بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ، وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ، وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ، فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)﴾ [آل عمران: 58-61]
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)﴾ [آل عمران: 58]
«ذَلِكَ» إِشارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: «نَتْلُوهُ عَلَيْكَ» خَبَرُهُ. وَقَوْلُهُ: «مِنَ الآيَاتِ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ. وَالْمُرَادُ بِـ«الذِّكْرِ الْحَكِيمِ» الْقُرْآنُ؛ أَيْ: الْمُحْكَمُ الْمُتْقَنُ، أَوِ الَّذِي كَأَنَّهُ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِكَمِ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمَّا قَالَ وَفْدُ بَنِي نَجْرَانَ: هَلْ رَأَيْتَ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ؟
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)﴾ [آل عمران: 59]
الْمُرَادُ أَنَّ شَأْنَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ، وَحَالَهُ الْعَجِيبَةَ، كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَالِهِ. فَقَوْلُهُ: «خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ» مَعْنَاهُ: قَدَّرَ آدَمَ جَسَدًا مِنْ طِينٍ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ عِيسَى وَآدَمَ، وَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ. وَالمَعْنَى: أَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ، فَكَذٰلِكَ عِيسَى خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ الإِيجَادَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ أَغْرَبُ وَأَبْعَدُ عَنِ الْعَادَةِ مِنَ الإِيجَادِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَقَطْ؛ فَشُبِّهَ الْغَرِيبُ بِمَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْهُ، لِيَكُونَ ذٰلِكَ أَقْطَعَ لِحُجَّةِ الْخَصْمِ، وَأَحْسَمَ لِمَادَّةِ شُبْهَتِهِ، إِذَا نَظَرَ فِيمَا هُوَ أَعْجَبُ مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ أُسِرَ بِبِلَادِ الرُّومِ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسَى؟ فَقَالُوا: لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ. فَقَالَ: فَآدَمُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا أَبَوَيْنِ لَهُ. فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى. فَقَالَ: فَحِزْقِيلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عِيسَى أَحْيَا أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ، وَأَحْيَا حِزْقِيلُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ. فَقَالَ: فَجِرْجِيسُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ طُبِخَ وَأُحْرِقَ، ثُمَّ قَامَ سَالِمًا. ولم يكن سؤاله لهم ليقولوا قولَ الكفر وإنّما هوَ سؤالُ إنكَارٍ علَيهِم فكَأنَّه يقولُ كيفَ تَعبُدُونَه وهوَ لا يَستَحِقُّ العِبَادةَ.
(قال الشيخ: جِرْجِيسُ يجُوزُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا.)
( وَرُوِيَ أَنَّ جُرْجِيسَ كَانَ مِنَ الحَوَارِيِّينَ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلَّمَهُ الِاسْمَ الَّذِي يُحْيِي بِهِ المَوْتَى. وَكَانَ بِأَرْضِ المَوْصِلِ مَلِكٌ جَبَّارٌ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، فَدَعَاهُ جُرْجِيسُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، فَأَبَى ذَلِكَ الجَبَّارُ، وَأَمَرَ بِهِ، فَشُدَّتْ رِجْلَاهُ وَيَدَاهُ، ثُمَّ دَعَا بِأَمْشَاطٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَشُرِحَ بِهَا صَدْرُهُ وَيَدَاهُ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءُ المِلْحِ، فَصَبَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
ثُمَّ دَعَا الجَبَّارُ بِمَسَامِيرَ مِنْ حَدِيدٍ، فَسُمِّرَتْ بِهَا عَيْنَاهُ وَأُذُنَاهُ، فَثَبَّتَهُ اللهُ تَعَالَى وَصَبَّرَهُ. ثُمَّ دَعَا بِحَوْضٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُوقِدَ تَحْتَهُ حَتَّى احْمَرَّ وَاشْتَدَّ حَرُّهُ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِيهِ، فَجَعَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا. ثُمَّ قُطِّعَتْ أَعْضَاؤُهُ إِرْبًا إِرْبًا، فَأَحْيَاهُ اللهُ تَعَالَى، فَقَامَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُجَدِّدُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وَالبَيَانَ.
وَلَمَّا أَصَرَّ المَلِكُ عَلَى كُفْرِهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ هُوَ وَلَا قَوْمُهُ، أَهْلَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى، فَقَلَبَ عَلَيْهِمُ المَدِينَةَ، وَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، جَزَاءَ عِنَادِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى البَاطِلِ.)
وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ» أَيْ: أَنْشَأَهُ بَشَرًا. وَقَوْلُهُ: «فَيَكُونُ» مَعْنَاهُ: فَكَانَ، وَهُوَ حِكَايَةٌ لِحَالٍ مَاضِيَةٍ. وَ«ثُمَّ» هُنَا لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ عَلَى الْخَبَرِ، لَا لِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)﴾ [آل عمران: 60]
الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا الَّذِي أُخْبِرْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ الصَّادِرُ مِنْ رَبِّكَ. وَالتَّقْدِيرُ: هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. وَقَوْلُهُ: «فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» أَيْ: لَا تَكُنْ مِنَ الشَّاكِّينَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلسَّامِعِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، عَلَى سَبِيلِ التَّهْيِيجِ لِزِيَادَةِ الثَّبَاتِ وَالتَّقْرِيرِ، لَا عَلَى مَعْنَى وُقُوعِ الِامْتِرَاءِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ الشَّكِّ.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ، وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ، وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ، فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)﴾ [آل عمران: 61]
أَيْ: فَمَنْ جَادَلَكَ مِنَ النَّصَارَى فِي شَأْنِ عِيسَى، مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الْبَيِّنِ وَالْبَرَاهِينِ الْمُوجِبَةِ لِلْيَقِينِ، فَقُلْ لَهُمْ: «تَعَالَوْا»؛ أَيْ: هَلُمُّوا، وَالْمُرَادُ الْمَجِيءُ بِالْعَزْمِ وَالرَّأْيِ وَالِاتِّفَاقِ، كَمَا يُقَالُ: تَعَالَ نَتَفَكَّرْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: «نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ، وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ، وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ»
أَيْ: يَدْعُو كُلُّ فَرِيقٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ أَبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَنَفْسَهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ. ثُمَّ قَوْلُهُ: «ثُمَّ نَبْتَهِلْ» أَيْ: ثُمَّ نَتَبَاهَلْ، بِأَنْ نَقُولَ: بَهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِ مِنَّا وَمِنْكُمْ. وَالْبَهْلَةُ، بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، هِيَ اللَّعْنَةُ. وَيُقَالُ: بَهَلَهُ اللَّهُ؛ أَيْ: لَعَنَهُ وَأَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ. وَأَصْلُ الِابْتِهَالِ هٰذَا، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي كُلِّ دُعَاءٍ يُجْتَهَدُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَلَاعُنًا.
الِابْتِهَالِ أَيْ: ثُمَّ نَتَضَرَّعْ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَعْنَاهُ: نَتَضَرَّعْ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ الكَلْبِيُّ: نَجْتَهِدْ وَنُبَالِغْ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ الكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: نَلْتَعِنْ؛ فَإِنَّ الِابْتِهَالَ هُوَ الِالْتِعَانُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: عَلَيْهِ بَهْلَةُ اللهِ، أَيْ: لَعْنَتُهُ.
أَيْ: نَدْعُو اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَعْنَتَهُ عَلَى الكَاذِبِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ الصَّادِقُ مِنَ الكَاذِبِ، وَالمُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ.
وَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى المُبَاهَلَةِ، قَالُوا: حَتَّى نَرْجِعَ وَنَنْظُرَ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ نَأْتِيَكَ غَدًا. فَلَمَّا خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ قَالُوا لِلْعَاقِبِ، وَكَانَ صَاحِبَ رَأْيِهِمْ: يَا عَبْدَ المَسِيحِ، مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: وَاللهِ، لَقَدْ عَرَفْتُمْ، يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى، أَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَاللهِ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَلَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَتَهْلِكُنَّ عَنْ آخِرِكُمْ؛ فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ، وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ.
فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقَدْ غَدَا مُحْتَضِنًا الحُسَيْنَ، آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وَفَاطِمَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، تَمْشِي خَلْفَهُ، وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، خَلْفَهَا، وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِذَا أَنَا دَعَوْتُ فَأَمِّنُوا». فَقَالَ أُسْقُفُّ نَجْرَانَ: يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى، إِنِّي لَأَرَى وُجُوهًا لَوْ سَأَلُوا اللهَ أَنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِنْ مَكَانِهِ لَأَزَالَهُ، فَلَا تُبَاهِلُوا فَتَهْلِكُوا، وَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ نَصْرَانِيٌّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلَّا نُلَاعِنَكَ، وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ، وَنَثْبُتَ عَلَى دِينِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنْ أَبَيْتُمُ المُبَاهَلَةَ فَأَسْلِمُوا، يَكُنْ لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ». فَأَبَوْا، فَقَالَ: «فَإِنِّي أُنَابِذُكُمْ بِالحَرْبِ». فَقَالُوا: مَا لَنَا بِحَرْبِ العَرَبِ طَاقَةٌ، وَلَكِنَّا نُصَالِحُكَ عَلَى أَلَّا تَغْزُوَنَا، وَلَا تُخِيفَنَا، وَلَا تَرُدَّنَا عَنْ دِينِنَا، عَلَى أَنْ نُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كُلَّ عَامٍ أَلْفَيْ حُلَّةٍ؛ أَلْفًا فِي صَفَرَ، وَأَلْفًا فِي رَجَبٍ. فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ العَذَابَ قَدْ تَدَلَّى عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَلَوْ تَلَاعَنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَلَاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوَادِي نَارًا، وَلَاسْتَأْصَلَ اللهُ نَجْرَانَ وَأَهْلَهُ، حَتَّى الطَّيْرَ عَلَى الشَّجَرِ، وَلَمَا حَالَ الحَوْلُ عَلَى النَّصَارَى حَتَّى يَهْلِكُوا».
وَقَدْ أُخْرِجَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: لَوْ بَاهَلَ أَهْلُ نَجْرَانَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا. وَأُخْرِجَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».
وَتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ وَمَا جَرَى فِي سِيَاقِهَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّ الإِلٰهَ هُوَ المَوْجُودُ الوَاجِبُ الوُجُودِ لِذَاتِهِ، الَّذِي لَا يَكُونُ جِسْمًا، وَلَا مُتَحَيِّزًا، وَلَا عَرَضًا، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُدُوثُ، وَلَا الِاحْتِيَاجُ، وَلَا التَّغَيُّرُ. وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ بَشَرٌ كَرِيمٌ، وَنَبِيٌّ عَظِيمٌ، وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَانَ طِفْلًا ثُمَّ تَرَعْرَعَ، ثُمَّ شَبَّ، وَكَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَنَامُ وَيَسْتَيْقِظُ؛ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي بَدَاهَةِ العُقُولِ أَنَّ المُحْدَثَ لَا يَكُونُ قَدِيمًا، وَأَنَّ المُحْتَاجَ لَا يَكُونُ غَنِيًّا، وَأَنَّ المُمْكِنَ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، وَأَنَّ المُتَغَيِّرَ لَا يَكُونُ إِلٰهًا دَائِمًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
وَمِنْ وُجُوهِ إِبْطَالِ هَذِهِ المَقَالَةِ أَيْضًا أَنَّ النَّصَارَى يَعْتَرِفُونَ، عَلَى زَعْمِهِمْ، أَنَّ اليَهُودَ أَخَذُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَلَبُوهُ، وَتَرَكُوهُ حَيًّا عَلَى الخَشَبَةِ، وَمَزَّقُوا ضِلْعَهُ؛ وَهَذَا كُلُّهُ، عَلَى فَرْضِ قَوْلِهِمْ، دَلِيلٌ عَلَى الحُدُوثِ وَالعَجْزِ وَالِاحْتِيَاجِ، وَالإِلٰهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا ضُمَّ الْأَبْنَاءُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُبَاهَلَةُ فِي الظَّاهِرِ خَاصَّةً بِمَنْ يُكَاذِبُ خَصْمَهُ، لِأَنَّ ذٰلِكَ أَبْلَغُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ثِقَتِهِ بِصِدْقِهِ، وَكَامِلِ يَقِينِهِ بِحَالِهِ؛ إِذِ اسْتَجْرَأَ عَلَى تَعْرِيضِ أَعَزِّ أَهْلِهِ وَأَفْلَاذِ كَبِدِهِ لِذٰلِكَ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ وَحْدَهَا. وَفِيهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُوقِنُ أَنَّ الْهَلَاكَ سَيَنْزِلُ بِخَصْمِهِ وَبِأَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ إِنْ وَقَعَتِ الْمُبَاهَلَةُ.
وَخُصَّ الْأَبْنَاءُ وَالنِّسَاءُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعَزُّ الْأَهْلِ وَأَلْصَقُهُمْ بِالْقُلُوبِ، وَقَدَّمَهُمْ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْأَنْفُسِ؛ تَنْبِيهًا عَلَى قُرْبِ مَكَانِهِمْ، وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِمْ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ، لَا عَنْ مُوَافِقٍ وَلَا عَنْ مُخَالِفٍ، أَنَّهُمْ أَجَابُوهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: «فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» أَيْ: مِنَّا وَمِنْكُمْ فِي شَأْنِ عِيسَى. وَقَوْلُهُ: «نَبْتَهِلْ» وَ«نَجْعَلْ» مَعْطُوفَانِ عَلَى «نَدْعُ».