مُقَدِّمَةٌ
مِنَ الأَخطَاءِ الشَّائِعَةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا بَعضُ النَّاسِ أَن يَتَوَهَّمُوا أَنَّ تَغَيُّرَ الأَزمِنَةِ، أَوِ اختِلَافَ الأَشهُرِ، أَو تَقَلُّبَ الأَحوَالِ، قَد يَكُونُ سَبَبًا فِي تَغَيُّرِ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ، وَهٰذَا وَهمٌ بَاطِلٌ لَا أَصلَ لَهُ؛ فَإِنَّ مَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى يَبقَى حَرَامًا فِي كُلِّ وَقتٍ، وَلَا يَتَبَدَّلُ حُكمُهُ بِتَعَاقُبِ الأَيَّامِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِاختِلَافِ التَّوَارِيخِ وَالأَعوَامِ، بَلِ الحُكمُ الشَّرعِيُّ ثَابِتٌ كَمَا أَنزَلَهُ اللهُ تَعَالَى، لَا يَتَحَوَّلُ بِتَحَوُّلِ الزَّمَانِ.
أَوَّلًا: ثَبَاتُ المُحَرَّمَاتِ وَعَدَمُ ارتِبَاطِهَا بِالأَزمِنَةِ
فَالقَتلُ حَرَامٌ فِي أَوَّلِ الشَّهرِ، وَفِي وَسَطِهِ، وَفِي آخِرِهِ، لَا فَرقَ فِي ذٰلِكَ بَينَ زَمَنٍ وَزَمَنٍ. وَالزِّنَى حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الشُّهُورِ وَالأَيَّامِ، فَلَا يَصِيرُ مُبَاحًا بِاختِلَافِ التَّارِيخِ، وَلَا بِتَغَيُّرِ التَّقوِيمِ. وَالخَمرُ حَرَامٌ فِي سَائِرِ الأَوقَاتِ، لَا يَختَلِفُ حُكمُهُ فِي شَهرٍ عَن شَهرٍ، وَلَا فِي يَومٍ عَن يَومٍ. وَكَذٰلِكَ الكَذِبُ؛ فَهُوَ حَرَامٌ فِي أَوَّلِ الشَّهرِ وَآخِرِهِ، وَفِي اللَّيلِ وَالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ حُكمَ تَحرِيمِهِ ثَابِتٌ لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَتَزَحزَحُ عَن مَوضِعِهِ بِحَالٍ مِنَ الأَحوَالِ.
ثَانِيًا: الكَذِبُ مُحَرَّمٌ عَلَى الإِطلَاقِ جِدًّا وَهَزلًا
وَالكَذِبُ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى حَرَامٌ عَلَى الإِطلَاقِ، وَلَا يُوجَدُ وَقتٌ يَصِيرُ فِيهِ الكَذِبُ حَلَالًا، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى سَبِيلِ الجِدِّ أَم عَلَى سَبِيلِ المِزَاحِ. فَالمُؤمِنُ مَأمُورٌ بِالصِّدقِ فِي أَقوَالِهِ، وَأَفعَالِهِ، وَمُعَامَلَاتِهِ، وَمَنهِيٌّ عَنِ الكَذِبِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ وَأَشكَالِهِ. وَلَيسَ فِي الشَّرعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَذِبَ يُستَحَلُّ بِدَعوَى اللَّطِيفَةِ، أَو يُخَفَّفُ حُكمُهُ بِذَرِيعَةِ المِزَاحِ، بَلِ الوَاجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَصُونَ لِسَانَهُ، وَأَن يُلزِمَ نَفسَهُ الصِّدقَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ.
ثَالِثًا: بُطلَانُ تَسمِيَةِ «الكَذِبِ الأَبيَضِ»
وَمِن هُنَا يُعلَمُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِمَا يُسَمِّيهِ بَعضُ النَّاسِ «الكَذِبَ الأَبيَضَ»؛ فَهٰذِهِ تَسمِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ لِأَمرٍ مُحَرَّمٍ، وَلَا تُغَيِّرُ الأَسمَاءُ حَقَائِقَ الأَشيَاءِ، وَلَا تَرفَعُ عَنهَا أَحكَامَهَا الشَّرعِيَّةَ.
فَالكَذِبُ كَذِبٌ، وَهُوَ مَذمُومٌ شَرعًا، وَمُفسِدٌ لِلأَخلَاقِ، وَمُزَعزِعٌ لِلثِّقَةِ بَينَ النَّاسِ. وَيَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَتَجَنَّبَهُ، وَأَن يُرَبِّيَ نَفسَهُ وَمَن حَولَهُ عَلَى الصِّدقِ، وَالوُضُوحِ، وَالسَّلَامَةِ مِنَ التَّلَوُّنِ فِي الأَلفَاظِ وَالمَعَانِي.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ الأَمرِ أَنَّ المُحَرَّمَاتِ لَا تُصبِحُ حَلَالًا بِتَعَاقُبِ الأَشهُرِ، وَلَا بِتَغَيُّرِ الأَسمَاءِ، وَلَا بِدَعوَى المِزَاحِ وَالتَّخفِيفِ، بَل يَبقَى الحُكمُ الشَّرعِيُّ ثَابِتًا كَمَا أَنزَلَهُ اللهُ تَعَالَى، وَالوَاجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَلزَمَ الصِّدقَ دَائِمًا، وَأَن يَحفَظَ لِسَانَهُ عَنِ الزَّلَلِ وَالكَذِبِ فِي كُلِّ حِينٍ؛ فَإِنَّ صَلَاحَ اللِّسَانِ مِن صَلَاحِ الإِيمَانِ، وَفِي الصِّدقِ نَجَاةُ العَبدِ فِي دِينِهِ وَدُنيَاهُ.