مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ، وَجَعَلَ النُّورَ وَالظُّلُمَاتِ، وَفَضَّلَ بَعضَ الأَزْمِنَةِ عَلَى بَعضٍ، وَجَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ خَيرٍ وَبَرَكَاتٍ، يَتَزَوَّدُونَ فِيهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَيَتَعَرَّضُونَ فِيهَا لِنَفَحَاتِ الرَّحمَاتِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا تُشبِهُ ذَاتُهُ الذَّوَاتِ، وَلَا تُشبِهُ صِفَاتُهُ الصِّفَاتِ، تَعَالَى عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ، وَالأَعضَاءِ وَالأَركَانِ وَالأَدَوَاتِ، لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ السَّادَاتِ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِمَامُ المُتَّقِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ يَومَ عَرَفَةَ مِن أَجَلِّ أَيَّامِ اللهِ، وَمِن أَعظَمِ مَوَاسِمِ الرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ، فِيهِ يَكثُرُ العِتقُ مِنَ النَّارِ، وَفِيهِ يُرجَى قَبُولُ الدُّعَاءِ، وَفِيهِ تَظهَرُ مَعَانِي التَّوحِيدِ وَالخُضُوعِ وَالانكِسَارِ بَينَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى. وَهُوَ يَومٌ يَجتَمِعُ فِيهِ الحُجَّاجُ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ، رَافِعِينَ أَصوَاتَهُم بِالتَّلبِيَةِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَتَتَوَجَّهُ قُلُوبُ المُؤمِنِينَ فِي سَائِرِ البِلَادِ إِلَى اللهِ بِالتَّوبَةِ وَالذِّكرِ وَالدُّعَاءِ، فَمَن فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَلَا يَفُوتَنَّهُ الوُقُوفُ عَلَى بَابِ اللهِ ذُلًّا وَافتِقَارًا، وَمَن بَعُدَ بَدَنُهُ عَن تِلكَ المَشَاعِرِ، فَليقْرُبْ قَلبُهُ بِالتَّوبَةِ وَالإِنَابَةِ وَحُسنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ.
فَضلُ يَومِ عَرَفَةَ
يَومُ عَرَفَةَ يَومٌ عَظَّمَ اللهُ أَمرَهُ، وَرَفَعَ عَلَى الأَيَّامِ قَدرَهُ، وَجَعَلَهُ مِن أَشرَفِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَأَرجَاهَا لِلمَغفِرَةِ وَالعِتقِ مِنَ النَّارِ. وَقَد جَاءَ فِي فَضلِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفضَلُ الأَيَّامِ يَومُ عَرَفَةَ»، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِن يَومٍ أَكثَرَ مِن أَن يُعتِقَ اللهُ فِيهِ عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةَ».
فَهَذَا اليَومُ مَوسِمٌ عَظِيمٌ لِمَن أَرَادَ الفَوزَ بِرَحمَةِ اللهِ، وَمَيدَانٌ لِمَن أَرَادَ أَن يَغسِلَ صَحَائِفَهُ بِدُمُوعِ النَّدَمِ، وَيَفتَحَ صَفحَةً جَدِيدَةً مَعَ رَبِّهِ. وَقَد كَانَ الصَّالِحُونَ يَخَافُونَ أَن تُحرَمَ الأُمَّةُ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِم، فَيَقِفُ أَحَدُهُم فِي مَوسِمِ الرَّحمَةِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّهُم مِن أَجلِي»، وَيَقُولُ آخَرُ: «مَا أَشرَفَهُ مِن مَوقِفٍ لَولَا أَنِّي فِيهِم»، وَهَذَا مِن شِدَّةِ خَوفِهِم وَصِدقِ مُرَاقَبَتِهِم لِلهِ تَعَالَى.
وَمِن فَضلِ هَذَا اليَومِ أَنَّهُ يَومُ إِكمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعمَةِ، فَقَد نَزَلَ فِيهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلَامَ دِينًا﴾، فَكَانَت هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ إِعلَانًا بِتَمَامِ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَتَكمِيلِ شَرِيعَةِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ ﷺ، وَهِيَ نِعمَةٌ تُوجِبُ عَلَى المُؤمِنِ أَن يَثبُتَ عَلَى دِينِهِ، وَأَن يَحفَظَ عَقِيدَتَهُ، وَأَن يَشكُرَ اللهَ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ.
يَومُ عَرَفَةَ وَمَعَانِي التَّوحِيدِ
مِن أَعظَمِ مَا يَظهَرُ فِي يَومِ عَرَفَةَ مَعنَى التَّوحِيدِ، فَالحُجَّاجُ يَرفَعُونَ أَصوَاتَهُم بِالتَّلبِيَةِ قَائِلِينَ: «لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالمُلكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، فَهِيَ كَلِمَاتٌ جَامِعَةٌ فِي تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى، وَإِفرَادِهِ بِالعِبَادَةِ، وَالإِقرَارِ لَهُ بِالمُلكِ وَالحَمدِ وَالنِّعمَةِ، وَنَفيِ الشَّرِيكِ عَنهُ سُبحَانَهُ.
وَالتَّوحِيدُ أَصلُ الدِّينِ وَأَساسُ النَّجَاةِ، وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أَن يَعرِفَ اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَيَعتَقِدَ أَنَّهُ مَوجُودٌ لَيسَ بِمَعدُومٍ، قَدِيمٌ لَيسَ بِحَادِثٍ، بَاقٍ لَا يَطرَأُ عَلَيهِ العَدَمُ، مُخَالِفٌ لِلحَوَادِثِ، لَا شَيءَ يُمَاثِلُهُ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى مَحَلٍّ وَلَا مُخَصِّصٍ، وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفعَالِهِ، لَهُ القُدرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالعِلمُ وَالحَيَاةُ وَالسَّمعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ، وَهُوَ سُبحَانَهُ القَادِرُ المُرِيدُ العَالِمُ الحَيُّ السَّمِيعُ البَصِيرُ المُتَكَلِّمُ.
وَمَعنى التَّوحِيدِ لَيسَ مُجرَّدَ لَفظٍ يُقَالُ بِاللِّسَانِ دُونَ فَهمٍ وَثَبَاتٍ، بَل هُوَ عَقِيدَةٌ تَحمِي القَلبَ مِنَ الزَّيغِ، وَتَصُونُ الدِّينَ مِنَ الفَسَادِ، وَتَجعَلُ المُسلِمَ كَالحِصنِ الَّذِي يَصعُبُ إِفسَادُهُ، فَإِذَا عَرَفَ رَبَّهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَنَزَّهَهُ عَن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، حَفِظَ اللهُ لَهُ دِينَهُ، وَبَصَّرَهُ بِمَوَاطِنِ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.
تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ وَالتَّغَيُّرِ
مِن تَمَامِ التَّوحِيدِ أَن يُعتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾، فَلَا يَجُوزُ أَن يُنسَبَ إِلَى اللهِ شَيءٌ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، مِن مَكَانٍ، أَو جِهَةٍ، أَو حَرَكَةٍ، أَو سُكُونٍ، أَو انْتِقَالٍ، أَو تَغَيُّرٍ، فَاللهُ خَالِقُ المَكَانِ فَلَا يَحتَاجُ إِلَيهِ، وَخَالِقُ الزَّمَانِ فَلَا يَجْرِي عَلَيهِ، وَكَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ.
وَمِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي قَد يَتَشَبَّثُ بِهَا بَعضُ النَّاسِ عَلَى غَيرِ مَعناها اللَّائِقِ بِاللهِ، مَا وَرَدَ فِي يَومِ عَرَفَةَ أَنَّهُ تَعَالَى «لَيَدنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ»، فَالمُرَادُ بِالدُّنُوِّ هُنَا دُنُوُّ الرَّحمَةِ وَالكَرَامَةِ وَالإِجَابَةِ، لَا دُنُوُّ المَسَافَةِ وَالمَكَانِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَسَافَاتِ وَالجِهَاتِ، وَلَا يَقرُبُ قُربَ الأَجسَامِ، وَلَا يَبعُدُ بُعدَ المَخلُوقِينَ، فَإِنَّ القُربَ وَالبُعدَ بِالمَسَافَةِ مِن خَصَائِصِ الأَجرَامِ وَالأَجسَامِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ النُّزُولِ لَا يُحمَلُ عَلَى نُزُولٍ حِسِّيٍّ مِن عُلُوٍّ إِلَى سُفلٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ وَالانتِقَالِ. وَقَد بَيَّنَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ يُؤمَنُ بِهَا عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، مَعَ الجَزمِ بِأَنَّ ظَاهِرَهَا المُتَعَارَفَ فِي حَقِّنَا غَيرُ مُرَادٍ، وَمِنَ العُلَمَاءِ مَن أَوَّلَ النُّزُولَ بِنُزُولِ رَحمَتِهِ أَو أَمرِهِ أَو مَلَائِكَتِهِ، أَو بِمَعنَى الإِقبَالِ عَلَى الدَّاعِينَ بِالإِجَابَةِ وَاللُّطفِ.
وَالمَقصُودُ مِن ذَلِكَ أَنَّ يَومَ عَرَفَةَ لَيسَ مَوسِمًا لِلدُّعَاءِ وَالذِّكرِ فَقَط، بَل هُوَ مَدرَسَةٌ فِي التَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ؛ فَالمُسلِمُ يَسأَلُ رَبًّا لَا يُشبِهُ الخَلقَ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى إِلَهٍ لَا يَحُدُّهُ مَكَانٌ، وَيَرجُو رَحمَةَ مَن وَسِعَت رَحمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَيُكثِرُ مِن قَولِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، عَالِمًا أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَقتَضِي تَنزِيهَ اللهِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالمَثِيلِ وَالشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ.
خَيرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ
مِن خَصَائِصِ يَومِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَومُ دُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ وَانكِسَارٍ، وَقَد جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَيرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ، وَخَيرُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ»، فَجَمَعَ هَذَا الحَدِيثُ بَينَ فَضلِ الدُّعَاءِ وَأَفضَلِ الذِّكرِ، وَبَيَّنَ أَنَّ أَشرَفَ مَا يُقَالُ فِي هَذَا اليَومِ كَلِمَةُ التَّوحِيدِ.
وَالدُّعَاءُ فِي هَذَا اليَومِ مَرجُوُّ الإِجَابَةِ، فَيَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يُكثِرَ مِن سُؤَالِ اللهِ المَغفِرَةَ وَالعِتقَ مِنَ النَّارِ، وَأَن يَسأَلَهُ الثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ، وَحُسنَ الخَاتِمَةِ، وَأَن يُصلِحَ لَهُ قَلبَهُ وَعَمَلَهُ، وَأَن يَحفَظَهُ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ. وَمِن أَحسَنِ مَا يَلهَجُ بِهِ العَبدُ فِي هَذَا اليَومِ أَن يَقُولَ: «اللَّهُمَّ أَعتِق رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ، وَأَوسِع لِي مِنَ الرِّزقِ الحَلَالِ، وَاصرِف عَنِّي فَسَقَةَ الجِنِّ وَالإِنسِ».
وَلَا يَنبَغِي لِلعَبدِ أَن يَستَثقِلَ الدُّعَاءَ أَو يَستَبعِدَ الإِجَابَةَ، فَإِنَّ اللهَ كَرِيمٌ جَوَادٌ، وَمَغفِرَتُهُ أَوسَعُ مِن ذُنُوبِ العِبَادِ، وَرَحمَتُهُ أَسبَقُ مِن غَضَبِهِ. وَقَد كَانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي يَومِ عَرَفَةَ: إِنَّ أَسوَأَ النَّاسِ حَالًا فِي هَذَا المَوقِفِ مَن يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَا يَغفِرُ لَهُ. فَحَسِّن ظَنَّكَ بِرَبِّكَ، وَصَدِّق وَعدَهُ، وَاجمَع بَينَ الخَوفِ وَالرَّجَاءِ، وَإِيَّاكَ أَن تَغتَرَّ بِعَمَلِكَ أَو تَيأَسَ مِن رَحمَةِ اللهِ.
صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ وَحِفظُ الجَوَارِحِ
مِن أَجلِّ الأَعمَالِ فِي يَومِ عَرَفَةَ لِغَيرِ الحَاجِّ صِيَامُهُ، فَقَد جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي صِيَامِ يَومِ عَرَفَةَ: «أَحتَسِبُ عَلَى اللهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعدَهُ»، وَهَذَا فَضلٌ عَظِيمٌ يَنبَغِي لِمَن قَدَرَ عَلَيهِ أَن يَحرِصَ عَلَيهِ، أَمَّا الحَاجُّ فَلَا يُستَحَبُّ لَهُ صِيَامُهُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ وَالوُقُوفِ وَأَدَاءِ النُّسُكِ.
وَمِن أَسبابِ المَغفِرَةِ فِي هَذَا اليَومِ حِفظُ الجَوَارِحِ عَنِ الحَرَامِ، فَلَا يَجعَلِ العَبدُ يَومَ عَرَفَةَ يَومَ صِيَامِ بَطْنٍ عَنِ الطَّعَامِ فَقَط، بَل يَجعَلُهُ يَومَ صِيَامِ سَمعٍ عَنِ الحَرَامِ، وَبَصَرٍ عَنِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ، وَلِسَانٍ عَنِ الغِيبَةِ وَالكَذِبِ وَالفُحشِ، وَقَلبٍ عَنِ الحِقدِ وَالكِبرِ وَالرِّيَاءِ. وَقَد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي يَومِ عَرَفَةَ: «إِنَّ هَذَا يَومٌ مَن مَلَكَ فِيهِ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ».
فَاحذَرُوا المَعَاصِيَ فِي كُلِّ وَقتٍ، وَخُصُوصًا فِي مَوَاسِمِ الرَّحمَةِ؛ فَإِنَّ المَعصِيَةَ سَبَبُ الحِرمَانِ وَالبُعدِ، وَالطَّاعَةَ سَبَبُ القُربِ وَالقَبُولِ، وَمَن طَمِعَ فِي العِتقِ مِنَ النَّارِ فَليَشتَرِ نَفسَهُ مِنَ اللهِ بِالتَّوبَةِ وَالطَّاعَةِ وَحِفظِ الجَوَارِحِ، وَلْيَكُن صَادِقًا فِي رُجُوعِهِ، مُنكَسِرًا بَينَ يَدَي رَبِّهِ.
المُشَارَكَةُ فِي مَوسِمِ الخَيرِ لِمَن لَم يَحُجَّ
لَمَّا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ حَنِينًا إِلَى بَيتِهِ الحَرَامِ، وَلَم يَكُن كُلُّ أَحَدٍ قَادِرًا عَلَى الحَجِّ فِي كُلِّ عَامٍ، جَعَلَ سُبحَانَهُ أَيَّامَ العَشرِ مَوسِمًا مُشتَرَكًا بَينَ الحُجَّاجِ وَغَيرِهِم، فَمَن عَجَزَ عَنِ الوُصُولِ إِلَى مَكَّةَ وَعَرَفَةَ، فَبَابُ اللهِ مَفتُوحٌ لَهُ فِي بَيتِهِ وَمَسجِدِهِ وَمَوضِعِهِ، وَيَستَطِيعُ أَن يَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِالصَّومِ وَالذِّكرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّوبَةِ وَكَفِّ النَّفسِ عَنِ الحَرَامِ.
مَن فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَليَقُم للهِ بِحَقِّهِ الَّذِي عَرَفَهُ، وَمَن عَجَزَ عَنِ المَبِيتِ بِمُزدَلِفَةَ فَليُبَيِّت عَزمَهُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَمَن لَم يَقدِر عَلَى نَحرِ هَديِهِ بِمِنًى فَليَذبَح هَوَاهُ هُنَا، وَمَن لَم يَصِل إِلَى الحَجَرِ فَليَلِن قَلبُهُ الحَجَرُ، وَمَن بَعُدَ عَن تِلكَ المَشَاعِرِ فَليَقرُب مِن رَبِّهِ بِالتَّوبَةِ وَالإِنَابَةِ.
إِنَّ إِخوَانَنَا الحُجَّاجَ قَد لَبَّوا وَأَحرَمُوا، وَقَصَدُوا البَيتَ الحَرَامَ، وَمَلَؤُوا الفَضَاءَ بِالتَّلبِيَةِ وَالتَّكبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، وَنَحنُ وَإِن لَم نَكُن مَعَهُم فِي المَكَانِ، فَلنَكُن مَعَهُم فِي الإِيمَانِ وَالخُضُوعِ وَالانكِسَارِ، وَلنَرغَب إِلَى اللهِ بِالتَّضَرُّعِ، فَإِنَّهُ سُبحَانَهُ مَعرُوفٌ بِالفَضلِ وَالإِنعَامِ، جَوَادٌ كَرِيمٌ، لَا يُخَيِّبُ مَن دَعَاهُ صَادِقًا مُقبِلًا.
أَحوَالُ الصَّالِحِينَ فِي عَرَفَةَ
كَانَت أَحوَالُ الصَّالِحِينَ فِي مَوسِمِ عَرَفَةَ عَجِيبَةً، فَمِنهُم مَن يَغلِبُ عَلَيهِ الخَوفُ وَالحَيَاءُ، وَمِنهُم مَن يَغلِبُ عَلَيهِ الرَّجَاءُ وَحُسنُ الظَّنِّ بِاللهِ، وَمِنهُم مَن يَجمَعُ بَينَ البُكَاءِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ. فَهَذَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّ أَهلَ المَوقِفِ مِن أَجلِي»، وَذَاكَ يَقُولُ: «مَا أَشرَفَهُ مِن مَوقِفٍ وَأَرجَاهُ لِأَهلِهِ لَولَا أَنِّي فِيهِم»، وَآخَرُ يَبكِي وَيَقُولُ: «وَاسَوءَتَاهُ مِنكَ وَإِن عَفَوتَ».
وَقَد كَانَ بَعضُهُم يَخَافُ أَن لَا يُقبَلَ مِنهُ العَمَلُ، مَعَ اجتِهَادِهِ فِي الطَّاعَةِ، وَبَعضُهُم يَرجُو سَعَةَ رَحمَةِ اللهِ، وَيَعلَمُ أَنَّ المَغفِرَةَ عَلَى اللهِ سَهلَةٌ، فَيَقولُ: لَو أَنَّ هَؤُلَاءِ الخَلقَ سَأَلُوا رَجُلًا دَانِقًا، أَي سُدُسَ دِرهَمٍ، أَكَانَ يَرُدُّهُم؟ فَكَيفَ بِرَبٍّ كَرِيمٍ وَمَغفِرَتُهُ أَوسَعُ وَرَحمَتُهُ أَعظَمُ؟!
وَهَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ المُؤمِنَ لَا يَغتَرُّ بِعَمَلِهِ، وَلَا يَأمَنُ مَكرَ اللهِ، وَلَا يَيأَسُ مِن رَحمَتِهِ، بَل يَسِيرُ إِلَى اللهِ بَينَ خَوفٍ وَرَجَاءٍ، خَائِفًا مِن تَقصِيرِهِ، رَاجِيًا فَضلَ رَبِّهِ، مُستَحيِيًا مِن ذُنُوبِهِ، مُقبِلًا عَلَى التَّوبَةِ، مُحسِنًا الظَّنَّ بِاللهِ تَعَالَى.
مَوعِظَةٌ فِي اغتِنَامِ المَوسِمِ
الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ بِانتِهَازِ الفُرصَةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ العَظِيمَةِ، فَمَا مِنها عِوَضٌ، وَالمُبَادَرَةَ المُبَادَرَةَ قَبلَ هُجُومِ الأَجَلِ، وَقَبلَ أَن يَندَمَ المُفَرِّطُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَقَبلَ أَن يَسأَلَ الرَّجعَةَ لِيَعمَلَ صَالِحًا فَلَا يُجَابَ إِلَى مَا سَأَلَ، وَقَبلَ أَن يَحُولَ المَوتُ بَينَ المُؤَمِّلِ وَبُلُوغِ الأَمَلِ.
يَا مَن مَضَت عَلَيهِ الأَيَّامُ وَهُوَ فِي غَفلَةٍ، أَمَا آنَ لِقَلبِكَ أَن يَلِينَ؟ وَيَا مَن كَثُرَت ذُنُوبُهُ، أَمَا تَستَحيِي مِنَ الكِرَامِ الكَاتِبِينَ؟ وَيَا مَن أَظلَمَ قَلبُهُ، أَمَا آنَ لَهُ أَن يَستَنِيرَ بِذِكرِ اللهِ؟ تَعَرَّض لِنَفَحَاتِ طَاعَةِ مَولَاكَ، فَإِنَّ للهِ فِي أَيَّامِ الدَّهرِ نَفَحَاتٍ يُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ، فَمَن أَصَابَتهُ سَعِدَ بِهَا آخِرَ الدَّهرِ.
قَد أَحرَمَ القَومُ عَنِ الحَلَالِ، فَأَحرِمُوا أَنتُم عَنِ الحَرَامِ، وَمَنَعُوا أَنفُسَهُم مِن بَعضِ الطَّيِّبَاتِ، فَامْنَعُوا أَنفُسَكُم مِن جِيفَةِ الهَوَى وَالمَعصِيَةِ، وَفَارَقُوا لأَجلِ مَولَاهُم أَهلَهُم وَأَوطَانَهُم، فَفَارِقُوا أَنتُم ذُنُوبَكُم وَعَوَائِدَكُم السَّيِّئَةَ، وَقُومُوا إِلَى اللهِ بِقَلبٍ مُنكَسِرٍ، وَدُعَاءٍ صَادِقٍ، وَتَوبَةٍ نَصُوحٍ.
خَاتِمَةٌ
فَيَومُ عَرَفَةَ يَومُ تَوحِيدٍ وَتَنزِيهٍ وَدُعَاءٍ وَرَجَاءٍ، يَومٌ تَظهَرُ فِيهِ عَظَمَةُ هَذَا الدِّينِ، وَسَعَةُ رَحمَةِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَشَرَفُ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ، وَحَاجَةُ العَبدِ إِلَى رَبِّهِ. فَطُوبَى لِمَن اغتَنَمَهُ فِي ذِكرٍ وَدُعَاءٍ وَصِيَامٍ وَتَوبَةٍ وَحِفظِ جَوَارِحَ، وَوَيلٌ لِمَن مَرَّ عَلَيهِ هَذَا المَوسِمُ وَهُوَ مُعرِضٌ غَافِلٌ.
فَاثبُتُوا عَلَى مَجَالِسِ العِلمِ، وَتَعَلَّمُوا مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيكُم مِن أَمرِ دِينِكُم، فَإِنَّ العِلمَ حَيَاةُ القُلُوبِ، وَحِصنُ العَقِيدَةِ، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ. وَأَكثِرُوا فِي هَذَا اليَومِ مِن قَولِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ»، وَاسأَلُوا اللهَ المَغفِرَةَ وَالعِتقَ مِنَ النَّارِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الإِيمَانِ، وَحُسنَ الخِتَامِ، فَإِنَّهُ سُبحَانَهُ أَكرَمُ مَسؤُولٍ، وَأَعظَمُ مَأمُولٍ.