بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
يَأمُرُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالمُسارَعَةِ إِلى مَغفِرَتِهِ وَجَنَّتِهِ، وَمَعنى المُسارَعَةِ هُنا الإِقبالُ عَلَى ما يُوصِلُ إِلَيهِما مِنَ الإِيمانِ وَالطّاعَةِ وَالتَّوبَةِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ. فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم﴾ أَي أَقبِلُوا، يا عِبادَ اللهِ، عَلَى أَسبابِ مَغفِرَةِ اللهِ، مِنَ الاستِغفارِ الصّادِقِ، وَالتَّوبَةِ النَّصوحِ، وَأَداءِ الواجباتِ، وَاجتِنابِ المُحَرَّماتِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَنَّةٍ﴾ أَي وَسارِعُوا إِلى ما يَكونُ سَبَبًا لِدُخولِ الجَنَّةِ، وَهِيَ دارُ النَّعيمِ الأَبَدِيِّ الَّتِي أَعَدَّها اللهُ لِأَهلِ الإِيمانِ وَالتَّقوى. وَلا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا المُؤمِنُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفسٌ مُؤمِنَةٌ». فَلا يُسمَّى العَبدُ مُؤمِنًا عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا إِذا آمَنَ بِاللهِ تَعالى، وَصَدَّقَ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاعْتَقَدَ مَعنى الشَّهادَتَينِ، وَنَطَقَ بِهِما إِن كانَ داخِلًا فِي الإِسلامِ بَعدَ كُفرٍ.
فَلا يَصِحُّ أَن يُسمَّى مُكَذِّبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُؤمِنًا، وَلَا أَن يُقالَ عَن مَن لَم يُصَدِّق بِمُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّهُ مُؤمِنٌ بِاللهِ عَلَى الوَجهِ النّاجِي؛ لأَنَّ الإِيمانَ لا يَتَحَقَّقُ مَعَ تَكذِيبِ رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللهِ، فَكَيفَ بِتَكذِيبِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ ﷺ؟ وَمِن هُنا يَجِبُ الحَذَرُ مِن تَساهُلِ بَعضِ النّاسِ فِي أَلفاظِ الدِّينِ، فَيُطلِقُونَ لَفظَ الإِيمانِ عَلَى مَن يُكَذِّبُ نَبِيَّنا ﷺ، وَهٰذا لا يَجوزُ.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ التَّفسيرِ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾ أَقوالًا تَرجِعُ إِلى أَسبابِ المَغفِرَةِ وَدُخولِ الجَنَّةِ؛ فَقِيلَ: المُرادُ الصَّلَواتُ الخَمسُ، وَقِيلَ: المُرادُ إِدراكُ التَّكبِيرَةِ الأُولى، وَقِيلَ: المُرادُ التَّوبَةُ وَالإِخلاصُ وَالطّاعَةُ وَالجَماعَاتُ. وَهٰذِهِ المَعانِي كُلُّها داخِلَةٌ فِي بابِ المُسارَعَةِ إِلى الخَيرِ، لأَنَّ العِبرَةَ بِالإِقبالِ عَلَى كُلِّ ما يُرضِي اللهَ وَيُقرِّبُ مِن مَغفِرَتِهِ وَجَنَّتِهِ.
وَمِن أَعظَمِ ما يَدخُلُ فِي ذٰلِكَ الصَّلَواتُ الخَمسُ، فَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَعناها إِنَّهَا كَفّاراتٌ لِما بَينَهُنَّ إِذا اجتُنِبَتِ الكَبائِرُ. فَالمُفَرِّطُ فِي الصَّلاةِ مُفَرِّطٌ فِي أَمرٍ عَظِيمٍ، وَالتَّهاوُنُ فِيهَا خَطَرٌ كَبِيرٌ؛ لأَنَّ المَعاصِي بَريدُ الكُفرِ، وَقَد تَجُرُّ صاحِبَها، وَالعِياذُ بِاللهِ، إِلى ما هُوَ أَعظَمُ مِنها.
وَتارِكُ الصَّلاةِ تَكاسُلًا عاصٍ عِندَ جُمهُورِ العُلَماءِ، واقِعٌ فِي كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، يَستَحِقُّ العَذابَ فِي القَبرِ وَالنّارِ إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ، وَلٰكِنَّهُ لا يُحكَمُ بِكُفرِهِ لِمُجرَّدِ التَّركِ كَسَلًا مَعَ اعتِقادِهِ وُجُوبَ الصَّلاةِ. أَمّا مَن استَحَلَّ تَركَ الصَّلاةِ، أَو جَحَدَ وُجُوبَها، فَهُوَ كافِرٌ بِإِجماعِ المُسلِمِينَ؛ لأَنَّهُ جَحَدَ أَمرًا مَعلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ.
وَقَد وَرَدَ فِي التَّغليظِ فِي تَركِ الصَّلاةِ قَولُهُ ﷺ: «العَهدُ الَّذِي بَينَنا وَبَينَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَرَ». وَمَعنى ذٰلِكَ عِندَ مَن لا يُكَفِّرُ تارِكَ الصَّلاةِ كَسَلًا أَنَّهُ وَقَعَ فِي ذَنبٍ عَظِيمٍ يُشبِهُ أَفعالَ الكُفّارِ، لا أَنَّهُ يَخرُجُ مِنَ الدِّينِ بِمُجرَّدِ التَّركِ كَسَلًا. فَيُقالُ لِتارِكِها: تُب إِلى اللهِ فَورًا، وَاقضِ ما فاتَكَ، وَاحذَر مِنَ التَّهاوُنِ فِي أَمرِ عَمُودِ الدِّينِ.
وَمِن صُوَرِ التَّهاوُنِ فِي الصَّلاةِ ما يَقَعُ مِن بَعضِ النّاسِ فِي الأَسواقِ وَالمَجامِعِ وَالحَفَلاتِ وَالأَعراسِ وَمَواطِنِ التَّخرُّجِ وَنَحوِها، إِذ يُقَدِّمُونَ أَمرَ الدُّنيا عَلَى الصَّلاةِ حَتّى يَخرُجَ وَقتُها. فَالصَّلاةُ أَعظَمُ مِنَ السُّوقِ، وَأَعظَمُ مِن شِراءِ الثِّيابِ، وَأَعظَمُ مِن حُضُورِ الحَفَلاتِ، وَمَن عَلِمَ قَدرَها لَم يُضَيِّعها لِمَتاعٍ زائِلٍ.
وَقَد قالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَن جَمَعَ بَينَ صَلاتَينِ مِن غَيرِ عُذرٍ فَقَد أَتى بابًا مِنَ الكَبائِرِ. فَلا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أَن يَجمَعَ بَينَ الصَّلَواتِ بِغَيرِ عُذرٍ شَرعِيٍّ. وَالأَعذارُ الَّتِي يُرخَّصُ بِها فِي الجَمعِ مَعروفةٌ عِندَ الفُقَهاءِ؛ فَمِنها السَّفَرُ الطَّوِيلُ غَيرُ سَفَرِ المَعصِيَةِ، وَمِنها المَطَرُ عَلَى تَفصِيلٍ، وَمِنها المَرَضُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ أَداءُ كُلِّ صَلاةٍ فِي وَقتِها. وَالجَمعُ يَكونُ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ تَقديمًا أَو تَأخِيرًا، وَبَينَ المَغرِبِ وَالعِشاءِ تَقديمًا أَو تَأخِيرًا، أَمّا الفَجرُ فَلَا تُجمَعُ مَعَ غَيرِها.
وَأَمّا قَصرُ الصَّلاةِ فَلا يَكونُ إِلَّا فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ المُباحِ، عَلَى ما فَصَّلَهُ الفُقَهاءُ، وَتُحسَبُ مَسافَةُ السَّفَرِ مِن مُفارَقَةِ العُمرانِ إِلى بَدءِ عُمرانِ البَلَدِ المَقصُودِ. فَهٰذِهِ الأَحكامُ لَها ضَوابِطُها، وَلَيسَ لِلعَبدِ أَن يَترُكَ الصَّلاةَ أَو يُؤَخِّرَها عَن وَقتِها لِغَيرِ عُذرٍ، ثُمَّ يَعتَذِرَ بِأُمُورِ الدُّنيا.
وَمَن فاتَتهُ صَلاةٌ وَجَبَ عَلَيهِ قَضاؤُها، سَواءٌ فاتَتهُ بِعُذرٍ كَنَومٍ أَو نِسيانٍ، أَو فاتَتهُ بِغَيرِ عُذرٍ. فَمَن نامَ مِنَ اللَّيلِ وَغَلَبَهُ النَّومُ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمسُ، فَلا إِثمَ عَلَيهِ إِن كانَ لَم يَتَعَمَّدِ التَّفريطَ، وَلٰكِن يَجِبُ عَلَيهِ قَضاءُ صَلاةِ الفَجرِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيسَ فِي النَّومِ تَفرِيطٌ»، وَقالَ ﷺ: «مَن نامَ عَن صَلاةٍ أَو نَسِيَها فَليُصَلِّها إِذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها إِلَّا ذٰلِكَ».
وَإِذا فاتَتِ الصَّلاةُ بِعُذرٍ، فَالقَضاءُ واجِبٌ، وَلٰكِن لا يَلزَمُ عِندَ بَعضِ أَهلِ العِلمِ أَن يَكونَ عَلَى الفَورِ، مَعَ أَنَّ المُبادَرَةَ إِلَيهِ أَفضَلُ وَأَحزَمُ؛ لأَنَّ الإِنسانَ لا يَدرِي مَتى يَأتيهِ المَوتُ. أَمّا مَن تَرَكَ الصَّلاةَ عَمدًا بِغَيرِ عُذرٍ، فَيَجبُ عَلَيهِ أَن يَتُوبَ فَورًا، وَأَن يُعَجِّلَ قَضاءَها، فَلا يَجوزُ لَهُ أَن يُؤَخِّرَ القَضاءَ بِغَيرِ عُذرٍ.
وَمَن كانَت عَلَيهِ صَلَواتٌ كَثِيرَةٌ فاتَتهُ فِي سَنَواتٍ ماضِيَةٍ، فَعَلَيهِ أَن يَجتَهِدَ فِي قَضائِها كُلِّها، وَلَو كانَت عِشرِينَ سَنَةً أَو ثَلاثِينَ، عَلَى قَدرِ ما يَغلِبُ عَلَى ظَنِّهِ. وَقَد شَدَّدَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي ذٰلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّ مَن تَرَكَ الصَّلَواتِ بِغَيرِ عُذرٍ يَشتَغِلُ بِالقَضاءِ في جَميعِ وَقتِهِ إِلَّا ما يَحتاجُ إِلَيهِ لِأُمُورِهِ الضَّرُورِيَّةِ. فَمَن كانَ عَلَيهِ قَضاءُ فَرائِضَ، فَلْيُقدِّمِ القَضاءَ عَلَى النَّوافِلِ، كَتَحِيَّةِ المَسجِدِ، وَالضُّحى، وَالتَّراوِيحِ، وَغَيرِها؛ لأَنَّ الفَرضَ أَولَى مِنَ النَّفلِ.
وَقَد قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ ما مَعناهُ: مَن شَغَلَهُ الفَرضُ عَنِ النَّفلِ فَهُوَ مَعذُورٌ، وَمَن شَغَلَهُ النَّفلُ عَنِ الفَرضِ فَهُوَ مَغرُورٌ. فَلَو دَخَلَ إِنسانٌ المَسجِدَ وَعَلَيهِ قَضاءُ صَلاةٍ مَكتُوبَةٍ تَرَكَها بِغَيرِ عُذرٍ، فَالأَولى أَن يَشتَغِلَ بِقَضاءِ الفَرضِ، لا أَن يَتنَفَّلَ وَالفَرضُ في ذِمَّتِهِ.
وَمَن حَجَّ حَجًّا مَبرُورًا، أَو قالَ أَذكارًا عَظِيمَةَ الفَضلِ، أَو عَمِلَ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، فَإِنَّ ذٰلِكَ يَكونُ سَبَبًا لِمَحوِ الذُّنُوبِ بِفَضلِ اللهِ، وَلٰكِنَّهُ لا يُسقِطُ عنهُ ما في ذِمَّتِهِ مِن قَضاءِ صَلَواتٍ أَو صِيامٍ أَو زَكاةٍ أَو كَفّاراتٍ أَو حُقوقِ عِبادٍ. فَالنَّبِيُّ ﷺ قالَ في الصَّلاةِ الفائِتَةِ: «لا كَفّارَةَ لَها إِلَّا ذٰلِكَ»، أَي إِلَّا قَضاؤُها. فَلا يَكفِي أَن يَقولَ العَبدُ: تُبتُ، ثُمَّ يَترُكَ القَضاءَ وَالحُقوقَ الواجِبَةَ عَلَيهِ.
وَمِنَ المُسارَعَةِ إِلى المَغفِرَةِ وَالجَنَّةِ أَن يُبادِرَ المُسلِمُ إِلى الصَّلاةِ إِذا سَمِعَ النِّداءَ، وَأَن يَحرِصَ عَلَى الجَماعَةِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ وَإِدراكِ تَكبِيرَةِ الإِحرامِ مَعَ الإِمامِ. فَإِذا قالَ المُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، فَمَعناهُ أَقبِلُوا إِلى الصَّلاةِ، أَقبِلُوا إِلى سَبَبِ الفَلاحِ. فَمَن سَمِعَ النِّداءَ، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيهِ مَتاعَ الدُّنيا مِن غَيرِ عُذرٍ، فَقَد فَاتَهُ مِنَ الخَيرِ بِقَدرِ تَقصِيرِهِ.
وَقَد كانَ بَعضُ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ يَحزَنُ حُزنًا شَدِيدًا إِذا فاتَتهُ الصَّلاةُ في الصَّفِّ الأَوَّلِ، حَتّى كانَ النّاسُ يُعَزُّونَهُ فِي ذٰلِكَ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ هِمَّتِهِم فِي الطّاعَةِ، وَحِرصِهِم عَلَى المُسارَعَةِ إِلى الخَيراتِ. أَمّا مَن يَتَعَمَّدُ التَّأَخُّرَ حَتّى يَدرِكَ آخِرَ الصَّلاةِ، أَو يَتَرَبَّصُ بِالإِمامِ حَتّى يَركَعَ ثُمَّ يَدخُلُ مَعَهُ، فَهٰذا لَيسَ مِن شَأنِ أَهلِ المُسارَعَةِ.
وَمِن جُملَةِ المُسارَعَةِ أَيضًا التَّبكِيرُ إِلى صَلاةِ الجُمُعَةِ، فَالمُؤمِنُ يُبادِرُ إِلى المَسجِدِ، وَيَغتَنِمُ وَقتَهُ في الذِّكرِ وَالصَّلاةِ وَقِراءَةِ القُرآنِ، ولا يَتَأَخَّرُ إِلى آخِرِ الوَقتِ مِن غَيرِ عُذرٍ. فَهٰذَا كُلُّهُ داخِلٌ في قَولِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾.
وَقَد يَدخُلُ في المُسارَعَةِ أَيضًا التَّوبَةُ العاجِلَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَلا يَقولُ العَبدُ: أَتُوبُ غَدًا، أَو بَعدَ أَن أَكبَرَ، أَو بَعدَ أَن أَفرُغَ مِن شَهوَاتِي؛ فَالمَوتُ لا يَنتَظِرُ أَحَدًا، وَقَد يُدرِكُ الإِنسانُ شُروقَ الشَّمسِ وَلَا يُدرِكُ غُروبَها. فَالمُسارِعُ إِلى مَغفِرَةِ رَبِّهِ هُوَ الَّذِي يُبادِرُ إِلى التَّوبَةِ، وَيُقضِي ما عَلَيهِ مِنَ الفَرائِضِ، وَيَرُدُّ الحُقوقَ إِلى أَهلِها، وَيَطلُبُ رِضا اللهِ قَبلَ أَن يَفُوتَ الأَوانُ.
﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾ فِيهِ بَيانٌ لِسَعَةِ الجَنَّةِ وَعِظَمِها، فَعَرضُها كَعَرضِ السَّماواتِ وَالأَرضِ، فَكَيفَ بِطُولِها وَما أَعَدَّ اللهُ فِيهَا مِن أَنواعِ النَّعيمِ؟ وَالجَنَّةُ دارُ النَّعيمِ المُقيمِ، لا مَوتَ فِيهَا، وَلَا مَرَضَ، وَلَا هَمَّ، وَلَا حُزنَ، وَلَا تَعَبَ، بَل نَعِيمٌ لا يَفنى، وَسُرورٌ لا يَنقَطِعُ.
فَمَن عَرَفَ قَدرَ الجَنَّةِ هانَت عَلَيهِ شَهَواتُ الدُّنيا، وَمَن تَفَكَّرَ في سَعَتِها وَدَوامِ نَعِيمِها، سَارَعَ إِلى أَسبابِها، وَصَبَرَ عَلَى الطّاعَةِ، وَصَبَرَ عَنِ المَعصِيَةِ، وَصَبَرَ عَلَى البَلاءِ، رَجاءَ ما أَعَدَّهُ اللهُ لِلمُتَّقِينَ.
﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجَنَّةَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ، كَما أَنَّ النّارَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى في النّارِ: ﴿أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. فَالجَنَّةُ أُعِدَّت وَهُيِّئَت لِلمُتَّقِينَ، أَي لِمَن اتَّقَوا الكُفرَ وَالشِّركَ، وَأَدَّوا ما أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِم، وَاجتَنَبُوا ما حَرَّمَهُ عَلَيهِم.
فَالمُتَّقُونَ هُم أَهلُ الإِيمانِ الَّذِينَ يَخافُونَ رَبَّهُم، وَيَلتَزِمُونَ طاعَتَهُ، وَيَحذَرُونَ مَعصِيَتَهُ. وَأَوَّلُ التَّقوى وَأَعظَمُها الإِيمانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَالثَّباتُ عَلَى الإِسلامِ إِلى المَماتِ. ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ تَكونُ التَّقوى بِأَداءِ الفرائِضِ وَاجتِنابِ المُحَرَّماتِ، وَالمُسارَعَةِ إِلى مَغفِرَةِ اللهِ وَجَنَّتِهِ.
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
المُسارَعَةُ هِيَ المُبادَرَةُ وَالمُسابَقَةُ إِلى ما يُرضِي اللهَ تَعالى، وَإِلى ما يَكونُ سَبَبًا لِنَيلِ مَغفِرَتِهِ وَدُخولِ جَنَّتِهِ. فَقولُهُ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾ يَدلُّ عَلَى أَنَّ العَبدَ لا يَنبَغِي لَهُ أَن يَتَثاقَلَ عَن أَبوابِ الخَيرِ، بَل يُبادِرُ إِلَيها، وَيُسابِقُ فِيهَا، وَيَغتَنِمُ فُرَصَ الطّاعَةِ قَبلَ أَن تَفوتَهُ.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ التَّفسيرِ في بَيانِ هٰذِهِ المُسارَعَةِ أَقوالًا مُتَعَدِّدَةً، فَقِيلَ: المُرادُ بِهَا الصَّلَواتُ الخَمسُ؛ لِأَنَّهَا مِن أَعظَمِ الأَسبابِ الَّتِي تُقَرِّبُ صاحِبَها مِنَ الجَنَّةِ. وَقِيلَ: المُرادُ إِدراكُ التَّكبِيرَةِ الأُولى مَعَ الإِمامِ في صَلاةِ الجَماعَةِ. وَقِيلَ: تَدخُلُ فِيهَا الطّاعَةُ، وَالإِخلاصُ، وَالتَّوبَةُ، وَالجُمُعَةُ، وَالجَماعَاتُ. وَكُلُّ هٰذِهِ المَعانِي صَحِيحَةٌ مِن جِهَةِ أَنَّهَا داخِلَةٌ في أَسبابِ المَغفِرَةِ وَالجَنَّةِ.
فَإِذا لَم يُسارِعِ العَبدُ إِلى الجَنَّةِ، فَإِلى أَيِّ شَيءٍ يُسارِعُ؟ وَإِذا لَم يُبادِر إِلى مَغفِرَةِ رَبِّهِ، فَبِأَيِّ عَمَلٍ يَشتَغِلُ؟ فَالعاقِلُ مَن جَعَلَ هَمَّهُ في نَجاةِ نَفسِهِ، وَسَعَى إِلى ما يَستُرُ اللهُ بِهِ ذُنُوبَهُ، وَيَغفِرُ بِهِ زَلّاتِهِ، وَيَرفَعُ بِهِ دَرَجاتِهِ.
وَمِن لَطِيفِ ما قِيلَ في مَعنى الآيَةِ: سارِعُوا إِلى ما يَستُرُ عَلَيكُم ذُنُوبَكُم، وَيُقَرِّبُكُم مِن رَحمَةِ رَبِّكُم. فَالمَغفِرَةُ تَتَضَمَّنُ سَترَ الذَّنبِ وَالعَفوَ عَنهُ، وَالعَبدُ مُحتاجٌ إِلى ذٰلِكَ في كُلِّ وَقتٍ؛ لِكَثرَةِ تَقصِيرِهِ، وَضَعفِهِ، وَحاجَتِهِ إِلى فَضلِ اللهِ.
وَلَمّا كانَتِ الآياتُ قَبلَ ذٰلِكَ قَد نَهَت عَنِ الرِّبا، في قولِهِ تَعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا الرِّبا أَضعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، دَخَلَ في مَعنى المُسارَعَةِ أَن يُبادِرَ مَن وَقَعَ في الرِّبا إِلى التَّوبَةِ مِنْهُ. فَمَن كانَ آخِذًا لِلرِّبا، أَو داخِلًا في مُعامَلَةٍ رِبَوِيَّةٍ، فَلْيُسارِع إِلى التَّوبَةِ، وَلْيَخرُج مِن ذٰلِكَ الحَرامِ قَبلَ أَن يُؤخَذَ عَلَى غِرَّةٍ.
وَالتَّوبَةُ لَها أُصُولٌ لا بُدَّ مِنها: النَّدَمُ عَلَى الذَّنبِ، وَالإِقلاعُ عَنهُ، وَالعَزمُ عَلَى أَلَّا يَعودَ إِلَيهِ. فَإِذا تَعَلَّقَ الذَّنبُ بِحَقٍّ مِن حُقُوقِ العِبادِ، وَجَبَ رَدُّ الحَقِّ إِلى صاحِبِهِ، أَو استِحلالُهُ مِنهُ. فَمَن أَقرَضَ غَيرَهُ قَرضًا رِبَوِيًّا، وَاشتَرَطَ عَلَيهِ زِيادَةً، ثُمَّ تابَ إِلى اللهِ، فَلَهُ رَأسُ مالِهِ فَقَط، وَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَرُدَّ الزِّيادَةَ الَّتِي أَخَذَها إِلى صاحِبِها؛ لأَنَّها مالٌ حَرامٌ لا يَحِلُّ لَهُ تَمَلُّكُهُ.
وَيَدخُلُ في المُسارَعَةِ إِلى المَغفِرَةِ وَالجَنَّةِ كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلى اللهِ تَعالى. فَالعَمَلُ الصّالِحُ بابُهُ واسِعٌ: مِن قِيامٍ لِصَلاةِ الفَجرِ، وَمُكثٍ بَعدَها في الذِّكرِ وَالاستِغفارِ حَتّى صَلاةِ الضُّحى، وَمِن حُسنِ مُعامَلَةِ الأَهلِ وَالجِيرانِ وَالإِخوانِ، وَمِن إِطعامِ الطَّعامِ، وَالتَّبكِيرِ إِلى المَسجِدِ يَومَ الجُمُعَةِ، وَحُضُورِ مَجالِسِ عِلمِ الدِّينِ، وَسَماعِ القُرآنِ وَتَعَلُّمِهِ.
وَيَومُ الجُمُعَةِ يَومٌ مُبارَكٌ، وَهُوَ عِيدُ المُسلِمِينَ، كَما كانَ يَقولُ عُمَرُ الفارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَمِنَ المُسارَعَةِ في هٰذا اليَومِ أَن يُبَكِّرَ المُؤمِنُ إِلى المَسجِدِ، وَأَن يَحضُرَ مَجلِسَ العِلمِ إِن تَيَسَّرَ لَهُ، وَأَن يَستَعِدَّ لِخُطبَةِ الجُمُعَةِ وَصَلاتِها بِقَلبٍ حاضِرٍ.
وَلٰكِنَّ العَمَلَ لا يَكونُ صالِحًا مَقبُولًا إِلّا إِذا كانَ مُوافِقًا لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، مَعَ الإِخلاصِ لِلهِ تَعالى. فَقَد رَوى مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ عَمَلٍ لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنا فَهُوَ رَدٌّ». فَهٰذِهِ قاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ، مَعناها أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ كانَ مُخالِفًا لِشَرعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُوَ مَردُودٌ عَلَى صاحِبِهِ، لا يَكونُ عَمَلًا صالِحًا، وَلا يُقَرِّبُهُ إِلى اللهِ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رُبَّ صائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن صِيامِهِ إِلَّا الجُوعُ وَالعَطَشُ، وَرُبَّ قائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن قِيامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالتَّعَبُ». فَالصِّيامُ وَالصَّلاةُ مِن أَعظَمِ الأَعمالِ، وَلٰكِن إِذا فُقِدَ شَرطُ الصِّحَّةِ أَو وُجِدَ مُبطِلٌ مِنَ المُبطِلاتِ، لَم يَنتَفِع صاحِبُ العَمَلِ بِصُورَتِهِ. فَمَن صَلّى وَلَم يَتَعَلَّم أَركانَ الصَّلاةِ، فَتَرَكَ رُكنًا مِن أَركانِها، لَم تَصِحَّ صَلاتُهُ، وَلَو كانَت صُورَتُهُ صُورَةَ المُصَلِّي.
وَكَذٰلِكَ الطَّهارَةُ؛ فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمانِ». فَلَو أَرادَ إِنسانٌ أَن يُسارِعَ إِلى المَسجِدِ، فَتَوَضَّأَ بِعَجَلَةٍ، فَتَرَكَ شَيئًا مِن وَجهِهِ لَم يَغسِلْهُ، أَو مَسَحَ رِجلَهُ مَسحًا وَلَم يَغسِلْها غَسلًا، فَلا تَصِحُّ طَهارَتُهُ، وَإِذا لَم تَصِحَّ طَهارَتُهُ لَم تَصِحَّ صَلاتُهُ. فَالمُسارَعَةُ إِلى الخَيرِ لا تَعنِي التَّهاوُنَ بِالعِلمِ وَالشُّرُوطِ، بَل تَعنِي المُبادَرَةَ إِلى عَمَلٍ صَحِيحٍ مُوافِقٍ لِلشَّرعِ.
وَكَذٰلِكَ مَن أَرادَ الحَجَّ إِلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِن تَعَلُّمِ أَحكامِهِ قَبلَ الدُّخولِ في النُّسُكِ. فَيَعرِفُ هَل يُرِيدُ حَجًّا مُفرَدًا أَو قارِنًا أَو مُتَمَتِّعًا، وَيَعرِفُ أَركانَ الحَجِّ وَواجباتِهِ، وَما يَبطُلُ بِهِ النُّسُكُ، وَما يَجبُ بِتَركِ واجِبٍ مِن واجِباتِهِ. فَمَن تَرَكَ رُكنًا لَم يَصِحَّ حَجُّهُ، وَمَن تَرَكَ واجِبًا لَزِمَهُ ما يَلزَمُهُ في الفِقهِ. فَالمَحَبَّةُ وَالشَّوقُ إِلى مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ لا يُغنِيانِ عَن تَعَلُّمِ الحُكمِ الشَّرعِيِّ.
وَمِن هُنا يَظهَرُ أَنَّ طَلَبَ عِلمِ الدِّينِ مِن أَعظَمِ ما يَدخُلُ في المُسارَعَةِ إِلى المَغفِرَةِ وَالجَنَّةِ؛ لأَنَّ العَمَلَ لا يَستَقِيمُ إِلَّا بِالعِلمِ. وَقَد قالَ العَلّامَةُ الدّمياطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في «إِعانَةِ الطّالِبِينَ»: العِلمُ نُورٌ مُبِينٌ، وَالجَهلُ بِئسَ القَرِينُ. فَالجَهلُ يُفسِدُ عَلَى العَبدِ دِينَهُ، وَرُبَّما أَوقَعَهُ في مُبطِلٍ لِعَمَلِهِ وَهُوَ لا يَشعُرُ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ». وَالمُرادُ بِهٰذا عِلمُ الدِّينِ الَّذِي يَجبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَن يَتَعَلَّمَهُ، مِن أُصُولِ العَقِيدَةِ، وَأَحكامِ الطَّهارَةِ وَالصَّلاةِ وَالصِّيامِ وَالزَّكاةِ لِمَن وَجَبَت عَلَيهِ، وَالحَجِّ لِمَن أَرادَهُ، وَأَحكامِ المُعامَلاتِ لِمَن يَتَعاطاها، وَمَعاصِي القَلبِ وَاللِّسانِ وَسائِرِ الجَوارِحِ. فَكَيفَ يُشمِّرُ العَبدُ إِلى الجَنَّةِ وَهُوَ مُعرِضٌ عَن تَعَلُّمِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إِلَيها؟
وَمِن مَعانِي المُسارَعَةِ ما ذَكَرَهُ بَعضُ السَّلَفِ مِنَ المُبادَرَةِ إِلى الصَّفِّ المُتَقَدِّمِ في الصَّلاةِ، وَإِلى إِدراكِ التَّكبِيرَةِ الأُولى، وَإِلى التَّبكِيرِ لِلجُمُعَةِ وَالجَماعَةِ. فَقَد قِيلَ عَنِ الضَّحّاكِ رَحِمَهُ اللهُ إِنَّهُ جَعَلَ مِنَ المُسارَعَةِ إِلى النَّجاةِ الأَكبَرِ التَّقَدُّمَ إِلى الصَّفِّ الأَوَّلِ في الصَّلاةِ. فَمَن سَمِعَ النِّداءَ، فَلْيُبادِر، وَلَا يَكُن مِنَ المُتَأَخِّرِينَ عَن أَبوابِ الخَيرِ.
وَقِيلَ أَيضًا: مِنَ المُسارَعَةِ أَن يَكونَ العَبدُ في الصَّفِّ المُتَقَدِّمِ في قِتالِ الكُفّارِ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ؛ لِأَنَّ الجِهادَ رَحمَةٌ وَإِعزازٌ لِلدِّينِ، وَنُصرَةٌ لِشَرعِ اللهِ تَعالى. وَالجِهادُ نَوعانِ: جِهادٌ بِالسِّنانِ، وَجِهادٌ بِالبَيانِ، وَمَن وَفَّقَهُ اللهُ لِلجَمعِ بَينَهُما فَقَد نالَ شَرَفًا عَظِيمًا.
فَإِن لَم يَستَطِعِ العَبدُ أَن يَكونَ في الصُّفُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في جِهادِ السِّنانِ، فَلَا يَفُوتَنَّهُ جِهادُ البَيانِ. وَجِهادُ البَيانِ يَكونُ بِنَشرِ عِلمِ الدِّينِ، وَتَعلِيمِ النّاسِ عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ، وَالدِّفاعِ عَن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَالتَّحذِيرِ مِن أَهلِ البِدَعِ وَالإِلحادِ وَالضَّلالِ وَالزَّندَقَةِ، وَبَيانِ أَحكامِ الشَّرِيعَةِ لِمَن يَحتاجُ إِلَيها.
فَإِذا أُتِيحَ لِلمُؤمِنِ أَن يَنصَحَ مُسلِمًا، أَو يُعَلِّمَهُ حُكمًا مِن أَحكامِ الدِّينِ، أَو يُبَيِّنَ لَهُ مَسأَلَةً في صَلاتِهِ أَو طَهارَتِهِ أَو مُعامَلَتِهِ، فَلْيَغتَنِم ذٰلِكَ، وَلَا يَتَأَخَّر عَن هٰذِهِ القُربَةِ إِذا كانَ أَهلًا لِلبَيانِ. فَلَا يُؤثِرُ غَيرَهُ عَلَى نَفسِهِ في القُرَبِ، بَل يُبادِرُ إِلى الخَيرِ، وَيَرجُو بِذٰلِكَ الدُّخولَ في قَولِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾.
وَيَدُلُّ عَلَى شَرَفِ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ وَنُصرَتِهِ بِالبَيانِ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «المُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِندَ فَسادِ أُمَّتِي لَهُ أَجرُ شَهِيدٍ». وَالسُّنَّةُ في أَصلِ خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ تُطلَقُ عَلَى الشَّرِيعَةِ، أَي عَلَى العَقِيدَةِ وَالأَحكامِ، لا عَلَى النَّوافِلِ فَقَط، كَما استَقرَّ في اصطِلاحِ الفُقَهاءِ. فَمَن تَمَسَّكَ بِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ عِندَ فَسادِ النّاسِ، وَثَبَتَ عَلَى عَقِيدَتِهِ وَأَحكامِهِ، فَلَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ عِندَ اللهِ.
وَقَد رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما في قَولِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم﴾ أَنَّهُ قالَ: أَي إِلى الإِسلامِ، وَرُوِيَ عَنهُ أَيضًا أَنَّهُ قالَ: إِلى التَّوبَةِ. وَهٰذا مَعنى عَظِيمٌ؛ فَمَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ، فَتَوبَتُهُ الدُّخولُ في الإِسلامِ، وَلا يَكونُ ذٰلِكَ إِلّا بِالنُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ، فَيَقولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، بِنِيَّةِ الدُّخولِ في الإِسلامِ، مَعَ اعتِقادِ مَعناهُما.
فَمَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ لا يَدخُلُ في الإِسلامِ بِمُجرَّدِ قَولِهِ: أَستَغفِرُ اللهَ، وَلَا بِالاغتِسالِ، وَلَا بِصَلاةِ رَكعَتَينِ، بَل لا بُدَّ مِنَ الشَّهادَتَينِ. وَقَد نَقَلَ الإِمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ الإِجماعَ عَلَى أَنَّ الدُّخولَ في الإِسلامِ يَكونُ بِالنُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ. فَلَو سَمِعَ المُسلِمُ شَخصًا يَسُبُّ اللهَ، وَالعِياذُ بِاللهِ، أَو يَسُبُّ نَبِيًّا مِنَ الأَنبِياءِ، أَو يَستَهزِئُ بِالصَّلاةِ أَو الأَذانِ أَو شَيءٍ مِمّا عَظَّمَهُ اللهُ، فَلْيُبادِر إِلى أَمرِهِ بِالرُّجوعِ إِلى الإِسلامِ بِالشَّهادَتَينِ، إِن كانَ يَغلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقبَلُ مِنهُ النُّصحَ.
وَلا يَكفِي في مِثلِ هٰذِهِ الحالِ أَن يُقالَ لَهُ: استَغفِرِ اللهَ، بَل يُقالُ لَهُ: ارجِع إِلى الإِسلامِ، وَقُل: أَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، بِنِيَّةِ الدُّخولِ في الإِسلامِ. ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ يُؤمَرُ بِالتَّوبَةِ وَالاستِغفارِ وَقَضاءِ ما يَلزَمُهُ مِن أَحكامِ الشَّرعِ.
وَكَذٰلِكَ إِذا جاءَ إِنسانٌ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ، فَقالَ: أُرِيدُ أَن أَدخُلَ في الإِسلامِ، وَجَبَ أَن يُبادَرَ بِتَلقِينِهِ الشَّهادَتَينِ، وَلَا يَجوزُ تَأخِيرُهُ بِقَولِ: اذهَب فَفَكِّر أَيّامًا، أَو ائتِ بِشُهودٍ، أَو صَوِّر وَثائِقَكَ أَوَّلًا؛ لأَنَّ تَأخِيرَ دُخولِهِ في الإِسلامِ تَأخِيرٌ لَهُ عَنِ النَّجاةِ، وَرِضًا بِبَقائِهِ عَلَى الكُفرِ في تِلكَ اللَّحظَةِ، وَاللهُ تَعالى قالَ: ﴿وَلا يَرضى لِعِبادِهِ الكُفرَ﴾ [الزمر: ٧]. فَإِذا أَسلَمَ، بَعدَ ذٰلِكَ تُرتَّبُ الأُمُورُ الأُخرى مِن تَعلِيمٍ وَتَوثِيقٍ وَغَيرِ ذٰلِكَ.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّهُ لَو كانَ الخَطِيبُ عَلَى المِنبَرِ يَخطُبُ، فَقالَ لَهُ إِنسانٌ: أُرِيدُ أَن أَدخُلَ في الإِسلامِ، قَطَعَ الخُطبَةَ وَأَمَرَهُ بِالشَّهادَتَينِ. وَلَو كانَ المُسلِمُ في صَلاةِ نافِلَةٍ أَو فَريضَةٍ، فَجاءَهُ مَن يَطلُبُ الدُّخولَ في الإِسلامِ، وَاحتاجَ إِلى تَلقِينِهِ الشَّهادَتَينِ، قَطَعَ الصَّلاةَ لِذٰلِكَ، ثُمَّ أَعادَها؛ لأَنَّ في ذٰلِكَ إِنقاذًا لِنَفسٍ مِنَ الكُفرِ.
وَقَد قالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ في تَفسيرِ المُسارَعَةِ إِلى المَغفِرَةِ: هِيَ أَداءُ الفَرائِضِ. وَقالَ أَبُو العالِيَةِ رَحِمَهُ اللهُ: هِيَ الهِجرَةُ، أَي حِينَ كانَتِ الهِجرَةُ واجِبَةً في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقالَ أَنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: هِيَ التَّكبِيرَةُ الأُولى. فَهٰذِهِ الأَقوالُ كُلُّها تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُسارَعَةَ تَشمَلُ أَنواعَ الطّاعَاتِ وَأَسبابَ النَّجاةِ.
وَأَمّا مَن قالَ مِن أَهلِ الباطِلِ: ﴿وَقالُوا لَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إِلّا مَن كانَ هُودًا أَو نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، فَقَد رَدَّ اللهُ عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿تِلكَ أَمانِيُّهُم قُل هاتُوا بُرهانَكُم إِن كُنتُم صادِقِينَ بَلى مَن أَسلَمَ وَجهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحسِنٌ فَلَهُ أَجرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١-١١٢]. فَالجَنَّةُ لا يَدخُلُها إِلّا المُؤمِنُونَ، وَمَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ، أَو اعتَقَدَ في اللهِ الوَلَدَ أَو الزَّوجَةَ أَو التَّثلِيثَ، أَو كَذَّبَ رَسُولَ اللهِ مُحَمَّدًا ﷺ، فَلَيسَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ إِن ماتَ عَلَى ذٰلِكَ.
﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
هٰذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي أَمَرَنا اللهُ أَن نُسارِعَ إِلى أَسبابِها جَنَّةٌ عَظِيمَةٌ، عَرضُها السَّماواتُ وَالأَرضُ، فَكَيفَ بِما فِيهَا مِنَ النَّعيمِ وَالدَّرَجاتِ وَالكَراماتِ؟ وَقَد أَعَدَّ اللهُ فِيهَا لِعِبادِهِ المُؤمِنِينَ ما لا عَينٌ رَأَت، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ. فَمَن تَفَكَّرَ في سَعَةِ الجَنَّةِ وَدَوامِ نَعِيمِها، هانَت عَلَيهِ لَذّاتُ الدُّنيا المُحَرَّمَةُ، وَسارَعَ إِلى الطّاعَةِ، وَصَبَرَ عَنِ المَعصِيَةِ.
﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ أَي هُيِّئَت لِأَهلِ التَّقوى، وَأَوَّلُ التَّقوى الإِيمانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ أَداءُ الفَرائِضِ وَاجتِنابُ المُحَرَّماتِ. فَمَن أَرادَ الجَنَّةَ فَلْيُسارِع إِلى أَسبابِها، وَلْيَدخُل مِن بابِ العِلمِ وَالعَمَلِ، وَالتَّوبَةِ وَالإِخلاصِ، وَالجَماعَةِ وَالصَّلاةِ، وَنُصرَةِ الدِّينِ بِالبَيانِ وَالعَمَلِ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى أَعَدَّ الجَنَّةَ لِلمُتَّقِينَ.
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
أَمَرَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى عِبادَهُ بِالمُسارَعَةِ وَالمُسابَقَةِ إِلى طَلَبِ مَغفِرَتِهِ وَجَنَّتِهِ. وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ لِلمُسارَعَةِ مَعانِيَ كَثِيرَةً ذَكَرَها أَهلُ العِلمِ وَالتَّفسيرِ، مِنها المُسارَعَةُ إِلى فِعلِ الخَيراتِ وَالصّالِحاتِ عُمومًا، وَالمُبادَرَةُ إِلى مَجالِسِ العِلمِ، وَالإِسراعُ إِلى الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَالحِرصُ عَلَى صَلاةِ الجَماعَةِ، وَإِدراكُ تَكبِيرَةِ الإِحرامِ مَعَ الإِمامِ، وَالمُسارَعَةُ إِلى الصَّدَقَةِ، وَالإِخلاصِ، وَسائِرِ أَبوابِ الطّاعَةِ.
فَكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يُقَرِّبُ العَبدَ مِن رِضا اللهِ، وَيَكونُ سَبَبًا لِمَغفِرَتِهِ وَدُخولِ جَنَّتِهِ، فَهُوَ داخِلٌ فِي هٰذِهِ المُسارَعَةِ. وَإِذا كانَتِ المُسارَعَةُ إِلى أُمورِ الدُّنيا مَطلوبَةً عِندَ أَهلِها لِمَصالِحَ زائِلَةٍ، فَالمُسارَعَةُ إِلى الجَنَّةِ أَولى وَأَعظَمُ؛ لأَنَّهَا دارُ النَّعيمِ المُقِيمِ الَّذِي لا يَفنى وَلَا يَنقَطِعُ.
﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾ فِيهِ بَيانٌ لِسَعَةِ الجَنَّةِ وَعِظَمِها. فَعَرضُها كَعَرضِ السَّماواتِ السَّبعِ وَالأَراضِينَ السَّبعِ إِذا ضُمَّ بَعضُها إِلى بَعضٍ، عَلَى ما ذُكِرَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما؛ أَي تُقرَنُ السَّماواتُ السَّبعُ وَالأَراضُونَ السَّبعُ، كَما تُقرَنُ الثِّيابُ بَعضُها إِلى بَعضٍ، فَيَكونُ ذٰلِكَ عَرضَ الجَنَّةِ.
فَلَيسَ المَعنى أَنَّ عَرضَ الجَنَّةِ هُوَ عَرضُ هٰذِهِ السَّماءِ الدُّنيا الَّتِي نَراها، بَل المَعنى أَنَّ عَرضَها كَعَرضِ السَّماواتِ السَّبعِ وَالأَراضِينَ السَّبعِ إِذا اتَّصَلَ بَعضُها بِبَعضٍ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجَنَّةَ واسِعَةٌ جِدًّا، عَظِيمَةُ المِقدارِ، لا تُقاسُ بِما يَعرِفُهُ النّاسُ مِن سَعَةِ الدُّنيا.
وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ السَّماواتِ واسِعَةٌ جِدًّا، وَأَنَّ سُمكَ السَّماءِ الأُولى مَسيرَةُ خَمسِمِئَةِ سَنَةٍ، وَبَينَ كُلِّ سَماءٍ وَسَماءٍ مَسيرَةُ خَمسِمِئَةِ سَنَةٍ، وَهٰكَذا إِلى السَّماءِ السّابِعَةِ. وَالسَّماءُ مَسكَنُ المَلائِكَةِ، كَما أَنَّ الأَرضَ مَسكَنٌ لِبَنِي آدَمَ.
وَيَجِبُ التَّنبِيهُ هُنا إِلى أَنَّ السَّماءَ مَسكَنُ المَلائِكَةِ، لا مَسكَنٌ لِلهِ تَعالى؛ فَاللهُ سُبحانَهُ لا يَسكُنُ سَماءً، وَلَا أَرضًا، وَلَا عَرشًا، وَلَا كُرسِيًّا، وَلَا يَحُلُّ فِي إِنسٍ وَلَا جِنٍّ، لأَنَّهُ خالِقُ المَكانِ وَالزَّمانِ وَالعَرشِ وَالكُرسِيِّ وَالسَّماواتِ وَالأَرضِ، وَكانَ مَوجُودًا قَبلَ خَلقِ المَكانِ بِلَا مَكانٍ، وَهُوَ الآنَ عَلَى ما عَلَيهِ كانَ، مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وَالحَدِّ وَالكَيفِ وَسائِرِ صِفاتِ المَخلُوقِينَ.
وَقَد كانَ الإِمامُ السَّجّادُ زَينُ العابِدِينَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُما مِن أَكثَرِ النّاسِ عِبادَةً، حَتّى ذُكِرَ أَنَّهُ كانَ يُصَلِّي فِي اللَّيلَةِ أَلفَ رَكعَةٍ. وَكانَ مَعَ كَثرَةِ عِبادَتِهِ حَرِيصًا عَلَى تَعلِيمِ النّاسِ التَّوحِيدَ وَتَنزِيهَ اللهِ، فَكانَ يَمشي فِي عَرَفاتٍ، فِي مَوسِمِ الحَجِّ، وَيُنادي فِي النّاسِ مُعَلِّمًا لَهُم: سُبحانَكَ أَنتَ اللهُ، لا يَحوِيكَ مَكانٌ، وَلَا يَجرِي عَلَيكَ زَمانٌ، سُبحانَكَ أَنتَ اللهُ، لا تُحَسُّ وَلَا تُمَسُّ وَلَا تُجَسُّ.
فَكانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَجمَعُ بَينَ قِيامِ اللَّيلِ وَتَعلِيمِ النّاسِ فِي النَّهارِ، وَلا يُضَيِّعُ وَقتَهُ فِيما لا خَيرَ فِيهِ. وَهٰذا مِن أَعظَمِ ما يُقَدَّمُ لِلنّاسِ فِي مَواسِمِ الخَيرِ، كَالحَجِّ وَغَيرِهِ: تَعلِيمُهُم تَوحِيدَ اللهِ، وَأَنَّهُ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وَأَنَّهُ خَلَقَنا وَلَا يُشبِهُنا، وَخَلَقَ الزَّمانَ وَالمَكانَ، وَهُوَ مَوجُودٌ بِلَا زَمانٍ وَلَا مَكانٍ.
فَاللهُ تَعالى خَلَقَ الأَجسامَ كُلَّها، وَلَيسَ هُوَ جِسمًا. وَالجِسمُ هُوَ ما لَهُ طُولٌ وَعَرضٌ وَسُمكٌ، أَو ما كانَ مُؤَلَّفًا مِن جَوهَرَينِ فَأَكثَرَ، عَلَى ما عَبَّرَ بِهِ بَعضُ أَهلِ العِلمِ. فَمَن اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ جِسمٌ فَلَيسَ عارِفًا بِرَبِّهِ، لأَنَّ الأَجسامَ مَخلُوقَةٌ، وَاللهُ تَعالى لا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ الجَوهَرَ الفَردَ هُوَ أَصغَرُ ما يَنتَهِي إِلَيهِ الجِسمُ عِندَ التَّجزِئَةِ، وَهُوَ جُزءٌ لا يَقبَلُ الانقِسامَ. فَالأَجسامُ كُلُّها مَحدُودَةٌ لَهَا مِقدارٌ وَنِهايَةٌ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِمِقدارٍ﴾ [الرعد: ٨]. فَلا يَصِحُّ أَن يُقالَ: إِنَّ الجِسمَ يَنقَسِمُ إِلى ما لا نِهايَةَ لَهُ؛ لأَنَّ ذٰلِكَ يُؤَدِّي إِلى مَعانٍ فاسِدَةٍ، مِنها تَسويَةُ الجَبَلِ بِالحَصاةِ الصَّغيرَةِ فِي القَبولِ لِلانقِسامِ غَيرِ المُتَناهِي، وَهٰذا لا يَقبَلُهُ العَقلُ.
فَالعَقلُ الصَّحِيحُ شاهِدٌ لِما جاءَ بِهِ الشَّرعُ مِن أَنَّ المَخلُوقاتِ مَحدُودَةٌ مَقدُورَةٌ، وَأَنَّ اللهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدارِ وَالجِسمِيَّةِ وَالتَّركِيبِ. فَهُوَ سُبحانَهُ خالِقُ الجَواهِرِ وَالأَجسامِ وَالأَعراضِ، لا يُشبِهُ شَيئًا مِنها، وَلَا يَحُلُّ فِيهَا.
وَإِذا كانَتِ السَّماواتُ السَّبعُ وَالأَراضُونَ السَّبعُ عَلَى هٰذِهِ السَّعَةِ، فَالجَنَّةُ أَوسَعُ مِن ذٰلِكَ، وَسَقفُ الجَنَّةِ هُوَ العَرشُ، كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ فِي الفِردَوسِ الأَعلى أَنَّ سَقفَهُ عَرشُ الرَّحمنِ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الجَنَّةِ، وَأَنَّهَا فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، لا داخِلَ السَّماءِ وَلَا مَحصُورَةً فِيهَا.
وَكَمَا أَنَّ السَّماواتِ سَبعٌ، فَالأَراضُونَ سَبعٌ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. فَنَحنُ عَلَى الأَرضِ الأُولى، وَلِكُلِّ أَرضٍ ما شاءَ اللهُ مِنَ الطَّبَقاتِ وَالأَحوالِ، وَذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ بَينَ كُلِّ أَرضٍ وَأَرضٍ مَسيرَةَ خَمسِمِئَةِ سَنَةٍ. وَأَمّا جَهَنَّمُ، أَجارَنا اللهُ مِنها، فَهِيَ تَحتَ الأَرضِ السّابِعَةِ، كَما أَنَّ الجَنَّةَ فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ.
فَلَيسَتِ الجَنَّةُ مُتَّصِلَةً بِالسَّماءِ السّابِعَةِ، وَلَيسَت جَهَنَّمُ مُتَّصِلَةً بِالأَرضِ السّابِعَةِ، بَل كُلٌّ مِنهُما في المَوضِعِ الَّذِي شاءَهُ اللهُ تَعالى. وَذَكَرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ فِي حَدِّ العالَمِ أَنَّهُ مِنَ الفَرشِ إِلى العَرشِ، وَالمُرادُ بِذٰلِكَ بَيانُ ما جَعَلَهُ اللهُ مِن مَراتِبِ المَخلُوقاتِ العُلوِيَّةِ وَالسُّفلِيَّةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾ قِيلَ فِيهِ أَيضًا: إِنَّهُ مِن بابِ التَّمثِيلِ لِسَعَةِ الجَنَّةِ وَعِظَمِها، أَي إِنَّهَا واسِعَةٌ جِدًّا. وَيُشبِهُ ذٰلِكَ ما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ما خَلقُكُم وَلا بَعثُكُم إِلّا كَنَفسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، أَي إِنَّ خَلقَكُم وَبَعثَكُم عَلَى اللهِ كَخَلقِ نَفسٍ واحِدَةٍ، لا يَعجِزُهُ شَيءٌ. فَكَذٰلِكَ ذِكرُ عَرضِ الجَنَّةِ لِبَيانِ سَعَتِها وَعِظَمِها.
وَرَوى الإِمامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَن طارِقِ بنِ شِهابٍ أَنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن قَولِهِ تَعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾، فَقالُوا: هٰذِهِ الجَنَّةُ، فَأَينَ النّارُ؟ فَقالَ لَهُم عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَرَأَيتُم إِذا جاءَ اللَّيلُ، أَينَ يَكونُ النَّهارُ؟ فَقالُوا: لَقَد جِئتَ بِمِثلِ الَّذِي جاءَ فِي التَّوراةِ. وَمُرادُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ لا تَعارُضَ بَينَ سَعَةِ الجَنَّةِ وَوُجودِ النّارِ، كَما لا يَتَعارَضُ وُجودُ اللَّيلِ وَالنَّهارِ، فَلِكُلٍّ مَوضِعُهُ وَحُكمُهُ الَّذِي شاءَهُ اللهُ.
وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعالى لِكُلٍّ مِنَ اللَّيلِ وَالنَّهارِ سُلطانًا وَحَدًّا، فَالشَّمسُ لَها مَسارُها، وَالقَمَرُ لَهُ مَسارُهُ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لا الشَّمسُ يَنبَغِي لَها أَن تُدرِكَ القَمَرَ وَلا اللَّيلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. فَكُلُّ ذٰلِكَ بِتَقدِيرِ اللهِ وَحِكمَتِهِ، لا يَخرُجُ شَيءٌ عَن مَشِيئَتِهِ.
وَذِكرُ العَرضِ في الآيَةِ لا يَنفي أَنَّ طُولَ الجَنَّةِ أَعظَمُ، بَل جَرَتِ العادَةُ أَنَّ الطُّولَ يَكونُ أَعظَمَ مِنَ العَرضِ، فَإِذا كانَ عَرضُها كَعَرضِ السَّماواتِ وَالأَرضِ، فَكَيفَ بِطُولِها؟ وَقِيلَ: إِنَّ العَرضَ هُنا بِمَعنى السَّعَةِ، كَما يُقالُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، أَي واسِعَةٌ. فَالمَقْصُودُ عَلَى كُلِّ وَجهٍ تَعظِيمُ شَأنِ الجَنَّةِ وَتَرغِيبُ العِبادِ فِي المُسارَعَةِ إِلَيها.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الجَنَّةِ ما جاءَ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي أَدنى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً، أَنَّهُ يُقالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنّى، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: تَمَنَّ، حَتّى إِذا لَم يَبقَ عِندَهُ ما يَتَمَنّاهُ، لُقِّنَ، فَيُقالُ لَهُ: قُل كَذا، فَيَقولُ، فَيُقالُ لَهُ: هُوَ لَكَ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ مِثلُ ذٰلِكَ، حَتّى يُقالَ لَهُ: لَكَ هٰذا وَعَشَرَةُ أَمثالِهِ مَعَهُ. فَهٰذا أَدنى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً، فَكَيفَ بِمَن فَوقَهُ مِن أَهلِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ؟
وَفِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ أَنَّ اللهَ تَعالى قالَ: «أَعدَدتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَينٌ رَأَت، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ». فَفِي الجَنَّةِ نَعِيمٌ لا تُدْرِكُهُ أَوهامُ البَشَرِ، وَلَا تَبلُغُهُ تَصَوُّراتُهُم، وَلا يَخطُرُ عَلَى قُلُوبِهِم. فَيَا عَجَبًا لِمَن يَسمَعُ بِالجَنَّةِ ثُمَّ يَنامُ عَن طَلَبِها، وَيَا عَجَبًا لِمَن يَعلَمُ أَمرَ جَهَنَّمَ ثُمَّ لا يَهرُبُ مِن أَسبابِها.
وَقَد قِيلَ فِي الحِكمَةِ: عَجِبتُ لِلجَنَّةِ كَيفَ نامَ طالِبُها، وَعَجِبتُ لِلنّارِ كَيفَ نامَ هارِبُها. فَمَن عَلِمَ أَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ المَوتَ آتٍ لا مَحالَةَ، لَم يَكُن حَقُّهُ أَن يَغفُلَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ، وَلَا أَن يَتَهاوَنَ بِالمَعاصِي.
وَقَد سُئِلَ أَنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ الجَنَّةِ: أَفِي السَّماءِ هِيَ أَم فِي الأَرضِ؟ فَقالَ: وَأَيُّ أَرضٍ وَسَماءٍ تَسَعُ الجَنَّةَ؟ فَقِيلَ لَهُ: فَأَينَ هِيَ؟ قالَ: فَوقَ السَّماواتِ السَّبعِ، تَحتَ العَرشِ. وَرُوِيَ مِثلُ ذٰلِكَ عَن قَتادَةَ رَحِمَهُ اللهُ. فَالجَنَّةُ مَخلُوقَةٌ عَظِيمَةٌ فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وَسَقفُها عَرشُ الرَّحمنِ.
وَقَد جاءَ في الحَدِيثِ أَنَّ ما بَينَ مِصراعَينِ مِن مَصارِيعِ أَبوابِ الجَنَّةِ مَسيرَةُ أَربَعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهُ سَيَأتي عَلَيها يَومٌ تَزدَحِمُ فِيهِ مِن كَثرَةِ الدّاخِلِينَ. وَالجَنَّةُ لَها أَبوابٌ، فَمِن أَسبابِ فَتحِها لِلعَبدِ أَن يَتَوَضَّأَ، ثُمَّ يَرفَعَ بَصَرَهُ إِلى السَّماءِ، وَيَقولَ: «أَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِنَ التَّوّابِينَ، وَاجعَلنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ»، فَتُفتَحُ لَهُ أَبوابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَدخُلُ مِن أَيِّها شاءَ.
وَالجَنَّةُ مَوجُودَةٌ الآنَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ قَولُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾، فَالمُعَدُّ هُوَ المُهَيَّأُ المَوجُودُ. وَكَذٰلِكَ قالَ اللهُ تَعالى فِي النّارِ: ﴿أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الجَنَّةَ وَالنّارَ مَخلُوقَتانِ مَوجُودَتانِ الآنَ، لا أَنَّهُما تُخلَقانِ يَومَ القِيامَةِ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلَى وُجودِ الجَنَّةِ الآنَ ما ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في لَيلَةِ الإِسراءِ وَالمِعراجِ إِنَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَرَأى فِيهَا مِن آياتِ اللهِ ما رَأى. وَمَعَ ذٰلِكَ فَهُناكَ نَعِيمٌ خاصٌّ خَبَّأَهُ اللهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، لَم تَطَّلِع عَلَيهِ عَينُ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا نَبِيٍّ مُرسَلٍ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وَأَرواحُ الشُّهَداءِ في الجَنَّةِ، جَعَلَها اللهُ تَعالى فِي طَيرٍ خُضرٍ، تَسرَحُ فِي الجَنَّةِ حَيثُ شاءَت، ثُمَّ تَأوِي إِلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحتَ العَرشِ، عَلَى ما جاءَ في الحَدِيثِ. وَهٰذا مِن كَرامَةِ الشُّهَداءِ عِندَ اللهِ تَعالى قَبلَ دُخولِ أَهلِ الجَنَّةِ إِلى مَنازِلِهِم في الآخِرَةِ.
وَقَد جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أَدنى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً يُقالُ لَهُ: أَتَرضى أَن يَكونَ لَكَ ما كانَ لِمَلِكٍ مِن مُلُوكِ الدُّنيا؟ فَيَقولُ: رَضِيتُ يا رَبِّ، فَيُقالُ لَهُ: لَكَ ذٰلِكَ وَمِثلُهُ مَعَهُ، وَمِثلُهُ مَعَهُ، حَتّى يُقالَ لَهُ فِي الخامِسَةِ: رَضِيتُ يا رَبِّ، فَيُقالُ لَهُ: لَكَ ذٰلِكَ وَعَشَرَةُ أَمثالِهِ. وَفِي رِوايَةٍ: إِنَّ آخِرَ أَهلِ الجَنَّةِ دُخولًا، وَآخِرَ أَهلِ النّارِ خُروجًا، رَجُلٌ يَخرُجُ حَبوًا، فَيُقالُ لَهُ: ادخُلِ الجَنَّةَ، فَيَظُنُّ أَنَّهَا مَلأى، ثُمَّ يُعطِيهِ اللهُ مِنَ النَّعيمِ ما لا يَخطُرُ عَلَى بالِهِ.
فَإِذا كانَ هٰذا أَدنى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً، فَكَيفَ بِأَهلِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، وَكَيفَ بِالشُّهَداءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصّالِحِينَ؟ وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذا سَأَلتُمُ اللهَ الجَنَّةَ فَاسأَلُوهُ الفِردَوسَ الأَعلى، فَإِنَّهُ أَوسَطُ الجَنَّةِ وَأَعلى الجَنَّةِ، وَفَوقَهُ عَرشُ الرَّحمنِ». فَينبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن تَعلُوَ هِمَّتُهُ، وَأَن يَسأَلَ اللهَ أَعلى الدَّرَجاتِ، وَأَن يَعمَلَ لِذٰلِكَ بِطاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
وَقَبلَ دُخولِ الجَنَّةِ يَجمَعُ اللهُ النّاسَ فِي الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، ثُمَّ يُنصَبُ الصِّراطُ عَلَى ظَهرِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ جِسرٌ مَمدُودٌ عَلَيها، فَمَن ثَبَّتَهُ اللهُ عَبَرَ، وَمَن زَلَّ هَوى فِيهَا، إِلَّا مَن شاءَ اللهُ مِن عُصاةِ المُؤمِنِينَ أَن يَخرُجُوا بَعدَ ذٰلِكَ. وَالصِّراطُ الَّذِي نَسأَلُ اللهَ الهِدايَةَ إِلَيهِ فِي قَولِنا: ﴿اهدِنَا الصِّراطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] هُوَ طَرِيقُ الحَقِّ، أَي ثَبِّتنا عَلَى الإِسلامِ وَطَرِيقِ أَهلِ الهُدى، كَما بَيَّنَهُ قَولُهُ بَعدَهُ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾ [الفاتحة: ٧].
وَبَعدَ الصِّراطِ حَوضُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكُلُّ نَبِيٍّ لَهُ حَوضٌ، وَأَعظَمُ الأَحواضِ حَوضُ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ. وَمَن شَرِبَ مِن حَوضِهِ الشَّرِيفِ شَربَةً لَم يَظمَأ بَعدَها أَبَدًا. فَنَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَسقِيَنا مِن حَوضِ نَبِيِّهِ ﷺ شَربَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أَبَدًا.
وَقَد يَدخُلُ بَعضُ عُصاةِ المُسلِمِينَ النّارَ بِذُنُوبِهِم، كَمَن أَكَلَ الرِّبا، أَو شَرِبَ الخَمرَ، أَو تَرَكَ الصَّلاةَ تَكاسُلًا مَعَ اعتِقادِ وُجُوبِها، أَو وَقَعَ فِي كَبِيرَةٍ مِنَ الكَبائِرِ، إِذا لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ. ثُمَّ لا بُدَّ أَن يَخرُجَ مِنَ النّارِ مَن ماتَ عَلَى الإِيمانِ، وَيَدخُلَ الجَنَّةَ بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، فَإِنَّ الجَنَّةَ لا يَدخُلُها إِلَّا مُؤمِنٌ، وَلا يَخلُدُ فِي النّارِ إِلَّا مَن ماتَ عَلَى الكُفرِ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَخرُجُ قَومٌ مِنَ النّارِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ». فَهٰؤُلاءِ عُصاةٌ مِن أُمَّتِهِ دَخَلُوا النّارَ بِذُنُوبِهِم، ثُمَّ أَخرَجَهُمُ اللهُ بِشَفاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ. وَنَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَجعَلَنا مِن أَهلِ شَفاعَتِهِ، وَأَن يُجِيرَنا مِنَ النّارِ، وَأَن يُدخِلَنا الجَنَّةَ مَعَ المُتَّقِينَ.
﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ أَي هُيِّئَت وَخُلِقَت لِأَهلِ التَّقوى، وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَاجتَنَبُوا الكُفرَ وَالشِّركَ، وَأَدَّوا ما أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِم، وَاجتَنَبُوا ما حَرَّمَهُ عَلَيهِم. فَأَوَّلُ التَّقوى الإِيمانُ، ثُمَّ تَكونُ التَّقوى بِالطّاعَةِ وَتَركِ المَعصِيَةِ.
فَالجَنَّةُ دارُ المُتَّقِينَ، وَرَحمَةُ اللهِ فِي الآخِرَةِ خاصَّةٌ بِالمُؤمِنِينَ، أَمّا الكافِرُ الَّذِي يَمُوتُ عَلَى الكُفرِ، فَلَا دُخولَ لَهُ إِلى الجَنَّةِ، وَلَا نَصِيبَ لَهُ مِن رَحمَةِ الآخِرَةِ. فَلْيُسارِعِ المُؤمِنُ إِلى أَسبابِ هٰذِهِ الجَنَّةِ، وَلْيَجتَهِد فِي طاعَةِ اللهِ، وَلْيَتُب مِن ذُنُوبِهِ، وَلْيَسأَلِ اللهَ أَن يَجعَلَهُ مِنَ المُتَّقِينَ.
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
مِن أَعظَمِ ما يَدخُلُ في المُسارَعَةِ إِلى مَغفِرَةِ اللهِ وَجَنَّتِهِ المُسارَعَةُ إِلى تَعلُّمِ الفَرضِ العَينِيِّ مِن عِلمِ الدِّينِ، وَأَوَّلُ ذٰلِكَ مَعرِفَةُ اللهِ تَعالى كَما يَجِبُ، وَمَعرِفَةُ رَسُولِهِ ﷺ وَدِينِهِ كَما يَجِبُ. فَأَوَّلُ ما يَجِبُ عَلَى العَبدِ أَن يَعرِفَ رَبَّهُ بِما يَلِيقُ بِهِ، وَأَن يُنَزِّهَهُ عَن مُشابَهَةِ المَخلُوقِينَ.
فَاللهُ تَعالى لا كَمِّيَّةَ لَهُ، وَلَا أَينِيَّةَ لَهُ، وَلَا جُثَّةَ لَهُ، وَلَا أَعضاءَ لَهُ، وَيَستَحِيلُ أَن يَكونَ الخالِقُ مُشابِهًا لِلمَخلُوقِ. وَقَد قالَ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعمانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في مَعنى ذٰلِكَ: أَنّى يُشبِهُ الخالِقُ مَخلُوقَهُ؟ فَاللهُ تَعالى خالِقُ الأَجسامِ وَالأَعراضِ وَالمَقادِيرِ وَالجِهاتِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُوصَفَ بِشَيءٍ مِن صِفاتِ المَخلُوقِينَ.
وَقَد ذَكَرَ الإِمامُ أَبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلامًا نَفيسًا في تَنزِيهِ اللهِ تَعالى عَنِ المَكانِ، وَذَكَرَ في بَعضِ كُتُبِهِ أَنَّ مَن يَعتَقِدُ أَنَّ اللهَ جِسمٌ، فَلَيسَ عارِفًا بِرَبِّهِ، بَل هُوَ كَمَن يَعبُدُ صَنَمًا؛ لأَنَّهُ لَم يَعبُدِ اللهَ الَّذِي لا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ. فَمَن تَصَوَّرَ أَنَّ رَبَّ العالَمِينَ جِسمٌ، أَو حالٌّ في مَكانٍ، أَو جالِسٌ في جِهَةٍ، فَقَد ضَلَّ عَن حَقِيقَةِ التَّوحِيدِ.
وَمِمّا يَنبَغِي التَّنبِيهُ عَلَيهِ مَا يَذكُرُهُ بَعضُ النّاسِ في يَومِ عَرَفَةَ أَو في ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ مِن أَحادِيثِ النُّزُولِ، فَيَفْهَمُونَها عَلَى مَعنى النُّقلَةِ وَالانتِقالِ مِن مَكانٍ إِلى مَكانٍ، وَهٰذا مَعنى فاسِدٌ لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى. وَقَد وَرَدَ في الحَدِيثِ: «يَنزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيلَةٍ إِلى السَّماءِ الدُّنيا»، وَوَرَدَ في يَومِ عَرَفَةَ ذِكرُ النُّزُولِ، وَقَد فَسَّرَ أَهلُ السُّنَّةِ، وَمِنهمُ الإِمامُ مالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ذٰلِكَ بِأَنَّهُ نُزُولُ رَحمَةٍ، لا نُزُولُ نُقلَةٍ.
وَمَعنى نُزُولِ الرَّحمَةِ أَنَّ اللهَ تَعالى يَتَلَطَّفُ بِالدّاعِينَ بِالإِجابَةِ، وَيُفيضُ عَلَى عِبادِهِ مِن رَحماتِهِ في تِلكَ الأَوقاتِ الشَّريفَةِ. فَأَهلُ المَوقِفِ بِعَرَفَةَ تَتنَزَّلُ عَلَيهِمُ الرَّحَماتُ، وَيُظهِرُ اللهُ فَضلَهُم لِلمَلائِكَةِ، وَيُكثِرُ لَهُم مِنَ العَفوِ وَالمَغفِرَةِ، لا أَنَّ اللهَ يَنتَقِلُ مِن مَكانٍ إِلى مَكانٍ؛ فاللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكونِ وَسائِرِ صِفاتِ الأَجسامِ.
فَمِنَ المُسارَعَةِ إِلى المَغفِرَةِ وَالجَنَّةِ أَن يُبادِرَ العَبدُ إِلى تَعَلُّمِ عَقِيدَةِ التَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ، وَأَن يَحذَرَ مِن تَشبِيهِ اللهِ بِخَلقِهِ. فَمَن عَرَفَ اللهَ تَعالى كَما يَجِبُ، وَآمَنَ بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ عَمِلَ بِما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرعِ، فَهٰذا هُوَ السّائِرُ في طَرِيقِ النَّجاةِ، وَأَمّا المَعرِفَةُ بِاللهِ فَلَيسَت مَعرِفَةَ إِحاطَةٍ؛ لأَنَّ الخَلقَ لا يُحِيطُونَ بِاللهِ عِلمًا، وَلٰكِنَّهُم يَعرِفُونَهُ بِما وَصَفَ بِهِ نَفسَهُ، وَبِما دَلَّ عَلَيهِ العَقلُ السَّلِيمُ مِن تَنزِيهِهِ عَن صِفاتِ الحُدُوثِ.
﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
هٰذِهِ الجَنَّةُ الواسِعَةُ الَّتِي عَرضُها السَّماواتُ وَالأَرضُ أَعَدَّها اللهُ تَعالى لِأَهلِ الإِيمانِ وَالتَّقوى. وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ عِظَمَ عَرضِها دَليلٌ عَلَى سَعَتِها وَعِظَمِ نَعِيمِها، وَأَنَّها فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، تَحتَ العَرشِ، وَأَنَّها مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ.
﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجَنَّةَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ؛ لأَنَّ المُعَدَّ هُوَ المُهَيَّأُ المَوجُودُ. وَكَذٰلِكَ قَولُهُ تَعالى في النّارِ: ﴿أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] دَليلٌ عَلَى أَنَّ جَهَنَّمَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ. فالجَنَّةُ مَوجُودَةٌ فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وَالنّارُ مَوجُودَةٌ تَحتَ الأَرضِ السّابِعَةِ، أَجارَنا اللهُ مِنها.
وَلَم يَأتِ وَقتُ استِقرارِ أَهلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وَلَا استِقرارِ أَهلِ النّارِ في النّارِ؛ فَذٰلِكَ يَكونُ بَعدَ البَعثِ وَالحِسابِ وَالجَزاءِ. وَقَد جاءَ في الحَدِيثِ أَنَّهُ يُؤتَى بِالمَوتِ يَومَ القِيامَةِ عَلَى هَيئَةِ كَبشٍ، فَيُذبَحُ، ثُمَّ يُنادى: «يا أَهلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوتَ، وَيا أَهلَ النّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوتَ». فَحينَئِذٍ يَستَقِرُّ أَهلُ الجَنَّةِ في نَعِيمٍ لا يَنقَطِعُ، وَأَهلُ النّارِ مِنَ الكُفّارِ في عَذابٍ لا يَفنى.
وَأَهلُ الجَنَّةِ هُم أَهلُ الإِيمانِ، فَالكافِرُونَ لا يَدخُلُونَ الجَنَّةَ، وَلَا يَنالُونَ شَفاعَةَ النَّجاةِ في الآخِرَةِ إِذا ماتُوا عَلَى الكُفرِ. وَمَن قالَ: إِنَّ الكافِرَ الَّذِي ماتَ عَلَى كُفرِهِ يَدخُلُ الجَنَّةَ، أَو إِنَّ اللهَ يُلغِي جَهَنَّمَ وَيُدخِلُ الجَميعَ الجَنَّةَ، فَقَد خالَفَ صَرِيحَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَسَبَ إِلى وَعيدِ اللهِ التَّبَدُّلَ، وَهٰذا باطِلٌ عَظِيمٌ.
وَإِن كانَ الكافِرُ في الدُّنيا يَفعَلُ بَعضَ الأَفعالِ الَّتِي يَنتَفِعُ بِها النّاسُ، كَإِحسانٍ إِلى جارٍ، أَو مُساعَدَةٍ لِمُحتاجٍ، فَإِنَّ هٰذِهِ الأَعمالَ لا تُقبَلُ مِنهُ قَبُولَ ثَوابٍ في الآخِرَةِ مَعَ فَقدِ الإِيمانِ. وَقَد رَوى مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنَّ الكافِرَ لَيُطعَمُ بِحَسَناتِهِ فِي الدُّنيا، فَإِذا أَفضى إِلى الآخِرَةِ لَم يَكُن لَهُ فِيها نَصِيبٌ». فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّهُ قَد يُجازى في الدُّنيا بِما يَفعَلُهُ مِن وُجوهِ البِرِّ الدُّنيَوِيِّ، أَمّا في الآخِرَةِ فَلَا ثَوابَ لَهُ؛ لأَنَّ الإِيمانَ شَرطٌ في قَبولِ العَمَلِ.
وَمِن أُصُولِ الإِيمانِ الَّتِي لا يَصِحُّ الإِيمانُ إِلَّا بِها الإِيمانُ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ. فَحَدِيثُ جِبرِيلَ المَشهُورُ بَيَّنَ أَركانَ الإِيمانِ، وَهِيَ الإِيمانُ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ. فَمَن أَنكرَ الإِيمانَ بِالقَدَرِ، أَو قالَ: نُؤمِنُ بِبَعضِ أَركانِ الإِيمانِ وَنَترُكُ بَعضًا، فَقَد خالَفَ دِينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَلا يَصِحُّ أَن يُقالَ: إِذا كانَ كُلُّ شَيءٍ بِقَضاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، فَكَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ العِبادَ؟ فَهٰذا اعتِراضٌ فاسِدٌ، وَالجَوابُ أَنَّ اللهَ تَعالى لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ، كَما قالَ سُبحانَهُ: ﴿لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. فَكُلُّ ما يَقَعُ فَهُوَ بِتَقدِيرِ اللهِ وَعِلمِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَالعِبادُ مُحاسَبُونَ عَلَى ما كَسَبُوا.
وَإِذا ابتَلى اللهُ المُؤمِنَ بِبَلاءٍ، فَقَد يَكونُ ذٰلِكَ رَفعًا لِدَرَجاتِهِ، وَتَكفِيرًا لِسَيِّئاتِهِ، وَتَعلِيمًا لَهُ الصَّبرَ وَالرُّجوعَ إِلى اللهِ. وَما يَنزِلُ بِأَهلِنا في غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ مِن قَتلٍ وَهَدمٍ وَتَشرِيدٍ وَجُوعٍ وَخَوفٍ بَلاءٌ شَدِيدٌ، نَسأَلُ اللهَ أَن يَرفَعَهُ عَنهُم، وَأَن يَجعَلَهُ رِفعَةً لِمَن صَبَرَ وَثَبَتَ عَلَى الإِيمانِ مِنهُم. وَاللهُ تَعالى لا يَظلِمُ أَحَدًا، وَقَد قالَ سُبحانَهُ: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وَالأَنبِياءُ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنبِياءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ، يُبتَلى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». وَقَد ابتُلِيَ أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلامُ بَلاءً شَدِيدًا، وَصَبَرَ صَبرًا جَميلًا، وَلٰكِن لا يَصِحُّ ما يَشِيعُهُ بَعضُ النّاسِ مِن أَنَّ الدُّودَ خَرَجَ مِن جَسَدِهِ، أَو أَنَّهُ كانَ يَقولُ لِلدُّودَةِ كَلامًا لا يَلِيقُ؛ فَهٰذِهِ رِواياتٌ فاسِدَةٌ لا تَليقُ بِمَقامِ نَبِيٍّ مِن أَنبِياءِ اللهِ.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ فَسَّرَهُ بَعضُ أَهلِ العِلمِ بِأَنَّها أُعِدَّت لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّركَ وَالكُفرَ، أَي لِلمُؤمِنِينَ. وَيُؤَيِّدُ هٰذا المَعنى قَولُهُ تَعالى: ﴿وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أَي أَكتُبُ رَحمَةَ الآخِرَةِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّركَ وَالكُفرَ، فَيَمُوتُونَ عَلَى الإِيمانِ. وَهٰذا لا يَمنَعُ أَنَّ مِنَ المُؤمِنِينَ مَن يَكونُ عاصِيًا، ثُمَّ يَرحَمُهُ اللهُ فَيُدخِلُهُ الجَنَّةَ بَعدَ عَفوٍ أَو بَعدَ عَذابٍ غَيرِ مُخَلَّدٍ.
وَالدّارُ الآخِرَةُ، وَرَحمَةُ الجَنَّةِ، لَيسَت لِمَن لا يُؤمِنُ بِاللهِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ، بَل هِيَ لِأَهلِ الإِيمانِ. فَمَن آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ﷺ وَبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ، فَقَد دَخَلَ في أَصلِ التَّقوى. وَمَن كَذَّبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، أَو جَحَدَ شَيئًا ثَبَتَ عَنهُ مِن أُمورِ الدِّينِ المَعلُومَةِ، فَلَيسَ مُؤمِنًا، وَإِنِ انتَسَبَ إِلى القُرآنِ أَو سَمّى نَفسَهُ بِأَسماءٍ يُوهِمُ بِها النّاسَ.
وَمِنَ الإِيمانِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ الإِيمانُ بِما جاءَ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ وَالأَحكامِ. فَهُوَ الَّذِي عَلَّمَنا مَناسِكَ الحَجِّ، وَقالَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُم». فَعَرَفنا مِن سُنَّتِهِ أَحكامَ الإِحرامِ، وَالطَّوافِ، وَالسَّعيِ، وَالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالمَبيتِ بِمُزدَلِفَةَ وَمِنى، وَرَميِ الجَمَراتِ، وَسائِرَ تَفاصِيلِ المَناسِكِ. فَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يَكتَفِي بِالقُرآنِ وَيَترُكُ السُّنَّةَ، فَقَد هَدَمَ كَثيرًا مِن أَحكامِ الدِّينِ، وَخالَفَ القُرآنَ الَّذِي أَمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ.
فَنَحنُ نَطوفُ بِالبَيتِ سَبعًا، وَنَسعى بَينَ الصَّفا وَالمَروَةِ سَبعًا، وَنَبدَأُ بِالصَّفا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ابدَؤُوا بِما بَدَأَ اللهُ بِهِ»، وَنَجعَلُ البَيتَ عَن يَسارِنا في الطَّوافِ، وَنَقِفُ بِعَرَفَةَ مِن زَوالِ شَمسِ يَومِ التّاسِعِ مِن ذِي الحِجَّةِ إِلى فَجرِ يَومِ النَّحرِ، وَنَجمَعُ في مَواضِعِ الجَمعِ، وَنَفعَلُ المَناسِكَ كَما فَعَلَها النَّبِيُّ ﷺ. وَهٰذِهِ التَّفاصِيلُ بَيَّنَتها السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، فَلا غِنى لِلمُسلِمِ عَنها.
وَالجَنَّةُ حُفَّت بِالمَكارِهِ، وَالنّارُ حُفَّت بِالشَّهَواتِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وَحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ». فَطَرِيقُ الجَنَّةِ يَحتاجُ إِلى مُجاهَدَةٍ: قِيامٍ لِصَلاةِ الفَجرِ، وَصَبرٍ عَلَى الطّاعَةِ، وَحُضُورٍ لِمَجالِسِ العِلمِ، وَتَركٍ لِبَعضِ لَذّاتِ النَّفسِ المُباحَةِ أَو المُحَرَّمَةِ، وَتَحمُّلٍ لِمَشَقَّةِ العِباداتِ وَالمَناسِكِ. فَمَن أَرادَ الجَنَّةَ فَلْيَسْلُك طَرِيقَها، وَلْيَصبِر عَلَى ما فِيهِ مِن مَشَقَّةٍ، فَإِنَّ عاقِبَتَهُ نَعِيمٌ لا يَفنى.
وَأَمّا مَن يَطعَنُ في حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَرُدُّ الأَحادِيثَ بِحُجَّةِ أَنَّها آحادٌ، فَهٰذا بابٌ خَطِيرٌ. فَالحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَواهُ الثِّقاتُ بِإِسنادٍ نَظِيفٍ يُعمَلُ بِهِ في الأَحكامِ، وَلَو كانَ آحادًا. وَأَمّا فَضائِلُ الأَعمالِ، فَقَد ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّهُ يُعمَلُ في جُملَتِها بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ الَّذِي لَم يَشتَدَّ ضَعفُهُ، وَلا يَكونُ مَوضُوعًا، بِشُرُوطٍ مَعرُوفَةٍ عِندَ أَهلِ الحَدِيثِ. وَأَمّا مَسائِلُ العَقِيدَةِ فَقَد تَكلَّمَ العُلَماءُ في شُروطِ الاحتِجاجِ فِيهَا، وَالمُرادُ هُنا أَنَّ رَدَّ السُّنَّةِ بِإِطلاقٍ هَدمٌ لِلدِّينِ، وَمُخالَفَةٌ لِأَمرِ رَبِّ العالَمِينَ.
وَمِنَ الأَحكامِ الَّتِي عَرَفنا تَفاصِيلَها مِنَ السُّنَّةِ أَحكامُ الأُضحيةِ، فَلا تُجزِئُ الأُضحيةُ بِالدَّجاجِ، وَلَو كانَ ثَمَنُ الدَّجاجَةِ كَثيرًا، بَل الأُضحيةُ تَكونُ مِن بَهِيمَةِ الأَنعامِ عَلَى ما بَيَّنَهُ الشَّرعُ. فَلَو تَركَ النّاسُ السُّنَّةَ، لَضاعت هٰذِهِ التَّفاصِيلُ، وَلَتَلاعَبَ كُلُّ أَحَدٍ بِالدِّينِ عَلَى حَسَبِ هَواهُ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِالمُسارَعَةِ إِلَيها مَوجُودَةٌ الآنَ، مُعَدَّةٌ لِلمُتَّقِينَ، وَأَنَّ أَولَ التَّقوى الإِيمانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَالإِيمانُ بِما جاءَ بِهِ مِنَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالإِيمانُ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَتَنزِيهُ اللهِ عَنِ المَكانِ وَالجِسمِيَّةِ وَمُشابَهَةِ المَخلُوقِينَ. فَمَن أَرادَ الجَنَّةَ فَلْيُسارِع إِلى عِلمِ الدِّينِ، وَالعَمَلِ الصّالِحِ، وَالتَّمسُّكِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَركِ الشُّبُهاتِ وَالأَهواءِ، وَاللهُ يَهدي مَن يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ.
﴿وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
الجَنَّةُ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ، كَما أَنَّ النّارَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ، وَقَد دَلَّ قَولُهُ تَعالى في الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾، وَقَولُهُ تَعالى في النّارِ: ﴿أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، عَلَى أَنَّهُما مُعَدَّتانِ مَهَيَّأَتانِ مَخلُوقَتانِ. فَالجَنَّةُ فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وَجَهَنَّمُ، أَجارَنا اللهُ تَعالى مِنها وَمِن حَرِّها، تَحتَ الأَرضِ السّابِعَةِ، عَلَى ما ذَكَرَهُ أَهلُ العِلمِ.
وَهٰذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي أَعَدَّها اللهُ تَعالى لِلمُتَّقِينَ لَا يَدخُلُها مَن ماتَ عَلَى الكُفرِ، بَل هِيَ حَرامٌ عَلَى مَن خَرَجَ مِنَ الدُّنيا كافِرًا. وَقَد قِيلَ في مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ أَي لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكُفرَ وَالشِّركَ، كَما قِيلَ في قَولِهِ تَعالى: ﴿وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أَي يَتَّقُونَ الكُفرَ وَالشِّركَ، فَيَمُوتُونَ عَلَى الإِيمانِ.
فَمَن عَبَدَ جِسمًا مَخلُوقًا، كَصَنَمٍ، أَو شَمسٍ، أَو قَمَرٍ، أَو كَوكَبٍ، فَقَد عَبَدَ غَيرَ اللهِ. وَكَذٰلِكَ مَن اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعالى جِسمٌ، أَو تَصَوَّرَهُ في عَقلِهِ جِسمًا كَبِيرًا يَسكُنُ السَّماءَ أَو العَرشَ، وَالعِياذُ بِاللهِ، فَقَد عَبَدَ مَعنًى مَخلُوقًا مُتَصَوَّرًا، لا رَبَّ العالَمِينَ الَّذِي ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فاللهُ تَعالى لَيسَ جِسمًا، وَلَا يَحُلُّ في مَكانٍ، وَلَا يُحَدُّ بِجِهَةٍ، وَلَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ.
وَلِذٰلِكَ قالَ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ في الرَّدِّ عَلَى المُشَبِّهَةِ وَالمُجَسِّمَةِ: إِنَّكُم لَم تَعبُدُوا اللهَ عَلَى الحَقِيقَةِ، بَل عَبَدتُم جِسمًا تَتَصَوَّرُونَهُ، وَاللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالحَدِّ وَالمِقدارِ وَالمَكانِ. فَمَن عَرَفَ اللهَ حَقَّ المَعرِفَةِ عَلِمَ أَنَّهُ يُؤمَنُ بِوُجُودِهِ مَعَ الجَزمِ بِأَنَّهُ لا يُشبِهُ شَيئًا مِن مَخلُوقَاتِهِ، وَأَنَّ كُلَّ ما خَطَرَ بِالبالِ فَاللهُ بِخِلافِهِ، كَما نُقِلَ مَعناهُ عَنِ الإِمامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ.
فَهٰذا مِن جُملَةِ مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾، أَي لِلمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الكُفرَ وَالشِّركَ، وَيَخرُجُونَ مِنَ الدُّنيا عَلَى نِعمَةِ الإِيمانِ. نَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يُخرِجَنا مِنَ الدُّنيا عَلَى الإِيمانِ وَالإِسلامِ، وَأَن يَجعَلَ الجَنَّةَ دارَنا وَمَآلَنا.
وَالجَنَّةُ دارٌ لا سَآمَةَ فِيهَا، وَلَا مَلَلَ، وَلَا كَآبَةَ، وَلَا حُزنَ، وَلَا شِدَّةَ حَرٍّ، وَلَا شِدَّةَ بَردٍ، وَلَا خَوفَ فِيهَا مِن فِراقِ حَبِيبٍ؛ لأَنَّهَا دارُ الخُلُودِ الَّتِي لا مَوتَ فِيهَا. فَمَن خَرَجَ مِنَ الدُّنيا عَلَى الإِيمانِ، فَمَآلُهُ إِلى هٰذِهِ الدّارِ، وَإِن سَبَقَهُ عَذابٌ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ.
وَمَعنى آخَرُ في قَولِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ أَنَّهَا أُعِدَّت لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللهَ تَعالى بِأَداءِ الواجباتِ وَاجتِنابِ المُحَرَّماتِ. فَهٰؤُلاءِ مُؤمِنُونَ، وَزَادُوا عَلَى أَصلِ الإِيمانِ بِالطّاعَةِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ، فَلَهُم مَنزِلَةٌ خاصَّةٌ في الجَنَّةِ. وَقَد جاءَ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: «أَعدَدتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَينٌ رَأَت، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ». فَفِي الجَنَّةِ نَعِيمٌ عامٌّ لِأَهلِ الإِيمانِ، وَنَعِيمٌ خاصٌّ لِأَهلِ التَّقوى وَالصَّلاحِ.
فَالمُؤمِنُ الَّذِي يَخرُجُ مِنَ الدُّنيا عَلَى الإِيمانِ مَآلُهُ الجَنَّةُ، وَالكافِرُ الَّذِي يَخرُجُ مِنَ الدُّنيا عَلَى الكُفرِ مَآلُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيهَا أَبَدًا، وَالعِياذُ بِاللهِ. وَأَمّا المُؤمِنُونَ فَلَيسُوا كُلُّهُم في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ؛ فَمِنهُم مَن يَخرُجُ مِنَ الدُّنيا تائِبًا مِنَ الكَبائِرِ، وَلَيسَ عَلَيهِ إِلَّا صَغائِرُ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِن تَجتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئاتِكُم﴾ [النساء: ٣١]، فَهٰؤُلاءِ يُرجى لَهُمُ الدُّخولُ إِلى الجَنَّةِ مِن غَيرِ سابِقِ عَذابٍ.
وَمِنَ المُؤمِنِينَ مَن وَقَعَ في الكَبائِرِ، كَأَكلِ الرِّبا، وَأَكلِ مالِ اليَتِيمِ، وَشُربِ الخَمرِ، وَالعُقُوقِ، وَقَطعِ الرَّحِمِ، وَشَهادَةِ الزُّورِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَغَيرِ ذٰلِكَ مِنَ الكَبائِرِ. فَإِن تابَ مِنها تَوبَةً صادِقَةً، فَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التّائِبُ مِنَ الذَّنبِ كَمَن لا ذَنبَ لَهُ». وَإِن ماتَ عَلَى الإِيمانِ غَيرَ تائِبٍ مِنها، فَهُوَ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ؛ إِن شاءَ عَفا عَنهُ، وَإِن شاءَ عَذَّبَهُ، ثُمَّ مَآلُهُ إِلى الجَنَّةِ.
وَقَد قالَ الإِمامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَالإِمامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، مَعنى هٰذِهِ القاعِدَةِ: لا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِن أَهلِ القِبلَةِ بِذَنبٍ ما لَم يَستَحِلَّهُ. فَمَن وَقَعَ في كَبِيرَةٍ وَهُوَ يَعتَقِدُ أَنَّهَا حَرامٌ، فَهُوَ مُسلِمٌ عاصٍ فاسِقٌ، لا يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ لِمُجرَّدِ ذٰلِكَ. أَمّا مَن استَحَلَّ حَرامًا مَعلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَقَد خَرَجَ عَنِ الإِسلامِ بِاستِحلالِهِ.
وَمَن دَخَلَ النّارَ مِن عُصاةِ المُؤمِنِينَ، فَعَذابُهُ لا يَبلُغُ عَذابَ الكافِرِ، وَلَا يَخلُدُ فِيها خُلُودَ الكافِرِينَ. فَمِنهُم مَن تَكونُ حِصَّتُهُ مِنَ النّارِ غَمسَةً واحِدَةً، وَمِنهُم مَن يَمكُثُ يَومًا، أَو يَومَينِ، أَو سَنَةً، أَو أَكثَرَ، عَلَى ما شاءَ اللهُ تَعالى. وَغَمسَةٌ واحِدَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ تُنسِي الإِنسانَ كُلَّ نَعِيمٍ تَنَعَّمَ بِهِ في الدُّنيا، فَكَيفَ بِمَن يَطُولُ مَقامُهُ فِيهَا؟ نَسأَلُ اللهَ أَن يُجِيرَنا مِنها.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «شَفاعَتِي لِأَهلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي». فَهٰذِهِ شَفاعَةٌ لِعُصاةِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ احتاجُوا إِلى شَفاعَةِ نَبِيِّهِم ﷺ. أَمّا الكُفّارُ الَّذِينَ ماتُوا عَلَى الكُفرِ، فَلَا شَفاعَةَ لَهُم شَفاعَةَ نَجاةٍ، لا مِن نَبِيٍّ مُرسَلٍ، وَلَا مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا مِن أَحَدٍ مِنَ الخَلقِ.
وَقَد جاءَ في الحَدِيثِ: «مَن زارَ قَبرِي وَجَبَت لَهُ شَفاعَتِي». وَالمُرادُ بِهٰذِهِ الشَّفاعَةِ، عَلَى ما ذَكَرَهُ بَعضُ أَهلِ العِلمِ، شَفاعَةُ الإِنقاذِ مِنَ العَذابِ، أَي أَنَّ مَن زارَ رَسُولَ اللهِ ﷺ زِيارَةً شَرعِيَّةً، مِن مالٍ حَلالٍ، وَبِنِيَّةٍ خالِصَةٍ، وَسَأَلَ اللهَ شَفاعَةَ نَبِيِّهِ ﷺ، رُجِيَ لَهُ أَن يُنقَذَ مِنَ العَذابِ بِبَرَكَةِ هٰذِهِ الشَّفاعَةِ. وَمِنَ الشَّفاعَةِ أَيضًا شَفاعَةُ التَّخفِيفِ، فَيَخرُجُ بَعضُ العُصاةِ مِنَ النّارِ قَبلَ تَمامِ المُدَّةِ الَّتِي استَحَقُّوها، بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ.
وَأَمّا المُتَّقُونَ الَّذِينَ أَدَّوا ما أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِم، وَاجتَنَبُوا ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِم، فَهٰؤُلاءِ يُدخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ مِن غَيرِ سابِقِ عَذابٍ. وَمِن وَقتِ المَوتِ يَظهَرُ لَهُم أَثرُ كَرامَةِ اللهِ؛ فَإِذا جاءَتهُم مَلائِكَةُ الرَّحمَةِ بَشَّرَتهُم، فَيُقالُ لِلصّالِحِ: السَّلامُ عَلَيكَ يا وَلِيَّ اللهِ، أَبشِر بِرَحمَةِ اللهِ وَرِضوانِهِ. فَعِندَ ذٰلِكَ يُحِبُّ لِقاءَ اللهِ، وَيُحِبُّ اللهُ لِقاءَهُ، كَما وَرَدَ في الحَدِيثِ.
وَقَد يُصابُ الصّالِحُ بِسَكَراتِ المَوتِ، وَلا يَكونُ ذٰلِكَ إِهانَةً لَهُ، بَل رَفعًا لِدَرَجَتِهِ، كَما كانَ سَيِّدُنا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقولُ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ المَوتِ». وَقَد اشتَدَّت عَلَيهِ الحُمّى، وَكانَ يَمسَحُ وَجهَهُ الشَّرِيفَ بِالماءِ، وَيَقولُ: «لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلمَوتِ سَكَرَاتٍ». فَهٰذا في حَقِّهِ ﷺ رَفعُ دَرَجاتٍ وَتَكمِيلُ كَراماتٍ، لا نُقصانٌ وَلَا هَوانٌ.
وَقَد يَظهرُ أَثرُ بِشارَةِ مَلائِكَةِ الرَّحمَةِ عَلَى وَجهِ بَعضِ الصّالِحِينَ وَالشُّهَداءِ، فَيُرى عَلَيهِمُ التَّبَسُّمُ وَالطُّمَأنِينَةُ، بَعدَ خَوفِ الدُّنيا وَأَلمِها وَبَلائِها. وَنَرجُو لِمَن ماتَ مِن أَهلِنا في غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ صابِرًا مُؤمِنًا أَن يَكونَ لَهُ مِن كَرامَةِ اللهِ وَبِشارَةِ مَلائِكَتِهِ ما تَقَرُّ بِهِ عَينُهُ، وَيَنسى بِهِ آلامَ الدُّنيا وَأَوجاعَها.
وَالمُؤمِنُ في الدُّنيا في سَفَرٍ إِلى الآخِرَةِ، وَقَد يَمُرُّ في سَفَرِهِ بِمَرَضٍ، وَخَوفٍ، وَحُزنٍ، وَجُوعٍ، وَفَقدٍ، وَتَعَبٍ، وَلكِنَّ الرّاحَةَ الكامِلَةَ عِندَ دُخولِ الجَنَّةِ. فَلِأَجلِ هٰذِهِ الرّاحَةِ يَصبِرُ المُؤمِنُ عَلَى الطّاعَةِ، وَيُجاهِدُ نَفسَهُ، وَيَصُومُ، وَيَقومُ، وَيُبادِرُ إِلى بُيُوتِ اللهِ، وَيَستَمِعُ إِلى عِلمِ الدِّينِ، وَيَتلو كِتابَ اللهِ، وَيُكثِرُ مِنَ الذِّكرِ.
وَقَد قِيلَ: الدُّنيا ساعَةٌ، فَاجعَلها طاعَةً، وَالنَّفسُ طَمّاعَةٌ، فَعَوِّدها القَناعَةَ، وَاشتَرِ خَيرَ البِضاعَةِ، وَاقتَدِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. فَالعاقِلُ مَن تَجَرَ لِآخِرَتِهِ، وَاشترى الباقِيَ بِالفانِي، وَعَلِمَ أَنَّ تِجارَةَ الجَنَّةِ لا تَبورُ.
وَأَدنى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَهُ مِثلُ الدُّنيا وَعَشَرَةُ أَمثالِها، فَكَيفَ بِأَهلِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ؟ وَفي الجَنَّةِ ما لا يُدرِكُهُ وَصفُ الواصِفِينَ؛ فَالطَّيرُ يَأتِي إِلى المُؤمِنِ كَما يَشتَهِيهِ، وَالفَواكِهُ تَتَدَلّى لَهُ في أَيِّ وَقتٍ شاءَ، وَلا تَعَبَ في طَعامٍ وَلَا شَرابٍ، وَلَا أَذًى وَلَا قَذَرَ، بَل يَخرُجُ فَضلُ الطَّعامِ رَشحًا كَالمِسكِ، لأَنَّ الجَنَّةَ دارُ الطِّيبِ وَالكَرامَةِ، لا دارُ الأَذى وَالأَقذارِ.
وَأَعظَمُ نَعِيمٍ في الجَنَّةِ رُؤيَةُ اللهِ تَعالى، بِلَا كَيفٍ، وَلَا جِهَةٍ، وَلَا مَسافَةٍ، وَلَا مُقابَلَةٍ، وَلَا حُلُولٍ في مَكانٍ؛ فاللهُ تَعالى لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصارَ، وَيراهُ المُؤمِنُونَ في الجَنَّةِ بِالعَينِ الَّتِي يُقَوِّيها اللهُ لِذٰلِكَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إِنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم يَومَ القِيامَةِ كَما تَرَونَ القَمَرَ لَيلَةَ البَدرِ، لا تُضامُونَ في رُؤيَتِهِ». وَلَيسَ المُرادُ تَشبِيهَ اللهِ بِالقَمَرِ، بَل تَشبِيهُ الرُّؤيَةِ مِن جِهَةِ عَدَمِ الشَّكِّ وَالالتِباسِ.
وَقَد فَسَّرَ بَعضُ المفسِّرِينَ قَولَهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحسَنُوا الحُسنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بِأَنَّ الحُسنى هِيَ الجَنَّةُ، وَالزِّيادَةُ هِيَ رُؤيَةُ اللهِ تَعالى. فَهٰذَا أَعظَمُ ما يُعطاهُ أَهلُ الجَنَّةِ مِنَ النَّعيمِ، نَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَرزُقَنا ذٰلِكَ بِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ.
وَيَنبَغِي الحَذَرُ مِنَ الاستخفافِ بِالجَنَّةِ أَو غَيرِها مِمّا عَظَّمَهُ اللهُ. فالجَنَّةُ شَيءٌ عَظَّمَهُ اللهُ، وَلا يَجُوزُ أَن تُسبَّ، أَو يُستَهزَأَ بِها، أَو يُقالَ في حَقِّها ما يَدُلُّ عَلَى الاستخفافِ. وَكَذٰلِكَ المَسجِدُ، وَالكَعبَةُ، وَالعَرشُ، وَالصَّلاةُ، وَالحَجُّ، وَغَيرُ ذٰلِكَ مِمّا عَظَّمَهُ اللهُ، لا يَجُوزُ الاستخفافُ بِهِ وَلَا سَبُّهُ.
فَمَن قالَ، وَالعِياذُ بِاللهِ: كَرِهتُ الصَّلاةَ، أَو كَرِهتُ الحَجَّ مِن حَيثُ هُوَ عِبادَةٌ، أَو سَخِرَ بِالجَنَّةِ، أَو قالَ كَلامًا يُفهَمُ مِنهُ الاستخفافُ بِما عَظَّمَهُ اللهُ، فَقَد عَرَّضَ دِينَهُ لِخَطَرٍ عَظِيمٍ. وَمِنَ الأَلفاظِ المُنكَرَةِ الَّتِي يَنبَغِي تَركُها قَولُ بَعضِ النّاسِ: فُلانٌ لا يُرافَقُ وَلَو إِلى الجَنَّةِ، أَو: الجَنَّةُ إِن كانَت عَن طَرِيقِ فُلانٍ فَلَا أُرِيدُها. فَهٰذِهِ عِباراتٌ لا تَليقُ؛ لأَنَّ الجَنَّةَ دارُ السَّلامِ، لا حِقدَ فِيهَا، وَلَا حَسَدَ، وَلَا تَباغُضَ، وَلَا تَدابُرَ.
وَكَذٰلِكَ لا يَجُوزُ أَن يُجعَلَ أَمرُ الجَنَّةِ مَوضِعًا لِلمُزاحِ وَالسُّخرِيَةِ، كَقَولِ بَعضِ الجُهّالِ عِندَ رَنينِ الهاتِفِ: أَبُو رَنَّةٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ، وَنَحوِ ذٰلِكَ مِنَ العِباراتِ الفاسِدَةِ؛ فَالجَنَّةُ لا تُنالُ بِهٰذِهِ الأَلفاظِ العابِثَةِ، وَإِنَّما تُنالُ بِفَضلِ اللهِ ثُمَّ بِالإِيمانِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ. فَليَحفَظِ المُؤمِنُ لِسانَهُ، فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن صَمَتَ نَجا»، وَقالَ ﷺ: «لا تَزالُ سالِمًا ما سَكَتَّ، فَإِذا تَكَلَّمتَ كانَ لَكَ أَو عَلَيكَ». وَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ما يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
وَمِن أَسبابِ دُخولِ الجَنَّةِ التَّقوى، وَالتَّقوى مَعناها أَداءُ الواجباتِ وَاجتِنابُ المُحَرَّماتِ. فَالعَبدُ التَّقِيُّ هُوَ الَّذِي يَتَّقِي مَعاصِيَ اللهِ، وَيُؤَدِّي ما افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ. وَمِن جُملَةِ الواجباتِ تَعَلُّمُ الفَرضِ العَينِيِّ مِن عِلمِ الدِّينِ؛ فَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ»، وَقالَ ﷺ: «يا أَيُّهَا النّاسُ، تَعَلَّمُوا، إِنَّما العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالفِقهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّههُ في الدِّينِ».
فَمَن أَرادَ أَن يُصَلِّيَ صَلاةً صَحِيحَةً، فَلْيَتَعَلَّم أَركانَ الصَّلاةِ وَشُرُوطَها وَمُبطِلاتِها، وَمِنها أَركانُ الصَّلاةِ الَّتِي لا تَنجَبِرُ بِسُجودِ السَّهوِ. وَمَن جَهِلَ الفاتِحَةَ فَلَم يُحسِن قِراءَتَها، أَو تَرَكَ تَشدِيدَةً مِن تَشدِيداتِها، أَو أَخَلَّ بِالطُّمَأنِينَةِ، أَو لَم يَسجُد عَلَى أَعضائِهِ الواجِبَةِ، فَقَد يُفسِدُ صَلاتَهُ وَهُوَ لا يَشعُرُ. فَلَا بُدَّ مِنَ العِلمِ؛ لأَنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا يَصِحُّ إِلَّا بِمُوافَقَةِ الشَّرعِ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلَى فَضلِ المُسارَعَةِ إِلى الجَنَّةِ ما جاءَ في صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ يَومَ بَدرٍ: «قُومُوا إِلى جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ». فَقالَ عُمَيرُ بنُ الحُمامِ الأَنصارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يا رَسُولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ؟ قالَ: «نَعَم». قالَ: بَخٍ بَخٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما يَحمِلُكَ عَلَى قَولِكَ بَخٍ بَخٍ؟». قالَ: لا وَاللهِ يا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا رَجاءَ أَن أَكونَ مِن أَهلِها. قالَ: «فَإِنَّكَ مِن أَهلِها». فَأَخرَجَ تَمَراتٍ مِن قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ قالَ: لَئِن أَنا حَيِيتُ حَتّى آكُلَ تَمَراتِي هٰذِهِ إِنَّهَا لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِما كانَ مَعَهُ مِنَ التَّمرِ، ثُمَّ قاتَلَهُم حَتّى قُتِلَ.
وَفي رِوايَةٍ أَنَّهُ قالَ، وَهُوَ يُقبِلُ إِلى القِتالِ:
رَكضًا إِلى اللهِ بِغَيرِ زادِ ~ إِلَّا التُّقى وَعَمَلِ المَعادِ
وَالصَّبرِ في اللهِ عَلَى الجِهادِ ~ وَكُلُّ زادٍ عُرضَةُ النَّفادِ
غَيرُ التُّقى وَالبِرِّ وَالرَّشادِ
فَهٰذا مِثالٌ عَظِيمٌ لِمَعنى المُسارَعَةِ إِلى الجَنَّةِ؛ فَلَمّا سَمِعَ الوَعدَ الصّادِقَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، هانَت عَلَيهِ الدُّنيا، وَرَأَى أَنَّ أَكلَ تَمَراتٍ قَبلَ دُخولِ الجَنَّةِ حَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَبادَرَ إِلى ما عِندَ اللهِ، وَقاتَلَ صابِرًا مُحتَسِبًا، مُقبِلًا غَيرَ مُدبِرٍ، حَتّى نالَ كَرامَةَ الشَّهادَةِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ الجَنَّةَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ، مُعَدَّةٌ لِلمُتَّقِينَ، وَأَنَّ أَولَ التَّقوى الإِيمانُ وَاجتِنابُ الكُفرِ وَالشِّركِ، ثُمَّ أَداءُ الواجباتِ وَاجتِنابُ المُحَرَّماتِ. وَأَنَّ المُؤمِنِينَ، وَإِن تَفاوَتَت دَرَجاتُهُم، فَمَآلُهُم إِلى الجَنَّةِ، وَأَمّا مَن ماتَ عَلَى الكُفرِ فَلَا نَصِيبَ لَهُ مِنها. فَلْيُسارِعِ العَبدُ إِلى الجَنَّةِ بِالعِلمِ وَالعَمَلِ وَالتَّوبَةِ وَالتَّقوى، وَلْيَحفَظ لِسانَهُ عَمّا يُعرِّضُ دِينَهُ لِلخَطَرِ، وَلْيَسأَلِ اللهَ أَن يَجعَلَهُ مِن أَهلِ الجَنَّةِ وَالنَّجاةِ.