بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ [آل عمران: ١٢٣]
﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
هٰذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن سُورَةِ آلِ عِمرانَ تَذكُرُ غَزوَةً مُبارَكَةً، هِيَ مِن أَعظَمِ مَشاهِدِ القِتالِ الَّتِي كانَت مَعَ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، وَهِيَ غَزوَةُ بَدرٍ الكُبرى. وَيَحسُنُ قَبلَ الدُّخُولِ فِي تَفاصِيلِ مَعناها أَن يُذكَرَ أَنَّ حَياةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلَّها كانَت جِهادًا فِي سَبِيلِ اللهِ؛ جِهادًا بِالبَيانِ وَالدَّعوَةِ وَالتَّعلِيمِ، ثُمَّ جِهادًا بِالسِّنانِ بَعدَ أَن أَذِنَ اللهُ تَعالى لَهُ بِالقِتالِ، مَعَ استِمرارِ جِهادِ البَيانِ إِلَى أَن توفاه الله تعالى.
فَمِن أَوَّلِ ما نَزَلَ الوَحيُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ يُبَلِّغُ دَعوةَ رَبِّهِ، وَيَدعُو النّاسَ فِي المَواسِمِ، وَيَقولُ: «يا أَيُّها النّاسُ، قُولُوا لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ تُفلِحُوا». فَمَضَى ﷺ صابِرًا مُعَلِّمًا، يُبَيِّنُ تَوحِيدَ اللهِ، وَمَعنى لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ اللهَ تَعالى لا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ، وَأَنَّهُ مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ، وَلَا مَكانٍ، وَلَا زَمانٍ، مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّوجَةِ وَالوَلَدِ، وَالشَّرِيكِ وَالمِثِيلِ، وَكُلِّ ما لا يَليقُ بِجَلالِهِ.
ثُمَّ لَمّا هاجَرَ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَجاءَ الإِذنُ بِالقِتالِ فِي السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجرَةِ، استَمَرَّ جِهادُ البَيانِ وَالتَّعلِيمِ، وَانضَمَّ إِلَيهِ جِهادُ السِّنانِ. وَقَد ذَكَرَ ابنُ سَعدٍ وَغَيرُهُ أَنَّ عَدَدَ البُعُوثِ وَالسَّرايا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَلَغَ سِتًّا وَخَمسِينَ، وَأَنَّ الغَزَواتِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفسِهِ بَلَغَت سَبعًا وَعِشرِينَ غَزوَةً، وَفِي ذٰلِكَ أَقوالٌ لِأَهلِ السِّيَرِ، وَلَعَلَّ هٰذا مِن أَقرَبِها.
وَقَد كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ قَد تَكَلَّمَت عَن غَزوَةِ أُحُدٍ، ثُمَّ جاءَ ذِكرُ بَدرٍ هُنا تَذكِيرًا لِلمُؤمِنِينَ بِمَشهَدٍ عَظِيمٍ مِن مَشاهِدِ نَصرِ اللهِ تَعالى لَهُم، حِينَ كانُوا قِلَّةً فِي العَدَدِ وَالعُدَّةِ، فَنَصَرَهُمُ اللهُ عَلَى عَدُوِّهِم.
وَيَنبَغِي هُنا بَيانُ مَقصِدٍ مُهِمٍّ مِن مَقاصِدِ الجِهادِ بِالسِّنانِ؛ فَلَيسَ الجِهادُ مَشروعًا لِلدِّفاعِ فَقَط. نَعَم، إِذا غَزا العَدُوُّ أَرضَ المُسلِمِينَ، وَدَخَلَ دِيارَهُم، وَانتهَكَ حُرُماتِهِم، وَسَفَكَ دِماءَهُم، صارَ دَفعُهُ فَرضَ عَينٍ عَلَى كُلِّ قادِرٍ بِحَسَبِ قُدرَتِهِ. أَمّا إِذا لَم يَغزُ العَدُوُّ أَرضَ المُسلِمِينَ، فَالجِهادُ يَبقى مَشروعًا، وَيَكونُ فَرضَ كِفايَةٍ، يُقِيمُهُ الإِمامُ أَو مَن يَقومُ مَقامَهُ، عَلَى ما بَيَّنَهُ الفُقَهاءُ، لِنَشرِ دِينِ اللهِ، وَإِعزازِ المُسلِمِينَ، وَإِرهابِ عَدُوِّهِم حَتّى لا يَتَسَلَّطَ عَلَيهِم.
فَالعَدُوُّ لا يَنتَظِرُ إِذنَ المُسلِمِينَ إِذا قَدَرَ عَلَيهِم، بَل يُظهِرُ المُوادَعَةَ مَتى احْتاجَ إِلَيها، ثُمَّ إِذا قَدَرَ بَطَشَ وَلَم يُبالِ. وَلِذٰلِكَ لَم يَكُنِ الجِهادُ فِي الإِسلامِ مُجَرَّدَ دَفعٍ لِعُدوانٍ واقِعٍ، بَل فِيهِ دَفعٌ، وَفِيهِ نَشرٌ لِدِينِ اللهِ، وَإِزالةٌ لِلعَوائِقِ الَّتِي تَمنَعُ النّاسَ مِن سَماعِ الحَقِّ وَالدُّخُولِ فِي الإِسلامِ.
وَقَد أَرادَ أَعداءُ الإِسلامِ أَن يُحَرِّفُوا هٰذا المَعنى، فَتَسَتَّرُوا بِعُنوانِ سَماحَةِ الإِسلامِ، وَلا خِلافَ فِي أَنَّ الإِسلامَ دِينُ سَماحَةٍ وَرَحمَةٍ، وَلٰكِنَّهُم دَسُّوا تَحتَ هٰذا العُنوانِ مَفهومًا فاسِدًا، فَقالُوا: لا جِهادَ إِلَّا إِذا غُزِينَا فَقَط. وَهٰذا مُخالِفٌ لِما دَلَّت عَلَيهِ سِيرَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتارِيخُ الفُتُوحِ الإِسلامِيَّةِ. فَفَتحُ مَكَّةَ، وَفَتحُ الشّامِ، وَفَتحُ العِراقِ، وَفَتحُ بَيتِ المَقدِسِ، وَفَتحُ الأَندَلُسِ، وَفَتحُ السِّندِ، وَغَيرُ ذٰلِكَ مِنَ الفُتُوحِ، شَواهِدُ واضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الجِهادَ كانَ لِإِعلاءِ كَلِمَةِ اللهِ وَنَشرِ دِينِهِ، لا لِلدِّفاعِ فَحَسبُ.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهُم حَتّى لا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. فَالمَقصِدُ الأَعظَمُ أَن يَكونَ الدِّينُ لِلهِ، وَأَن تُزالَ الفِتنَةُ الَّتِي تَصُدُّ النّاسَ عَنِ الإِيمانِ. وَالإِسلامُ رَحمَةٌ؛ لِأَنَّ مَن دَخَلَ فِيهِ وَثَبَتَ عَلَيهِ نالَ السَّعادَةَ الأَبَدِيَّةَ فِي الآخِرَةِ، وَهٰذِهِ أَعظَمُ رَحمَةٍ.
وَلَا يَجوزُ أَن يُكذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيُقالُ إِنَّهُ لَم يَشرَع لِأُمَّتِهِ جِهادَ الفَتحِ وَنَشرِ الإِسلامِ. فَقَد قالَ ﷺ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النّارِ». وَكَمَا لا يَجوزُ الكَذِبُ عَلَيهِ ﷺ، لا يَجوزُ أَن يُقالَ: إِنَّ لِلإِنسانِ حَقًّا فِي أَن يَختارَ الكُفرَ أَو أَن يُقيمَ عَلَيهِ. فَهٰذِهِ عِبارَةٌ باطِلَةٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ العِبادَ وَأَمَرَهُم بِالإِيمانِ، وَلَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَن يَكفُرَ بِاللهِ أَو يَشرِكَ بِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليكفُر﴾ [الكهف: ٢٩] لَيسَ تَخيِيرًا عَلَى وَجهِ الإِباحَةِ، بَل هُوَ تَهديدٌ وَوَعيدٌ، كَما يَدُلُّ عَلَيهِ سِياقُ الآيَةِ. فَلَيسَ كُلُّ أَمرٍ فِي كِتابِ اللهِ يُرادُ بِهِ التَّخيِيرُ وَالإِباحَةُ، بَل قَد يَرِدُ لِلتَّهديدِ وَالوَعيدِ. وَكَذٰلِكَ قَولُهُ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] لَيسَ مَعناهُ أَنَّ لَكُم حَقًّا فِي دِينِكُمُ الباطِلِ، بَل مَعناهُ البَراءَةُ مِن دِينِ الكافِرِينَ، أَي لَكُم دِينُكُمُ الباطِلُ الَّذِي أَبرَأُ مِنهُ، وَلِيَ دِينِيَ الحَقُّ الَّذِي أَثبُتُ عَلَيهِ.
وَمِنَ الكَلِماتِ الحَسَنَةِ فِي هٰذا البابِ ما نُقِلَ عَن أَبِي الفَتحِ البستِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: مِن سَعادَةِ جَدِّكَ وُقُوفُكَ عِندَ حَدِّكَ. وَالمُرادُ بِالجَدِّ هُنا الحَظُّ وَالنَّصِيبُ، أَي إِنَّ مِن أَسبابِ سَعادَتِكَ أَن تَقفَ عِندَ الحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ اللهُ لَكَ، فَلَا تَتَجاوَزَهُ، وَلَا تُفتِيَ بِغَيرِ عِلمٍ، وَلَا تَكذِبَ عَلَى دِينِ اللهِ، وَلَا تَتَكَلَّمَ فِي الشَّرعِ بِما لا تَعلَمُ.
فَمَن تَجاوَزَ حَدَّهُ، وَتَكَلَّمَ عَن سَماحَةِ الإِسلامِ بِفَهمٍ فاسِدٍ، فَقَالَ: إِنَّ الإِسلامَ أَعطَى حُرِّيَّةَ الدِّينِ وَالفِكرِ وَالعَقِيدَةِ بِمَعنى أَنَّ لِلنّاسِ أَن يَكفُرُوا وَيُشرِكُوا بِلا إِنكارٍ، فَقَد أَتى بِكَلامٍ مُنكَرٍ لا يَدُلُّ عَلَيهِ قُرآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا قَولُ إِمامٍ مُعتَبَرٍ مِن أَئِمَّةِ الإِسلامِ. فَالوَاجِبُ الوُقُوفُ عِندَ حَدِّ الشَّرعِ، وَرَدُّ الأَلفاظِ الفاسِدَةِ إِلَى مِيزانِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَبَعدَ هٰذِهِ المُقَدِّمَةِ يَظهَرُ لَنا وَجهُ العِبرَةِ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾. فَالنَّصرُ الَّذِي يُذكَرُ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي آياتِ القُرآنِ، لَيسَ المُرادُ مِنهُ إِمرارَ المَعلُومَةِ فَحَسبُ، بَل فِيهِ حِكَمٌ وَعِبَرٌ وَتَربِيَةٌ لِلأُمَّةِ. وَأُمَّةُ الإِسلامِ تَتَعَرَّضُ عَلَى مَرِّ العُصُورِ لِعَواصِفَ وَقَواصِفَ وَشَدائِدَ، وَنَحنُ اليَومَ نَرى ما يَجري لِأَهلِنا فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ مِن مَجازِرَ وَجِراحٍ وَهَدمٍ وَحِصارٍ وَجُوعٍ، حَتّى يَسقُطَ فِي يَومٍ واحِدٍ أَعدادٌ كَبيرَةٌ مِن شُهَداءَ وَجَرحى، ثُمَّ يَمُرُّ الخَبَرُ عِندَ كَثيرٍ مِنَ النّاسِ كَأَنَّهُ خَبَرٌ عابِرٌ.
فَنَحنُ فِي حاجَةٍ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى هٰذِهِ الآياتِ، لِأَنَّ فِيها تَذكِيرًا بِأَلَّا يَيأَسَ المُؤمِنُونَ مِن نَصرِ اللهِ وَرَحمَتِهِ. فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ مَعناهُ: نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم قِلَّةٌ فِي العَدَدِ وَالعُدَّةِ. وَلَيسَ المَعنى أَنَّهُم أَذِلَّةٌ فِي دِينِهِم أَو قَدرِهِم؛ فَأَهلُ بَدرٍ فِيهِم سَيِّدُ الخَلقِ ﷺ، وَفِيهِم كِبارُ الصَّحابَةِ، وَهُم مِن أَعَزِّ النّاسِ بِإِيمانِهِم وَطاعَتِهِم لِلهِ.
وَإِذا رَبطنا هٰذِهِ الآيَةَ بِما قَبلَها، وَهُوَ قَولُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ظَهَرَ أَنَّ التَّوكُّلَ عَلَى اللهِ مِفتاحٌ عَظيمٌ مِن مَفاتِيحِ النَّصرِ. فَالمُؤمِنُونَ يَومَ بَدرٍ كانُوا قِلَّةً، وَمَعَ ذٰلِكَ نَصَرَهُمُ اللهُ؛ لأَنَّهُم ثَبَتُوا، وَأَطاعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى رَبِّهِم. وَسَيَأتي بَعدَ ذٰلِكَ فِي السِّياقِ شَرطٌ آخَرُ عَظيمٌ، وَهُوَ الصَّبرُ وَالتَّقوى، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿بَلى إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥].
فَالدَّرسُ الأَعظَمُ أَنَّ النَّصرَ لَيسَ بِكَثرَةِ العَدَدِ، وَلَا بِكَثرَةِ السِّلاحِ، وَإِنَّما هُوَ مِن عِندِ اللهِ، يُعطِيهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ إِذا أَخَذُوا بِأَسبابِهِ الشَّرعِيَّةِ، مِن إِيمانٍ، وَتَوَكُّلٍ، وَصَبرٍ، وَتَقوى، وَطاعَةٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَد كانَت بَدرٌ قَبلَ أُحُدٍ، وَلٰكِنَّ ذِكرَها بَعدَ آياتِ أُحُدٍ فِيهِ تَذكِيرٌ لِلمُؤمِنِينَ بِأَنَّ اللهَ نَصَرَهُم وَهُم قِلَّةٌ حِينَ ثَبَتُوا عَلَى الطّاعَةِ، وَأَنَّ ما وَقَعَ فِي أُحُدٍ مِن قَتلٍ وَجِراحٍ كانَ مِن أَسبابِهِ مُخالَفَةُ بَعضِ الرُّماةِ لأَمرِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَفِي هٰذا تَربِيَةٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ: فَلا يَستَهِن بِمَعصِيَةٍ، وَلَا يَقُل عَنها: هِيَ يَسِيرَةٌ أَو بَسيطَةٌ، فَإِنَّ العَبدَ لا يَنبَغِي أَن يَنظُرَ إِلَى صِغَرِ المَعصِيَةِ، بَل إِلَى عَظَمَةِ الخالِقِ الَّذِي عَصاهُ. وَقَد يَجرُّ التَّهاوُنُ بِأَمرٍ واحِدٍ مِن أَوامِرِ النَّبِيِّ ﷺ بَلاءً عَظِيمًا عَلَى الفَردِ أَو عَلَى الأُمَّةِ، كَما وَقَعَ فِي أُحُدٍ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ بَعضِ الرُّماةِ.
وَمِن أَعظَمِ أَوامِرِ النَّبِيِّ ﷺ طَلَبُ العِلمِ الشَّرعِيِّ الواجِبِ؛ فَقَد قالَ ﷺ: «يا أَيُّهَا النّاسُ، تَعَلَّمُوا، إِنَّما العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالفِقهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّههُ فِي الدِّينِ». وَقالَ ﷺ: «طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ». فَهُناكَ قَدرٌ مِن عِلمِ الدِّينِ فَرضُ عَينٍ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ، يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَتَعَلَّمَهُ، مِن أَصلِ العَقِيدَةِ وَمَعنى الشَّهادَتَينِ، وَتَنزِيهِ اللهِ تَعالى عَنِ الزَّمانِ وَالمَكانِ وَالشَّبيهِ وَالجِسمِيَّةِ وَالأَعضاءِ وَالقُعودِ وَالجلوسِ وَالتَّغَيُّرِ وَالكَمِّيَّةِ وَالأَينِيَّةِ، وَغَيرِ ذٰلِكَ مِمّا يَجِبُ اعْتِقادُهُ.
وَكَذٰلِكَ يَجبُ عَلَيهِ أَن يَتَعَلَّمَ ما تَصِحُّ بِهِ صَلاتُهُ وَطَهارَتُهُ وَصِيامُهُ، وَما يَحتَاجُ إِلَيهِ فِي زَكاتِهِ وَحَجِّهِ وَعُمرَتِهِ وَمُعامَلاتِهِ، بِحَسَبِ حالِهِ. فَمَن كانَ يَبيعُ وَيَشتَرِي، وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَتَعَلَّمَ أَحكامَ البَيعِ وَالشِّراءِ الَّتِي يَحتَاجُ إِلَيها، وَمَن دَخَلَ فِي إِجارَةٍ أَو شَراكَةٍ أَو مُعامَلَةٍ مالِيَّةٍ، وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَعرِفَ ما يَحِلُّ وَما يَحرُمُ فِيهَا. وَكَذٰلِكَ يَجِبُ أَن يَتَعَلَّمَ مَعاصِي الجَوارِحِ، كَمَعاصِي العَينِ وَاللِّسانِ وَالأُذُنِ وَاليَدِ وَالرِّجلِ وَالبَطنِ وَالقَلبِ، كَالعُجبِ وَالحَسَدِ وَالرِّياءِ، وَيَتَعَلَّمَ أَحكامَ التَّوبَةِ؛ لأَنَّ التَّوبَةَ فَرضُ عَينٍ مِن كُلِّ ذَنبٍ.
فَمَن خالَفَ أَمرَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرَكَ هٰذا الفَرضَ العَينِيَّ، عَرَّضَ نَفسَهُ لِلشُّؤمِ وَالبَلاءِ، إِلَّا أَن يَتَدارَكَهُ اللهُ بِرَحمَتِهِ. فَالمَعصِيَةُ لَيسَت أَمرًا هَيِّنًا، وَمِن شُؤمِها أَنَّها قَد تُذهِبُ عَنِ العَبدِ نِعَمًا، أَو تُوقِعُهُ فِي ذُلٍّ أَو فَضيحَةٍ، وَقَد يَبقى بَعضُ النّاسِ عَلَى ظاهِرِ صَلاحٍ أَمامَ الخَلقِ، ثُمَّ يُفضَحُ سُوءُ باطِنِهِ عِندَ المَوتِ إِن لَم يَتُب إِلَى اللهِ.
فَإِذا كانَت مُخالَفَةُ بَعضِ الرُّماةِ فِي أُحُدٍ قَد تَرتَّبَ عَلَيهَا ما تَرتَّبَ مِن قَتلٍ وَجِراحٍ، فَلْيَحذَرِ المُسلِمُ مِن كُلِّ مُخالَفَةٍ لأَمرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلْيَعلَم أَنَّ طاعَتَهُ ﷺ سَبَبُ العِزِّ وَالنَّصرِ، وَأَنَّ مُخالَفَتَهُ سَبَبُ البَلاءِ وَالخِذلانِ.
وَبَدرٌ اسْمُ ماءٍ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَهُوَ إِلى جِهَةِ طَرِيقِ السّاحِلِ، وَيَبعُدُ عَنِ المَدِينَةِ مَسافَةً تُقارِبُ مِئَةً وَسَبعِينَ كِيلُومِترًا، عَلَى وَجهِ التَّقرِيبِ. وَقَد كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَدرٍ مَنازِلُ وَمَواقِفُ، وَمِنها مَوضعٌ يُعرَفُ بِفَجِّ الرَّوحاءِ، وَقَد وَرَدَ فِيهِ ذِكرٌ فِي بَعضِ الأَحادِيثِ.
وَمِن ذٰلِكَ ما رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِي عِيسى بنِ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلامُ: «لَيَهبِطَنَّ عِيسى بنُ مَريَمَ حَكَمًا مُقسِطًا وَإِمامًا عَدلًا، وَلَيَسلُكَنَّ فَجَّ الرَّوحاءِ حاجًّا أَو مُعتَمِرًا، وَلَيَأتِيَنَّ قَبرِي حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيَّ، وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيهِ السَّلامَ». وَفِي هٰذا بَيانٌ لِفَضلِ زِيارَةِ قَبرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ سَيَنزِلُ فِي آخِرِ الزَّمانِ، لا بِشَرعٍ جَدِيدٍ، بَل حاكِمًا بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَعِيسى عَلَيهِ السَّلامُ لَم يُقتَل وَلَم يُصلَب، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلٰكِن شُبِّهَ لَهُم﴾ [النساء: ١٥٧]، بَل رَفَعَهُ اللهُ تَعالى، وَهُوَ الآنَ فِي السَّماءِ الثّانِيَةِ يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلائِكَةِ. وَفِي آخِرِ الزَّمانِ يَنزِلُ، وَيُصَلِّي خَلفَ إِمامِ المُسلِمِينَ، وَيَتبَعُ شَرِيعَةَ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ يَلحَقُ الدَّجّالَ عِندَ بابِ لُدٍّ فَيَقتُلُهُ، وَفِي ذٰلِكَ بُشرى لِلمُؤمِنِينَ بِأَنَّ بَيتَ المَقدِسِ وَتِلكَ الأَرضَ المُبارَكَةَ سَتَرجِعُ لِأَهلِ الإِيمانِ بِإِذنِ اللهِ تَعالى.
فَمِن ذِكرِ بَدرٍ، وَمِن مَواقِفِ الطَّرِيقِ إِلَيها، وَمِن مَشاهِدِ السِّيرَةِ كُلِّها، يَتَعَلَّمُ المُؤمِنُ أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ، وَأَنَّ الأُمُورَ بِخَواتِيمِها، وَأَنَّ ما أَخبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ. فَكَم أَخبَرَ ﷺ عَن فُتُوحٍ وَأُمُورٍ وَقَعَت بَعدَهُ بِقُرونٍ، كَفَتحِ القُسطنطِينِيَّةِ، فَتَحَقَّقَ خَبَرُهُ. وَكَذٰلِكَ ما أَخبَرَ بِهِ مِن نُزُولِ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ وَقَتلِهِ الدَّجّالَ سَيَقَعُ لا مَحالَةَ.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ يَجمَعُ لِلمُؤمِنِينَ مَعانِيَ الثِّقَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالثَّباتِ، وَيُعَلِّمُهُم أَنَّ القِلَّةَ لا تَمنَعُ النَّصرَ إِذا صَدَقَ الإِيمانُ، وَأَنَّ الكَثرَةَ لا تَنفَعُ إِذا وُجِدَتِ المُخالَفَةُ وَالتَّقصِيرُ. فَعَلَى المُسلِمِينَ أَن يَرجِعُوا إِلَى اللهِ، وَأَن يَثبُتُوا عَلَى طاعَتِهِ، وَأَن يَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ، وَأَن يَتَّقُوهُ لِيَكونُوا مِنَ الشّاكِرِينَ.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
لَمّا ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِنَصرِهِ لَهُم يَومَ بَدرٍ مَعَ قِلَّتِهِم، أَمَرَهُم بِالتَّقوى، فَقالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾. أَي اتَّقُوا اللهَ بِأَداءِ ما أَوجَبَ عَلَيكُم، وَاجتِنابِ ما حَرَّمَ عَلَيكُم، حَتّى تَكونُوا مِنَ الشّاكِرِينَ لِنِعمَةِ النَّصرِ وَالهِدايَةِ. فَالشُّكرُ لَيسَ بِاللِّسانِ فَحَسبُ، بَل هُوَ بِطاعَةِ اللهِ، وَحِفظِ أَوامِرِهِ، وَعَدَمِ مُخالَفَةِ رَسُولِهِ ﷺ.
هٰذِهِ الآياتُ فِي الكَلامِ عَن غَزوَةِ بَدرٍ الكُبرى، الَّتِي كانَت فِي السّابِعِ عَشَرَ مِن شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وَكانَت غَزوَةً فاصِلَةً أَظهَرَ اللهُ تَعالى فِيها عِزَّ المُسلِمِينَ، وَنَصَرَ نَبِيَّهُ ﷺ وَأَصحابَهُ بَعدَ ما نالَهُم مِن أَذى المُشرِكِينَ فِي مَكَّةَ ما نالَهُم.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ مَعناهُ أَنَّ اللهَ تَعالى نَصَرَكُم يَومَ بَدرٍ وَأَنتُم قِلَّةٌ فِي العَدَدِ وَالعُدَّةِ. وَقَد قِيلَ: إِنَّ بَدرًا نُسِبَت إِلَى بِئرٍ يُقالُ لَها بَدرٌ، وَقِيلَ: بَل نُسِبَت إِلَى رَجُلٍ كانَ هُناكَ اسمُهُ بَدرٌ، وَقِيلَ غَيرُ ذٰلِكَ. وَالعِبرَةُ هُنا بِما أَظهَرَهُ اللهُ فِيهَا مِن نَصرٍ عَظِيمٍ لِأَهلِ الإِيمانِ.
وَأَمّا قَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ فَلَيسَ مَعناهُ أَنَّهُم أَذِلَّةٌ فِي دِينِهِم أَو قَدرِهِم، فَالمُسلِمُ عَزِيزٌ بِإِيمانِهِ، وَأَهلُ بَدرٍ فِيهِم سَيِّدُ الخَلقِ ﷺ، وَفِيهِم كِبارُ الصَّحابَةِ وَأَولِياءُ اللهِ. وَإِنَّما المَعنى أَنَّهُم كانُوا قِلَّةً فِي العَدَدِ، فَقَد كانَ عَدَدُهُم يَومَ بَدرٍ ثَلاثَمِئَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ عَلَى المَشهُورِ. وَقَد تَكَرَّرَ هٰذا العَدَدُ فِي بَعضِ المَواطِنِ، فَقِيلَ إِنَّ جَيشَ طالُوتَ لَمّا قاتَلَ جالُوتَ كانَ عَلَى هٰذا العَدَدِ أَيضًا.
فَالمُسلِمُونَ أَعِزَّاءُ بِإِيمانِهِم وَإِن قَلَّ عَدَدُهُم، وَالكافِرُونَ هُمُ الأَذِلَّةُ فِي الحَقِيقَةِ وَإِن كَثُرَ عَدَدُهُم وَقَوِيَ سُلطانُهُم؛ لِأَنَّ المُؤمِنَ مَآلُهُ إِلَى الجَنَّةِ بِفَضلِ اللهِ، وَأَمّا الكافِرُ الَّذِي يَمُوتُ عَلَى الكُفرِ فَمَآلُهُ إِلَى جَهَنَّمَ، خالِدًا فِيها أَبَدًا، لا يَخرُجُ مِنها وَلَا يَنجُو مِن عَذابِها.
وَإِن طالَ الكَربُ وَالبَلاءُ عَلَى المُسلِمِ فِي هٰذِهِ الدُّنيا، كَما نَرى مِن بَلاءٍ شَديدٍ يَنزِلُ بِأَهلِنا فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، مِن قَصفٍ وَمَجازِرَ وَجُوعٍ وَهَدمٍ وَتَشرِيدٍ، فَإِنَّ المُؤمِنَ إِذا ثَبَتَ عَلَى الإِيمانِ، فَنِهايَتُهُ إِلَى الخَيرِ. وَقَد تَرى مِن أَهلِ البَلاءِ مَن يَصبرُ وَيَصُومُ وَيُصَلِّي التَّراوِيحَ عَلَى أَنقاضِ المَساجِدِ، فَهٰذا مِن عِزِّ الإِيمانِ وَثَباتِ القُلوبِ.
وَالمُسلِمُ، وَإِن ماتَ عاصِيًا مُرتَكِبًا لِلكَبائِرِ مِن غَيرِ تَوبَةٍ، فَهُوَ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى؛ إِن شاءَ عَذَّبَهُ، وَإِن شاءَ عَفا عَنهُ، ثُمَّ مَآلُهُ إِلَى الجَنَّةِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَخرُجُ قَومٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ». أَمّا الكافِرُ فَلا نَصِيبَ لَهُ مِن هٰذِهِ الشَّفاعَةِ النّاجِيَةِ، وَلا يَخرُجُ مِنَ النّارِ إِن ماتَ عَلَى الكُفرِ.
فَيَجِبُ التَّنبِيهُ إِلَى خَطَرِ ما يَصدُرُ عَن بَعضِ المُتَكَلِّمِينَ بِغَيرِ عِلمٍ، إِذ يُهَوِّنُونَ مِن شَأنِ الكُفرِ، أَو يُوهِمُونَ أَنَّ مآلَ الكافِرِينَ لَيسَ إِلَى النّارِ إِن ماتُوا عَلَى كُفرِهِم. وَهٰذا باطِلٌ مُخالِفٌ لِنُصُوصِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، فَالكافِرُ الَّذِي تَمُوتُ رُوحُهُ عَلَى الكُفرِ يَبدَأُ عَذابُهُ مِن وَقتِ قَبضِ رُوحِهِ، ثُمَّ يَستَمِرُّ بَلاؤُهُ فِي بَرزَخِهِ وَفِي آخِرَتِهِ، وَالعِياذُ بِاللهِ.
وَعَذابُ القَبرِ حَقٌّ ثابِتٌ، وَمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ فَلا رَاحَةَ لَهُ بَعدَ المَوتِ، بَل هُوَ فِي عَذابٍ إِلَى ما لا نِهايَةَ لَهُ. أَمّا المُؤمِنُ فَمَآلُهُ إِلَى الجَنَّةِ، إِمّا مِن غَيرِ سابِقِ عَذابٍ، وَإِمّا بَعدَ عَذابٍ إِن شاءَ اللهُ ذٰلِكَ لِمَن كانَ مِن أَهلِ الكَبائِرِ وَلَم يَعفُ عَنهُ.
وَعِندَ الكَلامِ عَنِ الجِهادِ وَعَن غَزوَةٍ مُبارَكَةٍ كَغَزوَةِ بَدرٍ، يَنبَغِي أَلَّا يَتَسَرَّبَ إِلَى قُلوبِ المُؤمِنِينَ خَوفٌ مِن مَعنى الشَّهادَةِ أَو المَوتِ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَالمَوتُ آتٍ لا مَحالَةَ؛ قَد يَمُوتُ الإِنسانُ فِي طَرِيقٍ، أَو عَلَى فِراشِهِ، أَو فِي مَرضٍ، أَو فِي مُستَشفى، أَو بِسَبَبٍ لا يَخطُرُ لَهُ عَلَى بالٍ. فَإِذا كانَ المَوتُ لا بُدَّ مِنهُ، فَما أَعظَمَ أَن يَكونَ العَبدُ ثابِتًا عَلَى طاعَةِ اللهِ، ناصِرًا لِدِينِهِ، صابِرًا مُحتَسِبًا.
فَلَمّا قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾، كانَ فِي ذٰلِكَ تَنبيهٌ إِلَى أَنَّ قِلَّةَ العَدَدِ لا تَمنَعُ النَّصرَ إِذا صَدَقَ التَّوكُّلُ وَثَبَتَتِ الطّاعَةُ. وَلٰكِنَّ لِلنَّصرِ مِفتاحًا عَظيمًا، بَيَّنَهُ اللهُ تَعالى بَعدَ ذٰلِكَ فَقالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾.
فَالتَّقوى هِيَ السِّرُّ العَظيمُ فِي طَرِيقِ النَّصرِ، وَمَعناها أَداءُ الواجباتِ وَاجتِنابُ المُحَرَّماتِ. وَنَحنُ اليَومَ لا نَشتَكِي مِن قِلَّةِ عَدَدِ المُسلِمِينَ، فَأَعدادُهُم كَثِيرَةٌ، وَلٰكِنَّ السُّؤالَ: أَينَ الصَّبرُ؟ وَأَينَ التَّقوى؟ وَأَينَ التَّمَسُّكُ بِأَمرِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ؟ فَإِذا حَصَلَتِ التَّقوى، هَيَّأَ اللهُ تَعالى أَسبابَ النَّصرِ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ العِبادُ.
وَاللهُ سُبحانَهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، يَنصُرُ مَن يَشاءُ بِما شاءَ مِنَ الأَسبابِ. وَقَد يَجعلُ لِلعَدُوِّ أَسبابَ هَلاكِهِ مِن حَيثُ لا يَظُنُّ. وَفِي قِصَّةِ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ مَعَ النُّمرُودِ عِبرَةٌ فِي ذٰلِكَ؛ فَلَمّا تَجَبَّرَ النُّمرُودُ وَأَظهَرَ جُندَهُ وَادَّعى ما ادَّعى، أَهلَكَ اللهُ جُندَهُ بِأَمرٍ مِن أَضعَفِ خَلقِهِ، وَسَلَّطَ عَلَيهِ ما أَذَلَّهُ وَأَوجَعَهُ، لِيُعلَمَ أَنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِلهِ، وَأَنَّهُ إِذا أَرادَ إِهلاكَ ظالِمٍ أَهلَكَهُ بِأَسبَابٍ لا تَخطُرُ عَلَى قَلبِهِ.
فَالنَّصرُ لا يُطلَبُ بِالتَّمَنِّي، بَل يُطلَبُ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ، وَتَحقيقِ التَّقوى، وَالثَّباتِ عَلَى طاعَةِ اللهِ، وَالأَخذِ بِالأَسبابِ المَشروعةِ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّكرَ الحَقِيقِيَّ يَكونُ بِالتَّقوى؛ فَمَن شَكَرَ اللهَ عَلَى نِعمَةِ النَّصرِ وَالهِدايَةِ، لَزِمَ طاعَتَهُ وَاجتَنَبَ مَعصِيَتَهُ.