مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي فَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبوَابَ الرَّحمَةِ، وَدَلَّهُم عَلَى سُبُلِ النَّجَاةِ، وَجَعَلَ لِمَن أَقبَلَ عَلَيهِ تِجَارَةً لَا تَخسَرُ وَلَا تَبُورُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي رَبَّى أُمَّتَهُ عَلَى رِبحِ الآخِرَةِ، وَزَهَّدَهَا فِي حُطَامِ الدُّنيَا، وَدَعَاهَا إِلَى صَفقَةٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى تَبقَى ثِمَارُهَا يَومَ يَفنَى كُلُّ شَيءٍ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ فِي دُنيَاهُم يَسعَونَ فِي تِجَارَاتٍ كَثِيرَةٍ: مَنهُم مَن يَستَكثِرُ مِنَ المَالِ، وَمَنهُم مَن يَتَطَلَّبُ المَنزِلَ وَالمَركَبَ، وَمَنهُم مَن يَتَزَيَّنُ بِمَتَاعٍ يَزُولُ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَادَى المُؤمِنِينَ بِنِدَاءٍ مُبهِجٍ، وَعَرَضَ عَلَيهِم تِجَارَةً لَا كَسَادَ فِيهَا، وَلَا غُبنَ مَعَهَا، تِجَارَةً تُنجِي مِن عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَتَحمِلُ إِلَى الفَوزِ العَظِيمِ.
أَوَّلًا: نِدَاءٌ رَبَّانِيٌّ إِلَى أَهلِ الإِيمَانِ
يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَل أَدُلُّكُم عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّن عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَموَالِكُم وَأَنفُسِكُم ذَلِكُم خَيرٌ لَّكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ يَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَيُدخِلكُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدنٍ ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ [سورة الصف: 10–12]، فَهَذَا نِدَاءٌ لِعُمُومِ المُؤمِنِينَ، فِيهِ إِعلَانٌ عَن تِجَارَةٍ رَابِحَةٍ، وَفِيهِ تَرغِيبٌ وَتَحرِيضٌ وَتَوجِيهٌ: أَلَا تَفُوتَكُم صَفقَةُ النَّجَاةِ.
ثَانِيًا: مَا هِيَ التِّجَارَةُ الرَّابِحَةُ؟
يَسأَلُ المُؤمِنُ نَفسَهُ: مَا هِيَ هَذِهِ التِّجَارَةُ الَّتِي تَضمَنُ النَّجَاةَ؟ فَيَأتِي الجَوَابُ فِي نَصِّ الآيَاتِ: ﴿تُؤمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ﴾، فَأَصلُ التِّجَارَةِ وَرَأسُ مَالِهَا هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَهُوَ التَّصدِيقُ الجَازِمُ بِالقَلبِ، وَالنُّطقُ بِذَلِكَ بِاللِّسَانِ، فَلَا تَصِحُّ التِّجَارَةُ وَلَا تُقبَلُ الأَعمَالُ إِلَّا بِهَذَا الأَصلِ.
وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ: مِن صَلَاةٍ، وَزَكَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَحَجٍّ، وَصَدَقَةٍ، وَقِرَاءَةِ قُرآنٍ، وَذِكرٍ، وَدُعَاءٍ، إِنَّمَا يَكُونُ مَقبُولًا إِذَا كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الإِيمَانِ؛ فَبِدُونِ الإِيمَانِ لَا تُقبَلُ الأَعمَالُ، وَلَا تُجدِي حَرَكَةٌ، وَلَا تُجزِي تَعَبَاتٌ.
ثَالِثًا: جَزَاءُ التِّجَارَةِ وَثَمَرَتُهَا
ثُمَّ يَأتِي السُّؤَالُ: مَا جَزَاءُ هَذِهِ التِّجَارَةِ؟ فَيَأتِي الجَوَابُ مُعلَنًا فِي كَلَامِ اللهِ: ﴿يَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَيُدخِلكُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدنٍ ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ [سورة الصف: 12]، فَهِيَ صَفقَةٌ تُعطِي أَوَّلًا مَا يَحتَاجُهُ العَبدُ: مَغفِرَةَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ تُعطِيهِ أَعلَى مَا يَتَمَنَّاهُ: دُخُولَ الجَنَّاتِ، وَسُكنَى المَسَاكِنِ الطَّيِّبَةِ فِي جَنَّاتِ عَدنٍ، وَيَكفِي أَنَّ اللهَ سَمَّاهَا الفَوزَ العَظِيمَ.
رَابِعًا: تِجَارَةٌ لَن تَبُورَ لِكُلِّ مُؤمِنٍ
وَهَذِهِ التِّجَارَةُ لَيسَت خَاصَّةً بِطَبَقَةٍ دُونَ طَبَقَةٍ، بَل هِيَ لِأَهلِ الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ جَمِيعًا: كَبِيرًا كَانَ أَو صَغِيرًا، ذَكَرًا كَانَ أَو أُنثَى، فَكُلُّ مَن صَدَقَ مَعَ اللهِ وَبَاعَ نَفسَهُ لِلآخِرَةِ فَقَد دَخَلَ فِي سِلكِ أَهلِ الرِّبحِ.
وَقَد بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى وَجهًا آخَرَ لِهَذِهِ التِّجَارَةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقنَاهُم سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُم أُجُورَهُم وَيَزِيدَهُم مِن فَضلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [سورة فاطر: 29–30]، فَهِيَ تِجَارَةٌ مَبنِيَّةٌ عَلَى تِلَاوَةِ الكِتَابِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَالإِنفَاقِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَهِيَ تِجَارَةٌ لا كَسَادَ لَهَا؛ لِأَنَّ رَبَّهَا غَفُورٌ شَكُورٌ.
خَامِسًا: سَابِقَةُ الصَّالِحِينَ وَصِدقُ المُوَافَقَةِ
وَقَد تَعَلَّقَ بِهَذِهِ التِّجَارَةِ الصَّالِحُونَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَتَسَابَقُوا إِلَيهَا وَتَسَارَعُوا، فَرَبِحُوا رِبحًا عَظِيمًا، وَصَدَقَت فِيهِم كَلِمَةُ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِّنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: 23]، فَالصِّدقُ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ هُوَ رُوحُهَا، وَالثَّبَاتُ عَلَيهَا هُوَ حِفظُهَا، وَالمُبَادَرَةُ إِلَيهَا هِيَ مِفتَاحُ رِبحِهَا.
سَادِسًا: تَربِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رِبحِ الآخِرَةِ
وَمَا أَعظَمَهَا مِن تِجَارَةٍ نُرَبِّي أَنفُسَنَا وَأَهلِينَا عَلَيهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرَبِّي أَصحَابَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَيُعَلِّقُهُم بِالآخِرَةِ وَمَا فِيهَا، وَيُزَهِّدُهُم فِي الدُّنيَا وَحُطَامِهَا، وَمِن كَلِمَاتِهِ الَّتِي فَتَحَت أَبوَابَ السَّبقِ لِأَصحَابِهِ قَولُهُ ﷺ: «مَن يَشتَرِي بِئرَ رُومَةَ وَلَهُ الجَنَّةُ؟» رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَقَولُهُ ﷺ: «مَن يُجَهِّزُ جَيشَ العُسرَةِ وَلَهُ الجَنَّةُ؟».
سَابِعًا: نَمَاذِجُ مِن رِبحِ التجارة
وَبِئرُ رُومَةَ بِئرٌ عَظِيمٌ شِمَالِيَّ مَسجِدِ القِبلَتَينِ بِوَادِي العَقِيقِ، مَاؤُهُ عَذبٌ لَطِيفٌ فِي غَايَةِ العُذُوبَةِ، وَقَد كَانَت لِيَهُودِيٍّ يَبِيعُ المُسلِمِينَ مَاءَهَا، فَاشتَرَاهَا سَيِّدُنَا عُثمَانُ بنُ عَفَّانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِعِشرِينَ أَلفِ دِرهَمٍ، ثُمَّ جَعَلَهَا عَامَّةً لِلمُسلِمِينَ، وَهِيَ مَعرُوفَةٌ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَسَمَّاهَا كَثِيرٌ مِنَ العَامَّةِ «بِئرَ الجَنَّةِ» لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى شِرَائِهَا مِنَ الوَعدِ العَظِيمِ.
وَأَمَّا تَجهِيزُ جَيشِ العُسرَةِ، فَقَد رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن عَبدِ الرَّحمٰنِ بنِ خَبَّابٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَثَّ عَلَى جَيشِ العُسرَةِ، فَقَالَ عُثمَانُ: عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحلَاسِهَا وَأَقتَابِهَا، ثُمَّ حَثَّ فَقَالَ عُثمَانُ: عَلَيَّ مِائَةٌ أُخرَى بِأَحلَاسِهَا وَأَقتَابِهَا، قَالَ السُّلَمِيُّ: فَرَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا: «مَا عَلَى عُثمَانَ مَا عَمِلَ بَعدَ هَذَا»، فَهَذَا رِبحُ الصَّادِقِينَ، وَثَمَرَةُ مَن بَاعَ مَالَهُ وَنَفسَهُ لِرِضَا اللهِ.
ثَامِنًا: كُونُوا مِنَ السَّابِقِينَ فِي التِّجَارَةِ
فَكُونُوا نِعمَ المُستَجِيبِينَ لِنِدَاءِ رَبِّكُم، وَكُونُوا مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى التِّجَارَةِ مَعَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكُونُوا مُنِيبِينَ مُستَغفِرِينَ، رُكَّعًا سُجَّدًا، تَستَكثِرُونَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَتَتَحَرَّونَ الإِخلَاصَ فِي القَولِ وَالعَمَلِ، فَإِنَّ أَربَاحَ الآخِرَةِ لَا تُنَالُ بِتَشَهٍّ، وَلَا تُدرَكُ بِتَمَنٍّ، وَلَكِنَّهَا تُدرَكُ بِصِدقِ الإِيمَانِ وَحُسنِ الِاتِّبَاعِ وَدَوَامِ الإِقبَالِ عَلَى اللهِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَهَذِهِ هِيَ التِّجَارَةُ الرَّابِحَةُ الَّتِي أَعلَنَهَا رَبُّنَا لِلمُؤمِنِينَ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى النَّجَاةِ وَالفَوزِ العَظِيمِ: إِيمَانٌ صَادِقٌ، وَعَمَلٌ مُخلِصٌ، وَسَعيٌ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَمُسَابَقَةٌ إِلَى الخَيرِ، فَمَن دَخَلَ هَذِهِ الصَّفقَةَ رَبِحَ، وَمَن أَعرَضَ عَنهَا خَسِرَ، وَمَا أَشَدَّ خُسرَانَ مَن بَاعَ الآخِرَةَ بِالدُّنيَا.
اللَّهُمَّ قِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، وَأَجِرنَا مِن عَذَابِ الآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا مُحسِنِينَ مُخلِصِينَ مُطِيعِينَ، أَوَّابِينَ ذَكَّارِينَ لَكَ شَاكِرِينَ.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.