الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي تَنَزَّهَت ذَاتُهُ عَن مُمَاثَلَةِ المَخلُوقَاتِ، وَتَنَزَّهَت صِفَاتُهُ عَن سِمَاتِ الحَوَادِثِ، وَكَانَ سُبحَانَهُ وَلَا شَيءَ غَيرُهُ، وَخَلَقَ المَكَانَ وَالزَّمَانَ وَالعَرشَ وَالسَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، وَهُوَ الغَنِيُّ عَن جَمِيعِ مَا خَلَقَ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُفتَقِرٌ إِلَيهِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي بَلَّغَ التَّوحِيدَ صَافِيًا نَقِيًّا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن سَارَ عَلَى هَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَجَلِّ مَبَاحِثِ العَقِيدَةِ وَأَرفَعِهَا قَدرًا مَعرِفَةُ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى مِن صِفَاتِ الكَمَالِ ، وَمَا يَستَحِيلُ عَلَيهِ مِن صِفَاتِ النَّقصِ وَسِمَاتِ المَخلُوقَاتِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّوحِيدِ مَبنِيَّةٌ عَلَى مَعرِفَةِ الخَالِقِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَتَنزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ.
وَمِن هُنَا تَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ مَا صَدَحَت بِهِ مَنَابِرُ المَملَكَةِ الأُردُنِّيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ فِي خُطبَةِ الجُمُعَةِ المُوَحَّدَةِ؛ إِذ جَاءَ تَقرِيرُ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَإِحَاطَةِ الجِهَاتِ فِي صُلبِ بَيَانِ مَعنَى شَهَادَةِ التَّوحِيدِ وَمَا يَجِبُ اعتِقَادُهُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، لَا فِي سِيَاقِ مَسأَلَةٍ فَرعِيَّةٍ عَارِضَةٍ.
مَا صَدَحَت بِهِ مَنَابِرُ المَملَكَةِ
جَاءَ فِي خُطبَةِ الجُمُعَةِ المُوَحَّدَةِ لِوَزَارَةِ الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ وَالمُقَدَّسَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، بِعُنوَانِ: «الشَّهَادَتَانِ وَمَا يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ مَعرِفَتُهُ مِنَ العَقَائِدِ»، المُؤَرَّخَةِ فِي 11/9/2026م، فِي المَحَاوِرِ المُلزِمَةِ، أَنَّ اللهَ تَعَالَى: «لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ، وَلَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ، مُقَدَّسٌ عَنِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ». وَجَاءَ فِي المَادَّةِ العِلمِيَّةِ المُسَانِدَةِ لِلخُطبَةِ: «مُقَدَّسٌ عَنِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَمُشَابَهَةِ الأَكوَانِ، لَا تُحِيطُهُ الجِهَاتُ».
وَلَا تَقِفُ أَهَمِّيَّةُ هٰذِهِ العِبَارَةِ عِندَ مُجَرَّدِ وُرُودِهَا فِي وَثِيقَةٍ رَسمِيَّةٍ، بَل تَزدَادُ أَهَمِّيَّتُهَا لِكَونِهَا جَاءَت فِي خُطبَةِ جُمُعَةٍ مُوَحَّدَةٍ، وَفِي سِيَاقِ بَيَانِ مَعنَى شَهَادَةِ التَّوحِيدِ وَمَا يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ اعتِقَادُهُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَفِي سِيَاقِ بَيَانِ مَعنَى «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ»، فَكَانَ مَعنَاهَا مِمَّا صَدَحَت بِهِ مَنَابِرُ المَملَكَةِ، وَسَمِعَهُ المُصَلُّونَ فِي مَسَاجِدِهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَمُشَابَهَةِ الأَكوَانِ، وَأَنَّ الجِهَاتِ لَا تُحِيطُ بِهِ.
وَهٰذَا التَّقرِيرُ لَيسَ مَعنًى مُنفَصِلًا عَن سَائِرِ أُصُولِ التَّوحِيدِ، بَل هُوَ مُندَرِجٌ فِيهَا وَمَبنِيٌّ عَلَيهَا؛ إِذ يَقُومُ عَلَى أَصلِ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَعَلَى اعتِقَادِ غِنَاهُ سُبحَانَهُ عَن جَمِيعِ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مَخلُوقٌ لَهُ، مُفتَقِرٌ إِلَيهِ.
القُرآنُ الكَرِيمُ وَأَصلُ التَّنزِيهِ
الأَصلُ الأَعظَمُ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيهِ هٰذِهِ المَسأَلَةُ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾ فَهٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أَجمَعِ آيَاتِ التَّنزِيهِ؛ فَقَد نَفَت عَن اللهِ تَعَالَى مُمَاثَلَةَ كُلِّ شَيءٍ، ثُمَّ أَثبَتَت لَهُ صِفَاتِ الكَمَالِ مِنَ السَّمعِ وَالبَصَرِ، فَجَمَعَت بَينَ التَّنزِيهِ وَالإِثبَاتِ، فَلَا تَعطِيلَ لِصِفَاتِهِ، وَلَا تَشبِيهَ لَهُ بِصِفَاتِ خَلقِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾ فَنَفَى سُبحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ كُفءٌ أَو مَثِيلٌ أَو نَظِيرٌ. وَإِذَا كَانَ المَخلُوقُ يَحتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَشغَلُهُ، وَإِلَى حَيِّزٍ يَتَحَيَّزُ فِيهِ، وَتَحُفُّ بِهِ الجِهَاتُ، وَتَجرِي عَلَيهِ الحُدُودُ وَالمَقَادِيرُ، فَلَيسَ مِنَ التَّنزِيهِ أَن نَجعَلَ هٰذِهِ الخَصَائِصَ نَفسَهَا لِلخَالِقِ الَّذِي قَالَ عَن نَفسِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ (15)﴾؛ فَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى مُفتَقِرٌ إِلَيهِ، وَهُوَ سُبحَانَهُ غَنِيٌّ عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ. وَالمَكَانُ مِن جُملَةِ مَخلُوقَاتِهِ تَعَالَى، أَوجَدَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن؛ فَلَا يَجُوزُ أَن يُوصَفَ الخَالِقُ سُبحَانَهُ بِالِافتِقَارِ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، بَل هُوَ الغَنِيُّ عَنهُم جَمِيعًا، وَهُم جَمِيعًا مُفتَقِرُونَ إِلَيهِ.
السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَحَدِيثُ بَدءِ الخَلقِ
وَمِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي هٰذَا البَابِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي [صَحِيحِهِ] عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ». وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ بِرَقمِ (3191).
وَدَلَالَةُ الحَدِيثِ فِي أَصلِ هٰذِهِ المَسأَلَةِ ظَاهِرَةٌ؛ فَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ» يُثبِتُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ مَوجُودًا أَزَلًا قَبلَ وُجُودِ جَمِيعِ المَخلُوقَاتِ، وَمِن جُملَتِهَا المَكَانُ وَالزَّمَانُ وَالعَرشُ وَالسَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ مَوجُودًا قَبلَ المَكَانِ، ثَبَتَ أَنَّ وُجُودَهُ سُبحَانَهُ لَم يَكُن مُفتَقِرًا إِلَيهِ؛ لِأَنَّ الِافتِقَارَ إِلَى الشَّيءِ يَستَلزِمُ تَوَقُّفَ الوُجُودِ عَلَيهِ، وَهٰذَا مُنتَفٍ بِنَصِّ الحَدِيثِ؛ إِذ كَانَ اللهُ تَعَالَى مَوجُودًا وَلَم يَكُنِ المَكَانُ مَوجُودًا. فَالنَّتِيجَةُ الصَّرِيحَةُ مِن ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِافتِقَارِ إِلَى المَكَانِ، فَلَا يَحتَاجُ إِلَيهِ، وَلَا يَكُونُ المَكَانُ شَرطًا فِي وُجُودِهِ، وَلَا يَحوِيهِ شَيءٌ مِن خَلقِهِ.
فَالمَكَانُ نَفسُهُ مِن جُملَةِ مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى، أَوجَدَهُ سُبحَانَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن، فَكَمَا أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ غَنِيًّا عَنهُ قَبلَ إِيجَادِهِ، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنهُ بَعدَ إِيجَادِهِ؛ إِذ لَا يَتَحَوَّلُ الخَالِقُ بِخَلقِ مَخلُوقٍ مِنَ الغِنَى عَنهُ إِلَى الِافتِقَارِ إِلَيهِ. فَهُوَ سُبحَانَهُ خَالِقُ المَكَانِ وَمُوجِدُهُ، وَالمَكَانُ مُفتَقِرٌ إِلَيهِ، وَلَيسَ هُوَ تَعَالَى مُفتَقِرًا إِلَى المَكَانِ وَلَا إِلَى شَيءٍ مِن سَائِرِ مَخلُوقَاتِهِ.
وَهٰذَا هُوَ المَعنَى الَّذِي قَرَّرَتهُ خُطبَةُ وَزَارَةِ الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ وَالمُقَدَّسَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، وَصَدَحَت بِهِ مَنَابِرُ المَملَكَةِ الأُردُنِّيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ، حِينَ وَصَفَتِ اللهَ تَعَالَى بِأَنَّهُ «مُقَدَّسٌ عَنِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ»؛ فَهٰذِهِ العِبَارَةُ تَقرِيرٌ مُوجَزٌ لِمَا دَلَّ عَلَيهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ مِن أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَابِقٌ فِي الوُجُودِ عَلَى المَكَانِ وَسَائِرِ المَخلُوقَاتِ، غَنِيٌّ عَنهَا، مُنَزَّهٌ عَنِ الِافتِقَارِ إِلَيهَا.
العَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ وَنَفيُ إِحَاطَةِ الجِهَاتِ
وَمِن أَشهَرِ مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ أَهلِ السُّنَّةِ فِي هٰذَا البَابِ قَولُ الإِمَامِ أَبِي جَعفَرٍ الطَّحَاوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي [العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ]: «وَتَعَالَى عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ، وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ، لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ».
وَالمُرَادُ بِـ«المُبتَدَعَاتِ» هُنَا: المَخلُوقَاتُ المُحدَثَاتُ الَّتِي أَوجَدَهَا اللهُ تَعَالَى بَعدَ أَن لَم تَكُن. فَقَد قَرَّرَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ بِهٰذِهِ العِبَارَةِ تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ الحُدُودِ وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ، وَعَن أَن تَحوِيَهُ الجِهَاتُ السِّتُّ كَمَا تَحوِي الأَجسَامَ وَسَائِرَ المَخلُوقَاتِ؛ لِأَنَّ إِحَاطَةَ الجِهَاتِ بِالشَّيءِ مِن خَصَائِصِ المَحدُودِ المُتَحَيِّزِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن خَصَائِصِ الحَوَادِثِ وَصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ.
وَهٰذَا المَعنَى نَفسُهُ أَكَّدَتهُ خُطبَةُ وَزَارَةِ الأَوقَافِ بِعِبَارَةٍ صَرِيحَةٍ لَا لَبسَ فِيهَا: «لَا تُحِيطُهُ الجِهَاتُ». وَهُوَ أَيضًا مَا قَرَّرَتهُ دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ فِي عِدَّةِ فَتَاوَى رَسمِيَّةٍ، مِنهَا الفَتوَى رَقمُ (3334)، إِذ نَقَلَت نَصَّ الإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ نَفسَهُ فِي سِيَاقِ بَيَانِ عَقِيدَةِ التَّنزِيهِ، وَتَقرِيرِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَإِحَاطَةِ الجِهَاتِ.
دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ: المَكَانُ وَالزَّمَانُ مَخلُوقَانِ
وَلَم يَقِفِ التَّقرِيرُ الرَّسمِيُّ فِي المَملَكَةِ عِندَ مَا جَاءَ فِي خُطبَةِ وَزَارَةِ الأَوقَافِ، بَل جَاءَت فَتَاوَى دَائِرَةِ الإِفتَاءِ العَامِّ الأُردُنِّيَّةِ لِتُفَصِّلَ هٰذَا المَعنَى وَتُؤَصِّلَهُ بِالأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ وَالعَقلِيَّةِ.
فَفِي الفَتوَى رَقمِ (3334)، الصَّادِرَةِ بِتَارِيخِ 9/11/2017م، وَالمَعنُونَةِ بِـ«تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنِ الِاتِّصَافِ بِالمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ»، قَرَّرَتِ الدَّائِرَةُ أَنَّ عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ قَائِمَةٌ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، وَأَنَّ مِن مُقتَضَى هٰذَا التَّنزِيهِ نَفيَ اتِّصَافِهِ سُبحَانَهُ بِالمَكَانِ وَالزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِن جُملَةِ مَخلُوقَاتِهِ. وَقَالَت فِي عِبَارَةٍ صَرِيحَةٍ: «وَلَا يَصِحُّ شَرعًا وَلَا عَقلًا أَن يَكُونَ المَخلُوقُ مَكَانًا لِلخَالِقِ».
وَهٰذِهِ العِبَارَةُ تَجمَعُ بَينَ الدَّلِيلِ الشَّرعِيِّ وَالدَّلِيلِ العَقلِيِّ؛ فَالمَكَانُ مَخلُوقٌ، وَالخَالِقُ سُبحَانَهُ غَنِيٌّ عَن خَلقِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُجعَلَ وُجُودُهُ مُفتَقِرًا إِلَى شَيءٍ أَوجَدَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن؛ إِذِ الِافتِقَارُ إِلَى المَخلُوقِ نَقصٌ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ نَقصٍ.
وَزَادَتِ الفَتوَى هٰذَا الأَصلَ بَيَانًا، فَقَرَّرَت أَنَّ العُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ الَّتِي قَد يُوهِمُ ظَاهِرُهَا إِحَاطَةَ السَّمَاءِ بِاللهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ حَملُهَا عَلَى هٰذَا المَعنَى الحِسِّيِّ؛ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن أَن تُحِيطَ بِهِ شَيءٌ مِن مَخلُوقَاتِهِ، وَهُوَ خَالِقُ السَّمَاءِ وَالمَكَانِ وَسَائِرِ العَالَمِ.
الإِفتَاءُ الأُردُنِّيُّ وَسُؤَالُ «أَينَ اللهُ؟»
وَفِي الفَتوَى رَقمِ (3481)، الصَّادِرَةِ بِتَارِيخِ 24/3/2019م، وَالمَعنُونَةِ بِـ«حُكمُ سُؤَالِ: أَينَ اللهُ؟ وَكَيفِيَّةُ الجَوَابِ عَنهُ»، تَنَاوَلَت دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ هٰذِهِ المَسأَلَةَ بِبَيَانٍ وَاضِحٍ، فَقَرَّرَت أَنَّهُ إِذَا سَأَلَ الطِّفلُ: «أَينَ اللهُ؟» فَيُعَلَّمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعظَمُ مِن كُلِّ مَكَانٍ، وَأَنَّهُ لَا يَحوِيهِ شَيءٌ، وَلَا يُشبِهُ شَيئًا مِن مَخلُوقَاتِهِ. وَبَيَّنَت أَنَّ «أَينَ» فِي أَصلِ وَضعِهَا اللُّغَوِيِّ أَدَاةُ استِفهَامٍ عَنِ المَكَانِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُلُولِ فِي الأَمكِنَةِ؛ لِأَنَّهُ سُبحَانَهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَلَا يَكُونُ مُحتَاجًا إِلَى شَيءٍ مِنهُمَا، وَلَا مَحصُورًا فِي شَيءٍ مِن خَلقِهِ.
وَلَم تُغفِلِ الفَتوَى مَا قَد يُستَدَلُّ بِهِ فِي هٰذَا البَابِ مِن حَدِيثِ الجَارِيَةِ، بَل ذَكَرَتهُ، وَنَقَلَت فِي بَيَانِ مَعنَاهُ كَلَامَ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي [شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ]، وَبَيَّنَت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَهمُ الحَدِيثِ عَلَى مَعنَى إِحَاطَةِ السَّمَاءِ بِاللهِ تَعَالَى، أَو كَونِهِ مَحصُورًا فِي جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ؛ فَالسَّمَاءُ مَخلُوقَةٌ لَهُ، وَلَا يُحِيطُ المَخلُوقُ بِخَالِقِهِ. وَقَرَّبَتِ الفَتوَى هٰذَا المَعنَى بِأَنَّ استِقبَالَ المُصَلِّي لِلكَعبَةِ فِي صَلَاتِهِ لَا يَعنِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَحصُورٌ فِي جِهَةِ الكَعبَةِ؛ فَكَذٰلِكَ لَا تُحمَلُ النُّصُوصُ الوَارِدَةُ فِي هٰذَا البَابِ عَلَى مَعنًى يُنَاقِضُ أَصلَ التَّنزِيهِ، وَيَجعَلُ الخَالِقَ سُبحَانَهُ مُحَاطًا بِشَيءٍ مِن مَخلُوقَاتِهِ.
نَفيُ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ
وَفِي الفَتوَى رَقمِ (3485)، الصَّادِرَةِ فِي 2/4/2019م، وَالمَعنُونَةِ بِـ«مَعنَى عِبَارَةِ: اللهُ بَائِنٌ عَن خَلقِهِ»، جَاءَ التَّقرِيرُ أَكثَرَ صَرَاحَةً فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ؛ إِذ نَصَّت دَائِرَةُ الإِفتَاءِ عَلَى أَنَّ «العَقِيدَةَ الإِسلَامِيَّةَ الصَّحِيحَةَ تُوجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَعتَقِدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ». وَبَيَّنَت أَنَّ وَصفَ اللهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ العَالَمِ بِمَسَافَةٍ أَو جِهَةٍ حِسِّيَّةٍ يَستَلزِمُ تَصَوُّرَ التَّحَيُّزِ وَالجِسمِيَّةِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَعَن لَوَازِمِهَا مِنَ الحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالمَسَافَةِ وَالجِهَةِ.
وَبِهٰذَا يَتَّضِحُ أَنَّ قَولَ أَهلِ السُّنَّةِ: «اللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ» لَا يُرَادُ بِهِ نَفيُ وُجُودِهِ سُبحَانَهُ، كَمَا قَد يَتَوَهَّمُ بَعضُ المُعتَرِضِينَ، وَإِنَّمَا المُرَادُ نَفيُ خَصَائِصِ المَخلُوقَاتِ عَنهُ؛ فَوُجُودُهُ تَعَالَى لَيسَ كَوُجُودِ الأَجسَامِ الَّتِي تَفتَقِرُ فِي وُجُودِهَا إِلَى حَيِّزٍ تَشغَلُهُ، وَمَكَانٍ تَستَقِرُّ فِيهِ، وَجِهَةٍ تُنسَبُ إِلَيهَا.
فَنَفيُ المَكَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى هُوَ نَفيٌ لِلِافتِقَارِ إِلَى المَكَانِ، لَا نَفيٌ لِوُجُودِهِ؛ وَنَفيُ الجِهَةِ عَنهُ هُوَ نَفيٌ لِخَصَائِصِ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، لَا نَفيٌ لِصِفَاتِ الكَمَالِ الثَّابِتَةِ لَهُ سُبحَانَهُ. وَبِهٰذَا يَجتَمِعُ التَّنزِيهُ مَعَ الإِثبَاتِ: فَنُثبِتُ للهِ تَعَالَى الوُجُودَ وَصِفَاتِ الكَمَالِ، وَنُنَزِّهُهُ فِي الوَقتِ نَفسِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ وَخَصَائِصِهَا.
لَا يُقَالُ: «مَكَانٌ يَلِيقُ بِاللهِ»
وَمِنَ الشُّبَهِ الَّتِي قَد تُثَارُ فِي هٰذَا البَابِ قَولُ بَعضِهِم: لِمَ لَا يُقَالُ: إِنَّ للهِ تَعَالَى مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ لَهُ سَمعًا وَبَصَرًا يَلِيقَانِ بِجَلَالِهِ؟
وَقَد أَجَابَت دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ عَن هٰذِهِ الشُّبهَةِ فِي الفَتوَى رَقمِ (4020)، الصَّادِرَةِ بِتَارِيخِ 10/11/2025م، فَبَيَّنَت أَنَّ ثَمَّ فَرقًا بَينَ صِفَاتِ المَعَانِي الثَّابِتَةِ للهِ تَعَالَى، كَالعِلمِ وَالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالسَّمعِ وَالبَصَرِ، وَبَينَ المَكَانِ؛ فَالمَكَانُ لَيسَ صِفَةَ كَمَالٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالجِسمِ المَحدُودِ المُتَحَيِّزِ. وَقَرَّرَت أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ يُنَزِّهُونَ اللهَ تَعَالَى عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالجِهَةِ وَالتَّغَيُّرِ وَالحَدِّ.
وَوَجهُ الفَرقِ أَنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ صِفَتَا كَمَالٍ ثَابِتَتَانِ للهِ تَعَالَى بِنَصِّ الوَحيِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فَنُثبِتُهُمَا لَهُ سُبحَانَهُ عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ، مِن غَيرِ تَشبِيهٍ بِسَمعِ المَخلُوقِ وَبَصَرِهِ. أَمَّا المَكَانُ فَلَيسَ صِفَةً أَثبَتَهَا اللهُ تَعَالَى لِنَفسِهِ، وَلَا هُوَ صِفَةَ كَمَالٍ فِي ذَاتِهِ، بَل هُوَ مِن لَوَازِمِ المَخلُوقِ الَّذِي يَشغَلُ حَيِّزًا وَتَحُفُّ بِهِ الجِهَاتُ.
فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ المَكَانِ عَلَى السَّمعِ وَالبَصَرِ؛ لِأَنَّ القِيَاسَ إِنَّمَا يَصِحُّ بَينَ أَمرَينِ يَشتَرِكَانِ فِي وَجهِ الِاعتِبَارِ، وَهٰذَا مَنتَفٍ هُنَا: فَالسَّمعُ وَالبَصَرُ صِفَتَا كَمَالٍ ثَابِتَتَانِ للهِ تَعَالَى، أَمَّا المَكَانُ فَمَخلُوقٌ مِن مَخلُوقَاتِهِ، وَالِافتِقَارُ إِلَيهِ مِن خَصَائِصِ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ.
وَعَلَيهِ؛ فَقَولُ القَائِلِ: «مَكَانٌ يَلِيقُ بِاللهِ» لَا يُشبِهُ قَولَنَا: «سَمعٌ يَلِيقُ بِاللهِ» أَو «بَصَرٌ يَلِيقُ بِاللهِ»؛ لِأَنَّ الأَوَّلَ إِثبَاتٌ لأَمرٍ مِن خَصَائِصِ المَخلُوقَاتِ، وَالثَّانِيَ إِثبَاتٌ لِصِفَاتِ كَمَالٍ ثَابِتَةٍ بِالوَحيِ. وَاللهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفسَهُ مِن صِفَاتِ الكَمَالِ، وَيُنَزَّهُ عَن لَوَازِمِ الأَجسَامِ وَخَصَائِصِ المَخلُوقَاتِ.
مَا نَقَلَهُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي الإِجمَاعِ
وَمِنَ النُّقُولِ المُهِمَّةِ فِي هٰذَا البَابِ مَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ عَبدُ القَاهِرِ البَغدَادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي [الفَرقِ بَينَ الفِرَقِ]، فِي سِيَاقِ بَيَانِ الأُصُولِ الَّتِي اجتَمَعَ عَلَيهَا أَهلُ السُّنَّةِ، إِذ قَالَ: «وَأَجمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ».
وَدَلَالَةُ هٰذَا النَّقلِ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَن إِحَاطَةِ المَكَانِ وَجَرَيَانِ الزَّمَانِ عَلَيهِ لَيسَ قَولًا مُستَحدَثًا، بَل هُوَ مِنَ الأُصُولِ الَّتِي نَقَلَ البَغدَادِيُّ اجتِمَاعَ أَهلِ السُّنَّةِ عَلَيهَا؛ فَاللهُ تَعَالَى خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَمُنَزَّهٌ عَن أَن يَحوِيَهُ مَا خَلَقَ، أَو تَجرِيَ عَلَيهِ أَحكَامُ الحَوَادِثِ.
وَيُؤَيِّدُ هٰذَا المَعنَى مَا قَرَّرَتهُ دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ فِي الفَتوَى رَقمِ (3334)، مِن أَنَّ العُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ الَّتِي قَد يُوهِمُ ظَاهِرُهَا إِحَاطَةَ السَّمَاءِ بِاللهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ حَملُهَا عَلَى هٰذَا المَعنَى الحِسِّيِّ؛ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن أَن يُحِيطَ بِهِ شَيءٌ مِن مَخلُوقَاتِهِ.
فَأَصلُ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَإِحَاطَةِ الجِهَاتِ لَيسَ مَسأَلَةً طَارِئَةً، وَلَا قَولًا حَدِيثَ النَّشأَةِ، بَل هُوَ مَعنًى قَرَّرَهُ أَئِمَّةٌ مِن أَهلِ السُّنَّةِ فِي كُتُبِ الِاعتِقَادِ، وَنَقَلَ بَعضُهُمُ الإِجمَاعَ عَلَيهِ.
«كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ» وَمَا نُقِلَ عَن سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ
وَمِنَ العِبَارَاتِ المَشهُورَةِ فِي بَعضِ كُتُبِ العَقِيدَةِ قَولُهُم: «كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ»، وَمَقصُودُهَا تَقرِيرُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ أَزَلًا قَبلَ خَلقِ المَكَانِ، وَأَنَّ خَلقَهُ لِلمَكَانِ لَم يُحدِث لَهُ حَاجَةً إِلَيهِ.
وَقَد نَقَلَ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي [الفَرقِ بَينَ الفِرَقِ] عَن سَيِّدِنَا عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَولَهُ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ العَرشَ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، لَا مَكَانًا لِذَاتِهِ»، وَنَقَلَ عَنهُ أَيضًا: «قَد كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ».
وأَصل المَعنَى الَّذِي تَدُلُّ عَلَيهِ هٰذِهِ العِبَارَةُ ـ وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ قَبلَ المَكَانِ، غَنِيٌّ عَنهُ ـ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هٰذَا الأَثَرِ؛ لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ».
فَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى مَوجُودًا وَلَم يَكُنِ المَكَانُ وَلَا سَائِرُ المَخلُوقَاتِ مَوجُودَةً، ثَبَتَ أَنَّ وُجُودَهُ سُبحَانَهُ غَيرُ مُفتَقِرٍ إِلَى المَكَانِ؛ إِذِ الِافتِقَارُ إِلَى الشَّيءِ يَستَلزِمُ تَوَقُّفَ الوُجُودِ عَلَيهِ، وَهٰذَا مُنتَفٍ بِنَصِّ الحَدِيثِ. وَمَا كَانَ اللهُ تَعَالَى غَنِيًّا عَنهُ قَبلَ خَلقِهِ، لَا يَصِيرُ بَعدَ خَلقِهِ مُفتَقِرًا إِلَيهِ.
وَقَد دَلَّ القُرآنُ الكَرِيمُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الغَنِيُّ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا سِوَاهُ مُفتَقِرٌ إِلَيهِ، وَقَرَّرَت خُطبَةُ وَزَارَةِ الأَوقَافِ صَرَاحَةً أَنَّهُ «مُقَدَّسٌ عَنِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ»، كَمَا قَرَّرَت دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ أَنَّ المَكَانَ مَخلُوقٌ، وَأَنَّهُ «لَا يَصِحُّ شَرعًا وَلَا عَقلًا أَن يَكُونَ المَخلُوقُ مَكَانًا لِلخَالِقِ».
فَتَظَافَرَت هٰذِهِ الأَدِلَّةُ وَالنُّقُولُ عَلَى تَقرِيرِ مَعنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ المَكَانِ وَمُوجِدُهُ، كَانَ مَوجُودًا قَبلَ خَلقِهِ، وَهُوَ سُبحَانَهُ غَنِيٌّ عَنهُ وَعَن جَمِيعِ مَخلُوقَاتِهِ، مُنَزَّهٌ عَن أَن يَحوِيَهُ مَكَانٌ، أَو تُحِيطَ بِهِ جِهَةٌ، أَو يَفتَقِرَ إِلَى شَيءٍ مِمَّا خَلَقَ.
الدَّلِيلُ العَقلِيُّ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ عَنِ المَكَانِ
وَكَمَا دَلَّ النَّقلُ الصَّحِيحُ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ، فَإِنَّ صَرِيحَ العَقلِ يَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ أَيضًا؛ لِأَنَّ المَكَانَ مِن جُملَةِ مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى، أَوجَدَهُ سُبحَانَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن، وَاللهُ تَعَالَى مَوجُودٌ قَبلَ وُجُودِهِ، غَنِيٌّ عَنهُ وَعَن جَمِيعِ مَخلُوقَاتِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ مَوجُودًا قَبلَ المَكَانِ مِن غَيرِ افتِقَارٍ إِلَيهِ، امتَنَعَ أَن يَصِيرَ بَعدَ خَلقِهِ مُفتَقِرًا إِلَيهِ؛ لِأَنَّ الِافتِقَارَ إِلَى الشَّيءِ يَعنِي تَوَقُّفَ الوُجُودِ عَلَيهِ، وَاللهُ تَعَالَى قَد ثَبَتَ وُجُودُهُ قَبلَ وُجُودِ المَكَانِ. فَلَو كَانَ سُبحَانَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَكَانٍ يَحوِيهِ، أَو حَيِّزٍ يَختَصُّ بِهِ عَلَى نَحوِ اختِصَاصِ الأَجسَامِ بِأَحيَازِهَا، لَكَانَ وُجُودُهُ مُتَوَقِّفًا عَلَى غَيرِهِ، وَالمُتَوَقِّفُ عَلَى غَيرِهِ مُحتَاجٌ إِلَيهِ، وَالِاحتِيَاجُ نَقصٌ، وَكُلُّ نَقصٍ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
وَالعَرشُ وَالسَّمَاءُ وَالأَرضُ وَالمَكَانُ وَسَائِرُ العَالَمِ كُلُّهَا مَخلُوقَاتٌ مُفتَقِرَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي وُجُودِهَا وَبَقَائِهَا، وَهُوَ سُبحَانَهُ غَنِيٌّ عَنهَا جَمِيعًا؛ فَلَا يَحتَاجُ الخَالِقُ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، بَل الخَلقُ كُلُّهُم مُحتَاجُونَ إِلَيهِ.
وَلِهٰذَا قَرَّرَت دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ فِي الفَتوَى رَقمِ (3334): «لَا يَصِحُّ شَرعًا وَلَا عَقلًا أَن يَكُونَ المَخلُوقُ مَكَانًا لِلخَالِقِ».
فَاجتَمَعَ هُنَا دَلِيلُ النَّقلِ مَعَ دَلِيلِ العَقلِ عَلَى نَتِيجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ المَكَانِ، غَنِيٌّ عَنهُ، مُنَزَّهٌ عَن أَن يَحوِيَهُ أَو يَفتَقِرَ إِلَيهِ.
تَنزِيهُ اللهِ عَنِ المَكَانِ لَيسَ نَفيًا لِلصِّفَاتِ
وَمِنَ المُهِمِّ التَّنبِيهُ عَلَى أَنَّ تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ لَا يَستَلزِمُ نَفيَ صِفَاتِهِ، وَلَا يَعنِي تَعطِيلَ النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ؛ بَل مَنهَجُ أَهلِ السُّنَّةِ قَائِمٌ عَلَى الجَمعِ بَينَ الإِثبَاتِ وَالتَّنزِيهِ.
وَقَد جَمَعَ اللهُ تَعَالَى بَينَ هٰذَينِ الأَصلَينِ فِي قَولِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾؛ فَقَولُهُ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ أَصلٌ فِي التَّنزِيهِ وَنَفيِ المُشَابَهَةِ، وَقَولُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أَصلٌ فِي إِثبَاتِ صِفَاتِ الكَمَالِ.
فَنُثبِتُ للهِ تَعَالَى مَا أَثبَتَهُ لِنَفسِهِ مِن صِفَاتِ الكَمَالِ عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ، مِن غَيرِ تَشبِيهٍ وَلَا تَمثِيلٍ؛ فَهُوَ سَمِيعٌ لَا كَسَمعِنَا، وَبَصِيرٌ لَا كَبَصَرِنَا، وَعَلِيمٌ لَا كَعِلمِنَا، وَقَدِيرٌ لَا كَقُدرَتِنَا، وَحَيٌّ لَا كَحَيَاتِنَا.
وَفِي المُقَابِلِ نُنَزِّهُهُ سُبحَانَهُ عَن خَصَائِصِ الأَجسَامِ وَلَوَازِمِ المَخلُوقَاتِ، مِنَ التَّحَيُّزِ وَالحَدِّ وَالمَكَانِ وَالمَسَافَةِ وَالِافتِقَارِ؛ لِأَنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا مِن سِمَاتِ الحَوَادِثِ المَخلُوقَةِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن مُشَابَهَةِ شَيءٍ مِنهَا.
فَالطَّرِيقُ الصَّحِيحُ لَيسَ فِي نَفيِ الصِّفَاتِ، وَلَا فِي حَملِهَا عَلَى خَصَائِصِ المَخلُوقِينَ، بَل فِي إِثبَاتِ مَا أَثبَتَهُ اللهُ لِنَفسِهِ مَعَ تَنزِيهِهِ عَن كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ.
الأَوقَافُ وَالإِفتَاءُ الأُردُنِّيُّ: مَوقِفٌ وَاحِدٌ فِي عَقِيدَةِ التَّنزِيهِ
وَإِذَا جُمِعَتِ النُّصُوصُ وَالفَتَاوَى المُتَقَدِّمَةُ بَعضُهَا إِلَى بَعضٍ، ظَهَرَ وُضُوحُ المَوقِفِ الَّذِي قَرَّرَتهُ المُؤَسَّسَاتُ الدِّينِيَّةُ الرَّسمِيَّةُ فِي المَملَكَةِ الأُردُنِّيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ فِي هٰذَا البَابِ، وَاتِّسَاقُهُ فِي تَقرِيرِ أَصلِ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَخَصَائِصِ المَخلُوقَاتِ.
فَوَزَارَةُ الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ وَالمُقَدَّسَاتِ الإِسلَامِيَّةِ قَرَّرَت فِي خُطبَةِ الجُمُعَةِ المُوَحَّدَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى «مُقَدَّسٌ عَنِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ»، وَأَنَّهُ «لَا تُحِيطُهُ الجِهَاتُ».
وَدَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ فَصَّلَت هٰذَا المَعنَى فِي عِدَّةِ فَتَاوَى رَسمِيَّةٍ، فَقَرَّرَت أَنَّ المَكَانَ وَالزَّمَانَ مَخلُوقَانِ، وَأَنَّهُ «لَا يَصِحُّ شَرعًا وَلَا عَقلًا أَن يَكُونَ المَخلُوقُ مَكَانًا لِلخَالِقِ»، وَبَيَّنَت أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعظَمُ مِن كُلِّ مَكَانٍ، وَلَا يَحوِيهِ شَيءٌ، وَأَنَّهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ.
كَمَا نَصَّت عَلَى أَنَّ العَقِيدَةَ الإِسلَامِيَّةَ الصَّحِيحَةَ تُوجِبُ عَلَى المُسلِمِ تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ، وَقَرَّرَت فِي فَتوًى أُخرَى أَنَّهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالجِهَةِ وَالحَدِّ، وَأَنَّ المَكَانَ لَيسَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تُثبَتُ لَهُ تَعَالَى.
فَتَكَامَلَ فِي هٰذَا البَابِ خِطَابُ وَزَارَةِ الأَوقَافِ مَعَ تَقرِيرَاتِ دَائِرَةِ الإِفتَاءِ العَامِّ، عَلَى أَصلٍ وَاحِدٍ: تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَعَنِ الِافتِقَارِ إِلَى المَكَانِ، وَعَن إِحَاطَةِ الجِهَاتِ بِهِ. وَبِهٰذَا المَعنَى صَدَحَت مَنَابِرُ المَملَكَةِ الأُردُنِّيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ.
وَلِلرُّجُوعِ إِلَى المَصَادِرِ الرَّسمِيَّةِ: جَاءَ تَقرِيرُ هٰذَا المَعنَى فِي خُطبَةِ الجُمُعَةِ المُوَحَّدَةِ الصَّادِرَةِ عَن وَزَارَةِ الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ وَالمُقَدَّسَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، بِعُنوَانِ: «الشَّهَادَتَانِ وَمَا يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ مَعرِفَتُهُ مِنَ العَقَائِدِ»، المُؤَرَّخَةِ فِي 11/9/2026م، كَمَا فَصَّلَتهُ دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ فِي الفَتوَى رَقمِ (3334) بِعُنوَانِ: «تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنِ الِاتِّصَافِ بِالمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ»، وَالفَتوَى رَقمِ (3481) بِعُنوَانِ: «حُكمُ سُؤَالِ: أَينَ اللهُ؟ وَكَيفِيَّةُ الجَوَابِ عَنهُ»، وَالفَتوَى رَقمِ (3485) بِعُنوَانِ: «مَعنَى عِبَارَةِ: اللهُ بَائِنٌ عَن خَلقِهِ»، وَالفَتوَى رَقمِ (4020)، الَّتِي بَيَّنَت بُطلان قِيَاسِ أَلفَاظِ الأَعضَاءِ وَالجَوَارِحِ وَلَوَازِمِ الأَجسَامِ عَلَى الصِّفَاتِ الإِلٰهِيَّةِ، وَقَرَّرَت تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالمَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَدِّ.
الخُلَاصَةُ
إِنَّ تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ لَيسَ شِعَارًا مَذهَبِيًّا مُجَرَّدًا، وَلَا قَولًا مُستَحدَثًا وُلِدَ فِي عُصُورٍ مُتَأَخِّرَةٍ بِلَا أَصلٍ؛ بَل هُوَ مَعنًى مُندَرِجٌ فِي أَصلِ التَّنزِيهِ الَّذِي قَرَّرَهُ القُرآنُ الكَرِيمُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ».
فَاللهُ تَعَالَى كَانَ مَوجُودًا قَبلَ وُجُودِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالعَرشِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَسَائِرِ المَخلُوقَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ وُجُودَهُ سُبحَانَهُ غَيرُ مُفتَقِرٍ إِلَى شَيءٍ مِنهَا، وَأَنَّ مَا كَانَ غَنِيًّا عَنهُ قَبلَ خَلقِهِ لَا يَصِيرُ بَعدَ خَلقِهِ مُفتَقِرًا إِلَيهِ.
وَهُوَ أَيضًا مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةٌ مِن أَهلِ السُّنَّةِ فِي كُتُبِ الِاعتِقَادِ؛ فَنَزَّهُوا اللهَ تَعَالَى عَن أَن يَحوِيَهُ مَكَانٌ، أَو تُحِيطَ بِهِ الجِهَاتُ، أَو تَلحَقَهُ خَصَائِصُ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ صَرِيحُ العَقلِ أَيضًا؛ فَالمَكَانُ مَخلُوقٌ مِن مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَالخَالِقُ غَنِيٌّ عَن مَخلُوقِهِ، وَالِافتِقَارُ إِلَى الشَّيءِ يَعنِي تَوَقُّفَ الوُجُودِ عَلَيهِ، وَاللهُ تَعَالَى مَوجُودٌ قَبلَ المَكَانِ، فَامتَنَعَ أَن يَكُونَ وُجُودُهُ مُتَوَقِّفًا عَلَيهِ أَو مُفتَقِرًا إِلَيهِ.
وَهٰذَا هُوَ المَعنَى الَّذِي فَصَّلَتهُ دَائِرَةُ الإِفتَاءِ العَامُّ الأُردُنِّيَّةُ فِي فَتَاوَاهَا الرَّسمِيَّةِ، فَقَرَّرَت تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالحَدِّ، وَبَيَّنَت أَنَّ المَكَانَ مَخلُوقٌ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَرعًا وَلَا عَقلًا أَن يَكُونَ المَخلُوقُ مَكَانًا لِلخَالِقِ.
وَهُوَ المَعنَى نَفسُهُ الَّذِي جَاءَ صَرِيحًا فِي خُطبَةِ وَزَارَةِ الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ وَالمُقَدَّسَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، حِينَ قَرَّرَت أَنَّ اللهَ تَعَالَى «مُقَدَّسٌ عَنِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ»، وَأَنَّهُ «لَا تُحِيطُهُ الجِهَاتُ»؛ وَبِهٰذَا المَعنَى صَدَحَت مَنَابِرُ المَملَكَةِ الأُردُنِّيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ.
فَتَظَافَرَ دَلِيلُ القُرآنِ، وَدَلِيلُ السُّنَّةِ، وَنُقُولُ أَئِمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ، وَصَرِيحُ العَقلِ، وَتَقرِيرَاتُ دَائِرَةِ الإِفتَاءِ العَامِّ، وَمَا جَاءَ فِي خُطبَةِ وَزَارَةِ الأَوقَافِ، عَلَى مَعنًى وَاحِدٍ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ المَكَانِ وَمُوجِدُهُ، كَانَ مَوجُودًا قَبلَ خَلقِهِ، وَهُوَ سُبحَانَهُ غَنِيٌّ عَنهُ وَعَن جَمِيعِ مَخلُوقَاتِهِ، مُنَزَّهٌ عَن أَن يَحوِيَهُ مَكَانٌ، أَو تُحِيطَ بِهِ جِهَةٌ، أَو يَلحَقَهُ حَدٌّ، أَو يَفتَقِرَ إِلَى شَيءٍ مِمَّا خَلَقَ.
وَإِذَا اختَلَفَتِ العِبَارَاتُ فِي بَعضِ تَفَاصِيلِ هٰذَا البَابِ، فَإِنَّ الأَصلَ المُحكَمَ الَّذِي يَرجِعُ إِلَيهِ الفَهمُ، وَيَبقَى حَاكِمًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي هٰذَا البَابِ، هُوَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾.
فَنُثبِتُ لَهُ سُبحَانَهُ مَا أَثبَتَهُ لِنَفسِهِ مِن صِفَاتِ الكَمَالِ، وَنُنَزِّهُهُ عَن مُشَابَهَةِ الحَوَادِثِ وَخَصَائِصِ المَخلُوقَاتِ؛ فَهُوَ الوَاحِدُ الأَحَدُ، الفَردُ الصَّمَدُ، لَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا مِثلَ، وَلَا نَظِيرَ، وَهُوَ الغَنِيُّ عَنِ العَرشِ وَالسَّمَاءِ وَالمَكَانِ وَسَائِرِ المَخلُوقَاتِ، وَافتَقَرَت إِلَيهِ جَمِيعُ الكَائِنَاتِ.
فَسُبحَانَ مَن تَقَدَّسَ عَنِ الأَمثَالِ وَالأَندَادِ، وَتَنَزَّهَ عَنِ الحُدُودِ وَالأَبعَادِ، وَجَلَّ عَن أَن تُحِيطَ بِهِ الجِهَاتُ وَالأَمكِنَةُ؛ وَصَدَقَ سُبحَانَهُ إِذ قَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾.