مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الدُّنيَا دَارَ مَمَرٍّ، وَجَعَلَ الآخِرَةَ دَارَ مَقَرٍّ، فَنَبَّهَ العِبَادَ إِلَى حَقِيقَةِ المُقَامِ وَحِكمَةِ الِامتِحَانِ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى﴾ [سورة الضحى: 4]، وَقَالَ: ﴿بَل تُؤثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبقَى﴾ [سورة الأعلى: 16، 17]، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَزهَدِ النَّاسِ فِي الدُّنيَا، وَأَرغَبِهِم فِيمَا عِندَ اللهِ، القَائِلِ لِعُمَرَ: «أَمَا تَرضَى أَن تَكُونَ لَهُمُ الدُّنيَا وَلَنَا الآخِرَةُ»، ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ أَجمَلَ مَا يَتَفَكَّرُ فِيهِ المُؤمِنُ أَن يَعرِفَ لِمَاذَا أُعطِيَ العُمرَ؟ وَلِمَاذَا أُقِيمَ فِي الدُّنيَا؟ وَمَا الغَايَةُ مِن هَذِهِ الحَيَاةِ؟ وَإِنَّ الجَوَابَ المُنِيرَ يَتَجَلَّى فِي أَنَّ الدُّنيَا مَزرَعَةُ الآخِرَةِ، وَأَنَّ العَمَلَ فِيهَا هُوَ سَبَبُ الفَوزِ هُنَاكَ، فَلَولَا الحَيَاةُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا لَمَا نَالَ العَبدُ مَا يُنَالُ فِي دَارِ البَقَاءِ.
أَوَّلًا: عِزُّ الدُّنيَا وَسَعَادَةُ الآخِرَةِ فِي طَاعَةِ اللهِ
لِيُعلَم أَنَّ عِزَّ الدُّنيَا وَسَعَادَةَ الآخِرَةِ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، فَمِن شَأنِ الطَّائِعِينَ أَنَّهُم يُقبِلُونَ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَيَغتَنِمُونَ سَاعَاتِ الحَيَاةِ لِيَتَزَوَّدُوا لِلدَّارِ البَاقِيَةِ؛ لِأَنَّهُم عَلِمُوا أَنَّ الدُّنيَا مَزرَعَةُ الآخِرَةِ، وَأَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ فِيهَا هُوَ رَأسُ المَالِ الَّذِي لَا يَبُورُ، وَالذُّخرُ الَّذِي لَا يَفنَى.
ثَانِيًا: لَا يَشبَعُ المُؤمِنُ مِنَ الحَسَنَاتِ وَلَا يَرضَى بِالتَّقصِيرِ
وَلا يَنبَغِي لِلعَبدِ أَن يَشبَعَ مَهمَا كَثُرَت حَسَنَاتُهُ، بَل يَنبَغِي أَن يَزدَادَ وَيَبذُلَ جُهدَهُ، فَمَن زَرَعَ هُنَا خَيرًا حَصَدَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِنَّمَا حَالُ الإِنسَانِ فِي دُنيَاهُ كَحَالِ زَارِعٍ يَبذُلُ وَيَسقِي وَيَرعَى لِيَحصُلَ عَلَى ثَمَرَةِ زَرعِهِ، فَكَذَلِكَ الدُّنيَا دَارُ عَمَلٍ لَا دَارُ جَزَاءٍ، وَالعَاقِبَةُ إِنَّمَا تُنَالُ بِصِدقِ السَّعيِ وَحُسنِ التَّقدِيمِ.
ثَالِثًا: نَظَرَةٌ تُوَجِّهُ القُلُوبَ لِغَدٍ
وَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَن يَتَفَكَّرُوا فِي مَا يُقَدِّمُونَ لِغَدِهِم، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلتَنظُر نَفسٌ مَّا قَدَّمَت لِغَدٍ﴾ [سورة الحشر: 18]، وَفِي هَذِهِ الآيَةِ حَثٌّ لِلمُؤمِنِينَ عَلَى النَّظَرِ فِي زَادِ الآخِرَةِ، وَأَن يَسأَلَ المَرءُ نَفسَهُ: مَاذَا أَعدَدتُ؟ وَمَاذَا قَدَّمتُ؟ وَمَاذَا سَأَلقَى؟ فَإِنَّ غَدًا هُنَاكَ يَحتَاجُ إِلَى قَلبٍ سَلِيمٍ وَعَمَلٍ مُخلِصٍ، وَإِلَى زَادٍ صَادِقٍ لَا يَنقَطِعُ.
وَقَد بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ خَيرَ زَادٍ لِمَن أَرَادَ الدَّارَ الآخِرَةَ هُوَ التَّقوَى، فَقَالَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى﴾ [سورة البقرة: 197]، فَالتَّقوَى هِيَ رُوحُ الزَّادِ، وَهِيَ جِمَاعُ الطَّاعَةِ، وَهِيَ سَبَبُ القَبُولِ وَرَفعُ الدَّرَجَاتِ.
رَابِعًا: الفَوزُ لِمَن عَرَفَ اللهَ وَآمَنَ وَاستَقَامَ
فَمَن عَرَفَ اللهَ تَعَالَى وَآمَنَ بِرَسُولِهِ ﷺ، وَأَدَّى الوَاجِبَاتِ وَاجتَنَبَ المُحَرَّمَاتِ، فَقَد فَازَ فِي الآخِرَةِ فَوزًا عَظِيمًا، وَأَخَذَ مِن دُنيَاهُ زَادًا كَرِيمًا، وَأَمَّا مَن فَاتَهُ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ، وَمَن مَاتَ مِن غَيرِ أَن يَعرِفَ رَبَّهُ وَيُؤمِنَ بِنَبِيِّهِ ﷺ فَلَيسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّكَدُ وَالعَذَابُ، فَالدُّنيَا مَعبَرٌ، وَالآخِرَةُ هِيَ النِّهَايَةُ، وَالسَّعِيدُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ لِحُسنِ العُبُورِ.
خَامِسًا: الدُّنيَا سَبَبٌ لِإِعمَارِ الآخِرَةِ لَا لِخَرَابِهَا
الدُّنيَا طَرِيقٌ إِلَى الآخِرَةِ، وَسَبِيلٌ لِنَيلِ الجَنَّةِ، فَلَولَا الحَيَاةُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا لَمَا نَالَ العَبدُ مَا يَنَالُ فِي الآخِرَةِ، فَالدُّنيَا سَبَبٌ لِإِعمَارِ الآخِرَةِ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَن تَكُونَ، لَا أَن تَصِيرَ سَبَبًا فِي خَرَابِ الآخِرَةِ، فَمَن جَعَلَهَا مَطِيَّةً لِلطَّاعَةِ رَبِحَ، وَمَن جَعَلَهَا مَسرَحًا لِلغَفلَةِ خَسِرَ.
وَقَد قِيلَ: مَن أَحَبَّ دُنيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَن أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبقَى عَلَى مَا يَفنَى، وَقَدِّمُوا البَاقِي عَلَى الزَّائِلِ، فَمَن جَدَّ فِي الطَّاعَةِ فَازَ بِالثَّوَابِ، وَمَن أَغرَقَ نَفسَهُ فِي التَّهَاوُنِ وَالتَّقصِيرِ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفسَهُ.
سَادِسًا: بُرهَانُ فَنَاءِ الدُّنيَا وَبَقَاءِ الآخِرَةِ
إِنَّ الدُّنيَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، وَكُلُّ مَا فِيهَا يَدُلُّ عَلَى فَنَائِهَا، فَانظُرُوا إِلَى الطَّعَامِ: يَأكُلُهُ الإِنسَانُ شَهِيًّا لَذِيذًا، ثُمَّ بَعدَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ يَصِيرُ شَيئًا تَعَافُهُ النُّفُوسُ، فَهَكَذَا هِيَ لَذَّاتُهَا، تَبدَأُ بَرَّاقَةً ثُمَّ تَذهَبُ، وَتَتَحَوَّلُ وَتَنقَطِعُ، وَأَمَّا الآخِرَةُ فَمُقبِلَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَفنَى وَلَا تَزُولُ، وَالفَطِنُ الكَيِّسُ مَن عَمِلَ فِي دُنيَاهُ لِآخِرَتِهِ فَحَازَ رِضَا اللهِ.
وَقَد قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: «ارتَحَلَتِ الدُّنيَا وَهِيَ مُدبِرَةٌ، وَارتَحَلَتِ الآخِرَةُ وَهِيَ مُقبِلَةٌ، فَكُونُوا مِن أَبنَاءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِن أَبنَاءِ الدُّنيَا، اليَومَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ»، وَهُوَ كَلَامٌ يَهُزُّ القُلُوبَ وَيُوقِظُ العُقُولَ، وَيَجعَلُ المَرءَ يَعرِفُ أَنَّ الدُّنيَا تَمضِي وَأَنَّ البَقَاءَ هُنَاكَ.
سَابِعًا: وَعدُ المُتَّقِينَ وَحُسنُ المَآلِ
فَكُونُوا مِن أَبنَاءِ الآخِرَةِ، وَاتَّقُوا رَبَّكُم، فَقَد قَالَ رَبُّنَا عَزَّ مِن قَائِلٍ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوا عِندَ رَبِّهِم جَنَّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضوَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾ [سورة آل عمران: 15]، فَهَذَا هُوَ الفَوزُ الَّذِي لَا يَفنَى، وَهَذَا هُوَ المَآلُ الَّذِي يَستَحِقُّ أَن تُبذَلَ مِن أَجلِهِ السَّاعَاتُ وَالأَعمَالُ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَليَعلَمِ المُؤمِنُ أَنَّ الدُّنيَا مَمَرٌّ وَأَنَّ العَمَلَ فِيهَا هُوَ زَادُ السَّفَرِ إِلَى دَارِ البَقَاءِ، وَأَنَّهُ لَولَا الحَيَاةُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا لَمَا نَالَ العَبدُ مَا يَنَالُ فِي الآخِرَةِ، فَاجعَلُوا أَعمَارَكُم لِلطَّاعَةِ، وَأَوقَاتَكُم لِلتَّزَوُّدِ، وَلا تَغتَرُّوا بِزِينَةٍ تَفنَى، وَآثِرُوا مَا عِندَ اللهِ، فَإِنَّهُ خَيرٌ وَأَبقَى.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ، غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ.
اللَّهُمَّ استُر عَورَاتِنَا، وَآمِن رَوعَاتِنَا، وَاكفِنَا مَا أَهَمَّنَا، وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.