بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)﴾
﴿إِذ هَمَّت طائِفَتانِ مِنكُم أَن تَفشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِذ هَمَّت طائِفَتانِ مِنكُم أَن تَفشَلا﴾ يَدُلُّ عَلَى ما وَقَعَ مِن هَمٍّ بِالضَّعفِ وَالفَشَلِ عِندَ بَعضِ المُؤمِنِينَ، حِينَ رَأَوا انسِحابَ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وَمَن مَعَهُ، وَحِينَ اشتَدَّ المَوقِفُ وَعَظُمَ الخَطبُ. وَقَد حَفِظَهُمُ اللهُ وَثَبَّتَهُم، فَلَم يَقَعُوا فِيما هَمُّوا بِهِ. وَلِذٰلِكَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾، أَي ناصِرُهُما وَمُتَوَلِّي أَمرِهِما، فَحَفِظَهُما مِنَ الفَشَلِ وَثَبَّتَهُما عَلَى الحَقِّ.
وَخَتَمَ اللهُ تَعالى الآيَةَ بِقَولِهِ: ﴿وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ العِلاجَ عِندَ الشَّدائِدِ هُوَ صِدقُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، مَعَ الثَّباتِ وَطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وَالأَخذِ بِالأَسبابِ الَّتِي شَرَعَها اللهُ. فَلَا يَثبُتُ القَلبُ عِندَ الفِتَنِ إِلَّا بِثِقَتِهِ بِرَبِّهِ، وَلا تَسلَمُ الأُمَّةُ مِن خِذلانِ المُنافِقِينَ إِلَّا بِالاعتصامِ بِاللهِ، وَاتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ.
ثُمَّ لَمّا نَزَلَ عَدَدٌ مِنَ الرُّماةِ عَن مَوضِعِهِم، انتَبَهَ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَكانَ يَومَئِذٍ مَعَ المُشرِكِينَ، إِلَى انكِشافِ تِلكَ الجِهَةِ، فالتَفَّ بِخَيلِهِ مِن وَرائِهِم، وَقُتِلَ مَن بَقِيَ عَلَى الجَبَلِ مِنَ الرُّماةِ، ثُمَّ وَقَعَ الاضطِرابُ فِي صُفُوفِ المُسلِمِينَ، وَانقَلَبَت حالُ المَعرَكَةِ بَعدَ أَن كانَ الظُّهُورُ فِي أَوَّلِهَا لِلمُسلِمِينَ.
وَفِي ذٰلِكَ الوَقتِ أَصَابَ المُسلِمِينَ ما أَصابَهُم مِن قَتلٍ وَجِراحٍ، وَاستُشهِدَ سَيِّدُ الشُّهَداءِ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ ﷺ، وَكانَ مِمَّن أَبلَوا بَلاءً عَظيمًا فِي القِتالِ. فَقَد كانَ يَقاتِلُ قِتالَ الأَبطالِ، وَقَد رُوِيَ أَنَّهُ كانَ يُقاتِلُ بِسَيفَينِ، لا يَقِفُ أَمامَهُ أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ إِلَّا صَرَعَهُ اللهُ عَلَى يَدِهِ.
وَقَد كانَت هِندُ بنتُ عُتبَةَ تَطلُبُ الثَّأرَ لِمَن قُتِلَ مِن قَومِها يَومَ بَدرٍ، فَحَرَّضَت وَحشِيًّا عَلَى قَتلِ حَمزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَوَعَدَتهُ بِالعَطاءِ. فَكَمَنَ وَحشِيٌّ يَرقُبُ حَمزَةَ حَتّى وَجَدَ الفُرصَةَ، فَرَماهُ بِحَربَتِهِ، فَأَصابَهُ فِي مَقتَلٍ، فَاستُشهِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. وَكانَ استِشهادُهُ مِن أَعظَمِ ما أَصابَ المُسلِمِينَ يَومَ أُحُدٍ.
وَفِي أَثناءِ ذٰلِكَ أَشاعَ بَعضُ المُشرِكِينَ، وَمِنهُمُ الرَّجُلُ الخَبِيثُ ابنُ قَمِئَةَ، أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قُتِلَ، فَوَقَعَ بِسَبَبِ هٰذِهِ الشّائِعَةِ اضطِرابٌ عَظيمٌ فِي قُلُوبِ بَعضِ النّاسِ. وَلٰكِنَّ أَهلَ الصِّدقِ وَالثَّباتِ لَم يَتركُوا دِينَ اللهِ، بَل قالَ بَعضُهُم لِمَن وَهَنَ: إِن كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَد قُتِلَ، فَما تَصنَعُونَ بِالحَياةِ بَعدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى ما ماتَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَهٰذا مِن أَعظَمِ مَعانِي الثَّباتِ، فَالمُؤمِنُ لا يَعبُدُ اللهَ عَلَى حَرفٍ، وَلَا يَثبُتُ ما دامَتِ الأُمُورُ مُيسَّرَةً فَقَط، بَل يَثبُتُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ، وَيَعلَمُ أَنَّ دِينَ اللهِ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّصرَ وَالخِذلانَ بِتَقدِيرِ اللهِ، وَأَنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ. وَقَد ثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المَيدانِ، وَلَم يُهزَم، وَلَم يَفشَل، حاشاهُ ﷺ، وَإِنَّما وَقَعَ ما وَقَعَ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ بَعضِ الرُّماةِ لأَمرِهِ ﷺ، فَكانَ فِي ذٰلِكَ دَرسٌ باقٍ لِلأُمَّةِ إِلَى يَومِ القِيامَةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يُناسِبُ هٰذا السِّياقَ كُلَّهُ؛ فَاللهُ تَعالى سَمِيعٌ لِأَقوالِ المُؤمِنِينَ وَالمُنافِقِينَ، عَلِيمٌ بِنِيّاتِهِم وَأَحوالِهِم، عَلِيمٌ بِمَن ثَبَتَ وَمَن تَراجَعَ، وَمَن صَدَقَ وَمَن أَرجَفَ، وَمَن أَطاعَ أَمرَ الرَّسُولِ ﷺ وَمَن خالَفَهُ. فَلْيَحذَرِ المُسلِمُ أَن يَكونَ مِن أَهلِ التَّخذِيلِ أَو المُخالَفَةِ، وَلْيَكُن مِن أَهلِ الصِّدقِ وَالثَّباتِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.
قَولُهُ تَعالى: ﴿إِذ هَمَّت طائِفَتانِ مِنكُم أَن تَفشَلا﴾ يُرادُ بِالطّائِفَتَينِ، عَلَى ما ذَكَرَهُ أَهلُ التَّفسيرِ، بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأَنصارِ. فَلَمّا انسَحَبَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ بِثَلاثِمِئَةٍ مِنَ الجَيشِ، وَأَشاعَ المُنافِقُونَ الوَهنَ وَالخَوفَ، وَقَعَ فِي نُفُوسِ هاتَينِ الطّائِفَتَينِ هَمٌّ بِالفَشَلِ وَالضَّعفِ، وَلٰكِنَّ اللهَ تَعالى وَلِيُّهُما، فَصَرَفَ عَنهُما ذٰلِكَ وَثَبَّتَهُما.
وَيَنبَغِي هُنا بَيانُ الفَرقِ بَينَ الخاطِرِ وَالهَمِّ وَالعَزمِ. فَالخاطِرُ ما يَخطُرُ فِي القَلبِ وَيَمرُّ بِلا استِقرارٍ. وَأَمّا الهَمُّ فَهُوَ تَرَدُّدٌ فِي القَلبِ بَينَ الفِعلِ وَالتَّركِ، وَقَد يَكونُ صاحِبُهُ أَميَلَ إِلَى الفِعلِ، وَلَكِنَّهُ لَم يَصِل إِلَى العَزمِ الجازِمِ. وَأَمّا العَزمُ فَهُوَ التَّصميمُ المُؤَكَّدُ عَلَى الفِعلِ. فَمَن هَمَّ بِمَعصِيَةٍ هَمًّا لَم يَصِل إِلَى العَزمِ، ثُمَّ تَرَكَهَا، فَهٰذا لا يُؤاخَذُ عَلَى مُجَرَّدِ ذٰلِكَ الهَمِّ، أَمّا مَن عَزَمَ عَلى المَعصِيَةِ عَزمًا جازِمًا، فَالعَزمُ عَلَى المَعصِيَةِ مَعصِيَةٌ، وَإِن لَم يَقَعِ الفِعلُ بَعدُ.
وَهٰذا فِي المَعاصِي العَمَلِيَّةِ، أَمّا أُصُولُ الإِيمانِ وَالعَقِيدَةُ فَالأَمرُ فِيها أَعظَمُ؛ فَمَن شَكَّ فِي اللهِ، أَو فِي قُدرَتِهِ، أَو فِي وَحدانِيَّتِهِ، أَو فِي صِدقِ رَسُولِهِ ﷺ، فَهٰذا خَطَرٌ عَظِيمٌ يُناقِضُ أَصلَ الإِيمانِ. وَيُفرَّقُ بَينَ الشَّكِّ وَبَينَ الوَسوَسَةِ؛ فَقَد يَلقي الشَّيطانُ فِي القَلبِ وَسوَسَةً، فَيَكرَهُهَا المُؤمِنُ وَيَدفَعُهَا وَيَستَعِيذُ بِاللهِ، فَهٰذا لا يَضُرُّهُ ما دامَ يَدفَعُها وَلَا يَرضى بِها.
فَمَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿هَمَّت طائِفَتانِ مِنكُم أَن تَفشَلا﴾ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِما هَمٌّ بِالضَّعفِ وَالانسِحابِ، لا أَنَّهُما عَزَمَتا عَلى ذٰلِكَ عَزمًا جازِمًا وَلَا أَنَّهُما فَعَلَتا. وَالفَشَلُ هُنا مَعناهُ الجُبنُ وَالخَورُ وَالضَّعفُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الانسِحابِ مِنَ القِتالِ. وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ هٰذا اللَّفظَ لا يُطلَقُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهُوَ ثابِتٌ مُؤَيَّدٌ مَنصورٌ، عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ أَي أَنَّ اللهَ تَوَلّى هاتَينِ الطّائِفَتَينِ بِلُطفِهِ وَنَصرِهِ، فَصَرَفَ عَنهُما ذٰلِكَ الهَمَّ، وَثَبَّتَهُما مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَم تَخرُجا مِنَ الجَيشِ، وَلَم تَتبَعا رَأسَ المُنافِقِينَ، بَل بَقِيَتا عَلَى الثَّباتِ. وَهٰذا يُناسِبُ قَولَهُ قَبلَ ذٰلِكَ: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ فاللهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما يَقَعُ فِي القُلُوبِ مِن هَمٍّ وَخاطِرٍ وَعَزمٍ، وَهُوَ الَّذِي يَصرِفُ السُّوءَ عَمَّن شاءَ مِن عِبادِهِ.
ثُمَّ أَكمَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَسيرَهُ إِلَى مَوضِعِ المَعرَكَةِ، وَكانَ يَومُ السَّبتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ أُحُدٍ خَلفَهُ، وَجَعَلَ الرُّماةَ عَلَى جَبَلِ عَينَينِ، وَأَمَرَهُم أَمرًا مُؤَكَّدًا أَلَّا يَنزِلُوا عَن مَوضِعِهِم، مَهما رَأَوا مِن تَقَدُّمِ المُسلِمِينَ أَو تَراجُعِهِم. وَفِي ذٰلِكَ دَرسٌ عَظيمٌ فِي وُجُوبِ الثَّباتِ عَلَى أَمرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَلَّا يَتَهاوَنَ المُسلِمُ فِي شَيءٍ مِمّا أَمَرَ بِهِ.
وَقَد جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «الحِجامَةُ رُكنٌ مِن أَركانِ الشِّفاءِ»، وَوَرَدَ عَنهُ النَّهيُ عَنِ الحِجامَةِ فِي بَعضِ الأَيّامِ، وَإِن كانَ فِي بَعضِ طُرُقِ ذٰلِكَ ضَعفٌ، فَقَد ذَكَرَ العُلَماءُ أَنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ الَّذِي لَم يَشتَدَّ ضَعفُهُ يُعمَلُ بِهِ فِي فَضائِلِ الأَعمالِ وَنَحوِها. وَقَد حُكِيَ أَنَّ بَعضَ أَهلِ العِلمِ تَهاوَنَ فِي ذٰلِكَ، فَاحتَجَمَ فِي يَومٍ وَرَدَ النَّهيُ عَنهُ، فَأُصِيبَ بِبَلاءٍ، ثُمَّ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنامِ يُحَذِّرُهُ مِنَ التَّهاوُنِ بِحَدِيثِهِ. فَالمَقصُودُ أَنَّ المُؤمِنَ لا يَتَهاوَنُ بِما بَلَغَهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَيفَ إِذا كانَ الأَمرُ مُتَعَلِّقًا بِمَوقِفِ قِتالٍ وَثَباتٍ وَطاعَةٍ مُباشِرَةٍ؟
وَلَمّا بَدَأَ القِتالُ، كانَ سَيِّدُ الشُّهَداءِ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَبرَزِ أَبطالِ المَعرَكَةِ، فَقاتَلَ قِتالًا شَديدًا، وَقَتَلَ مِنَ المُشرِكِينَ مَن قَتَلَ، وَكانَ لا يَكادُ يَثبُتُ أَمامَهُ أَحَدٌ. وَقَد كانَ يُعرَفُ قَبلَ الإِسلامِ بِقُوَّتِهِ وَشَجاعَتِهِ، حَتّى قِيلَ إِنَّهُ كانَ يَخرُجُ لِصَيدِ الأُسُودِ وَحيدًا، ثُمَّ يَرجِعُ. فَكَيفَ وَقَد أَكرَمَهُ اللهُ بِالإِسلامِ وَنُصرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟
وَفِي أَوَّلِ المَعرَكَةِ ظَهَرَ أَمرُ المُسلِمِينَ، وَبَدَأَ المُشرِكُونَ يَنهَزِمُونَ مِن ساحةِ القِتالِ، فَقَالَ بَعضُ الرُّماةِ الَّذِينَ كانُوا عَلَى الجَبَلِ: قَد انتَهَتِ المَعرَكَةُ، فَلِمَ لا نَنزِلُ وَنُصِيبُ مِنَ الغَنائِمِ؟ فَقالَ لَهُم أَمِيرُهُم عَبدُ اللهِ بنُ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يا قَومِ، أَمَرَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَلَّا نَنزِلَ. فَثَبَتَ مَعَهُ قَلِيلٌ، وَنَزَلَ عَدَدٌ مِنهُم مُخالِفِينَ أَمرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَلَمّا انكَشَفَ مَوضِعُ الرُّماةِ، التَفَّ بَعضُ فُرسانِ المُشرِكِينَ مِن تِلكَ الجِهَةِ، فَقُتِلَ مَن بَقِيَ عَلَى الجَبَلِ، ثُمَّ وَقَعَ الاضطِرابُ فِي صُفُوفِ المُسلِمِينَ، وَكَثُرَ القَتلُ فِيهِم. وَهٰنا يَنبَغِي أَن يُسأَلَ: أَينَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هٰذا المَوقِفِ؟ كانَ ﷺ ثابِتًا فِي أَرضِ القِتالِ، لا يَتَزَلزَلُ وَلَا يَنهَزِمُ، بَل بَقِيَ يُقاتِلُ وَيُثَبِّتُ مَن حَولَهُ.
وَمِن جُملَةِ مَن استُشهِدَ فِي ذٰلِكَ اليَومِ سَيِّدُ الشُّهَداءِ حَمزَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَقَد كانَت هِندُ بنتُ عُتبَةَ تَطلُبُ الثَّأرَ لِمَن قُتِلَ مِن قَومِها يَومَ بَدرٍ، فَحَرَّضَت وَحشِيًّا عَلَى قَتلِ حَمزَةَ، وَوَعَدَتهُ بِالعَطاءِ وَالحُلِيِّ. فَتَرَبَّصَ وَحشِيٌّ بِحَمزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن بَعِيدٍ، حَتّى رَماهُ بِحَربَتِهِ، فَأَصابَهُ فِي مَقتَلٍ، فَاستُشهِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضاهُ.
وَقَد كانَ استِشهادُ حَمزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَشدِّ ما وَقَعَ يَومَ أُحُدٍ عَلَى قَلبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَد زادَ الأَمرَ شِدَّةً ما فَعَلَت هِندُ مِنَ التَّمثِيلِ بِجَسَدِهِ، فَبَقَرَت بَطنَهُ، وَأَخرَجَت كَبِدَهُ، وَحاوَلَت أَن تَلوكَ مِنهَا، فَلَم تَستَطِع أَن تَبتَلِعَها. وَمَعَ ذٰلِكَ كُلِّهِ ثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَصَبَرَ عَلَى ما أَصابَهُ مِن جِراحٍ وَما أَصابَ أَصحابَهُ مِن قَتلٍ وَأَلَمٍ.
وَفِي أَثناءِ المَعرَكَةِ اقتَرَبَ بَعضُ المُشرِكِينَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَماهُ عُتبَةُ بنُ أَبِي وَقّاصٍ، فَأَصابَ رَباعِيَتَهُ الشَّرِيفَةَ وَشَفَتَهُ، وَأَدْمَى وَجهَهُ، وَدَخَلَت حَلْقَتانِ مِنَ المِغفَرِ فِي وَجنَتِهِ ﷺ. فَأَقبَلَ أَبُو عُبَيدَةَ عامِرُ بنُ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَمِينُ هٰذِهِ الأُمَّةِ، يُحاوِلُ إِخراجَ الحَلْقَتَينِ مِن وَجهِ النَّبِيِّ ﷺ بِرِفقٍ وَمَحَبَّةٍ، فَجَذَبَهُما بِأَسنانِهِ، فَسَقَطَت ثَنِيَّتاهُ، وَازدادَ بِذٰلِكَ جَمالًا، وَكانَ ذٰلِكَ مِن بَرَكَةِ خِدمَتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
ثُمَّ أَشاعَ بَعضُ المُشرِكِينَ، وَمِنهُمُ ابنُ قَمِئَةَ، أَنَّهُ قَتَلَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَانتَشَرَتِ الشّائِعَةُ فِي أَرضِ المَعرَكَةِ، وَاضطَرَبَ بَعضُ المُسلِمِينَ. فَكانَ مِن أَهلِ الثَّباتِ مَن قالَ لِمَن وَهَنَ: إِن كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَد قُتِلَ، فَما تَصنَعُونَ بِالحَياةِ بَعدَهُ؟ ارجِعُوا فَمُوتُوا عَلَى ما ماتَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَهٰذا مِن كَمالِ المَحَبَّةِ وَالثَّباتِ وَصِدقِ الإِيمانِ.
وَقَد وَقَفَت هِندُ بنتُ عُتبَةَ بَعدَ ما وَقَعَ ما وَقَعَ، تَتَغَنّى بِما تَراهُ ثَأرًا لَهَا، وَتَذكُرُ يَومَ بَدرٍ وَمَن قُتِلَ فِيهِ مِن قَومِها. فَرَدَّت عَلَيهَا بَعضُ نِساءِ المُسلِمِينَ بِكَلِماتٍ فِيهَا تَثبِيتٌ وَبَيانٌ لِذُلِّ المُشرِكِينَ وَإِن ظَنُّوا أَنَّ لَهُم عِزًّا. وَكَذٰلِكَ قالَ عَبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَرثِي حَمزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَيُبَيِّنُ عِظَمَ المُصابِ، وَمِمّا نُسِبَ إِلَيهِ فِي ذٰلِكَ:
بَكَت عَينِي وَحَقَّ لَها بُكاها ~ وَما يُغنِي البُكاءُ وَلَا العَوِيلُ
عَلَى أَسَدِ الإِلٰهِ غَداةَ قالُوا ~ أَحَمزَةُ ذاكُمُ الرَّجُلُ القَتِيلُ
أُصِيبَ المُسلِمُونَ بِهِ جَمِيعًا ~ هُناكَ وَقَد أُصِيبَ بِهِ الرَّسُولُ
أَبا يَعلَى لَكَ الأَركانُ هُدَّت ~ وَأَنتَ الماجِدُ البَرُّ الوَصُولُ
عَلَيكَ سَلامُ رَبِّكَ فِي جِنانٍ ~ مُخالِطُها نَعِيمٌ لا يَزُولُ
وَفِي هٰذَا كُلِّهِ عِبرَةٌ لِلمُؤمِنِينَ: فَطاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ سَبَبُ النَّجاةِ، وَمُخالَفَتُهُ سَبَبُ البَلاءِ، وَالتَّوكُّلُ عَلَى اللهِ عِمادُ الثَّباتِ، وَاللهُ تَعالى وَلِيُّ المُؤمِنِينَ وَناصِرُهُم إِذا صَدَقُوا وَثَبَتُوا. فَما يَدَّعِيهِ أَعداءُ الإِسلامِ مِن عِزٍّ وَقُوَّةٍ هُوَ ذُلٌّ فِي الحَقِيقَةِ إِذا كانَ عَلَى كُفرٍ وَظُلمٍ وَعُدوانٍ، وَالعِزَّةُ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلمُؤمِنِينَ.