أَوِ الجِنِّ، أَو مَن يَدافِعُ عَنهُ، أَو مَن يَقفُ مَعَهُ، أَمَّا فِي الآخِرَةِ فَلَا يَجِدُ شَفاعةً، وَلَا رَحمَةً، وَلَا مَغفِرَةً، وَلَا راحَةً. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، أَي: لَا تَمرُّ عَلَيهِم لَحظَةٌ واحِدَةٌ مِن رَاحَةٍ.
وَالسَّبَبُ فِي ذٰلِكَ أَنَّ شَرطَ قَبولِ العَمَلِ الصّالِحِ عِندَ اللَّهِ هُوَ الإِيمانُ بِهِ سُبحانَهُ، فَمَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِيمانِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقبَلُ مِنهُ، مَهما عَمِلَ مِنَ الأَعمالِ الَّتِي يَظُنُّها صالِحَةً، وَلَا تُكتَبُ لَهُ فِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ يَنتَفِعُ بِها. وَلِذٰلِكَ لَا يَجِدُ فِي الآخِرَةِ إِلَّا الذُّلَّ بَعدَ الذُّلِّ، وَالخِزيَ بَعدَ الخِزيِ، وَالعَذابَ بَعدَ العَذابِ، وَالهَوانَ بَعدَ الهَوانِ، حَتّى إِنَّهُم يَتَمَنَّونَ المَوتَ الَّذِي كانُوا يَفِرّونَ مِنهُ فِي الدُّنيا.
وَمِن شِدَّةِ ما يَجِدونَ، أَنَّهُم يُنادونَ خازِنَ النّارِ، وَهُوَ مالِكٌ، فَيَقولونَ: يا مالِكُ، لِيَقضِ عَلَينا رَبُّكَ؛ أَي: لِيُمِتنَا وَلِيُنهِ عَذَابَنا. وَمالِكٌ هُوَ خازِنُ جَهَنَّمَ، وَقَد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي المِعراجِ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَقالَ جِبريلُ: إِنَّهُ ما ضَحِكَ لِأَحَدٍ مُنذُ خَلَقَهُ اللَّهُ، وَلَو كانَ ضاحِكًا لِأَحَدٍ لَكانَ لَكَ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ أَمرِهِ وَعِظَمِ ما وُكِّلَ بِهِ. وَأَمَّا الزَّبانِيَةُ، فَهُم مَلائِكَةُ العَذابِ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ أَشدّاءَ أَقوِياءَ لِما وُكِّلوا بِهِ مِن تَعذِيبِ أَهلِ النّارِ.
وَالكافِرُ يَومَ القِيامَةِ لَا يَجِدُ شَفاعةً مِن نَبِيٍّ، وَلَا مِن وَلِيٍّ، وَلَا مِن قَريبٍ، فَلَو كانَ لَهُ وَلَدٌ مُسلِمٌ، وَهُوَ كافِرٌ، لَم يَشفَع لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وَالمَعنى: لِمَنِ ارتَضاهُ اللَّهُ بِأَن أَماتَهُ عَلَى الإِسلامِ. فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقبَلُ دِينًا إِلَّا الإِسلامَ، وَقَد قالَ سُبحانَهُ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. فَمَنِ اعتَقَدَ فِي اللَّهِ زَوجَةً، أَو وَلَدًا، أَو شَريكًا، أَو شَبيهًا، فَلَيسَ مِنَ المُسلِمينَ، وَلَا رَحمَةَ لَهُ فِي قَبرِهِ، وَلَا بَعدَ مَوتِهِ، وَلِذٰلِكَ فَمَن ماتَ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ لَا يُتَرَحَّمُ عَلَيهِ، وَلَا يُستَغفَرُ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وَقَد قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، فَرَحمَتُهُ فِي الدُّنيا واسِعَةٌ يَنتَفِعُ بِها المُؤمِنُ وَالكافِرُ فِي المَاءِ وَالهَوَاءِ وَالغِذاءِ وَالدَّواءِ، أَمَّا فِي الآخِرَةِ فَإِنَّهُ خَصَّها بِالمُتَّقينَ. وَمِن شِدَّةِ هَولِ ذٰلِكَ اليَومِ أَنَّ الكُفّارَ يَبقَونَ فِي انْتِظارِ الجَوابِ بَعدَ نِدائِهِم مالِكًا مُدَّةً طَويلَةً، ثُمَّ يُجابونَ: إِنَّكُم ماكِثونَ؛ أَي: مُقيمونَ فِي العَذابِ لَا خُروجَ لَكُم مِنهُ، وَلَا فَرَجَ لَكُم بَعدَهُ.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَصَدَّقُوا بِالحَقِّ، وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُوَفِّيهِم أُجورَهُم، أَي: يُعطِيهِم جَزاءَ أَعمالِهِم كامِلًا غَيرَ مَنقوصٍ. فَلَا تَضيعُ عِندَ اللَّهِ حَسَنَةٌ، بَل كُلُّ خَيرٍ يَعمَلُهُ العَبدُ فَإِنَّهُ مَحفوظٌ لَهُ، مَكتوبٌ فِي ميزانِهِ. فَتَبَسُّمُكَ فِي وَجهِ أَخيكَ صَدَقَةٌ، وَإِلقاؤُكَ التَّحِيَّةَ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، وَإِماطَتُكَ الأَذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهليلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ ذِكرٍ لِلَّهِ صَدَقَةٌ.
وَمِن جُملَةِ ما جاءَ فِي فَضلِ الذِّكرِ، ما كانَ لَيلَةَ المِعراجِ، حِينَ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نَهرًا عَظيمًا، وَهُوَ نَهرُ الكَوثَرِ. وَقَدِ اجتَمَعَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ بِإِبراهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ فِي السَّماءِ السّابِعَةِ، وَكانَ إِبراهيمُ مُتكِئًا إِلَى البَيتِ المَعمورِ، فَرَحَّبَ بِنَبِيِّنا ﷺ، وَقالَ لَهُ: «مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ». ثُمَّ قالَ لَهُ: «يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ». فَدَلَّ هٰذا عَلَى عِظَمِ أَجرِ الذِّكرِ، وَأَنَّ العَبدَ يَغتَنِمُ بِهِ خَيرًا عَظيمًا فِي الآخِرَةِ.
ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ الآيَةَ بِقَولِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
أَي: لَا يُحِبُّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم بِالكُفرِ وَالمَعاصِي، وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا غَيرَهُم بِالبَغيِ وَالعُدوانِ. وَفِي هٰذا تَحذيرٌ شَديدٌ مِنَ الظُّلمِ كُلِّهِ، وَبَيانٌ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ إِنَّما تُنالُ بِالإِيمانِ وَالطّاعَةِ وَالاستِقامَةِ، وَأَنَّ مَن أَرادَ أُجورَهُ كامِلَةً، فَعَلَيهِ أَن يَجمَعَ بَينَ صِحَّةِ الاِعتِقادِ وَصَلاحِ العَمَلِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ هُمُ الَّذِينَ يَفوزونَ بِتَوفِيَةِ الأُجورِ، وَيَسلَمونَ مِن عَذابِ اللَّهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.