بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)﴾
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]
يَأمُرُ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى عِبادَهُ بِطاعَتِهِ وَطاعَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَعدَ أَن تَقَدَّمَ النَّهيُ عَن أَكلِ الرِّبا، وَبَيانُ أَنَّ اجتِنابَهُ مِن أَسبابِ التَّقوى وَالفَلاحِ، ثُمَّ جاءَ التَّحذِيرُ مِنَ النّارِ الَّتِي أُعِدَّت لِلكافِرِينَ، وَفِي ذٰلِكَ إِشارَةٌ إِلَى أَنَّ أَكلَ الرِّبا وَنَحوَهُ مِنَ الكَبائِرِ قَد يَكونُ سَبَبًا لِلعَذابِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، إِن لَم يَعفُ اللهُ تَعالى عَن صاحِبِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ طاعَةَ اللهِ وَطاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ مِن أَعظَمِ أَسبابِ الرَّحمَةِ الَّتِي يَرجُوها المُؤمِنُ. فَمَن كانَ يَرجُو رَحمَةَ اللهِ، فَليُطِعِ اللهَ، وَلْيُطِع رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَيُؤَدِّيَ ما أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ، وَيَجتَنِبَ ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ، وَيَلتَزِمَ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الهُدى وَالبَيانِ.
وَفِي قَولِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾ إِشارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى اللهِ تَعالى شَيءٌ، فَلَيسَ ثَوابُ الطّائِعِينَ واجِبًا عَلَى اللهِ وُجُوبًا يُلزِمُهُ بِهِ أَحَدٌ، وَلَيسَ عِقابُ العُصاةِ وَالكافِرِينَ واجِبًا عَلَيهِ بِمَعنى أَنَّ أَحَدًا يُلزِمُهُ بِهِ. بَل اللهُ تَعالى هُوَ المالِكُ المُطلَقُ، الفَعّالُ لِما يُريدُ، لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ. فَكُلُّ نِعمَةٍ مِنَ اللهِ فَضلٌ، وَكُلُّ نِقمَةٍ مِنَ اللهِ عَدلٌ.
فَلَو صامَ العَبدُ نَهارَهُ، وَقامَ لَيلَهُ، وَداوَمَ عَلَى الطّاعَةِ دَهرَهُ، فَلَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا بِرَحمَةِ اللهِ وَفَضلِهِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما مِنكُم مِن أَحَدٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالُوا: وَلَا أَنتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «وَلَا أَنا، إِلَّا أَن يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحمَةٍ مِنهُ». فَدُخولُ الجَنَّةِ فَضلٌ مِنَ اللهِ وَرَحمَةٌ، وَالأَعمالُ الصّالِحَةُ أَسبابٌ شَرَعَها اللهُ، وَقَبُولُها وَالثَّوابُ عَلَيها بِمَحضِ فَضلِهِ.
وَجاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ سَماواتِهِ وَأَهلَ أَرضِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم كانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمالِهِم». فَاللهُ تَعالى لا يَظلِمُ أَحَدًا، وَلا يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ، وَإِنَّما يَفعَلُ ما يَشاءُ بِحِكمَتِهِ وَعِلمِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَلِذٰلِكَ لا يَصِحُّ أَن يُقالَ: فَرضٌ عَلَى اللهِ أَن يُدخِلَ الطّائِعِينَ الجَنَّةَ، أَو فَرضٌ عَلَى اللهِ أَن يَنصُرَ المُؤمِنِينَ؛ فَاللهُ تَعالى لا يُفرَضُ عَلَيهِ شَيءٌ، وَلَا يُلزِمُهُ أَحَدٌ بِشَيءٍ. نَعَم، وَعَدَ اللهُ المُؤمِنِينَ بِالجَنَّةِ وَالنَّصرِ وَالثَّوابِ، وَوَعدُهُ حَقٌّ لا يَتَخَلَّفُ، وَقَولُهُ لا يُبدَّلُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ وَما أَنا بِظَلّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]. فَوَعدُ اللهِ بِالثَّوابِ حَقٌّ، وَوَعيدُهُ لِمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ بِالخُلُودِ فِي النّارِ حَقٌّ، وَمَشِيئَةُ اللهِ لا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ.
وَمِن مَعانِي قَولِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾ أَنَّ الرَّحمَةَ فِي الآخِرَةِ إِنَّما هِيَ لِلمُؤمِنِينَ، أَمّا الكافِرُونَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلَى الكُفرِ فَلَا نَصِيبَ لَهُم مِن رَحمَةِ اللهِ فِي الآخِرَةِ. وَأَمّا فِي الدُّنيا فَرَحمَةُ اللهِ وَسِعَتِ البَرَّ وَالفاجِرَ، وَالمُؤمِنَ وَالكافِرَ، فَالكافِرُ يَتَنَفَّسُ الهَواءَ، وَيَشرَبُ الماءَ، وَيَنتَفِعُ بِالشَّمسِ، وَيُرزَقُ مِن أَسبابِ الدُّنيا، وَهٰذَا كُلُّهُ مِن رَحمَةِ اللهِ العامَّةِ فِي الدُّنيا. أَمّا رَحمَةُ الآخِرَةِ فَخاصَّةٌ بِمَن ماتَ عَلَى الإِيمانِ.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فَعُمُومُ الرَّحمَةِ فِي الدُّنيا، وَأَمّا كِتابَتُها فِي الآخِرَةِ فَلِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكُفرَ وَالشِّركَ، فَيَخرُجُونَ مِنَ الدُّنيا عَلَى الإِيمانِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَيَغفِرُ لِعَبدِهِ ما لَم يَقَعِ الحِجابُ»، قِيلَ: وَما الحِجابُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «أَن تَمُوتَ النَّفسُ وَهِيَ مُشرِكَةٌ».
فَمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ، فَلَا يُدعى لَهُ بِالرَّحمَةِ وَلَا بِالمَغفِرَةِ، وَلَا يُقالُ فِيهِ: رَحِمَهُ اللهُ أَو غَفَرَ اللهُ لَهُ، بَعدَ أَن عُلِمَ أَنَّهُ ماتَ كافِرًا؛ لأَنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ ما دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وَمَن قالَ عَن كافِرٍ ماتَ عَلَى الكُفرِ، عالِمًا بِحالِهِ، إِنَّ اللهَ غَفَرَ لَهُ أَو رَحِمَهُ فِي الآخِرَةِ، فَقَد خالَفَ نُصُوصَ القُرآنِ وَكَذَّبَ وَعيدَ اللهِ، وَهٰذا خَطَرٌ عَظِيمٌ عَلَى الدِّينِ.
وَالقاعِدَةُ أَنَّهُ إِذا ثَبَتَ الخَبَرُ عَنِ اللهِ أَو عَن رَسُولِهِ ﷺ ارتَفَعَ النَّظَرُ، فَلَا يُعارَضُ النَّصُّ الصَّرِيحُ بِرَأيٍ أَو هَوًى أَو قَولِ قائِلٍ. وَقَد قالَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعناهُ: إِذا سَمِعتُم مِنِّي كَلامًا يُخالِفُ القُرآنَ أَو الحَدِيثَ، فَاضرِبُوا بِكَلامِي عَرضَ الحائِطِ. وَقالَ سَيِّدُنا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: لا يُعرَفُ الحَقُّ بِالرِّجالِ، وَلٰكِنَّ الرِّجالَ يُعرَفُونَ بِالحَقِّ. فَالمِيزانُ هُوَ الكِتابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجماعُ الأُمَّةِ، لا مَيلُ القُلُوبِ إِلَى الأَشخاصِ.
وَفِي الآيَةِ أَيضًا رَدٌّ عَلَى المُرجِئَةِ الَّذِينَ يَقولُونَ: لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمانِ ذَنبٌ، كَما لا يَنفَعُ مَعَ الكُفرِ حَسَنَةٌ. فَقَولُهُم: لا يَنفَعُ مَعَ الكُفرِ حَسَنَةٌ صَحِيحٌ مِن جِهَةِ أَنَّ الكافِرَ لا تُقبَلُ أَعمالُهُ الصّالِحَةُ فِي الآخِرَةِ مَعَ فَقدِ الإِيمانِ، وَلٰكِنَّ قَولَهُم: لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمانِ ذَنبٌ قَولٌ باطِلٌ؛ فَالمَعاصِي تَضُرُّ صاحِبَها، وَقَد تَكونُ سَبَبًا لِعَذابِ القَبرِ وَالنّارِ، وَإِن كانَ المُسلِمُ العاصِي لا يَخلُدُ فِي النّارِ إِذا ماتَ عَلَى الإِيمانِ.
فَالمُسلِمُ إِذا أَكَلَ الرِّبا، أَو شَرِبَ الخَمرَ، أَو تَرَكَ الصَّلاةَ تَهاوُنًا وَكَسلًا عَلَى قَولِ جُمهُورِ العُلَماءِ، أَو وَقَعَ فِي كَبِيرَةٍ مِنَ الكَبائِرِ، فَهُوَ عاصٍ فاسِقٌ مُستَحِقٌّ لِلعُقوبَةِ إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ، وَلٰكِنَّهُ لا يَكفُرُ بِمُجَرَّدِ ذٰلِكَ ما لَم يَستَحِلَّ المَعصِيَةَ. فَإِذا استَحَلَّ الرِّبا، أَو استَحَلَّ شُربَ الخَمرِ، أَو قالَ: يَحِلُّ لِي تَركُ الصَّلاةِ، وَكانَ عالِمًا بِأَنَّ هٰذِهِ الأُمُورَ مَعلُومَةُ الحُكمِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، فَهٰذا يَخرُجُ عَنِ الإِسلامِ بِاستِحلالِهِ.
وَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِن فِرَقٍ تَفتَرِقُ عَن مَنهَجِ الحَقِّ، وَمِنها المُرجِئَةُ وَالقَدَرِيَّةُ. فَالقَدَرِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللهِ، أَو يَزعُمُونَ أَنَّ أَفعالَ العِبادِ لَيسَت بِتَقدِيرِ اللهِ. وَهٰذا باطِلٌ؛ فَاللهُ تَعالى قالَ: ﴿إِنّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وَقَد عَلَّمَنا النَّبِيُّ ﷺ أَن نَقولَ: «قَدَرُ اللهِ وَما شاءَ فَعَلَ»، فَما شاءَ اللهُ كانَ، وَما لَم يَشَأ لَم يَكُن، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
فَطاعَةُ اللهِ وَالرَّسُولِ ﷺ تَقتَضِي الإِيمانَ بِالقَدَرِ، وَتَقتَضِي تَركَ الرِّبا وَسائِرِ المُحَرَّماتِ، وَتَقتَضِي إِقامَةَ الصَّلاةِ، وَتَعلُّمَ ما فَرَضَ اللهُ مِن عِلمِ الدِّينِ، وَحِفظَ اللِّسانِ عَنِ الكُفرِ وَالكَذِبِ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَشَهادَةِ الزُّورِ، وَحِفظَ القَلبِ مِنَ العُجبِ وَالحَسَدِ وَالرِّياءِ، وَحِفظَ الجَوارِحِ عَمّا حَرَّمَ اللهُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ طاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّ السُّنَّةَ حُجَّةٌ كَالقُرآنِ فِي وُجُوبِ الاتِّباعِ، فَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يَأخُذُ بِالقُرآنِ وَيَترُكُ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَد خالَفَ القُرآنَ نَفسَهُ؛ لأَنَّ القُرآنَ أَمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ. فَاللهُ تَعالى قالَ هُنا: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾، وَقالَ فِي آيَةٍ أُخرى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فَرَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الَّذِي بَلَّغَنا القُرآنَ، وَبَيَّنَ لَنا أَحكامَ الدِّينِ، وَعَلَّمَنا ما يَحِلُّ وَما يَحرُمُ، وَبَيَّنَ لَنا أَحكامَ الصَّلاةِ وَالصِّيامِ وَالزَّكاةِ وَالحَجِّ وَالمُعامَلاتِ وَالآدابِ. فَمِن حَدِيثِهِ ﷺ عَرَفنا تَفاصِيلَ أَحكامِ الصَّلاةِ، وَرُؤيَةَ الهِلالِ، وَحُرمَةَ الرِّبا، وَحُرمَةَ المَيتَةِ، وَتَحريمَ لُبسِ الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ عَلَى الرِّجالِ، وَتَحريمَ الخَلوَةِ بِالمَرأَةِ الأَجنَبِيَّةِ، وَتَحريمَ مُصافَحَتِها، وَتَحريمَ النَّظَرِ المُحَرَّمِ، وَتَحريمَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَشَهادَةِ الزُّورِ وَالكَذِبِ، جِدًّا كانَ أَو هَزلًا.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن أَطاعَنِي فَقَد أَطاعَ اللهَ، وَمَن عَصانِي فَقَد عَصَى اللهَ». فَطاعَتُهُ ﷺ مِن طاعَةِ اللهِ؛ لأَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَمَرَنا بِاتِّباعِهِ وَطاعَتِهِ. وَمِن هُنا قالَ عَمّارُ بنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مَن صامَ يَومَ الشَّكِّ: مَن صامَ يَومَ الشَّكِّ فَقَد عَصَى أَبا القاسِمِ ﷺ. فَمَن عَصَى أَبا القاسِمِ ﷺ فَقَد عَصَى اللهَ؛ لأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَنطِقُ عَنِ الهَوى، إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحى فِيما يُبَلِّغُهُ عَن رَبِّهِ.
وَيَنبَغِي الحَذَرُ مِن دَعوَى مَن يَطعَنُ فِي السُّنَّةِ، أَو يَردُّ صَحِيحَ البُخارِيِّ وَصَحِيحَ مُسلِمٍ وَسائِرَ كُتُبِ الحَدِيثِ بِغَيرِ عِلمٍ، مُتَسَتِّرًا بِقَولِهِ: أَنا آخُذُ بِالقُرآنِ فَحَسبُ. فَمَن صَدَقَ فِي اتِّباعِ القُرآنِ وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَتَّبِعَ السُّنَّةَ، لأَنَّ القُرآنَ أَمَرَ بِذٰلِكَ. وَأَصحُّ الكُتُبِ بَعدَ كِتابِ اللهِ تَعالى صَحِيحُ البُخارِيِّ وَصَحِيحُ مُسلِمٍ، وَقَد تَلَقَّتهُمَا الأُمَّةُ بِالقَبُولِ، وَلا يَطعَنُ فِيهِما بِشُبُهاتٍ يُثيرُها مَن لا يُحسِنُ فَهمَ كَلامِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
وَإِذا جاءَ الحَدِيثُ الثّابِتُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا يُعارَضُ بِقَولِ قائِلٍ، وَلَا يُقالُ: أُرِيدُ أَن أَقتَنِعَ أَو أَعرِفَ الحِكمَةَ أَوَّلًا؛ فَالمُؤمِنُ يُسَلِّمُ لِحُكمِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، عَرَفَ الحِكمَةَ أَو لَم يَعرِفها. فَمِن ذٰلِكَ قَولُهُ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ»، فَهٰذا حُكمٌ شَرعِيٌّ يُرجَعُ فِيهِ إِلَى السُّنَّةِ، وَلا يُقابَلُ بِسُوءِ أَدَبٍ أَو ادِّعاءِ أَنَّ الشَّرعَ لَم يُدرِك ما يَستَحدِثُهُ النّاسُ مِن آلاتٍ وَحِساباتٍ.
وَكَذٰلِكَ ما جاءَ فِي السِّواكِ مِنَ الفَضلِ، كَقَولِهِ ﷺ: «رَكعَتانِ بِسِواكٍ خَيرٌ مِن سَبعِينَ رَكعَةً بِلا سِواكٍ»، فَهٰذِهِ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ لا يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يَستَهِين بها، وَلَا أَن يَدَّعِيَ أَنَّها تَخلُّفٌ لِأَنَّ النّاسَ استَعمَلُوا فُرَشَ الأَسنانِ. فَالسِّواكُ سُنَّةٌ مُبارَكَةٌ، وَقَد كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّهُ، حَتّى إِنَّهُ استاكَ بِهِ فِي آخِرِ حَياتِهِ الشَّرِيفَةِ.
وَمِن طاعَةِ اللهِ وَالرَّسُولِ ﷺ أَلَّا يَجحَدَ العَبدُ شَيئًا مِن كِتابِ اللهِ، وَلَا حَرفًا واحِدًا مِنهُ. فَمَن جَحَدَ حَرفًا مِنَ القُرآنِ، أَو سَخِرَ مِن حُكمٍ مِن أَحكامِهِ، أَو قالَ فِي حُكمِ المَواريثِ وَنَحوِهِ مِمّا ثَبَتَ بِالنَّصِّ إِنَّهُ لا يَصلُحُ أَو إِنَّهُ مُخالِفٌ لِلعَدلِ، فَقَد عَرَّضَ دِينَهُ لِلهَلاكِ. فَاللهُ تَعالى هُوَ أَحكَمُ الحاكِمِينَ، وَحُكمُهُ عَدلٌ كُلُّهُ، وَلا يَجُوزُ الاعتراضُ عَلَى شَرعِهِ بِدَعوَى المُساواةِ أَو الهَوى.
فَلَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثى فِي جَميعِ الأَحكامِ، وَقَد فَرَّقَ الشَّرعُ بَينَهُما فِي أَبوابٍ، وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الأَحكامِ ما يُناسِبُهُ. وَلا يَعني هٰذا أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ أَفضَلُ مِن كُلِّ امرَأَةٍ، فَقَد تَكونُ امرَأَةٌ صالِحَةٌ تَقِيَّةٌ أَفضَلَ مِن كَثيرٍ مِنَ الرِّجالِ، وَلٰكِنَّ الأَحكامَ الشَّرعِيَّةَ تَتَلَقّاها الأُمَّةُ بِالتَّسلِيمِ، لا بِالاعتراضِ وَالتَّشهِّي.
فَمَعنى الآيَةِ أَنَّ طاعَةَ اللهِ وَطاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ هِيَ طَرِيقُ رَحمَةِ اللهِ، وَأَنَّ مَن رَجا الرَّحمَةَ فَلْيَلزَمِ الطّاعَةَ. وَمِن طاعَتِهِما تَركُ الرِّبا، وَالحَذَرُ مِنَ النّارِ، وَتَعظِيمُ القُرآنِ، وَالأَخذُ بِالسُّنَّةِ، وَحِفظُ اللِّسانِ عَنِ التَّكفِيرِ وَالتَّحليلِ وَالتَّحرِيمِ بِغَيرِ عِلمٍ، وَتَعلُّمُ الدِّينِ مِن أَهلِهِ، وَالثَّباتُ عَلَى مَنهَجِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ.
وَمَن تَرَكَ شَيئًا لِلهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنهُ؛ فَمَن تَرَكَ دَراهِمَ الرِّبا لِلهِ، أَو تَرَكَ لَذَّةً مُحَرَّمَةً لِلهِ، أَو تَرَكَ شَهوَةً زائِلَةً لِلهِ، فَلْيَثِق بِأَنَّ اللهَ تَعالى لا يُضِيعُهُ، وَأَنَّ رَحمَتَهُ قَرِيبَةٌ مِنَ المُحسِنِينَ. فَلْيُطِعِ المُؤمِنُ رَبَّهُ، وَلْيَتَّبِع نَبِيَّهُ ﷺ، وَلْيَسأَلِ اللهَ رَحمَتَهُ وَفَضلَهُ وَالثَّباتَ عَلَى الحَقِّ.